dimanche 20 janvier 2013

قابيل وهابيل


كنت جالسا مع جمع من أبناء جيلي في رواق مقهى السوق أثناء زيارتي لقريتي بعد سنين طويلة من الغياب، لمّا عبر إلى الدّاخل شخص يشوّه خدّه الأيسر أثر غائر لجرح قديم، كان كهلا أشيب ينتعل حذاء رياضيا أمريكي العلامة ويرتدي جلبابا أفغانيا أشخم تحت جاكيتة سوداء وترتسم على جبينه كدمة السجود السوداء. حيّاه أحد الجالسين "صباح الخير عم بشير؟" قبل أن يلتفت نحوي سائلا "ألم تعرفه؟". وقبل أن أجيب، اقترح عليّ صديق آخر أن أتحدّاه كأيام زمان في لعبة ورق، فاعتذرت بـأنّني أفضّل الاكتفاء بدور المتفرّج. والحقيقة أنّ الحنين كان قد اكتسحني وصور الماضي صارت تتدافع مستيقظة في الذّاكرة. 
سرحت أتأمّل حياة السّوق وحركة الناس في بطحائه التي لم يتغيّر منها شيء يذكر. رأيتني طفلا في العاشرة متطلّعا إلى المجلاّت البديعة المعروضة على باب كشك الشيخ إبراهيم بالليل، ماسكا بمقبضي البرويطة المحمّلة باحتياجات الأسرة من قضية الشهر (السبيسة). كان والدي يحرص على ترصيف المشتريات بشكل فيه جمالية ونظام يستعرض من خلاله للآخرين تنوّع ووفرة ما اشتراه لعائلته. كنت منغمسا في قراءة العناوين، لمّا استرعى انتباهي صراخ وجلبة قادمين من بطحاء السّوق أين تجمهر الناس يتدافعون حول حلقة يلفّها غبار كثيف. وبدافع الفضول، وجدت نفسي ألتحق بالجمع محاولا أن أشق لي منفذا أطلّ من خلاله على وسط الحلقة. لمّا نجحت في ذلك، فوجئت بحلبة مصارعة رومانية كان بطلاها شابّين أعرفهما جيّدا. أحدهما فرشيشي حديث العهد بالقرية، اسمه بشير وهو جار لنا، يقيم في البرّاكات القصديرية التي أقامتها شركة الفسفاط لإسكان العزّاب المنتدبين حديثا. أمّا الثّاني، فكان الطّاهر لوصيف. شاب أسمر ووسيم، هادئ الطبع ورومنسي. صار نجما معروفا ومحبوبا لدى أهل القرية منذ مشاركته المتميّزة في البرنامج التلفزي "نجوم الغد" حيث أدّى أغنية لعبد الحليم حافظ. يقال واللّه أعلم أنّ له ميولا مثلية. قدّرت في خاطري، ربّما كي لا ينغّص عليّ ضميري لذّة الفرجة، أنّه لا يمكن أن يلتزم كلّ ذلك الجمع بالحياد والاكتفاء بالفرجة دون سبب وجيه يجعلهم يطلقون هذين الرجلين  أحدهما على الآخر. فلابدّ أنّ أمرا جللا حصل بين الرّجلين. كان بشير يتفوّق بوضوح على خصمه في البنية الجسدية والعضلية. وكان متعرّقا يبتسم ويدور حول الطّاهر الملقى أرضا، ممهلا إيّاه كي ينهض دون أن يفارقه بعينيه المتّقدتين كالجمر. كان يبدو منتشيا بسيطرته على خصمه ويتصرّف كما لو كان يؤدّبه. نهض الطّاهر الرّومانسي المسالم مدمى ومترنّحا واستعان بصرخة استلّها من أعماق أعماقه وأطلقها كالجمل الهدّار وعلى فمه مزيج من رغوة بيضاء ودم ساخن، ليفاجأ بشيرا بلكمة جعلت فكّاه يصطكّان ووقفته الثابتة ترتج. أحدث ارتطام قبضة الطّاهر الرومانسي المسالم بشدق بشير صوتا مكتوما وحادّا. ومواصلا صرختة الهادرة التي كان صداها يجلجل في أرجاء سوق القرية، انقضّ الطّاهر الرومانسي المسالم بأسنانه على وجه بشير لينتش منه قطعة لحم حي جعلتني رؤياها أغمض عيني من فرط الفضاعة وأنسحب من الحلقة راكضا نحو منزلنا. 
في العشية، كانت والدتي لا تزال تكمّد لحمي المزرقّ بفعل سياط حزام والدي الجلدي عقابا لي على فقدان برويطة القضية، لمّا دخلت الخالة تركية العوراء لتخبرنا بمقتل الطّاهر الرّومانسي المسالم على يد بشير الفرشيشي... كان سبب المعركة إصرار بشير على الفوز بقلب عائشة راقصة الفنون الشعبية ومنظفة دار الشعب التي كانت ممزّقة بين رومانسية الطّاهر وفحولة بشير. نال البشير حكما بالسجن لعشرين سنة، كبرت خلالها وغادرت القرية للدراسة الجامعية ثم الشغل الذي اقتصر علاقتي بالقرية إلى زيارات خاطفة... لكنّني أبدا ما نسيت مشاهد تلك المعركة الدامية بلكماتها وبلحمة خد البشير الحيّة وبدماء الطاهر الرومانسي. ظللت طوال السنين أتساءل في ثورة "لماذا لم يتدخّل المتفرّجون من سكّان القرية لفض المعركة؟؟ لماذا اختاروا الفرجة وتلذّذوا بها؟؟ كان يمكن لبشير أن لا يصير قاتلا، كان يمكن للطّاهر الرومانسي المسالم أن لا يموت مقتولا..."
أحسست من نظرة عم بشير إليّ وهو يدخل المقهى، كما لو أنّه قد عرفني. 

جلال الرويسي- منّوبة جانفي 2013