jeudi 23 juillet 2009

عُملة الطّريق



مهداة إلى بلقاسم حارس القلعة المهجورة، ذلك المسرف في الصّمت وتفتيت القلب
الطّريق
سأحدّثكم عن رجل لم يعرف أمّه، ليس فقط لأنّها ماتت أثناء ولادته، ولكن أيضا لأنّ زوجة أبيه مزّقت كلّ صورها فماتت مقتولة مرّّتين. في المرّة الأولى قتلها هو بولادته العسيرة، وفي المرّة الثانية قتلتها زوجة أبيه بتمزيق صورها وحرمانه من معرفة أمّه إلى الأبد. هي حكاية رجل يربطه بالحياة خيط رفيع جدّا هو الحدّ الفاصل بين الحضور والغياب، بين الشجاعة والخوف، بين الأمل واليأس، بين الحكمة والتهوّر، بين الليونة والخشونة، بين الصّدق والكذب. نبت في التخوم الفاصلة بين هذه الثنائيات منذ مجيئه إلى هذا الكون، حيث كانت ولادته في ذات الوقت موتا لأمّه.
كان يبدو للمحيطين به أخرق ومستهترا في تصرّفاته، حتّى أنّ دخوله السّجن لم يفاجئ أحدا. والحقيقة أنّه غذّى هذا الإحساس لدى النّاس، حيث لم تكن ملاحظات المقرّبين منه تثير لديه سوى الاشمئزاز وفي أفضل الأحوال الشفقة عليهم لما تخفيه من نفاق وما ترشح به من انفصام. لذلك كان يلوذ بالصّمت ويصمّ أذنيه معرضا عن تبرير سلوكه. إذ كيف لهم أن يفهموا أنّ من لم يف بدين تخلّد بذمّته لدى مراب ليس ناكث عهود؟ وأنّ من يحترم الحياة الخاصّة لأخته المطلّقة ليس قوّادا؟ ولعلّه كان عاجزا على تفسير سلوكه رغم يقينه بصوابه. كان يحسّ كما لو أنّ هناك حكمة مبهمة تقوده إلى إتيان أفعاله المارقة دون قدرة منه على ضبط نفسه. هو رجل يسعى إلى المال ليس حبّا فيه وإنّما للثّأر منه وممّا سبّبه له من حرمان في طفولته اليتيمة. علاقته بالمال خليط من الاحتقار والانبهار والكرّ والفرّ. علاقة انتهت به في السّجن، إذ لم يستطع الصمود أمام إغراء توزيع الصكوك البنكية يمينا وشمالا في حالة من الدّهشة الطّفولية بانفتاح أبواب الجنّة على مصراعيها بمجرّد أن يخط إمضاء لا يكلّفه شيئا على صفحة من ذلك الكنّش السّحري المسمّى دفتر الصّكوك. سجن يقول أنّه سعى إليه بكامل الحرّية والإرادة، وفيه بايعه السجناء ملكا عليهم وصاروا ينادونه "الشيخ". يوم غادر السّجن كانت فلسفته للحياة قد تشكّلت واكتملت بعدما انكشف له سرّ تلك الحكمة الغامضة التي كانت تقود سلوكه الأخرق قبل دخول السّجن. هناك فهم أنّ المهم ليس طول العمر وإنّما طعمه. فبين أن تمتنع عن الملذّات الحسّية والانفعالات العاطفية القويّة والسّهر وركوب المخاطر من أجل وهم التعمير في الحياة، وبين أن تعيش حياة مكثّفة لا مكان فيها للفراغ ولا للرتابة القاتلة والتّكرار الغبي، حياة قد لا تتجاوز الأربعين حولا ولكنّها مشحونة بالتّجارب الحسّية والرّوحية، فإنّه لم يتردّد لحظة في اختار النّمط الثاني.
في زنزانته، اقتنع بأنّ أسلافنا سكنوا العالم أفضل منّا لأنّهم لم يعرفوا الاستقرار وصرفوا حياتهم في ترحال دائم. كان سحر الاكتشاف يساعدهم على تحمّل ألم الانفصال. كانوا يجوبون الأرض بسهولها وفيافيها وجبالها أحرارا رغم الخوف والكوارث والأوبئة. لم يعرفوا السّجن لأنّه صنيعة الاستقرار. هكذا خلص إلى أنّ المدينة سجن والمنزل سجن والدّولة سجن بكامل مؤسّساتها ومنها النقود، أشرس السّجون وأدهاها، والطريق المرسومة سلفا سجن. فلا معنى للطّريق إذا لم تتشكّل أثناء المسير ولم تكن فضاء للاكتشاف والمغامرة والصّدفة والاندهاش. وحتّى لا تكون مغادرته السّجن مجرّد انتقال من سجن إلى آخر، ولأنّه كان يعرف أن لا شيء ينتظره في البيت سوى ما ألفه  من استقرار مميت، ولأنّه لا يريد لحياته أن تقتصر على مجرّد الوظائف البيولوجية، فقد عقد "السّجين الحر"، كما كان يحلو له أن يعرّف نفسه داخل السّجن، العزم على إعطاء معنى لحياته. ومن أمام بوّابة السّجن، انطلق يوم سراحه في تنفيذ حلمه دون إضاعة لحظة واحدة. من هناك قطع أولى خطوات دورته حول العالم على القدمين. كان مصمّما على التقدّم إلى الأمام دون التفات. فلا شيء يبرّر الرّجوع على الأعقاب. لا التثبّت من أمر ما ولا استرجاع تفصيل ولا الحنين ولا الحرص على تأمين الخطوات القادمة. ما أروع أن تكون كل خطوة جديدة في المسير دخولا لمجال جديد لم تعرفه من قبل. غادر هذه الحياة المنمّطة التي يحياها النّاس كالنعاج، وذهب لاكتشاف العالم وتنوّعه من أجل أن يعيش كل يوم تجربة جديدة ويعرف أناسا جددا، ويربك بصره بالمناظر المدهشة ويكرّس فرادته دونما عزلة أو تقوقع ويطلب المصاعب غير عارف إن كان سيهزمها أم أنّها ستصرعه... أليس أفضل من أن يعيش على اليقين بأنّ غدا سيكون نسخة من اليوم والأمس، وهكذا الحال حتّى ينصرم العمر؟

العملة الصّعبة والعملة السّهلة
كانت طفولته أيّاما تتوالى لتتشابه. يُتمٌ مؤثّث بفقر وبرد وحرّ وريح وجوع وخوف وسؤال ملحاح: "لماذا يمتنع الحاكم عن طبع ما يكفي من الأوراق المالية ليوزّعها على رعاياه فيقضي على الفقر في رمشة عين ولا يبقى بينهم محتاج؟". سؤال ترسّخ في ذهنه كالحقيقة حتّى أنّ حديث أستاذ علم الاقتصاد بالثّانوية عن التضخّم المالي لم يجد نفعا في إسقاطه وبيان عدم وجاهته.
ذات يوم خلاص تزعزعت ثقة يتيم الأم في جميع مصادر أمانه دفعة واحدة، في الله وفي الزّعيم وفي والده. سمع والده يبوح لزوجته بأنّ "الورقة جات بيضاء" وذلك معناه بلغة عمّال المناجم أنّ بطاقة الأجر لا مال فيها. أمّا في وعيه الطّفولي فمعناه أنّ يوم الخلاص تحوّل إلى يوم ورطة. ولمّا همّ بدخول المطبخ اعترضه والده يغادره دامع العينين. تملّكه الإحساس بأنّ بيتهم صار بلا سقف فهرع إلى نقوده المزيّفة التي يستعملها في درس الحساب ليختلي بها ويسحب منها ورقة راح يتأمّل صورة الزعيم فيها واثقة حكيمة وهادئة. ثمّ سأل الزّعيم أن ينقذ والده فورا. كان متأكّدا من قدرة الزّعيم، لو أراد، على تحويل النّقود المزيّفة إلى نقود حقيقية، ومن قدرته على إدخال يده في جيب سترته الأنيقة المرسومة على الورقة النّقدية ليمدّه بحزمة من الأوراق المالية الحقيقية. لكنّ الزّعيم خذله. وتكرّرت خلواته دون جدوى مع صورة الزّعيم الصمّاء مخلّفة لديه حنقا على الزّعيم وعلى المال. ولم يفهم كيف يتخلّى عنه الله ولا يستجيب لتوسّلاته بأن يأمر الزّعيم بإدخال يده في جيب وسترته ليمدّه بحزمة من المال. في سنوات الطّفولة تلك، كوّن مفهومه الخاص للعملة الصّعبة باعتبارها تلك العملة المستعصية على اليتامى وعمّال المناجم وليست تلك العملة التي يأتي بها المهاجرون والسياح ويصرفونها على ملذّاتهم بكلّ سهولة.




لمّا التحق بالوظيف، سلّموه كنّشا سحريا يسمّى "دفتر الصّكوك". وأفهموه أنّ الصّكوك نقود لها نفس قيمة الأوراق النقدية الحاملة لصورة الزّعيم. ولمّا تأمّلها ولم يجد فيها صورة الزّعيم، أحسّ بالارتياح من غياب ذلك الخائن الذي كم خذله في طفولته. وهاهي الصّكوك العذراء تهبه نفسها كحوريات الحلم أو كأنهار الجنّة، يكفي أن يقتطع صفحة ويمضيها بعد أن يدوّن عليها المبلغ الذي يريد حتّى يحصل على أي بضاعة يطلبها. لمّا أمضى أوّل صكّ، وتسلّم البضاعة استحضر صورة الزّعيم في ذهنه ومدّ له إصبعه الوسطى. ومن يومها انقلبت حياته بعد أن صارت السّعادة على مرمى صك. راح يختار بضاعة ويمضي صكوك ضمان يسلّمها للبائع، يتسلّم نصف ثمن البضاعة نقدا حيا يلهب الجيب والقلب من شخص ثان يرافقه إلى المحل التّجاري ليتسلّم البضاعة بدلا عنه. ويطير إلى الخمّارة القذرة، حيث السّعادة رابضة بانتظاره على طاولة عرجاء في جوف الحانة الظلماء كذكرى أمّه والعطنة كزوجة أبيه. يجلس قبالة الباب ويسحب من جيبه قطع النّقود المعدنيّة فيبسطها على الطّاولة. بعدما يشرب الكأس الأولى يلوّح القطعة الأولى بيده في الهواء عبر الباب مترصّدا لمعان المعدن عند تقاطعه مع شعاع الشّمس. وما إن يحصل ذلك حتّى يصيح منتشيا "في التراب ولا في كروش أولاد الكلاب". وما هي إلاّ لحظات حتّى يلتفّ حوله النّدامى مشكّلين مجلسا خمريا كبيرا يصغي في انتباه إلى فلسفة "الشيخ" حول مفهومي "العملة الصعبة" الحاملة لصورة الزّعيم والعصيّة على عمّال المنجم و"العملة السّهلة" المطهّرة من صورة الزّعيم. وأتاح توسّع دائرة النّدامى معرفة أنواع أخرى من العملة السّهلة والعملة الصّعبة حيث نجد في الصنف الأوّل عملة الوسطاء والسّماسرة والمرتشين والمراهنين وكتّاب التّعاويذ ومزيّفي العملة بالماسح الإلكتروني والآلة الطّابعة وفي الصّنف الثّاني عملة الحارقين والمهرّبين والبنّائين والعتّالين والعاطلين عن العمل ممّن يربّون الأمل.

جلال الرّويسي
منّوبة في 23 جويلية 2009

jeudi 9 juillet 2009

لهذا نعترض على تحرير الكتاب المدرسي: وجهة نظر في إطار الاستشارة الوطنيّة الموسّعة حول الكتاب والمطالعة


يشهد قطاع النّشر ببلادنا أزمة حادّة رغم كلّ الإجراءات والحوافز المادّية التي تمنحها الدّولة لهذا القطاع (التّعويض على الورق وعلى الأداء على القيمة المضافة، شراءات وزارات الثقافة والتّربية والتّعليم العالي، المساعدة على نشر الكتاب التّونسي بالخارج من خلال التّخفيضات والتكفّل بكلفة الشّحن وكذا التكفّل بسفر ممثّل أو أكثر عن النّاشرين للمشاركة في معارض الكتب الدّولية بالخارج، الخ). ومن علامات هذه الأزمة انكماش توزيع الكتاب والإقبال عليه ممّا قلّص معدّل السّحب إلى ما يقارب الألف نسخة. وكذلك انتشار ظاهرة النّشر على نفقة المؤلّف الذّي لم يعد يرى نفعا من المرور بناشر لا يؤمّن له التّمويل المسبّق ولا الدّعاية الكافية ولا التّوزيع الواسع.
ولعلّ الاستشارة الوطنيّة الموسّعة حول الكتاب والمطالعة تشكّل فرصة للوقوف المتأنّي على ملامح هذه الأزمة واستشراف سبل تجاوزها، خصوصا في ظل تعدّد الكتابات والندوات التي تناولت هذا الموضوع.[1] ومن اللاّفت للانتباه في هذا السياق عودة بعض الأصوات في أوساط النّاشرين إلى المناداة بوضع حدّ لاحتكار الدّولة لقطاع الكتاب المدرسي وفتحه للقطاع الخاص كحلّ يسمح لقطاع النّشر بتجاوز أزمته المستفحلة.
أوّل ما يتبادر إلى الملاحظة هو أنّ هذه الأصوات تنتمي إلى قطاع النّاشرين دون سواهم من المتدخّلين الآخرين في سلسلة إنتاج الكتاب المدرسي. فلا المربّون ولا لجان التّأليف ولا التّلاميذ ولا الأولياء ولا الوزارة ولا الصحفيون وعلماء التّربية تقدّموا بهذا المقترح أو دعّموه. بمعنى آخر، فإنّ من تقدّم بالمقترح هو صاحب المصلحة الوحيد في موضوع لا يهمّه لوحده، هذا إن كان يهمّه أصلا.
وثاني الملاحظات يتعلّق بحرص أصحاب المقترح على عدم طرحه للنّقاش في الفضاء العمومي منذ البداية (الصّحافة والجمعيات والمنتديات) وإنّما تسويقه أوّلا في كواليس الدّوائر الرّسمية ربحا للموقف الرّسمي ومن ثمّة اختبار حظوظ تبنّيه من خلال توسيع دائرة الدّعاية له شيئا فشيئا وذلك لتجنّب الاصطدام بردود فعل رافضة بقوّة للفكرة.
أمّا ثالث ما نلاحظه فنسوقه في شكل سؤال: ما علاقة قطاع الكتاب المدرسي بأزمة النّشر؟ ولماذا نحشره في أزمة لا تعنيه؟ وهل يعقل أن نحلّ أزمة قطاع ما بتصديرها إلى قطاع آخر لا ناقة له فيها ولا جمل؟ بمعنى آخر، هل يعقل أن نتّخذ من قطاع حسّاس كالكتاب المدرسي كبش فداء لحل أزمة قطاع ليس أقلّ حساسيّة منه وهو قطاع النّشر؟
وعلى فرض أنّ الكتاب المدرسي يعاني صعوبات فهل بإمكان النّاشرين الخواص المساعدة على تجاوزها؟ إنّ الصّعوبة الرّئيسيّة (ولا نقول أزمة) بالنّسبة للكتاب المدرسي تكمن في التّأخير المسجّل في سحب الكتب قبل انطلاق السّنة الدّراسية وتوزيعها على نقاط البيع. فماذا يمكن للناشر أن يقدّم في هذا المجال؟ أليست وظيفة النّاشر اختيار المؤلّف والمخطوط ومن ثمّة تمويل إنتاج الكتاب وهندسة شكله وإخراجه الفنّي وفي مرحلة أخيرة الدّعاية للكتاب لضمان رواجه الواسع؟ فماذا سيبقى للنّاشر أن يفعله للكتاب المدرسي طالما أنّ وزارة التّربية هي التّي تحدّد محتواه وشكله معتمدة على لجان بيداغوجية مختصّة تشتغل وفق ضوابط منهجية لا يفقهها إلاّ أصحاب الاختصاص في البيداغوجيا وعلوم التّربية؟ وهل يحتاج الكتاب المدرسي لعمليّة دعاية وهو الذي يشترى لزوما باعتباره يدخل في المقرّرات الرّسمية؟ أمّا عن مسالك توزيعه فهي قائمة ومعبّدة ومهيكلة في إطار مراكز جهوية للمركز الوطني البيداغوجي تغذّي شبكة وطنية من الكتبيين الخواص تناهز ال6300
نقطة
بيع منتشرة على كامل تراب البلاد
إنّ للكتاب المدرسي وظيفة وخصائص تحتّم بقاءه تحت إشراف الدّولة. فهو أداة تعليميّة بيداغوجية موحّدة بيد الأساتذة والتّلاميذ لا يعقل أن تخضع للمنافسة عند إنتاجها ممّا يفتح الباب لأنواع مختلفة من نفس الأداة تتفاوت من حيث الجودة والإخراج والثّمن وربّما طال الاختلاف المحتوى ذاته. ولقائل أن يقول أنّه بالإمكان التحكّم في هذه الاختلافات عبر وضع كرّاسات شروط دقيقة تضبط المحتوى والشّكل وتعهد بإنجاز كل عنوان حصريّا لصاحب أفضل عرض ممّا يضمن وحدة الشّكل والمضمون وجودتهما. لكنّ هذا لا يجيب على كل الاحترازات. فماذا عن الثّمن والكل يعلم أنّ سعر الكتاب المدرسي المنتج من قبل الدّولة مدعوم بأكثر من 75 بالمائة؟ ألا يخشى من توفّر كتاب جيّد للميسورين وكتاب أقل جودة وربّما رديئا لضعاف الحال؟ وفي صورة اعتماد كرّاس الشّروط، أفلا يتحوّل النّاشر إلى مجرّد مناول
Sous-traitant
منفّذ للإنتاج هو أشبه ما يكون بمنسّق الطّباعة والسّحب والتّوزيع؟ وفي هذه الحالة، لن نأتي بالجديد باعتبار الدّولة تعتمد صيغة المناولة بالنّسبة لأعمال الطّباعة والسّحب وهذا مبرّر نظرا لضغط الوقت وضرورة توفير الكتب قبل العودة المدرسية.
يعتبر النّاشرون أنّ احتكار الدّولة لنشر الكتاب المدرسي.يحرمهم من أكبر سوق نشر في البلاد[2]. لكن لئن كان ذلك صحيحا من وجهة النّظر الاقتصادية البحتة، فإنه لا يحقّ لنا أن نتعاطى مع الكتاب المدرسي بوصفه مجرّد سوق تخضع لآليات العرض والطّلب والمنافسة والأسعار. إنّه قطاع استراتيجي حسّاس تكون الأولويّة فيه للأبعاد السّياسية والاجتماعية والحضارية على حساب الأبعاد الاقتصادية رغم ثقلها. فماذا تراه يحصل لو أنّنا حرّرنا الكتاب المدرسي؟
من وجهة نظر النّاشرين، يعتبر هؤلاء أنّه لا ضير من ارتفاع معقول في مقابل تحسين الجودة، خصوصا وأنّ الوزارة ذاتها تتبنّى سياسة الجودة التي لا يمكن الذّهاب فيها دون تحمّل كلفة إضافية. هذا إذا لم تؤدّ المنافسة إلى انخفاض في الأسعار كما حصل في الكتاب شبه المدرسي. ولنا على هذا الكلام عديد التحفّظات، نسوق بعضها في شكل أسئلة: أين تقف حدود المعقولية في ارتفاع الكلفة؟ وما هي الجوانب التي سيشملها تحسين الجودة طالما أنّها لن تشمل المحتوى باعتباره سيظلّ موحّدا للجميع ومحدّدا من طرف الوزارة عبر كرّاس الشّروط ؟ أمّا فيما يتعلّق باحتمال انخفاض الأسعار فهو إذا حصل سيكون مقترنا بتدهور الجودة.
أمّا من وجهة نظرنا، فإنّ تحرير الكتاب المدرسي سيؤدّي إلى اختيارات ينتج عنها مزيد إثقال محفظة التّلميذ التّي ما انفكّ الأطبّاء يحذّرون من خطورة وزنها الحالي على سلامة ظهر التّلميذ الغضّ، وما فتئ الأولياء والمربّون يتذمّرون من أخطارها النّفسية على شهيّة الدّراسة فما بالك بعد التّحرير؟ وفي نفس السّياق يحقّ لنا أن نتخوّف من توسّع ظاهرة الكتب الصّالحة للاستعمال مرّة واحدة
Livres jetables
لأنّها تجمع في نفس الكرّاس الدّروس وما يقابلها من تمارين على التّلميذ إنجازها؟ ولنتصوّر حجم التّبذير المترتّب عن هكذا اختيار على مستوى الاقتصاد العائلي والاقتصاد الوطني. هذا فضلا عن الإضرار بمبدإ التّكافل الاجتماعي المجسّد من خلال التبرّع بالكتب المدرسية المستعملة. إنّ ما نقوله ليس من باب الحكم على النّوايا أو التنبّؤ بالغيب. إنّما ملاحظة ما حصل في مجالات مجاورة كالكتاب شبه المدرسي والتّعليم الخاص والدّروس الخصوصية تحثّنا على الاتّعاظ والحذر. فلنتأمّل ما يحصل من استهتار بجودة التّعليم في أغلب المدارس الحرّة ومن تجاوزات إدارية وإخلالات بيداغوجية بغرض المحافظة على التلاميذ المسجّلين والذين صاروا مجرّد زبائن وحرفاء. وإذا كانت بعض الأخطاء المشينة تتسرّب إلى الكتب المدرسيّة المنتجة من طرف الوزارة تحت إشراف اللّجان البيداغوجية المتخصّصة فكيف سيكون عليه الحال بعد التّحرير في ظلّ التّسابق المحموم الذّي يعطينا طوفان الكتب شبه المدرسيّة صورة دقيقة عن جدّية الناّشرين في المحافظة على جودتها.
وفي هذا المجال، اتّضح عدم الجدوى من إسناد الوزارة لعلامة "مصادق عليه من طرف وزارة التّربية"
Agréé par le ministère de l’éducation
لبعض الكتب شبه المدرسية التي تستجيب لمواصفات تحدّدها الوزارة بنفسها، حيث لم يفد هذا النّظام في فرز الجيّد من الرّديء وفي خلق التوازن الضروري للسّوق. ويؤكّد النّاشرون أنفسهم أنّهم لم يستفيدوا كثيرا من هذا النّظام لأنّ سوق الكتاب شبه المدرسي لا تتفاعل مع مثل هذه الأدوات ولا تتأثّر بها ممّا يفقد الكتب الحاصلة على هذه العلامة أيّ امتياز تنافسي بالقياس للكتب غير الحاصلة على العلامة. وفي السّياق ذاته، يشتكي النّاشرون من منع الوزارة المعلّمين من اعتماد الكتب شبه المدرسيّة حتّى ولو كانت أكثر جودة من الكتب الرّسمية. لكنّه، فضلا عن أنّ الجودة ليست مجرّد تصريح يطلقه صاحب المنتوج على منتوجه، فإنّ الاستجابة لمثل هذا الطّلب قد تؤدّي إلى خلق تكتّلات مصالح بين المعلّمين والناشرين كما يحصل أحيانا بين الطّبيب والصّيدلي.
كما يعتبر المطالبون بتحرير الكتاب المدرسي أنّ ذلك سيفتح الأبواب للمشاركة في طلبات العروض الخاصّة بهذا المجال في الخارج. ولا يخفى ما لذلك من انعكاسات إيجابية على اقتصاد البلاد وموازناته. إنّهم بهذه الحجّة الهشّة (طالما أنّه لا شيء يضمن قدرة ناشرينا على اكتساح مثل هذه الأسواق) يؤكّدون مرّة أخرى أحاديّة رِؤيتهم وانكفائها على المنطق الرّبحي والتّجاري دون سواه. فمجرّد فرضية اكتساح الأسواق الخارجية تبرّر برأيهم المجازفة بما تبقّى لنا من مكاسب تربوية واجتماعية.
وخلاصة القول، نعتقد أنّ اعتماد هذه الحجج في معالجة إشكاليّة النّشر ببلادنا يعتبر تبسيطا تعسّفيا لمسألة مركّبة لها امتدادات ثقافية واجتماعية وحضارية وتكنولوجية. والدّليل أنّ الإجراءات المادّية العديدة التّي اتّخذتها الدّولة إلى حدّ الآن في مجال النّشر لم تؤدّ إلاّ إلى ترسّخ عقلية تواكليّة لدى المنتفعين منها وتجذّر ثقافة الأخذ باليد والمساعدة الأبدية لديهم، حتّى أنّ تكاثر عدد النّاشرين في السّنوات الأخيرة يجيز لنا أن نشكّ في ما إذا كانت ممارسة هذا النّشاط تجابه فعلا صعوبات اقتصادية خانقة. وها أنّ الكتاب المدرسي، هذه الأداة الدّيمقراطية والشعبيّة لتكوين العقل التّونسي في إطار متجانس من العدالة الاجتماعية وتساوي الفرص، يسيل لعاب البعض ممّن لا يرون في أزمة النّشر إلاّ جانب السّوق ورقم المعاملات ونسبة الأرباح، متناسين أنّ أزمة النّشر في بلادنا تضرب بجذورها في أبعاد مهنيّة واجتماعية وحضارية وثقافيّة يمكن تلخيصها في محورين كبيرين:
¨ السياسة الارتجالية لأغلبية دور النّشر والتّسيير "الرّعواني" لهذه المؤسّسات: انعدام لجان القراءة، المراهنة على ما يطلبه الجمهور انطلاقا من وعيه الزّائف وذائقته العرضية ولا من حاجات هذا الجمهور الكامنة بالاعتماد على تحليل ملامحه السوسيولوجية والفكرية، عدم وضوح العلاقة بين الكاتب والنّاشر وانعدام الثّقة بينهما، عدم توفّق أغلب النّاشرين إلى مجاراة التطوّرات التّكنولوجية الحديثة التي تضعهم أمام تحدّيات النّشر الإلكتروني والعمل عن بعد الخ. ودليلنا على ما نقول أنّ بعض الدّور الجادّة نجحت في إصدار عناوين حقّقت انتشارا واسعا حتّى أنّها وصلت في ظرف سنة واحدة إلى الطّبعة السّادسة.
¨ غياب سوق من القرّاء الأوفياء لضعف المطالعة وعدم ترسّخها كتقليد وممارسة واسعة لدى الفرد وفي الأسرة والفضاء العمومي
صحيح أنّ دور النّشر مؤسّسات اقتصادية ربحية وليست مؤسسات ثقافية "خيرية" أو تطوّعية. ولكنّها تنشط في المجال الثّقافي والفكري الذّي يتطلّب الرّبح فيه الاستمرارية وطول النّفس والمراهنة على التميّز والعمق وككلّ نشاط اقتصادي على المجازفة، هذه التي يطالب بها الدّاعون إلى تحرير الكتاب المدرسي الدّولة ولا يمارسونها. ولولا هذا الطّابع الثقافي لنشاط النّشر ما كانت هذه المؤسّسات لتحظى بكل تلك المساعدات والتّسهيلات الممنوحة من الدّولة. لكن مهما يكن من أمر، يجب أن تحافظ المساعدة على طابعها كإجراء تسهيلي وكدعم لنشاط قائم الذّات ولا يمكن أن تتحوّل إلى عماد النّشاط أو شرطه الحيوي.

منّوبة في 10 جويلية 2009
جلال الرّويسي
أستاذ بالمعهد العالي للتّوثيق- جامعة منّوبة
[1] نذكر بالأخصّ كتاب الأستاذ محمّد صالح القادري حول "مهن النّشر وصناعة الكتاب في تونس" الصّادر سنة 2007 عن مركز النّشر الجامعي وكتاب "مذكرفات ناشر" لحسن أحمد جغام الصّادر سنة 2009 عن دار المعارف للطّباعة والنّشر. أمّا في باب النّدوات فنشير إلى ما عقده المركز الإفريقي لتدريب الصحفيين ومعرض تونس الدّولي للكتاب ووزارة الثقافة ومعهد الصحافة واتّحاد النّاشرين
[2] - وصل حجم منشورات المركز الوطني البيداغوجي، بعنوان السّنة الدّراسية 2008-2009، 75 عنوانا موجهة للتعليم الأساسي و127 عنوانا خاصا بالتعليم الثانوي بالإضافة إلى 12 عنوانا جديدا. فيما بلغ الحجم الجملي للسّحب 18 مليون نسخة بمعدّل سحب للعنوان الواحد يجاور ال100 ألف نسخة في حين لا يتجاوز هذا المعدّل بالنّسبة للكتاب الثقافي الألفي نسخة. (انظر المواقع التالية و تمّت زيارتها بتاريخ 09

جويلية 2009:

http://www.moheet.com/show_news.aspx?nid=164761&pg=37 http://www.swa7liyas.com/vb//showthread.php?t=690

jeudi 7 mai 2009

الطالب المنسي في خمسينيّة الجامعة التّونسية

عرس بدون عريس
في غمرة احتفالاتها الرّسميّة جدّا بخمسينيّة الجامعة التونسية، نسيت وزارة التّعليم العالي والبحث العلمي أن تهتمّ، على الأقل بما فيه الكفاية، بالنّواة الأساسية التي ينهض عليها الصّرح الجامعي ألا وهي الطّالب. فكأنّها بذلك أقامت عرسا بدون عريس. وإذا كان من هدية قدّمتها الوزارة للطّلبة فهي إقامة نصب شبيه بمنبر إمام الجمعة في كل مؤسّسة جامعية. نصب قد يساعد المناضلين على مخاطبة زملائهم وهم يقفون على ما يرمز لخمسين سنة من تاريخ جامعتهم. وفي تقديرنا، تمثّل الخمسينية مناسبة للوقوف على ما وصلت إليه جودة الحياة الجامعية من تدهور أصبح السكوت عليه يعني المشاركة في المهزلة
الحياة الجامعية وأزمة المعنى
يتّفق علماء التّربية والبيداغوجيا على أنّ مهمّة المدرسة الابتدائية تتمثّل في تمكين الطّفل من اكتساب مهارات القراءة والحساب والكتابة فيما يكون على التّعليم الثّانوي أن يمكّن التّلميذ من آليات الفهم والتّحليل بينما تكون الجامعة إطارا للنّقد والبحث وإنتاج الأفكار. تعدّ المرحلة الجامعية فترة استثنائية في حياة الفرد. إنّها مرحلة انصهار المكتسبات المعرفية في أتّون السّؤال النّقدي والاختبار الميداني والتأمّل النّظري. وهي كذلك مرحلة اكتمال الشّخصية والاستعداد للاندماج الاجتماعي والمهني. لذلك لا يحق للمجموعة الوطنية في هذه المرحلة أن تقف في منتصف الطّريق فتضيّع ما بذلته من جهود وتضحيات وتخذل نخبها التي هي مفخرتها وتاج رأسها بين الأمم
في الجامعة يجادل الطّلبة أساتذتهم في إطار ميثاق شرف يحفظ للأستاذ حرمته وللطّالب حقّه في السّؤال وللمعرفة سلطتها وللفكر حرّيته. فأين جامعتنا من دعائم هذا الميثاق؟
تعيش الجامعة التّونسية اليوم واقعا تعاظم فيه عدد الطّلبة وتوسّعت فيه الخارطة الجامعية في توالد سرطاني خطير للمؤسّسات والاختصاصات. واقع تراجع فيه الاحتفاء بالّلغة والثّقافة والإنسانيات وضمر فيه الرأسمال الفكري للطّلبة الذّي هو شرط التحاقهم بالجامعة، في مقابل التهافت المحموم على قشور التكنولوجيا واستغلالها لتتفيه الفكر وسلعنة المعارف وتشريع القرصنة ومهننة التعليم العالي دون استيعاب لجوهر تلك التّكنولوجيا ولمبادئ الخلق والتّجديد فيها. إنّه كذلك زمن تراجعت فيه الأنشطة الثقافية الجادّة والمستقلّة والمرافق الاجتماعية حتّى اضمحلّت في أغلب المؤسّسات رغم أنّ السّلطة ما انفكّت تتباهى بإنجازاتها في مجال البنية التّحتية الجامعية
إنّ هذه الإنجازات، وإن كانت حقيقة لا يمكن إنكارها، فإنّها لم ترق على المستوى الكمّي إلى الحدّ الذي يسمح لها باستيعاب العدد الكبير للطّلبة. أمّا على المستوى الكيفي فلم تصاحبها فلسفة تسيير مجدّدة. وهو موضوع هذه الورقة التي تطمح إلى استعراض شروط الاستفادة المثلى من المرافق الجامعية وتثمينها
شروط الاستفادة المثلى من المرافق الجامعية وتثمينها
الرّؤية المتكاملة وغير الانتقائية لهذه المرافق بما يسمح أن يتحوّل المركّب الجامعي إلى مدينة جامعية حقيقية تنبض بالحياة على مدى اليوم والأسبوع بل والسّنة. إذ لا يعقل أن نركّز على الفضاءات التّجارية والرّياضية ونتغافل عن قاعة السينما أو مركز اللّغات أو مكتبة الجامعة. فالمطلوب هو شدّ الطالب إلى الفضاء الجامعي خارج أوقات الدّرس حتّى تتحوّل الجامعة إلى فضائه الحياتي الأوّل دون أن ينعزل عن الفضاء الاجتماعي العام
اندماج الفضاء الجامعي وتكامله من خلال انفتاح مكوّناته على بعضها البعض، حتّى نقطع نهائيا مع مشهد تلك الأسوار العالية والمخجلة التي تحيط بكليات المركّب الجامعي في منّوبة أو المنار، وهي حواجز تفرقع الفضاء الجامعي الواحد وتمزّق أوصاله مدعّمة بأعوان شرطة يعترضونك كل صباح في مداخل الكلّيات فيبادرونك بالتحية والتّرحيب غير منتبهين إلى انقلاب الأوضاع حيث صار الضيف الثقيل يرحّب بصاحب البيت
إتاحة الفرصة أمام الطّلبة لإدارة المرافق الثقافية والرّياضية بأنفسهم حتّى يجرّبوا ويخطئوا ويتداركوا أخطاءهم فيتعلّمون ويتدرّبون على التّسيير الذّاتي والاستقلالية والمواطنة والدّيمقراطية والتعايش مع الآخر. كلّ ذلك في إطار نواد وهياكل منتخبة يصوغون في إطارها المقترحات ويتّخذون المبادرات بما يساعد على تكوين شخصيّة الطّالب كمواطن حرّ ومسؤول. وهذا يعني معاملة الطّلبة بوصفهم راشدين لا قصّر والكفّ عن التذرّع ببعض التّجاوزات أو بتراجع المستوى الثقافي والمعرفي وانكماش روح المبادرة لدى الطّلبة حتّى نبرّر وصاية إداريين انتهازيين وعملة أمّيين على هياكلهم الثقافية والرّياضية، ممّا يعمّق استقالة الطّلبة وعزوفهم عن الانخراط في الشّأن الجماعي العام. وإذا كان لابدّ من تأطير فليس أولى من أساتذتهم لقربهم من الطّلبة ولما يتوفّرون عليه من العفّة الفكرية والقدرة على التّأطير
ربط الأنشطة الجمعياتية والبرامج التّنشيطية بميثاق شرف ومدوّنة سلوك جامعي تنأى بها عن الإسفاف والتّوظيف السّياسي دون وصاية أو تضييق على الخلق والإبداع. وهو ما يعني إتاحة الفرصة للطّلبة حتّى يستفيدوا من المرافق الجامعية بكامل الحرّية والمسؤولية دون إقصاء أو وصاية بما يتيح للفكر أن يتفتّق وللرّؤى أن تتلاقح فلا يصمد منها في النّهاية إلاّ الأفضل
الإيمان المبدئي الصّادق بأنّ الجامعة لا يمكنها أن تعيش دون فكر حرّ والتّصدّي لكلّ من يجرؤ على المساس بهذا المبدأ مهما كان موقعه أو نفوذه. ومن ثمّة لا يمكننا السّكوت عن تلك الكاميراهات المدسوسة في معابر الكليات والإذعان لواقع الأنترنات المعطّب باستمرار والموضوع تحت الرّقابة المشدّدة. ومن ثمّة أيضا لا نرضى بكلّيات مهجورة من الطّلبة باستثناء أنفار أجبرهم الفقر على المكوث بساحاتها في بؤس ظاهر ولامبالاة محيّرة لا يستفزّهم جرس أو خطيب من اليمين أو اليسار ولا يستوقفهم نص سياسي حائطي ولا سبورة إدارية. أليس الحراك المعرفي والثقافي والسّياسي بالجامعة التونسية في سنوات السّبعينات والثّمانينات هو الذّي أعطى تونس، هذه التي صار التشدّق بحبّها أسطوانة مشروخة، نخبها السّياسية والثقافية والجامعية؟؟ فلماذا نخاف من اهتمام الطّالب بالشّأن العام وإبداء رأيه فيه بدل أن نشجّعه على ذلك وننشغل عند عزوفه عنه
تكريس المعرفة بوصفها القيمة الأعلى في الجامعة ومفتاح التفوّق والجدارة. فلا الانتماء الحزبي أو الاجتماعي أو الجهوي ولا الجمال يكفل االنّجاح. لكنّنا نشهد اليوم انتشار ظواهر ومعاملات غريبة عن الأعراف الجامعية وتشجّع على الانتهازية والوصولية والقبول بالابتزاز مثل شراء همم الطّلبة بتراخيص النّقل المجاني وانتشار بدعة "البيزوتاج" وحثّ الطّلبة على طرق أبواب المؤسّسات الاقتصادية لاستجداء المال بعنوان الاستشهار وانتخاب ملكات جمال المؤسّسات الجامعية وتعميم مضخمات أصوات تصمّ آذان الجامعيين بالبذاءة والسّماجة تحت عنوان الإذاعات المحليّة
وعي كلّ من يعمل بالفضاء الجامعي بأنّه في خدمة الطّالب أوّلا وأخيرا ممّا يعني الإنصات إلى هموم هذا الطّالب ومساعدته على حلّ مشاكله، بما يحفظ الحدّ الأدنى من كرامة العيش للطلبة متواضعي الإمكانيات. وفي مقدّمة المعنيين بهذا السّلوك نجد سلطة الإشراف التّي ينتظر منها بذل مجهود أكبر في مجال الخدمات الاجتماعية خاصّة كالتّرفيع في المنحة وتوسيع دائرة المنتفعين بها وتعميم السّكن الجامعي وتحسين الأكلة وتكثيف النّقل والإعفاء من رسوم التّسجيل ومجانية النّسخ المقترحة من الأستاذ وإعطاء الأولوية في الاستفادة من المشاريع الاقتصادية داخل الفضاء الجامعي للمتخرّجين من الجامعة في إطار من الشفافية والمنافسة الشّريفة تكريسا لمبدأ الجامعة لأبنائها من الجامعيين أوّلا، بعيدا عن الاحتكار ومحاباة ذوي القربى وعقلية الرّبح في تسويغ محلاّت الخدمات التّجارية، هذه التّي تبيع منتوجا أردأ ممّا هو متوفّر في السّوق ولكن بأثمان أرفع
إنّنا نؤكّد باستمرار على انخراطنا في "مجتمع المعلومات والمعرفة" القائم على التحكّم في تكنولوجيا المعلومات والاتصال. فهل يجوز لنا ترديد هذا القول وطلاّب جامعاتنا ما زالوا مقصيّين عن هذا المجال؟ فلماذا لا نفكّر في تمكين كلّ حاصل جديد على الباكالوريا بمعدّل يساوي أو يفوق 12 من 20 من حاسوب شخصي؟ ولكم أن تتصوّروا ما سنجنيه من مثل هذا الإجراء. ففضلا عن كونه سيحفز تلاميذنا على مزيد المثابرة ويعيد لباكالوريتنا شيئا من مصداقيتها العلمية فإنّه سيساعدنا على قطع خطوة عملاقة نحو تجسيد الهدف المراد تحقيقه في أفق سنة 2006 والمتمثّل في تأمين 20 بالمائة من الدروس عن بعد. وها قد تجاوزنا تاريخ 2006 بثلاث سنوات دون أن نحقق ربع الهدف المنشود لأنّنا ببساطة لم نمهّد الأرضيّة لذلك. إنّ للتّعليم عن بعد انعكاسات اقتصادية معروفة: اقتصاد في القاعات والتنقّل والاستهلاك العمومي للطاقة ممّا سيسمح بامتصاصّ كلفة الحواسيب الموزّعة.
في الخلط بين حق المعرفة وحق الشّغل
أضرّ ربط التّكوين الجامعي بالتّشغيل كثيرا بوظيفة الجامعة وبمصداقية شهاداتها وبمكانة المعرفة في المجتمع. بل أسّس لظهور قناعة جديدة تتمثّل في أحقية أصحاب الشّهادات الجامعية بالتّشغيل قبل سواهم من العاطلين الذّين ظلمهم المجتمع مرّتين، فلا هم درسوا بالجامعة ولا هم فازوا بالشغل.
إنّ الجامعة فضاء للتّفكير الحر ومخبر لتوليد الأفكار الجديدة. ولن يمكنها أن تلعب مثل هذا الدّور إلاّ متى كانت بمنأى عن الإملاء والتّوجيه وضغوطات التمويل والرقابة السياسية والتّوظيف الإيديولوجي. فالمفروض أن يدرس الطّالب بالجامعة ما يلائم ميوله الفكرية واستعداداته العقلية حتى يتعلّم ما يرغب في تعلّمه دون استلاب أو اغتراب، على ألاّ يطالب المجموعة الوطنية بتشغيله عند تخرّجه وفق ما حصل عليه من شهادات جامعية. فالشّغل وإن كان حقا من حقوق الإنسان لا جدال حوله، إلاّ أنّه يجب أن يتلائم مع حاجيات المجتمع وإلاّ تحوّل إلى عبء ثقيل على ذلك المجتمع. لذلك، فعلى كل متخرّج من الجامعة أن يتعلّم أصول مهنة ما ويتقن قواعدها حتّى تضمن له العمل وهذا ليس من مهام الجامعة وإنّما من مهام مؤسّسات التكوين المهني. وقد يتّفق أن يؤهّل التّكوين الجامعي صاحبه إلى ممارسة مهنية ما، كما هو الحال في مهن التّدريس والبحث والطبّ ولكن ذلك يظل استثناء لا يمكن النّسج عليه واعتباره قاعدة عامّة.
إنّ أكبر خطر يتهدّد الجامعة هو أن تربط برامجها البحثية والتّعليمية بحاجيات سوق الشغل التي سرعان ما تتحوّل إلى إملاءات خصوصا إذا قبلت الجامعة أن يرتهن تمويلها بمساهمة المؤسّسات الاقتصادية. وعندها تصبح الجامعة مؤسّسات تكوين مهنية حسب الطلب لا مجال فيها للفكر النّقدي الحرّ والتّساؤل الخلاّق والبحث المستقل. إنّ ربط التكوين الجامعي بالتشغيل مغالطة كبرى توهم الطلبة بالملائمة بين حاجيات سوق الشغل وبرامج التكوين، ولكنّنا نشهد اليوم فشله الذّريع في امتصاص أفواج المتخرجين كل سنة. هذا فضلا عن أنّ هذا الرّبط يجبر أغلب الطّلبة على دراسة اختصاصات لا يرغبون فيها وبذلك يجد الطالب نفسه وقد خسر على الواجهتين فقد ضحّى بميوله المعرفية طمعا في الفوز بشغل مقابل تلك التضحية. ولكنّه فاز في الأخير بالجهل والاستلاب المعرفي والبطالة. إنّ ما يعطي المشروعيّة لمطالبة خرّيجي الجامعة بأولوية التّشغيل ليس كونهم أكثر إنسانية أو أحق بالكرامة من بقية العاطلين عن العمل وإنّما سياسة الدّولة التي طالما ادّعت ربط التّكوين بالتّشغيل. والنتيجة المنطقية لهذه الاختيارات تكالب وراء الشهادة، مفتاح الشغل، بأي ثمن وازدراء كلي للمعرفة التي من المفروض أن تكون شرط الشهادة
لقد كان من الأجدى للجميع، سلطة ومواطنين، رفض مبدإ التّوجيه الجامعي في مقابل فتح إمكانية التّسجيل أمام الطّالب المتعطّش للمعرفة بأي اختصاص يرغب فيه وذلك اعتمادا على مبدإ التنافس الشفّاف بالملفّات أو بالمناظرة في حدود طاقة استيعاب المؤسّسة المعنية. إنّ القول بتوفير مقعد بالجامعة لكل حاصل على الباكالوريا شعار ديماغوجي لا نتيجة له إلاّ تجريد الشهادات الجامعية من مصداقيتها العلمية، خصوصا في ظلّ الشّروط المضحكة للفوز بشهادة الباكالوريا والأساليب الغريبة التي تبعث بها المؤسّسات والشهادات الجامعية
نعم، إنّ الجامعة نخبوية بطبيعتها ولكنّها نخبوية علمية وفكرية وليست اجتماعية وطبقية. إنّ الدّراسة الجامعية الحقّة تتطلّب التّضحية بأحلى سنوات العمر والمثابرة على الجهد والعمل الصّبور والمتأنّي والرضا بالتّبعيّة للأسرة أو للدّولة وتأجيل الزّواج والشّغل، كلّ هذا دون ضمان النّجاح لأنّه يظلّ مرتبطا بالمؤهّلات المعرفية والذهنية لدى كلّ طالب. وهذا ما يفسّر الإقبال المكثّف على شعب التّعليم العالي القصيرة والممهننة حيث أنّ همّ أغلب الطّلبة منصب على تعلّم مهنة والالتحاق بسوق الشغل في أقصر وقت للاستقلال وتأسيس حياة خاصّة. وليس هذا خصوصية تونسية، حيث نشهد نفس الظاهرة في أكثر البلدان والمجتمعات على اختلاف ثقافاتها ومستوياتها الاقتصادية. فلا خوف إذن على من أوصدت في وجوههم أبواب الجامعة، هذا إن طرح المشكل أصلا، حيث يمكن أن تستوعبهم مؤسّسات التعليم العالي الممهنن والتي نسمّيها المعاهد العليا للدّراسات التّكنولوجية
ثمّ إنّّ التّمييز بين الجامعة والتعليم العالي الممهنن لا يقطع جسور التنافذ والتلاقح بين المجالين من خلال البحوث التطبيقية والميدانية أو تثمين المكتسبات والمهارات المهنية ولكن في إطار احترام خصوصية كل مجال والمحافظة على آليات عمله. وذلك معناه أنّ الفرصة يجب أن تظلّ متاحة لتغيير المسارات وفتح الآفاق، بشكل يتيح للفنّي السّامي، المتميّز في مجاله والرّاغب في إجراء بحوث متقدّمة والتّنظير لما اكتسبه من معارف ميدانية، الالتحاق بمخابر البحث الأكاديمي
قد يقول قائل أنّ منظومتنا التكوينية تنحى في مجملها هذا النّحو ودليله وجود شبكة من المعاهد العليا للدّراسات التكنولوجية ما انفكّت تتوسّع وهي موضوعة تحت إشراف إدارة عامّة للدّراسات التّكنولوجية لا علاقة لها بالجامعات، وكذلك تأهيل منظومة التّكوين المهني من خلال فتح مراكز قطاعية متطوّرة جدّا. وهذا صحيح. لكن لا يمكن للحال أن يستقيم ونحن نتعامل مع مسألة شائكة وحسّاسة كهذه بأسلوب انتقائي يفصل بين مكوّنات لا يمكن الفصل بينها. فيكثر اللبس وتختلط المفاهيم والأجناس وتتداخل الأدوار وتنمو الهجانة. إنّ المكمّل الأساسي لمنظومتي المعاهد العليا للدّراسات التكنولوجية والمراكز القطاعية للتّكوين المهني هو تخفيف العبء على المؤسّسات الجامعية والكفّ عن التعامل معها بوصفها مستودعا للطّلبة ضعيفي المستوى وإعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية والاجتماعية بصفتها تلك وعدم إيهام الطّلبة والمجتمع بأنّه لا قيمة لها ولا جدوى منها إلاّ متى كانت مطبّقة فتصبح الحضارة والآداب الانقليزية مثلا انقليزية الفندقة وتصريف الأعمال وقس على ذلك في العلوم القانونية وعلم الاجتماع وغيرها

جلال الرّويسي – أستاذ مساعد للتّعليم العالي
المعهد العالي للتّوثيق، جامعة منّوبة
جانفي 2009

vendredi 20 février 2009

La formation des cadres de bibliothèques en Tunisie entre la professionnalisation et l'académisation

Projet de communication soumis à la conférence générale de l’IFLA qui se tiendra à Milan (Italie) en Août 2009

La formation des responsables de bibliothèques en Tunisie est tiraillée depuis longtemps entre deux tendances difficilement conciliables.
D’un côté, il y a ceux qui défendent une formation focalisée sur la maîtrise des techniques de traitement de l’information et de ses supports. Cette vision émane des milieux professionnels qui voient dans la bibliothéconomie d’abord un métier basé sur la maîtrise d’un savoir faire constitué d’un ensemble de techniques et de règles.
De l’autre côté, il y a ceux qui considèrent que, s’il est vrai que la bibliothéconomie est d’abord un métier et que les techniques en représentent le noyau dur, il n’empêche que deux raisons au moins plaident en faveur de leur conceptualisation en vue de rattacher ce métier à ce qui constitue ses fondements théoriques et en faveur de l’ouverture de la formation sur des questions qui dépassent le seul angle techniciste et qui ont trait à la gestion, à la communication, à la sociologie, etc. Non seulement, ces ouvertures permettent de renforcer la formation et d'enrichir le métier mais elles permettent surtout d'ancrer la discipline dans ce qui peut constituer son assise épistémologique et ses prolongements scientifiques.
La première raison tient à la complexité de la pratique bibliothéconomique ; une complexité qui ne cesse de s’accentuer avec l’avènement des supports numériques et du réseautage. L’exercice de ce métier nécessite la maîtrise de plusieurs compétences et savoirs multidisciplinaires : les sciences du langage pour l’indexation et la recherche, la sociologie et la psychologie pour la communication et l’offre de services, l’informatique et les multimédia pour le stockage et l’ingénierie documentaire, etc.
Quant à la deuxième raison, elle concerne la nature du public visé par la formation. Car il ne s’agit pas de simples agents de bibliothèques, mais plutôt de cadres supérieurs appelés à remplir des fonctions de conception, de planification, de supervision, d’encadrement et d’évaluation en plus des fonctions classiques touchant au cœur du métier.
Mais cette polémique ne s'exprime pas dans les mêmes termes selon qu’elle soit posée dans un pays du Nord ou dans un pays du Sud. En France par exemple, elle se manifeste à travers une dichotomie «techniques Versus sciences ». En témoignent, l’instabilité de la place réservée à la recherche au sein de l’enssib, école de référence en la matière dans ce pays.[1] En revanche, cette polémique est caractérisée en Tunisie, pays fortement imprégné par l’approche française en la matière, par un déséquilibre flagrant en faveur de la formation théorique au détriment de la formation pratique. Ce n’est pas que les tunisiens ont fait le choix délibéré de penser la discipline, de conceptualiser le métier et de favoriser la réflexion théorique et la recherche, mais c'est parce qu'ils n'ont pas d'autres choix que l'abstraction. En Tunisie, on n'apprend pas aux étudiants les métiers de l'information, ni on ne fait de la recherche scientifique qu'elle soit fondamentale ou appliquée, mais on parle aux étudiants de ces métiers. On les leur décrit. Pour preuve, l’unique établissement de formation en la matière s’appelle depuis sa création «l’Insitut Supérieur de Documentation», les diplômes qu’il délivre ont pour nom «Bibliothéconomie et Documentation», «Gestion des Documents d’Archives», etc. L’expression «sciences de l’information» n’apparaît pas au premier plan. Cela prouve qu'à l'origine, on était dans une approche orientée pratique et enseignements appliqués. Mais, l’augmentation incessante du nombre d’étudiants qui a débordé sur la capacité des établissements professionnels à accueillir des stagiaires et des visites ou à héberger des travaux pratiques et des ateliers d’un coté, et le départ de la génération des fondateurs tous professionnels de grande expérience[2] à la retraite simultanément à l’arrivée d’une nouvelle génération de «docteurs made in France» sans aucune expérience professionnelle au sein des bibliothèques de l’autre coté, ont été à l’origine de cette tendance à la théorisation par obligation. La succession des réformes de programmes souvent imposées par des considérations exogènes liées aux statuts professionnels qui changent les conditions de recrutement et l’évolution des carrières, est un facteur qui accentue l’improvisation et brouille les pistes devant les instances pédagogiques et les responsables de la formation.
Le résultat facilement constatable depuis quelques années c’est que nos diplômés quittent l’ISD sans être suffisamment outillés pour satisfaire immédiatement et efficacement aux attentes du marché du travail. Le feed-back que nous recevons de leurs chefs hiérarchiques est très décourageant. Hormis les critiques portant sur les capacités discursives et rédactionnelles, sur le faible esprit de synthèse et d’argumentation, qui ne sont pas d'ailleurs une exclusivité de nos étudiants, mais représentent plutôt un problème national touchant l’ensemble des diplômés de l’université tunisienne, les réserves les plus inquiétantes portent sur les incompétences et les incapacités techniques et professionnelles, comme la non maîtrise de la création de bases de données documentaires, des principes de la recherche, de la description des documents, des langages documentaires, des normes, de la GED, de l’archivage électronique, etc.
Mais ces remarques portent souvent sur les premières années du recrutement, car dès qu’ils acquièrent un peu d’expérience et d’ancienneté, nos diplômés réussissent à percer et à s’imposer tirant profit du bagage théorique qu’ils ont reçu durant les années de leur formation. C’est la preuve que le point faible de notre formation touche au manque de stages et à leur mauvaise gestion, à la faiblesse de la formation pratique due à la faiblesse du parc informatique, à l’absence d’outils pédagogiques adéquats (laboratoires archivistiques, bibliothèque d’application, normes, etc.), à la surcharge des groupes en nombre d'étudiants, au manque d’enseignants expérimentés issus du milieu professionnel comme c’était le cas dans les années 80, etc.
Les questions incontournables
1. De quoi parle t-on ? de technique ou de science ?
Une formation dont l’intitulé est fondé sur la triptyque « Documentation, Bibliothéconomie et Archivistique » (DBA) ne peut s’inscrire que dans une vision techniciste et professionnalisante.
Il est vrai qu’il ne suffit pas de confier la formation dans ce domaine à un établissement d’enseignement supérieur pour la faire accéder au statut d’une science. Mais, la mission de l’université étant d’apprendre aux étudiants à réfléchir, à analyser, à critiquer et à produire des idées, on ne peut de ce point de vue confiner la formation à l’apprentissage d’un ensemble de techniques de traitement, de collecte et de communication de l’information et des documents, aussi modernes et sophistiquées soient-elles.
Pour mériter ses galons de formation universitaire et académique, elle ne peut faire l’économie d’une réflexion approfondie sur ses origines et ses prolongements théoriques, encore moins l’économie d’une ouverture sur des questions relatives à la bibliophilie, la bibliologie, la communication, la linguistique, la sémiologie, la sociologie de la lecture, l’économie de l’information, l’information dans l’entreprise et les théories de la décision, le management et le droit de l’information, l’histoire des sciences, des arts et des connaissances, les langages documentaires, l’analyse des besoins, des usages et de la satisfaction, etc.
Mais encore une fois, ces ouvertures théoriques et ces ancrages scientifiques ne suffisent pas pour qu’elle s’érige en science à part. Une science se définit par un objet défini autour duquel elle développe des paradigmes propres en se basant sur des méthodes propres. Notre discipline gagnera beaucoup de notoriété et de reconnaissance scientifiques à développer ses propres paradigmes. Ce n'est qu'en développant des paradigmes du type «loi de Bradford», «facteur d’impact» relatifs à la scientométrie, des réflexions sur "la valeur ajoutée de la collection par comparaison aux documents flottants", sur "la notion de document dans le contexte numérique", sur "les langages documentaires", etc. que nous pouvons décrocher un billet d'entrée au club des sciences. Il n'y a pas de mal à s'appuyer sur des sciences comme la physique (entropie), des mathématiques (loi de bradford et facteur d'impact), la systémique (valeur ajoutée de la collection), de la linguistique (langages documentaires), etc.
Une formation professionnelle supérieure(de haut niveau) vise à former des cadres de maîtrise d’un métier. Il s’agira, selon le degré de compétence visé, de simples agents ou techniciens, de techniciens supérieurs, ou encore d’ingénieurs hautement qualifiés et très performants dans l’application des règles du métier. La dimension réflexion critique et philosophique, conceptualisation et théorisation est faible voire parfois même inexistante.
Les approches de formation cherchent le plus souvent à concilier entre les deux dimensions pratique et théorique pour éviter un antagonisme fatal. On parle de plus en plus de capitalisation de connaissances qui réhabilite le savoir des praticiens et leur expertise. Les managers des entreprises croient de plus en plus à la valeur ajoutée de la Recherche/Développement (R&D) et de la Recherche/Action et accueillent et financent des programmes de recherche appliquée. De l’autre côté, les universitaires parlent de plus en plus d’ouverture sur l’environnement professionnel et d’une recherche utile et dont les retombées sont tangibles. Mais le risque est fort d’hypothéquer la liberté de la recherche et de transformer cette dernière en otage entre les mains de ses bailleurs de fonds professionnels.
2. Quels sont nos objectifs de formation en termes de compétences et de savoirs ?
Cela revient à cibler clairement des outputs, avec des profils précis. Il s’agira selon les choix arrêtés, soit d’agents d’exécution ou d’agents de maîtrise et de techniciens supérieurs, ou aussi d’agents d’encadrement, soit de cadres supérieurs de conception, de planification et de recherche. Dans le premier cas, les outputs visés se rangent du côté des professionnels) ; dans le deuxième cas, le ciblage porte sur des chercheurs et des décideurs. Une réponse claire à la question précédente est la condition sine qua none pour répondre à la question suivante.
3. A quel type d’établissement doit-on confier la charge de la formation ?
Il s’agira d’un établissement de formation professionnelle qui peut s’enorgueillir d’un label universitaire comme c’est le cas en France avec la prolifération des Instituts Universitaires Technologiques (IUT) et dont l’équivalent en Tunisie est les Instituts Supérieurs des Etudes Technologiques (ISET) ou d’un département au sein d’une université interdisciplinaire (sciences de l’information et de la communication) selon qu’il s’agisse du premier ou du deuxième cas.
4. Qu’est-ce qui distingue la formation universitaire (académique) d’une formation prTaille de policeofessionnelle aussi avancée soit-elle ?
A l’université, on apprend à réfléchir, à conceptualiser, à concevoir alors que dans le cadre de la formation professionnelle, on apprend à maîtriser un métier, à l’exercer efficacement.
" Quelle que soit l’importance prise par les universités dans la production de richesse économique, elles ne peuvent être perçues comme de simples « fabriques » de savoir, de technologie et d’experts techniques, dans le cadre d’une économie du savoir mondiale. Elles ont des responsabilités intellectuelles et culturelles essentielles qui sont bien plus importantes dans une société du savoir.
Il est difficile de maintenir de hauts standards académiques et éthiques dans l’absence d’un financement public adéquat pour l’enseignement supérieur. Des fonds publics réduits peuvent aussi éroder l’idée d’enseignement supérieur en tant que bien public et peuvent rendre plus difficile la tâche des institutions de maintenir un large accès et de hauts standards de conduite.
SOURCE : La déclaration de Bucarest sur Les valeurs et les principes éthiques de l’enseignement supérieur dans la Région Europe "
http://www.cepes.ro/September/French/declaration.htm
5. Quels sont les profils des formateurs ?
Des enseignants/chercheurs universitaires ou des professionnels expérimentés (conservateurs de bibliothèques ou documentalistes), ou encore un mélange des deux, selon un dosage qui permette d’atteindre des objectifs clairement définis au préalable ? Quelles sont les raisons et les retombées d’un tel brassage ? S’agit-il d’un choix (volonté de s’ouvrir sur le milieu professionnel) ou d’une obligation ? Autrement dit, est-il dû à la nature de la discipline ou à un manque d’enseignants ?? Et si ce brassage est nécessaire, quelles sont les conditions de sa réussite ?
Quel est l’apport de chaque catégorie de formateurs (enseignants/chercheurs, professionnels vacataires, détachés, professeurs d’enseignement secondaire, etc. ?
La qualité de l’enseignement dépend largement du taux d’encadrement et de la disponibilité des formateurs.
Les enseignants/chercheurs universitaires permanents représentent la base et la colonne vertébrale de tout établissement qui se veut universitaire. Leur apport se situe au niveau de l’encadrement théorique, épistémologique et méthodologique, de la recherche et de la production d’idées et de méthodes nouvelles, de l’encadrement des apprentis chercheurs, des stagiaires et des jeunes enseignants/chercheurs. Ils sont censés jouer le rôle de boite à idées et d’expérimentation et participer à la gestion pédagogique et scientifique (et souvent administrative et financière) de l’établissement : départements, comités de réflexion et d’innovation pédagogiques, conseil scientifique, jurys d’examens, équipes de recherche, publications, rayonnement international, etc.) De ce fait, leur apport méthodologique et académique est fondamental, indispensable et certain.
Les professionnels vacataires ont un apport très apprécié aux activités d’enseignement (cours orientés vers la maîtrise du métier et de ses techniques). Ils aident à l’intégration et l’insertion professionnelle (stages, recrutement, etc.) et participent souvent aux activités d’encadrement, etc.
6. Quels sont les profils des étudiants à recruter pour cette formation ? et selon quelles modalités les recrute t-on ?
Les étudiants qui rejoignent notre établissement sont de nouveaux bacheliers orientés par un système informatisé qui fait jouer la concurrence entre les candidats aux différentes filières de l’université tunisienne dans la limite des places disponibles. Pour chaque vœu exprimé, le candidat obtient un score calculé sur la base d’une équation propre à la filière demandée. Les candidats sont ensuite classés par ordre de mérite selon les scores obtenus. Il est vrai que les critères d’admission à notre établissement ne sont pas très sélectifs et que par conséquent nos filières sont accessibles aux étudiants ayant obtenu des scores faibles. De ce fait, nos spécialités demeurent sous-valorisées et ne séduisent que des bacheliers moyens et parfois même très limités.
Outre ces nouveaux bacheliers, d’autres étudiants titulaires d’un diplôme universitaire de premier cycle dans d’autres disciplines peuvent se présenter pour s’inscrire directement aux deuxièmes cycles de notre établissement.
La polémique, qui dure depuis des années autour des pré-requis à l’étude de la DBA et les objectifs en terme de compétences, continue à opposer deux points de vue. Le premier, dominé par les professionnels défend le principe de cursus moyens et longs (c-à-d. de quatre et six ans d’études universitaires) en Bibliothéconomie ou en archivistique en s’appuyant sur des éléments comme « l’académisation » des métiers de l’information grâce à l’essor des sciences de l’information, la multiplicité des métiers inhérents au traitement de l’information et à la gestion des services d’information et des documents et la complexité des compétences techniques à acquérir. Mais, la motivation inavouée de leur position et qui est due à l’amalgame qu’ils ont entre la formation initiale et la formation continue tient à leur désir de décrocher un diplôme qui leur ouvre la voie de la promotion. Le deuxième point de vue défendu par une majorité d’enseignants/chercheurs universitaires (y compris ceux qui ont exercé le métier dans des centres d’information avant d’intégrer l’université) évoque d’autres considérations pour appeler à la double compétence et à la transversalité de la formation. Ces derniers considèrent que les métiers de l’information sont constitués d’un ensemble de techniques (catalogage, classification, indexation, condensation, communication, etc.) qui n’ont de sens et de raison d’être qu’une fois appliquées à un domaine de savoir précis dans l’une des structures très diverses (bibliothèques de différents types servant des publics très différents, services de documentation et de veille rattachés à des entreprises dont les champs d’activité sont très variés, nature des documents et des supports très complexes, etc.) D’où, la nécessité pour l’étudiant désireux d’apprendre ces techniques, d’avoir au préalable un domaine d’excellence auquel il appliquera ces techniques.
Les tenants de la double compétence s’appuient sur cette idée pour appeler à n’inscrire en Maîtrise et Master, que des titulaires d’un diplôme universitaire de premier cycle venant d’une autre discipline. Ainsi, la Maîtrise de l’ISD sera la somme de deux diplômes : un DUEPC dans une spécialité externe à l’ISD et un deuxième cycle en DB ou en GDA assuré par l’ISD. Ainsi, chaque candidat aura un ancrage scientifique dans un domaine donné sur lequel se greffera un ensemble de connaissances techniques et méthodologiques relatives aux métiers de l’information.
Quant aux défenseurs de cursus intégrés (de 4 ou de 6 ans entièrement BD ou GDA), ils considèrent que le principe de la double compétence n’est pas une raison pour raccourcir ou compresser la formation technique en deux ans. Les développements épistémologiques des Sciences de l’information et leurs prolongements théoriques qui tissent des liens avec d’autres sciences telles que l’économie, la psychosociologie, la gestion, le droit, l’histoire, etc. ne peuvent faire l’objet d’un apport externe dont l’étudiant doit se prémunir avant d’intégrer l’ISD. Bien au contraire, ces connaissances doivent être dispensées à et par l’ISD pour prendre racine dans l’environnement informationnel et constituer par là-même une assise théorique des compétences pratiques du futur professionnel. Car, quoi qu’il en soit, il ne faut pas, à leurs avis, oublier que la formation dispensée par l’ISD reste en définitive une formation professionnalisante, c’est-à-dire une formation dont l’objectif premier est de doter l’étudiant d’un certain nombre de compétences pratiques et non pas d’une culture théorique abstraite aussi solide soit-elle.
Les adeptes de la double compétence rétorquent que deux années d’études universitaires sont largement suffisantes pour l’acquisition des habilités professionnelles, et que par conséquent, s’attacher à des cursus de quatre et de six ans revient à dilater artificiellement la formation et à créer des redondances pour n’avoir à la fin que des bibliothécaires/documentalistes/archivistes généralistes connaissant les techniques documentaires ou archivistiques sans pouvoir les appliquer sur une spécialité scientifique donnée.
Nous verrons plus bas que l’ISD a adopté une solution consensuelle et réaliste en réservant le premier cycle des deux maîtrises BD et GDA à un tronc commun intitulé « Sciences de l’Information »
D’autres questions à creuser
7. Quels programmes pourraient alors garantir d’atteindre ces compétences ? selon quelles méthodes d’enseignement et quels volumes horaires ? (cours magistraux, travaux pratiques, visites, stages, projets de fin d’études, mémoires de recherche, etc.)
8. Selon quelles méthodes d’évaluation ? semestrialisation, contrôles continus, sessions d’examens partiels, soutenances de projets, exposés oraux, etc.
9. Comment prépare t-on une grille de programmes ? En consultant uniquement les enseignants permanents à travers leurs structures pédagogiques et scientifiques (conseils de départements et conseil scientifique, sondage d’opinion et journées d’études, etc.) ? Est-il logique que les concepteurs des nouveaux programmes soient ceux qui assurent les programmes en vigueur ?? Ne prendrait-on pas le risque de voir les enseignants proposer des cours sur mesure de leurs compétences et savoir-faire sans que ces cours ne correspondent forcément à un besoin réel chez les étudiants ou sur le marché de l’emploi ? Quelles garanties avons-nous d’une sérieuse remise en question et d’une autoévaluation objective, au cas où elle serait faite ?
10. Qui décide de ce dont les étudiants ont besoin ? A-t-on posé la question aux professionnels en exercice (étudiants d’hier) quant à leurs défaillances ? Quels sont les responsables professionnels auxquels on devrait poser les questions sur la valeur de nos diplômés ?
11. Pour qui forme t-on ? Pour les services documentaires et informationnels des établissements et des entreprises ? Quels seraient les contours et la réalité de ce marché d’emploi ? dans l’objectif de créer des entreprises privées de prestations documentaires et archivistiques.
12. A-t-on une idée sur l’employabilité de nos diplômes ? quelle est la durée moyenne du temps d’attente pour décrocher un premier emploi pérenne ?
13. Y a-t-il une structure de suivi des diplômés qui serait chargée, entre autres, d’encadrer les jeunes diplômés fraîchement débarqués sur le marché du travail dans leur quête d’un premier emploi ?

[1] Cette école avait pour nom au départ l’Ecole Nationale Supérieure des Bibliothèques (ENSB) détenant le monopole de la formation des conservateurs de bibliothèques, sans activité de recherche. Au début des années 1990, elle a évolué vers l’Ecole Supérieur des Sciences de l’Information et des Bibliothèques (ENSSIB) avec des équipes de recherche et une formation doctorale, puis elle a fusionné avec l’Institut de Formation des Bibliothécaires (IFB). Sa revue Bulletin des Bibliothèques de France, longtemps ancrée dans la littérature professionnelle, a enregistrée une certaine ouverture sur les travaux de recherche académique et les réflexions théoriques
[2] Citons à titre d’exemples les conservateurs Adda Gladys, Mohamed Abdeljaoued, Béchir Feni, Abdelbaki Daly, Ali Romdhane, etc.

SUIVI DES DIPLÔMÉS DE L’INSTITUT SUPERIEUR DE DOCUMENTATION

Document de travail réalisé par Jalel Rouissi
Institut Supérieur de Documentation, Avril 2008


Structure
Ce travail pourrait être confié à un organe consultatif et de conseils qui fonctionne sous forme de club dans le cadre de l’association culturelle et sportive de l’ISD. Elle sera animée par un enseignant de l’ISD qui se chargera de la programmation des activités (création d’une base de données sur les diplômés de l’ISD) et des rencontres (sessions de formation pour la création de projets, conférences débats, présentation de projets, etc.). Une large part d’autonomie sera laissée aux étudiants adhérents au club pour s’exercer à la prise d'initiative, au travail associatif et à l’autogestion.

Mission et Objectifs
Aide à l’insertion des diplômés dans le marché de l’emploi
Suivi des étudiants en quête d’emploi
Maintien des liens entre les diplômés et l’ISD en tant qu’établissement d’origine
Collecte des informations (feed-back) sur la qualité de nos formations et les compétences de nos diplômés
Réhabilitation de l'image de notre institut et de ses diplômes et sensibilisation àl'importance des métiers de l'information et à leur valeur ajoutée dans la vie économique et sociale du pays.

Partenaires

Les Associations professionnelles telles que:
l'Association Tunisienne des ocumentalistes et Bibliothécaires (ATDB),
l'Association des Gestionnaires d'Archives de Tunisie (AGAT),
l'Association des anciens de l’ISD, etc.),

L'UTICA,

Le Ministère de l’emploi.

Actions envisageables

A- Outils de références
1. Création d’un portail Internet (dépôt de CV, diffusion d’offres d’emplois, forum de discussion, liste de diffusion, etc.)
2. Elaboration d’un répertoire d’adresses de nos diplômés à la recherche de travail, avec une fiche de profil de chaque diplômé en quête d’emploi (stages professionnels, formations complémentaires du type 21/21 ou autre, matières optionnelles, sujet de mémoires ou autres réalisations, etc.)
3. Elaboration d’un répertoire d’adresses de nos anciens diplômés en exercice et occupant des postes influents en vue de constituer un lobby favorable aux métiers de l’info/doc.
4. Elaboration d’un répertoire d’adresses des entreprises et organismes recruteurs

B- Formation continue
5. Organisation de cycles de recyclage et de sessions de formation pour les professionnels en exercice ainsi que des formations au profit des chercheurs d’emplois sur des questions du type : « Comment réussir un entretien d’embauche ? tests psychotechniques et autres. », « Comment rédiger une lettre de motivations ? », « Comment rédiger un CV ? » etc.

C- Documentation
6. Création d’une banque de données regroupant les sujets des concours professionnels et les textes de référence régissant les concours (programmes de concours), ainsi que des textes aidant à la préparation de ces concours (OPAT, manuels de techniques documentaires, bibliographie indicative, etc.)

D- Assistance à la création de projets
7. Création d’une base de données des idées de projet dans le domaine de l’info/doc. On établira pour chaque projet une fiche descriptive selon un modèle standard à concevoir. (Voir exemples de projets en annexe 1 et esquisse de fiche de projet en annexe 2)
8. Assistance méthodologique, logistique et financière (en coordination avec la pépinière des entreprises de l’université de la Manouba) des initiatives de jeunes diplômés.
9. Organisation d’un concours annuel du meilleur projet en métiers de l’info/doc.

E- Rencontres
10. Organisation par l’ISD d’une rencontre annuelle (journée portes ouvertes ou toute autre forme conviviale du type déjeuner débat, etc.) entre nos jeunes et nos anciens diplômés les employeurs potentiels (cibler des patrons parmi des secteurs d’activité précis, exemples : les responsables des organismes de presse, les boites de communication, les sociétés de production audiovisuelle et cinématographique, les architectes, les avocats, les banques, pour un choix plus large, se référer à la base de données sur les entreprises accueillantes de nos stagiaires, etc.) Ces rencontres seront jalonnées par des présentations de produits documentaires et d’applications relatives à la gestion de l’information (outils archivistiques développées pour le compte de certaines entreprises, des bases de données, des dossiers de veille, etc.). Ainsi, au lieu de répéter sans fin les mêmes déclarations d’intentions sur la valeur ajoutée qu’apporte notre métier aux entreprises, nous séduirons celles-ci par des produits concrets qui parlent d’eux-mêmes.

F- Lobbying
Pour le secteur public, insister sur les opportunités d’embauche encore très importantes dans ce secteur surtout pour les bibliothèques (nationale, publiques, scolaires et universitaires). Les actions de lobbying envisageables peuvent porter sur :
11. la publication d’articles appuyés de chiffres officiels dans la presse, et la saisie de toute occasion qui se présente pour la prise de parole à travers les mass média (radios, télévisions, etc.)
12. des correspondances et des rencontres, etc. avec les daffeurs des ministères concernés,
13. la sensibilisation des députés en vue d’une interpellation directe des ministres lors des débats parlementaires.
Quant au secteur privé, Il faudra miser sur les opportunités du Programme National de Mise à niveau (PNM) destiné aux entreprises du secteur privé dans l’objectif de les inciter à recruter des documentalistes et des archivistes. Les investissements immatériels sont l’un des axes de ce programme. Pourtant, les métiers de l’info/doc. n’y sont pas valorisés. Un parallèle intéressant peut être établi avec ce qui a été fait dans le secteur public dans le cadre des points 14 (relatif aux archives) et 20 (relatif à la communication et à la sauvegarde du patrimoine) du programme de mise à niveau de l’administration publique.[1]
14. Des actions de sensibilisation devront être prises avec les responsables du Bureau de mise à niveau au sein du Ministère de l’industrie[2] (rencontres, invitation aux manifestations scientifiques et autres organisées par l’ISD) pour les convaincre de la valeur ajoutée que peuvent apporter nos diplômés (gestion des systèmes d’information, activités de veille stratégique, la Documentation/Qualité, la communication, etc.) dans le cadre des investissements immatériels reconnus par le PNM comme l’un des ses axes prioritaires.

G- Etude du marché de l’emploi, Suivi et prospection
15. Elaboration d’un référentiel métiers de l’info/doc. en Tunisie
16. Réalisation d’une enquête périodique (tous les deux ans par exemple) sur l’employabilité de nos diplômés (statistiques d’embauche, répartition des offres d’emplois par secteurs d’activité, etc.)

Ressources et Moyens de travail

· Un secrétariat permanent avec une personne à temps plein maîtrisant la bureautique, un logiciel de création et de gestion de bases de données, la veille informationnelle et la navigation sur Internet
· Un ordinateur connecté à Internet
· Une imprimante,
· Un téléphone/fax.

Annexe : Des idées de projets

Projets dans la spécialité (Information, Documentation, Bibliothéconomie & Archivistique)

1 Bureau de prestations documentaires

· Documenter des manifestations culturelles (telles que les JCC, JTC, Festival de Carthage, de la Médina, etc.) ou politiques (telles que le Congrès d’un parti politique, le SMSI, etc.) ou sportives (CAN, Jeux méditerranéens, etc.), en créant un produit documentaire de référence (un CD comportant un dossier de presse complet, des photos, la documentation officielle de la manifestation en question, etc.) Ce produit sera ensuite proposé aux organisateurs de la manifestation en question.
· Prestations de veille : jouer le rôle d’observatoire pour le compte d’un organisme commanditaire en lui fournissant un dossier de veille informationnelle selon une périodicité à négocier avec le commanditaire.
· Recherches documentaires et constitutions de dossiers en amont d’une action (exemples : pour la production d’un film historique ou d’un documentaire, on collectera des informations sur les costumes d’époque, pour l’aménagement d’un quartier urbain on rassemblera des données économiques, sociales, géographiques, etc.)
Un service logithèque : offrir un choix assez large de logiciels libres de droits téléchargés sur des CD, assorti d’une formation à l’utilisation.
Conception de bases de données bibliographiques, de portails documentaires et de langages documentaires (thésaurus, plans de classification, etc.)
Une salle publinet à valeur ajoutée (étant donné le gain de temps et la recherche méthodique de l’information)

2. Bureau de prestations archivistiques

Réaliser des missions archivistiques complètes (tri, plan de classement, Calendrier de conservation, GED, etc.) avec des contrats de maintenance, au profit des PME, des avocats, des architectes, etc.

3. Dépôts d’archives

Des locaux fonctionnels pour la conservation des archives des sociétés et leur mise à la disposition de leurs propriétaires

4. Banques d’images

Cette idée de projet repose sur un mot d’ordre d’une part et un principe de travail de l’autre :
Le mot d’ordre : Collecter tout type d’images, toujours collecter. Il va sans dire qu’il s’agit d’images techniquement correctes et exploitables.
Le principe de travail : Indexer et classer à temps dans une base ou une banque de données les images collectées. Ne jamais laisser s’accumuler les images sans traitement. La multiplication des retards à ce niveau finira par faire échouer le projet.
L’objectif étant de constituer un grand gisement d’images (une banque d’images) d’illustrations au profit des journaux, des chercheurs, des maisons d’édition, etc. La valeur ajoutée du produit vient de la diversité de choix qu’on offre au client (la dimension cumulative de la collection) et de l’économie de temps de la recherche et de l’accès aux images.

5. Centre de numérisation

Il y a un marché potentiel qu’il serait intéressant d’explorer : fonds de bibliothèques universitaires, de bibliothèques des centres de recherche, de beaucoup d’entreprises publiques ou privées, etc. Face à la tendance et la tentation du passage au tout électronique, ces établissements ne pourront pas faire l’impasse sur la nécessaire numérisation de leur patrimoine documentaire papier hérité de plusieurs années d’activité. Forts de leur savoir faire « documentique », archivistique et technologique (indexation, classification, GED, Ingénierie documentaire, etc.), les documentalistes, bibliothécaires et archivistes, pourront, mieux que tout autre intervenant, s’acquitter de cette tâche. La numérisation des fonds de thèses, la numérisation des livres anciens libres de droits (Littérature arabe classique tels que la poésie de Bachar, Al Moutannabi, Abou Nawas, etc., Ouvrages de référence tels que Al Aghani, Alf layla wa layla, Lissanoul’Arab, etc.), autant d’exemples révélateurs de l’ampleur de ce marché de travail qui s’offre à nos diplômés. La maîtrise de la GED, des techniques de numérisation, des bases de données, etc. sont des préalables à l’exercice de cette activité

6. Centre de restauration et de désinfection des documents et des archives

La mise en place de laboratoires bien équipés de restauration, de reliure et de désinfection des fonds documentaires au sein des différentes structures administratives, documentaires et bibliothéconomiques étant très coûteuse, le rapport coûts/avantages d’une telle activité plaide pour l’externalisation de ces travaux d’entretien et de traitement chimique auprès de prestataires privés.

7. Centre de formation au Management de l’information

Ingénierie documentaire, GED, Création de bases et banques de données, création de sites Web, Intranet, etc.

8. Conteur/Lecteur itinérant

Avec une tenue distinctive et un pseudonyme sympathique qui font de lui une mascotte familière et célèbre, ce conteur parcourra les jardins d’enfants, les clubs d’enfants, les hôpitaux d’enfants, les écoles primaires, etc. pour raconter des histoires merveilleuses et captivantes. Il ne sera pas rémunéré par une quelconque billetterie, mais plutôt par les établissements auprès desquels il démarchera ses services.
Sur un autre volet, notre conteur peut assurer le travail de lecteur au profit des malvoyants, des personnes âgées à domicile ou dans les maisons de retraite et les hôpitaux, etc.

9. Enregistreur de témoignages oraux : archives orales et sauvegarde de la culture et des arts populaires

Il s’agit de sauvegarder un patrimoine oral avant la disparition de ses détenteurs ce qui risque de le faire disparaître irréversiblement. Différent du travail du documentariste, en ce sens que celui de l’enregistreur des témoignages n’est pas un travail artistique, il ne se soucie pas du langage cinématographique (angles de prise de vue, montage, effets spéciaux, champs et hors champs, bruitage, etc.). Son seul objectif c’est la fixation de l’oralité sur un support. Ce qui constitue d’habitude le point fort du film documentaire, à savoir la dimension subjective de la démarche (sélection et tri, langage cinématographique, etc.) est justement à éviter, car il se transforme en point faible lorsqu’il s’agit tout simplement d’archiver. La démarche de l’enregistreur est un peu comme celle d’un psychiatre qui supervise un entretien libre avec son patient. Il se suffit de provoquer le témoignage chez son interlocuteur. Un exemple du produit final de ce travail nous est donné par les enregistrements des anciens combattants réalisés par l’Institut Supérieur de l’Histoire du Mouvement National de la Manouba.
Mais au-delà des témoignages sur des faits et des évènements historiques, l’enregistreur couvrira le spectre plus large de la culture et des arts populaires, à savoir toutes les expressions folkloriques largement basées sur l’oralité. Il s’agira de documenter, sauvegarder et valoriser la culture, l’art et les traditions populaires oraux, manuels, etc.
Médecine populaire et plantes médicinales, métiers d’antan, architecture locale, costumes, arts culinaires et cuisine traditionnelle, jeux populaires, contes populaires, rites, etc. et bien d’autres pratiques sociales et expressions culturelles marginalisées peuvent faire l’objet d’un travail de collecte, de documentation, de classification et d’animation dans l’objectif de la sauvegarde de ce patrimoine et de sa mise à la disposition des chercheurs et des publics intéressés.
L’idée du projet s’inspire d’une logique de développement durable (réhabiliter ce patrimoine et le capitaliser dans le secteur du développement local, du tourisme culturel, de la sauvegarde et de la restauration des vielles médinas, etc.)

10. Les archives de la contestation

Comment peut-on analyser et comprendre objectivement ce qui s’est passé en mai 1968 ? En février 1972 à l’université tunisienne ? Le 26 janvier 1978 en Tunisie ? En janvier 1984 en Tunisie ? Quel regard aurions-nous dans 20 ans sur ce qui se passe aujourd’hui en 2008 dans le bassin minier tunisien ? etc.
Les archives officielles et la presse légale ne peuvent, à elles seules, garantir une mémoire objective. C’est dire toute l’importance de la documentation et des archives underground appelée dans d’autres contrées les archives de la contestation. Sans l’apport des archives qui reflètent les points de vue des différents protagonistes qui ont pris part à ces évènements, on ne saurait reconstituer notre histoire et comprendre les tenants et les aboutissants de ses évolutions et de ses tournants.
Ce créneau fort intéressant pose cependant des problèmes déontologiques, éthiques et pratiques. Car, sans indépendance, sans période de non accessibilité (période de carence), sans garantie quant à la non violation de l’anonymat des auteurs et producteurs de ces documents, on ne peut espérer collecter des fonds intéressants. C’est pourquoi, cette œuvre serait plutôt confiée à une structure du type associatif.

11. La mémoire revisitée : Bibliothèques des deux rives

Sur un autre plan, il est temps de nous réconcilier avec une partie de notre mémoire et de notre histoire contemporaine. Le passage des français et d’autres européens par notre pays (la Tunisie) a laissé ses marques sur notre architecture, sur nos paysages urbains, sur nos traditions culinaires, sur nos choix vestimentaires, sur notre langage parlé, etc. En revanche, la France est aujourd’hui un pays d’accueil de plusieurs centaines de milliers de nos compatriotes naturalisés français tout en gardant des attaches indéniables à leurs origines culturelles et racines identitaires.
Ce mouvement de va et vient entre les deux rives de la méditerranée génère une matière culturelle très variée et très riche qui appelle à être capitalisée. Un travail de collecte, de classification, de sauvegarde, de valorisation, etc. serait la pierre angulaire de cette capitalisation ; si bien que le besoin, d’un côté comme de l’autre, n'est plus à démontrer. Il n’ y a qu’à observer ces français de troisième âge qui viennent en Tunisie à la recherche des traces de leur jeunesse ou enfance, avec une émotion et un attachement très forts envers cette terre. Ces visiteurs gardent des photos inestimables dans leurs albums de famille, des correspondances, des notes personnelles de leurs parents, et des histoires à raconter. Dans l’autre sens, l'ambivalence identitaire et la soif de repères dont témoignent les 2° et 3° générations sont l’illustration éloquente de ce besoin de se ressourcer en culture nord africaine. Les technologies numériques offrent de larges possibilités pour reconstituer cette mémoire documentaire et la rendre accessible aux passionnés et chercheurs dans un souci de servir l’acculturation méditerranéenne et de réconcilier les nations de ce bassin avec leurs mémoires pour que cesse à jamais cette bipolarité, ô combien nocive, entre tentations néocolonialistes d’un côté et réactions chauvinistes de l’autre.

12. La gestion des archives et des bibliothèques privées

Habib Achour, Bechir Salem Belkhiria, Ali M’henni, Béchir Khraïef, Noureddine Ben khedher, Midani Ben Salah, Mustapha El Fersi, Mohamed Triki, Mahmoud Messaâdi, Mohamed Charfi, et bien d’autres personnalités éminentes dans des domaines très variés comme la politique, l’entreprenariat, l’art, la médecine, le sport, etc. sont tous morts et tombent, avec chaque jour qui passe, un peu plus dans l’oubli. Pourtant, ils ont tous marqué leurs temps et ont certainement tous laissé un héritage riche (écrits et créations personnels, bibliothèques personnelles, archives privées, correspondances, etc.) Il s’agit d’un véritable patrimoine qui dépasse la dimension héritage matériel revenant juridiquement aux ayants droits. Cet héritage s’étale parfois même au patrimoine foncier du disparu (sa maison avec ses meubles, ses costumes, ses instruments, etc.) Dans certains pays, ces demeures sont transformées en musées. Combien de ces personnalités nationales connaît-on ? Jusqu’à quelle mesure peut-on prétendre qu’on leur a rendu l’hommage qu’elles méritent ? Combien de nos enfants connaissent ces aïeuls ? C’est tout un chantier de collecte, d’inventaire, de classification, d’indexation, de mise en valeur et d’animation qui reste inexploré. Ce n’est pas faute de moyens, mais surtout de volonté. Chaque village a ses célébrités et ses fiertés à faire connaître et à valoriser. D'autre part, combien de chercheurs, de journalistes, de professeurs, d'érudits, etc ont des bibliothèques personnelles qu'ils n'arrivent plus à gérer et espèrent qu'on vienne à leur aide pour y mettre un peu d'ordre ? Documentalistes, bibliothécaires et archivistes, à vos marques.

13. Centre d’informations et de documentation pour la préparation aux concours de recrutement

Une base de sujets de concours de recrutement ouverts aux différents corps professionnels de la fonction publique. Cette base contiendrait :
Les sujets de concours avec les corrigés dans la mesure du possible
Les textes régissant les concours
Les textes relatifs aux statuts professionnels des différents corps
Des supports informationnels relatifs aux axes des concours tels que définis par les textes
Les avis de concours
Les perspectives d’évolution du projet toucheraient à l’organisation de sessions de formation accélérée pour la préparation des concours en direction des candidats.
La méthode de travail et la viabilité économique du projet sont deux questions épineuses qui doivent être creusées davantage

14. Musée de l’écriture, de l’imprimerie, de l’édition, du livre et de la presse

Collecter tous les objets et les documents (films, photos, livres, etc.) relatifs à l’évolution de l’écrit et des moyens d’écriture (tablettes, papyrus, parchemin, papier, différentes écritures, stylos et plumes, etc.), machines à écrire et à imprimer (dactylos, listings, PC, etc.) premières machines d’imprimeries (machines à lettres en plomb, rotatives, offset, numériques, etc.), photocopieuses, fax, différents formats de livres, outils de reliure et de restauration, outils de reproduction (machines à styncil, papier carbone, photocopieurs, lecteurs reproducteurs, microformes, etc.), matériel de photographie, etc.
C’est un gros projet qui nécessite le concours des pouvoirs publics (ministère de la culture, BN), des associations (union des éditeurs, union des écrivains) et les soutien des organisations internationales (UNESCO, ALECSO), et des ONG

Projets dans des domaines voisins (animation, communication & mediation culturelle)

15. Entreprises d’ingénierie, d’industries et de médiation culturelles
Il s’agit de sociétés actives dans l’organisation et la réalisation de projets culturels (festivals réguliers, séminaires, manifestations ponctuelles, etc.) Les actions envisageables dans ce sens sont assez variées. En voici quelques exemples :
15.1. Un premier exemple touche à des sociétés actives en matière d’industries culturelles avec toute la gamme de produits culturels tels que l’édition et la distribution du livre, l’audiovisuel, l’industrie du disque, la photographie, l’infographie et le webmastering, etc.
15.2. Un deuxième exemple concerne la création de musées (la collecte d’objets culturels, l’aide en matière de plans de classement, rédaction de fiches techniques sur les objets collectés, organisation d’expositions itinérantes, etc.).
15.3. Le troisième exemple est une illustration de ce que l’on peut faire en matière d’organisation de manifestations et d'activités culturelles au delà des formules consacrées et qui sont les festivals périodiques. Je pense par exemple au tourisme culturel. On peut imaginer l’organisation d’une caravane annuelle à dos de dromadaires entre Douz et Tozeur et ce entre la fin du festival international des arts populaires de Douz et le début de celui de Tozeur. Ce produit peut intéresser beaucoup de touristes qui affluent à la région pendant la période de ces festivals. Le voyage sera jalonné de plusieurs activités culturelles : Poésie populaire lors d’une veillée nocturne autour d’un grand feu en plein désert, nuitées sous des tentes en plein désert, visite guidée dans une palmeraie, cuisine exclusivement traditionnelle, etc. Le tout sera documenté sur un support à offrir aux participants.

15.4. Sur un autre plan, on peut imaginer l’organisation de concerts de musique destinés à un public réduit composé de mélomanes. Il s’agira de concerts interactifs de jeu instrumental et de chant au cours desquels un spectateur pourra demander des explications techniques, historiques, etc. sur un aspect précis. Les musiciens répondront par des démonstrations, des commentaires ou des exercices, etc. L’idée est de rompre avec le coté statique des concerts habituels, sortir le public de sa passivité et apporter une valeur ajoutée à travers les explications et les informations fournies par les musiciens, etc. Naturellement, les tarifs d’entrée seront plus chers que d’habitude vu l’effort supplémentaire demandé aux artistes et le nombre réduit des présents. La dimension documentaire est au cœur d’une telle activité puisqu’il faut prévoir des documents d’appui aux démonstrations. Ces documents seront des enregistrements audiovisuels, des diapos, des images, des articles, etc.

16. Journal diffusé gratuitement comprenant les offres d’emplois
La viabilité économique du journal est assurée par la publicité.

Pour conclure :

Et dire après tout cela que l'Institut Supérieur de Documentation n'est qu'une fabrique de chômeurs !! ??

[1] Voir le décret 49 du 16 janvier 1996 relatif aux programmes de mise à niveau de l’administration publique et la circulaire d’application n° 8 de ce décret émanant du premier Ministre en date du 9 février 1996
[2] Adresse : 63, rue de Syrie 1002 Tunis. Web : http://http://www.pmn.nat.tn/ Tél.: (216) - 71 797 175 - 71 798 938 - 71 782 920 Fax: (216) - 71 796 102 E-mail : bmn@email.ati.tn

vendredi 13 février 2009

ممنوع الدّخول: ملك خاص - سيناريو شريط قصير

فكرة الشريط
علاقتنا بالتّراث متأزّمة. فنحن لم نتوفّق بعد إلى هضم الذاكرة الجماعية فترانا غالبا ما نعتدي عليها تجاهلا أو تحريفا أو تخريبا أو انتقاء كلّ على هوى ريحه. وفينا من يحتكرها لنفسه والحال أنّها موروث مشترك. ولكنّ الذّاكرة، ما دامت موجودة، تعرف كيف تردّ على المعتدي. إلاّ أنّنا، كلّما ردّت الفعل، تباكينا وتظلّمنا وحمّلناها مسؤولية مصائبنا. إلاّ من اختار الوقوف على أطلال هذه الذّاكرة، كبهلوان السّرك في لعبة التوازن الخطرة، فهو متأرجح بين السّقوط يمينا في مقبرة الماضي أو يسارا حيث تعبر الطّريق المحاذية وفي عكس اتّجاهه سيّارة نفّاثة شكلها كالمركبة الفضائية
une forme futuriste.
وفي تقدمه المتأرجح بين اليمين واليسار على ظهر الحنايا المتآكلة يصل إلى مشارف واد عميق فيقف عاجزا على عبوره فيما تعبر جسره القديم عربة مجرورة بحمار تحمل حاسوبا.

المشهــد 1
. أحد أيّام مارس. صباحا/ خارجي.
موقع التّصوير: سور مقبرة صنهاجة
غناء بربري جبلي وصدى سنابك خيل قادمة من بعيد. تتداخل هذه الأصوات شيئا فشيئا مع تقاسيم رباب وترانيم صعيدية حتّى يتحوّل ما نسمعه إلى مقطع ملحّن من السّيرة الهلالية، سرعان ما يطغى عليه آذان صلاة ورنين ناقوس كنسي وخليط كلام تركي وفرنسي.
في أثناء ذلك، تقترح الكاميرا منظرا عاما
plan panoramique
من أعلى ربوة صنهاجة أين تقع مقبرة القرية، تتجوّل بنا
traveling
في الربوع المقابلة: هضاب وادي الليل، جبل عمّار، منظر عام لقرية صنهاجة، الخ. ثمّ تقترب الصّورة من موقع التّصوير فتتجوّل بين القبور وتستعرض حنايا الحفصيّين المحاذية للمقبرة. وب
Arrière, Zoom
تتعتّم الصّورة شيئا فشيئا حتّى تتلاشى تفاصيلها.

المشهــد 2
أحد أيّام مارس. صباحا/ خارجي، ريح معتدلة يدل عليها صوتها.
موقع التّصوير: السهل الفاصل بين قرية صنهاجة والحنايا المقابلة.
منظر عام للحنايا. تقترب الكاميرا ببطء لنكتشف من وراء الحنايا حقول الخوخ وقد اشتعلت بضوء أزهارها البنفسجي الباهر في بداية هذا الرّبيع.
تركّز الكاميرا على أحد الحنايا المتآكل أعلاها وقد تحوّل إلى بوّابة لأحد الحقول. نرى نساء في زيّ "فلاحي" يدفعن بابا حديديا ثقيلا وصدئا ثُّبّت على أعمدة البوّابة. تركّز الكاميرا على الإسمنت والآجر والحديد المغروس في لحم الحجارة القديمة لتثبيت دفّتي الباب على الحنايا. نقرأ على الباب "ممنوع الدّخول، ملك خاص".

المشهــد 3
أحد أيّام مارس. صباحا/ خارجي، صوت الريح أقوى.
موقع التّصوير: فوق الحنايا داخل المقبرة. زاوية التّصوير: أفقي.
الموسيقى المصاحبة: ترتيل قرآن على طريقة الرّاب.
شياه متناثرة بين القبور وراع يتسلّى بالمشي فوق الحنايا على طريقة بهلوان السّرك في لعبة التّوازن على الحبل. حيث نرى على يمينه المقبرة وعلى يساره طريقا معبّدة تعبرها في الاتجاه المعاكس له سيّارة تشبه في شكلها المركبة الفضائيّة وفي نفس اتجاهه عربة مجرورة بحمار تحمل حاسوبا. ولمّا يرفع الراعي يده نحو السيارة النفّاثة راسما علامة النّصر ينهق الحمار. وفي تأرجحه فوق الحنايا، يصل الرّاعي أمام واد عميق الهوّة حيث تنقطع سلسلة الحنايا، فيقف عاجزا عن العبور إلى الضفّة الأخرى. ينظر في يأس إلى بقية الحنايا في الجهة الأخرى من ضفّة الوادي. وفي الأثناء، تعبر العربة المجرورة جسرا رومانيا صغيرا يمرّ فوق الوادي، والحمار في ذلك ينهق كالضّاحك في سخرية ويرسم علامة النصر بأذنيه. يعود الرّاعي أدراجه في الاتّجاه المعاكس.

المشهــد 4
أحد أيّام مارس. صباحا/ خارجي، الريح هادرة.
موقع التّصوير: فوق الحنايا عند قناة وادي مجردة. زاوية التّصوير: من تحت الحنايا
Contre-Plongée.
نشاهد الرّاعي في طريق عودته متثاقلا. وعند اقترابه من مستوى البوّابة الحديديّة، تتحوّل زاوية التّصوير فوق الحنايا
Plongée.
ينكسر أعلى البوّابة حيث تقف العاملات فتسقط حجارة ضخمة على رؤوسهن وتحوّلهن إلى جثث بلا حراك. فيما عدا واحدة منهنّ نراها تدخل في نوبة جنونية من الصّراخ والبكاء ضاربة صّخور الحنايا برأسها ويديها، تحت أنظار الرّاعي الذي يتابع المشهد من فوق. تقترب الكاميرا من الصّخرة التي سقطت
Gros plan
فنكتشف ديدانا وحشرات تتحرّك في ثقوبها.

المشهــد 5
أحد أيّام مارس. صباحا/ خارجي. الريح هادرة.
زاوية التّصوير: فوق الحنايا
Plongée
الرّاعي مستلق على ظهره فوق الحنايا شاخصا ببصره في اتّجاه السّماء، بينما باب الحديد يتأرجح بين الانغلاق والانفتاح مخلّفا صريرا حادّا. ذباب كثيف يحوم أمام عيني الرّاعي محدثا طنينا يتصاعد شيئا فشيئا. تغيم الصورة في عيني الرّاعي ويأخذه الدوار في اتجاهات متعاكسة. يغمض عينيه ويصمّ أذنيه بأصابعه. والرّيح هادرة دوما. يقفل المشهد على باب الحديد وعلى عبارة: "ممنوع الدّخول، ملك خاص".

ثقوب الحنايا من حيث ستخرج الديدان

2 ثقوب الحنايا من حيث ستخرج الديدان

الجسر الذي ستعبره العربة المجرورة بالحمار

الوادي، نهاية الرقص بين اليمين واليسار


نقطة نهاية الرقصة


النقطة المتآكلة من الحنايا التي ستنهار على العاملات الفلاحيات





حقل اللوز


سور حقل اللوز وقد التهم جزء من الحنايا وألحقها بالحقل، بالملك الخاص


الطريق المحاذية للحنايا حيث ستعبر السيارة النفاثة والعربة المجرورة بحمار في اتجاهين متعاكسين








الحنايا المتآكلة حيث سيرقص الراعي متأرجحا



البوابة الحديدية لحقل اللوز الواقع وراء الحنايا

منظر عام للحنايا ومن ورائها تبدو هضاب وادي الليل


معلقة الشريط : ممنوع الدخول - ملك خاص
كتابة وتحقيق مصور ل جلال الرويسي
منوبة أفريل 2008

رسالة من صحراء الحياة

"لا نلتقي إلاّ وداعا عند مفترق الحديث
تقول لي مثلا:
تزوّج أيّة امرأة من الغرباء أجمل من بنات الحي
لكن لا تصدّق أيّة امرأة سواي
ولا تصدّق ذكرياتك دائما...
لا تحترق لتضيء أمّك
تلك مهنتها الجميلة"
(محمود درويش)

كلّ شتاء يحلّ هو سنة جديدة تنضاف إلى عمر موتك ومفازة جديدة تنفتح عليها صحراء حياتي. وفي كلّ ذكرى لرحيلك، أفتعل مشاغل تصرفني عن التوقّف عند ذلك الحدث الغائر في صدري كسكّين لا أقوى على اقتلاعها مخافة أن يتضاعف الألم عند تحريكها.
ورغم محاولات حاتم والزّين بثّ شيء من البهجة في المنزل وطرد الكآبة المعشّشة بين جدرانه، فإنّ ما ظلّ ينفّرني منه هو مشهد "سيدي" في شيخوخته المسكونة بالهلع من الموت، متثاقل الخطو في غدوّه ورواحه أمام صورتك التّي تتصدّر بهو قاعة الجلوس. والرّأي عندي أنّ التّوفيق لم يحالف من اختار تلك الصّورة للمحافظة عليك حاضرة بيننا وقرّر تضخيم حجمها إلى ذلك الحدّ الذّي جرّدك من بساطتك. كنت أتمنّى لو اختار لك صورة تجسّدك في وضع عفوي، وأنت تغسلين الثياب مثلا أو ترفوين الجوارب الممزّقة أو تحرّكين قدر الطّعام، ولا هذه الصّورة الجامدة التي تحيل على الموت أكثر من الحياة بهذا الحجاب الغريب عمّا تعوّدته عندك من وجه مكشوف وضاحك...
من عادتي ألاّ أردّ على المهاتفات اللّيليّة، ولكنّني لمّا رأيت اسم أخي حاتم على شاشة الجوّال الذّي أيقظني من نومي عند منتصف اللّيل، حدست أنّ أمرا خطيرا قد جدّ. "جميلة ماتت"، لفظها حاتم مستغيثا وبوضوح يقطع الطّريق على أيّ تأويل آخر. وما أغرب كيف تقبّلت ذلك النّبأ. لا بكاء ولا توتّر ولا انهيار بل إحساس أقرب ما يكون إلى الانفراج. كأنّما جاءني الخبر ليضع حدّا لكابوس كان يتلبّسني وينغّص حياتي في السنوات الأخيرة. ووجدت تفكيري كلّه مركّزا على كيفيّة قطع الخمسة مائة كيلومترا للوصول إلى قريتنا في أسرع وقت وبأضمن السّبل. وكان وقع الخبر كافيا ليستفيق سنان من سكرته ولتتكفّل جنوبيّته بالبقيّة.
عندما سحبت عنك الغطاء وصفعني وجهك الرّخاميّ البارد، فهمت معنى الموت. حتّى أنّني لم أستطع الاستمرار في تأمّل تلك الجثّة اللاّمبالية التي تشبه أمّي جميلة. وكانت تلك اللحظات القصيرة التي تأمّلت فيها سكونك المطلق كافية لأوقن أنّ الموت للميّت راحة وأنّ حزن الأحياء على الأموات ليس في الحقيقة إلاّ حزنا على أنفسهم من لوعة الفراق ووحشة الغياب. وسرعان ما غادرت الغرفة مرجئا خلوة التوديع إلى ما بعد. ولأنّني لم أقتنع بأنّك متّ فعلا، فإنّني لا أزال إلى اليوم أؤجّل لومك ومعاتبتك على هذه الغيبة نسجا على عادتنا في إرجاء النّقاشات والمواضيع التّي قد يعكّر مجرّد الخوض فيها صفو المودّة بيننا. ومع أنّني في كلّ صباح جديد أكتشف أنّ غيابك ليس حلما مزعجا، فإنّني لا أملك إلاّ أن أتمسّك بأمل لقاءك في الصّباح الموالي.
لا مشكلة لي مع الموت، فقد صرفت أكثر من نصف العمر في الاستعداد له ومحاولة فهم علاقته بالحياة والعدم والذّاكرة والخلود والبعث والعبثية. ونجحت في إقناع نفسي بضرورة الموت ومزاياه، إذ أيّ قيمة لحياة لا يتهددّها الموت وأيّ معنى لها؟ أليس خوفنا من الموت هو الذّي يدفعنا إلى الفعل قبل أن يداهمنا الغياب؟ وألا يغدو الموت بذلك محرّكا للحياة؟ لكن ما ظل يؤلمني فقط في حادثة موتك هو طابعه الغادر والمفاجئ. فهناك فرق بين أن يتوقّّع الإنسان وأقرباؤه موته فيوصي بأشياء ويودّع أعزّاء ويفي بديون ويبوح بأسرار إلخ، وبين أن يختطفه الموت فجأة فلا يجد الوقت لترتيب أمور رحيله الأبدي. ويؤرّقني أكثر أنّنا لم نأخذ تحذيراتك مأخذ الجد فكأنّنا بعدم انتباهنا لآلامك كنّا ندفعك إلى أن تفعليها وتموتي حتّى ندرك خطورة مرضك. وكما لو أنّنا، أنا وإخوتي، قد اتّفقنا دون سابق تشاور أو إضمار على عدم طي صفحتك من كتاب الأسرة وترك الأمر معلّقا إلى أن يموت "سيدي" فلعلّنا نقوى حينها على مغالبة ضعفنا ونقلب الصّفحتين معا أو أن يموت أحدنا قبله فيغادر هذا الوجود مصبّرا بزائف الأمل.
كان رحيلك تجربتنا الأولى مع موت الأقارب ولم نكن مدرّبين على مواجهة مثل هذه الرجّات. غرقنا في حالة من الذّهول والعجز عن الكلام، جعلتنا نتحاشى بعضنا البعض ليقيننا أن لا أحد باستطاعته تقديم شيء للآخر. وفيما لاذ إخوتي بالتّفاصيل كحفر القبر وشراء لوازم الكفن وغسل الميّت ونعيه عبر مصدح المسجد لتأثيّث ذلك الصّباح الشّتائي ومقاومة خناق الحزن المطبق عليهم، كنت أعصر دماغي عساي أجد طريقة لتمديد وجودك بيننا، كتحنيطك والاحتفاظ بك في صندوق بلّوري محكم الغلق مثلا، أو على الأقلّ دفنك في المنزل حتّى لا تغادريه أبدا، أو أيّ طريقة أخرى... وكأنّني بحرّاس التّقاليد الدّينية والاجتماعية قرؤوا نواياي فراحوا يكرّرون على مسمعي أنّ إكرام الميّت دفنه. وكلّما اقترب موعد الدفن، تضخّم عدد الحاضرين وتأكّد لديّ الإحساس بأنّ طقوس الجنازة ليست سوى مسرحية تراجيدية حوّلتنا أنا وإخوتي إلى فرجة لدى الجمهور المتلهّف إلى انطلاق المراسم.
وفي غمرة ذلك الانشغال كان "سيدي" متروكا لحاله في شروده وإحساسه بالعجز وخوفه من الفراغ الذّي سيلفّ حياته القادمة. وقبل انطلاق موكب الدّفن جاءته الحالة فلم يكن ممكنا عدم نقله إلى المستشفى. وفي انقلاب درامي مفاجئ، تحوّل الاهتمام إلى "سيدي" الذّي افتكّ منك الأضواء وحوّل عنك الأنظار. وللحظة، بدت الجنازة مفتوحة على كلّ الاحتمالات والتطوّرات. وظلّت أنفاس الجمهور معلّقة بين المستشفى أين يرقد "سيدي" والمنزل أين ترقد جثّتك في انتظار نقلها إلى الجبّانة.
وفيما كان الدّكتور ياسين الذّي عجز عن إنقاذك البارحة يفحص "سيدي" على نفس السّرير وفي نفس الغرفة، كان هذا الأخير ينتفض ارتجافا ملوّحا ببصره في أرجاء المكان، كما لو أنّه يلاحق روحك التي مازالت ترفرف في أرجاء الغرفة عساه يلحق بها قبل أن تحلّق عاليا ويعود بها إلى المنزل لإعادة زرعها في جثّتك الهامدة قبل مواراتها التّراب. ويقيني أنّه كان راغبا في التشبّث بجناحي روحك ليطير معك إلى ملكوت المطلق. وكان ذلك المشهد كافيا لأدرك كم كان يحبّك وأغفر له كلّ ما سجّلته ذاكرة طفولتي من خطايا تجاهك. وكان لابدّ لي من ترك "سيدي" لمصيره واللّحاق بموكب الدّفن.
من أين جاءتني القدرة على إدارة ذلك الفصل من الجنازة وأنا موزّع ما بين المستشفى والجبّانة وانجراف القلب ونزوح العقل وثقوب الذّاكرة؟
غادر نعشك المنزل محمولا على حناجر الرّجال المكبّرين حتّى يغطّوا على عويل النّسوة وصراخ الأطفال الفزعين. ولكنّهم لم ينجحوا في التّغطية على نداءات جليلة وهي تلعب ورقتها الأخيرة منادية إيّاك عساك تستيقظين في نعشك وتضعين حدّا لذلك الكابوس المرعب. كم آلمني أن أرى من يصوّر موكب التّشييع بالهاتف الجوّال كما لو كنّا في مهرجان فولكلوري أو محفل عرس لكنّني مشيت في غمرة المودّعين دون أن أزاحم أحدا لحمل النّعش. وفي الجبّانة، وقفت بعيدا عن القبر أتابع طقوس الدّفن كما لو كان الميّت شخصا أعرفه من بعيد. وفي موكب الأربعينية، عاتبني كثيرون على ضعف تأثّري وهدوئي أثناء الجنازة واستنكروا ردّي على كلّ من كان يقول لي معزّيا "البركة فيك" بقولي "اللّه يبارك فيك" لأنّ هذه الصّيغة في الرّد تستعمل عند تقبّل التّهاني.
في اليوم الثاّلث، ما إن فرغنا من بناء القبر ونثر الزهور عليه حتّى غمر القرية مطر طوفاني جعل نبيهة تعلّق: "كانت المرحومة تحب الشتاء وتتمنّى على السّماء ألاّ ترفعها إلى ملكوتها إلاّ شتاء". وها أنّ السّماء قد استجابت بهذا الشّكل الذّي جعلنا بعد توقّف الطّوفان نشعر كما لو أنّنا ولدنا من جديد مغسولين من أحزاننا وخطايانا. عند عودتنا من الجبّانة، كانت ملابسنا الملتصقة بأجسادنا تعتصر ماء سماويا. وكانت الحيطان والأبواب والأثاث والأرض مشرّبة كما الإسفنجة بالماء، حتّى غدا الموقف مزيجا بين الواقعي والأسطوري وصرنا عاجزين عن تشخيص مشاعرنا بدقة. فقد تداخلت دهشة اللحظة مع لوعة الفراق وعبثية الحياة لتحوّلنا أطفالا كبارا يتامى وحزانى وحيارى كالسّكارى. وزاد من سريالية المشهد إشعال مواقد الحطب التي تحلّق حولها الحاضرون فانعكست أضواؤها على وجوههم المفتعلة للحزن تستّرا على انتشائهم بغرائبية اللّحظة. ولم يكن ينقص المشهد حتّى يحيل على طقوس القبائل البدائية إلاّ أن نخلع ملابسنا ونقرفص حول النّار حفاة عراة. وكم أشفقت لحال تلك القريبة التي فوّتت على نفسها عمق اللحظة بانصرافها إلى الاحتفاء بذلك الخطيب التّعيس الذّي كان يتمنّى في سرّه لو يموت كلّ يوم قريب لخطيبته حتّى يمكنه الالتقاء بها أكثر.
متى هدأت حالة "سيدي" وكيف حصل ذلك؟ كلّ ما أذكره هو أنّه ظلّ طوال إقامته بالمستشفى يسأل عن تفاصيل الجنازة وهيبتها وموقع القبر وأسماء المتخلّفين عن الحضور وموكب العزاء وعشاء الترحّم وحلقة التّرتيل والذّكر الحكيم. دامت إقامته بالمستشفى أسبوعا عاد إثره إلى المنزل وقد ورث منك ارتفاع ضغط الدّم وكأنّ ذلك المرض هو روحك التّي كان يطاردها في أرجاء الغرفة يوم الجنازة. والحقيقة أنّ مرضه وانشغالنا بتطوّر حالته ساعدا كثيرا في التّخفيف من مصابنا وامتصاص ألمنا. كنّا جميعا متوجّسين من لحظة دخوله المنزل وقد فقد نبضه وخلا من روحه. فنحن ندرك أهمّية وجودك بالمنزل بالنّسبة إليه، وهو الذّي كان يرسل في طلبك حالما تغادرين المنزل للتّسالي عند جارتنا. فتعودين غاضبة معاتبة. لكنّه سرعان ما يهدّئك بمجرّد اعترافه بأنّه لا يحتمل المنزل وأنت غائبة عنه.
فجأة تعطّل نبض الحياة في هذا المنزل حتّى أنّ عقارب السّاعة الحائطية بغرفتك ذات السّقف الخشبي توقّفت عن الدّوران في نفس السّاعة والتّاريخ الذّين غادرت فيهما باتّجاه المستشفى. صار المنزل موحشا كالمقبرة. تبخّرت روائح الأكل من مطبخه وخلا بهوه من ضجيج الأحفاد ولم يعد للصّبايا الطّامحات إلى الفوز بأحد أبناءك سبب وجيه للتّردّد عليه. وفهم طبّال العيد أن لا فائدة ترجى من اللّف والدّوران حول هذه القلعة المهجورة إلاّ من طير الحمام. لذلك، لم أعترض على مشروع الزّين لهدم الغرف القديمة وإقامة جدران جديدة لا ذاكرة لها مكانها. أعترف أنّني فقدت كلّ ارتباط عاطفي بتلك الجدران التي رعت طفولة أحفادك وأثّثت ذاكرتهم. أمّا ذاكرتي أنا وإخوتي فقد تركتها الأسرة هناك في أمّ العرائس يوم قرّرتما أنت و"سيدي" مغادرة تلك القرية المنجمية المستعصية على عقال تاريخ البلاد وجغرافيتها والعودة إلى هذه الواحة المتجذّرة في سراب الرّمل بحثا عن بقايا من ذاكرة طفولتكما وهذا حقّكما. لكن من حقّ فيصل كذلك أن يرى في هذا المنزل نذير شؤم ويقاطعه في آخر زيارة له لدقاش عند إصابة "سيدي" بجلطة قلبية كادت تلحقه بك لو لم ينقذه ابن عمّي المتديّن بقراءة سورة قرآنية جعلته يفيق من غيبوبته التي عجزت طبيبة القلب الرّوسيّة عن إخراجه منها. لن أتصالح مع ذاكرتي قبل أن أستردّ بيتنا في أم العرائس وأجعل منه مركز وثائق ومتحفا للحياة المنجميّة.
وكان لابدّ أن ينصرف المعزّون ذات يوم لنكتشف حجم الفراغ من بعدك. وها أنّ فيصل يسرف في غربته مستمدّا منها ستارا واقيا وحاتم يمطّط لياليه حتّى لا يرى نهاراته الخالية منك والزّين يضاعف من زهده في الحياة ترحّما على روحك الطاهرة. ونبيهة وجليلة ووحيدة يتناوبن على خلافة دورك كأمّ ومكانك كربّة بيت ممزّقات بين بيوتهنّ وبيت العائلة المحال على الإنعاش ريثما يتزوّج أحدنا ليزرع فيه الحياة من جديد. فيما اخترت أنا الطّواف ب"سيدي" بين المدن والأقارب ريثما تخبو ذاكرة الجدران والجيران. وأعترف أنّ موتك قرّبنا من بعضنا أكثر وأجبرنا على المجاهرة بحبّنا لبعضنا بعضا وعلى التّواصل والانشغال بما يحصل للواحد منّا أكثر من قبل وهي كلّها أعباء كنت وحدك المتكفّلة بها. هل كان لابدّ من أن تموتي حتّى نقتني ل"سيدي" سمّاعتين أخرجتاه من صممه وكسرتا عزلته الصّوتية وأعادتاه إلى مجالسة النّاس ومشاركتهم الحديث؟ عذرا على أنانيتنا كلّ تلك السّنوات التّي قضّيتها معه في صياح وعناء لإبلاغه ما تريدين قوله. وأعترف كذلك أنّني لم أتجاهل فرضية تزوّج "سيدي" ثانية. تعاملت مع المسألة بما أوتيت من العقلانيّة، بعيدا عن العواطف الرّخيصة، تلك التي تنظر للموضوع من زاوية خارجية يسمح أصحابها لأنفسهم بإدارة حياة الآخرين ومصادرتها تحت ستار الوفاء والإخلاص. وانتهيت إلى أنّها حياته لوحده يعيشها كيفما شاء على أن أساعده في ما يختاره بملازمة الحياد وعدم التدخّل إلاّ إذا طلب منّي ذلك.
في المقابل صارت المقبرة من أكثر الأماكن أنسا وألفة لدينا. نعم فقد صالحنا موتك مع المقبرة التي كان مجرّد المرور بجانب سياجها الخارجي يبث الرّعب في طفولتنا البريئة. حجز "سيدي" لنفسه قبرا إلى جانبك غير عابئ بانتقادات شقيقه الذّي رأى في ابتعاده عن جناح والديه وإخوته خيانة. وصار الجلوس على ذلك المقعد الرّخامي الصّغير بجانب قبرك موعدا يوميا للتأمّل والبوح والمناجاة الصّامتة حتى يستعيد راحته وصفاء ذهنه. وكم يروق له أن يشاهده المترحمّون في خلواته تلك فتطول عنقه ويباهي بفخامة قبرك متحدّيا ما أثاره حجم القبر وارتفاعه وشكله ورخامه من تحفّظات لدى حرس التقاليد. ومن جانبه، أدرج الزين المرور بقبرك في طقوس ما بعد السّكرة وصار حريصا على ألاّ يختم سكرته إلاّ بإفراغ جعبة عواطفه وأفكاره المتشابكة على مسامعك وقد يأخذه النّعاس أحيانا فينام بين أحضانك كالطّفل الوديع. وشجّعني موقع الجبّانة بمدخل القرية على أن أجعل من زيارة قبرك وتحيّتك أوّل فقرة عند حلولي بدقاش عائدا من تونس وآخر فقرة عند مغادرتي لها. وفي كلّ وقفة، أدندن مطلع أغنية لأمّ كلثوم وفاء لتعلّقك بكوكب الشّرق. آه، كم أتمنّى تركيز آلة تسجيل تردّد على طول اليوم أغاني أمّ كلثوم بالتّناوب مع تراتيل عبد الباسط عبد الصّمد صاحب الصّوت الزّلال والأداء المطمئن الذّي كم يحزّ في نفسي أن يستعاض عنه بمرتّلين غرباء عن ذائقتنا السّمعية لا يحيل أسلوبهم إلاّ على سعير جهنّم وعذاب القبر. أمّا أخواتي، فلولا خوفهنّ من التّعاليق الحمقاء للأهل والأقارب لتحلّقن كلّ عشيّة حول قبرك في الجبّانة ونصبن برّاد الشّاي. عهدا لك ولهنّ منّي، سنفعلها ذات عشيّة وفاء لروحك المرحة ونكاية في حرس التّقاليد الأغبياء.
أمّا بعد، فالأحداث المحزنة التي حصلت في هذه السّنوات الثّلاث من غيابك أكثر من الأحداث المفرحة. بل هي أكثر من كلّ المآسي التي مرّت بأسرتنا منذ تأسيسها. فهل من شك بعد هذه الحقيقة أنّك كنت في حياتك تمنعين السّماء من الانهيار على رؤوسنا. لكن بقدر المرارة التي خلّفتها هذه المآسي فنحن جميعا فرحون لأنّك نجوت منها. فهنيئا لك بعدم حضور حادث المرور الذي تعرّض له فيصل وسبّب له نزيفا دماغيا وغيبوبة دامت قرابة الشّهر. وكذلك للجلطة القلبية التّي أصابت "سيدي" وفقدان وحيدة لرضيعها في شهره الأوّل وخضوع الزّين لعمليّة استئصال لكليته اليمنى وإصابتي أنا وحاتم بمرض السّكّري. أروع ما في خطوبة حاتم هو أنّها كانت فرصة لإعادة "سيدي" إلى حلبة الرّقص، ذلك الشّيء الوحيد الذّي يتقنه بامتياز لا أخال أحدا قادرا على منافسته فيه. رقص حتّى غاب عن الوجود وكأنّه في حلقة رقص صوفي، حتّى أنّنا خفنا على صحّته وقلبه من الإنهاك. لكن يبدو أنّ الرّقص الصّادق والفرح الحقيقي خير دواء للقلب وللشّيخوخة. ومادمنا نتحدّث عن حاتم فقد ربح معركته مع الجيران وحصل على ترخيص السّلط لتركيز محطّة التقاط وإرسال هاتفي فوق سطح المنزل. وقد تضاربت الشّائعات والأرقام بشأن معلوم الكراء الذّي دفعته شّركة الاتّصالات ل"سيدي" وأعترف أنّني ساهمت في نشر هذه الشائعات إشفاقا على الجيران من بؤس الفراغ وتأثيثا لوقتهم المسكون باللاّمعنى.
وفي الأخير، كم أسعدني أن أراك في منامي سكرتيرة متأنّقة وضاحكة ورشيقة. وفيما حمّل الأقارب والأهل حلمي ما لا يحتمل، فإنّنا الوحيدين الذّين لا يمكن أن نختلف في تفسيره. شكرا على تجسيدك لمشروعنا المؤجّل بالتّسجيل في برنامج تعليم الكبار والفوز بالرتبة الأولى بين النّاجحين.
جلال الرويسي
منّوبة في 28 نوفمبر 2008