lundi 29 avril 2013

شبكات القراءة الاجتماعية: أو الكتاب في مثلّث التكنولوجيا والتجارة والمعرفة


مقدّمة
من تجلّيات الثورة الرقمية والاتصالية ما توفّره تطبيقات الجيلين الثاني والثالث للويب من خدمات متنوّعة على غاية الأهمّية في مجال التشبيك والتشارك والتسويق. فعلى خلاف الجيل الأوّل للويب ذي البنية العمودية الجامدة وذات الاتجاه الواحد من المنتج إلى المستخدم المحكوم عليه بالتلقّي السّلبي، جاء الجيل الثاني للويب منفتحا وتشاركيا بما يسمح للمستخدمين بالمشاركة في إنتاج المضامين وبتعديل المنشور منها وبتبادل المعطيات والخدمات والتطبيقات على الخط مباشرة. وينعت المختصّون الجيل الثالث للويب بويب المعاني le web sémantique أو الويب الذّكي le web intélligent نظرا لسعيه إلى رسم ملمح عام للمستخدم يكشف الفضاء المعلوماتي الذي يتحرّك فيه والمعلومات التي يحتاجها ونوعية المستخدمين الذين يتعامل معهم من خلال تقفّي سلوكه المعلوماتي وتحليل مساراته ومحتوى المواقع التي يزورها تحليلا آليا نوعيا وكمّيا. ويعتمد في ذلك على ما يعرف بالأنطولوجيات les ontologies، أي شجرة العلاقات الدلالية واللسانية والسيميولوجية والشكلية الرّابطة بين المعلومات التي يطّلع عليها المستخدم، سواء كانت صورا أو نصوصا أو تسجيلات صوتية أو فيديو أو أي شكل آخر. وهذا يفتح المجال لاستهداف المستخدم بعروض إشهارية وتجارية تتطابق مع الملمح الذي تشكّل له.
وبالتوازي مع ذلك تشهد تكنولوجيا المحامل الإلكترونية تطوّرا مذهلا وتسابقا محموما يجعل السوق لا تعرف الاستقرار. ففي كلّ يوم تظهر لوحة إلكترونية tablette جديدة متعدّدة الوظائف تسمح بمعالجة النصوص وبتخزين المعلومات المتنوّعة وقراءتها وتراسلها والتفاعل بشأنها في إطار الشبكات الاجتماعية، من جنس الآيباد Ipad وأخواتها
1.عن الكتاب الإلكتروني
تبدو تسمية هذا المنتج التكنولوجي بالكتاب قاصرة على تغطية كامل حقله الدّلالي باعتباره منفتحا على الصّوت والفيديو. وتبقى المفارقة الأكبر تلك المتمثّلة في محاكاة الكتاب الإلكتروني لنظيره الورقي على مستوى تصميمه وإخراجه الفني كاعتماد نظام الصفحات الورقية وتقطيع النص إلى أقسام، ففقرات لها هوامش، ثم فهارس الخ. فهل تفسّر المحافظة على تسمية الكتاب وعلى كثير من خصائصه الشكلية بالحرص على إسباغ شيء من الوجاهة المعرفيّة على الكتاب الإلكتروني، هذه الوجاهة التي تعوزه نظرا لالتصاقه بصورة اللعبة الإلكترونية le gadget électronique ؟  
والمعلوم أنّ انطلاقة الكتاب الإلكتروني في نهاية القرن الماضي كانت متعثّرة، حيث لم تنجح الموجة الأولى من "آلات القراءة" في جلب انتباه نسبة كبيرة من المستعملين. وفي الوقت الذي اعتبر معارضو هذه التّكنولوجيا الأمر مجرّد موضة عابرة كغيرها من "الشّطحات التّكنولوجية" في عالم المعلومات والاتّصال، عاد الكتاب الإلكتروني من جديد مستفيدا من قدرته الفائقة على التطوّر والتكيّف. وصار يؤثّث الأجنحة الكبرى في معارض الكتاب عبر العالم. واليوم، يكاد لا يخلو صالون للكتاب من ندوة علمية حول "الكتاب الإلكتروني" و"القراءة الرقمية" و"القراءة الاجتماعية" و"قراءات الغد". على أنّ سوق القارئات الإلكترونية عادت إلى التراجع من جديد منذ بداية 2012، بسبب مزاحمة اللوحات المتعدّدة الوظائف (عرض أشرطة فيديو، ألعاب فيديو، كاميرا فيديو، قراءة النصوص، وهي إلى ذلك موصولة بالأنترنيت، الخ.) حيث صارت قراءة الكتب مجرّد وظيفة ضمن الوظائف الأخرى للّوحة. ففي فرنسا مثلا، تمثّل القراءة 10% من جملة استخدامات اللّوحة. لكن لا ننسى أنّه لا تزال هناك سوق مستقلّة للقارئات الإلكترونية ذات الوظيفة الحصرية (القراءة) تزن 1/10 (العشر) من سوق اللوحات متعدّدة الوظائف. وإذا أضفنا ال13% التي تمثّلها قراءة الصحف على اللوحات المتعدّدة الوظائف، نقف على الحجم الحقيقي لسوق القراءة الإلكترونية. (انظر الرسم أدناه)
أوجه استخدام اللوحات المتعدّدة الوظائف ومقارنة بين سوق القارئات الإلكترونية وسوق اللوحات المتعدّدة الوظائف[1]
2. عن الشبكات الاجتماعية
هي مواقع للتجمّع على الخط بما يسمح بتكوين مجتمعات افتراضيّة كبرى. والمبدأ فيها أن يصمّم كل مشترك ملمحا خاصّا به (بروفايل) بهدف ربط علاقات مع بقية مشتركي الشبكة من خلال تقديم شخصيّته أو على الأقل تقديم ما يرغب أن يعرفه عنه الآخرون. ويحتوي البروفايل عادة على صورة وبعض البيانات الشخصية عن المشترك. وتتأسّس العلاقات بين الأفراد لأسباب شخصية أو مهنية سواء كانوا على معرفة ببعضهم أم لا. ويمكن لكلّ صديق أن يطّلع على بروفايلات أصدقاء صديقه ومن ثمّة توسيع دائرة أصدقائه بما يجعل شبكات العلاقات تتوالد من بعضها البعض في شكل حلقات متداخلة في إطار الشبكة الاجتماعية الأم. وتقدم هذه المواقع خدمات من شأنها دعم الاتصال والتفاعل بين أعضاء الشبكة الاجتماعية مثل التراسل والمحادثة الفورية وإنشاء مجموعات اهتمام وصفحات للأفراد والمؤسسات والإعلان عن حدث ودعوة الأصدقاء إلى المشاركة فيه وتقاسم الوسائط مع الآخرين كالصور والفيديو والبرمجيات.
3. عن شبكات القراءة الاجتماعية[2]
أمّا القراءة الاجتماعية فهي شبكة اجتماعية تتّخذ من الكتب وقراءتها موضوعا للنقاشات التي تحتضنها، وتشهر تلك النقاشات على أوسع نطاق لتشرك فيها أكثر ما يمكن من القرّاء المعلّقين.
ومن الشبكات المعروفة في مجال القراءة الاجتماعية نذكر على سبيل المثال، شبكة غودريدس Goodreads الأمريكية ومقرّها سان فرانسيسكو وهي أشهر شبكة للقراءة الاجتماعية في العالم. تأسّست شنة 2007 وهي تعدّ اليوم ستة عشر مليون عضو مشارك وثلاثين ألف ناد للقراءة. وتسمح منصّتها بمعرفة ما يطالعه الأعضاء وباكتشاف العناوين الجديدة وبالتحاور مع المؤلّفين، كلّ ذلك بشكل فوري على الخط. ومن الشبكات المعروفة الأخرى
وبتأمّل الأطراف المتدخّلة في نشاط القراءة الاجتماعية، نتبيّن أنّ لها أبعادا متعدّدة مدارها ليس دائما معرفيا. فهناك النّاشرون والكتبيون والموزّعون ومهندسو الويب واختصاصيو التسويق وجمعيات القرّاء وجمعيات الكتّاب والمدوّنون والقرّاء الأفراد وغيرهم كثير. وهذا يعني أنّه إذا كان ما يحرّك البعض هو البعد الاقتصادي والتجاري فإنّ للبعض الآخر خلفيات ثقافية بينما لغيرهم دوافع سياسية واجتماعية، الخ. ولم يمنع تعدّد المشارب والغايات جميع هؤلاء من الاتفاق على مصطلح "القراءة الاجتماعية" تأسّيا بالمفهوم الأم وهو "الشبكات الاجتماعية".
لكنّ الموقف من القراءة الاجتماعية وجدواها يتنازعه قطبان. فبينما لا يرى فيها القطب الأوّل سوى نشاط تجاري يتقنّّع بالنقد وتبادل الآراء، يعتبرها القطب الثاني أداة فعّالة للتنبيه إلى ما يصدر ولتشجيع القرّاء على الفعل النقدي ومن ثمّة إطلاق المواهب النقدية وتوسيع دائرة النقّاد.
1.3.المتحفّظون على شبكات القراءة الاجتماعية
تتمثّل الحجّة الأبرز للمحترزين على القراءة الاجتماعية (أو المحترسين منها) في أنّ هذا المجتمع الافتراضي الشفاف الذي يتحدّث عنه بعض الناشطين في الفضاء الرّقمي تحت مسمّيات شبكات القراءة الاجتماعية، أو خدمات التفاعل والتوصية (النصح) بالقراءة، لا تعدو أن تكون في الواقع سوى توجيهات آلية تعتمد على الذّكاء الاصطناعي وتسيّرها برمجيات إعلامية، من نوع ما نقرأه على صفحات مواقع ويب بعض الكتبيّات، حيث تعلن "الأشخاص الذين اشتروا هذا الكتاب، اشتروا أيضا العناوين التالية...". وهذا معناه "انسج على منوال أصدقائك"، لأنّ الخيار الجماعي مطمئن. ولكن، لا حاجة إلى كثير من الدّراية والفطنة ليدرك أيّ كان أنّ المتحكّمين في برمجيات توجيه الاختيارات إنّما هم نخبة ضيّقة جدّا من النّاشطين الكبار في مجالات الصناعات الثقافية الذين يملكون قواعد البيانات الضّخمة على غرار محرّك "غوغل" أو موقع أمازون. وبالتالي ففي الوقت الذي تتلذّذ جحافل المبحرين على الأنترنات بوهم حرّية اختيارها، غارقة كلّ يوم أكثر من الذي سبقه في أحبولة تبعيّتها لباعة هذا الوهم، ومعرضة عن الخدمة البشرية المشخّصة والمؤسّسة على الإصغاء المعمّق للحاجة التي يعرضها الكتبي والمكتبي، يغنم باعة الأوهام مرابيح طائلة من وراء نقر مدمني النصح الأنترنيتي على صور أغلفة الكتب وعلى سائر أنواع الإشهار المدسوسة في الصفحات التي يزورونها.
فهل ترانا نبالغ إذا اعتبرنا هذا التعبير لشركة أمازون "الأشخاص الذين اشتروا هذا الكتاب، اشتروا أيضا العناوين التالية..."؟ الوجه الآخر لمفهوم "الكتب الأكثر مبيعا" Les Best-sellers؟ وألا يمكن أن نضع في نفس الخانة ما تقوم به مواقع الكتبيّات الإلكترونية عندمّا تتطفّل على حميميّة قارئ مختل بنصّه لتدسّ إعلانا مفاده "هذا القسم أثار ردود فعل عدد هام من القرّاء الآخرين الذين علّقوا عليه بكذا وكذا..." وما عليك إلاّ أن تنقر لتعرف ما كتبوه. إنّه المنطق ذاته الذي ألفناه في قياس نسب المشاهدة التلفزيونية (الأوديمات) أو في تقنية عدّاد الزيارات الذي تحلّي به مواقع الواب صفحات استقبالها، من أجل حيازة أوفر نصيب في سوق الإشهار. وهذه ممارسات يمكن أن ترفع رقم معاملات عنوان ضعيف التوزيع وتجعل منه منتوجا واسع الرّواج. 
وفي جانب آخر، هناك من يتحفّظ بشدّة على الأدوات التي يعتمدها باعثو شبكات القراءة الاجتماعية، لأنّها ليست مجرّد وسائل تكنولوجية محايدة كما توحي به في الظاهر، ولكنّها أدوات تدجين للفكر وتعليبه وفرض قوالب محدّدة من التفاعل. فمثلما تفرض برمجيات الكتابة ومعالجة النصوصword, wordPad, Bloc-notes, etc.  قوالب معيّنة وأشكالا مضبوطة من الخطوط وأحجاما محدّدة من الحروف، تفعل منصّات القراءة الاجتماعية Amazon, libfly الشيء ذاته حيث تفرض حيّزا محسوبا ومسمّيات بعينها critique, commentaire, votre avis وهذا كلّه ينمّط الاستخدام ويقولبه، بشكل يحوّل القارئ إلى رهينة لتكنولوجيا دون أخرى. فالسبب في استحالة تبادل تعليقات قرّاء الكتب الإلكترونية على نطاق واسع لا يعود إلى قصور تكنولوجي بقدر ما هو أمر متعمّد من مصنّعي أجهزة القراءة لحبس مستعملي كل ماركة في دائرة مغلقة، وذلك بهدف المحافظة على قاعدة مستعملي كل ماركة في مرحلة أولى، ومن ثمّة السّعي إلى توسيع تلك القاعدة في مرحلة ثانية. وهذا ما يفسّر أنّ لكلّ شبكة نظامها في تدوين الملاحظات وتقاسمها. وهو ما يعرف لدى الاقتصاديين بالأسر التكنولوجيverrouillage technologique . وكمثال على ذلك، نذكر التعاون القائم بين مصنّع قارئ "كندل" ومؤسسة أمازون لبيع الكتب، حيث يتمّ تزويد مالكي قارئ "كندل" بمحتويات رقمية عبر شبكة هاتفية وذلك وفق قالب رقمي مغلق يحصر الاستعمال في دائرة مالكي قارئ "كندل" أو مشتركي شبكة المزوّد الهاتفي.
ويذهب الأمر إلى أبعد من ذلك. فقد يغريك عنوان كتاب أو مفهوم ورد في تعليق منشور على شبكة اجتماعية بالتوغّل أكثر، فتنقر على الرّابط أملا في الانتقال إلى نص ذي علاقة بذلك المفهوم أو المصطلح، ولكنّك تحطّ الرّحال في الموقع الإلكتروني للبائع. وهذا مثال على الفخاخ المدسوسة في شبكات القراءة الاجتماعية لاستدراج القارئ إلى موقع بيع الكتب عن بعد. والطّريف أنّ هذا يعيدنا إلى المفهوم الأصلي للشبكة بوصفها أداة للصيد.
2.3. أنصار شبكات القراءة الاجتماعية
ولكنّ القراءة الاجتماعية تعني برأي الشق المقابل إتاحة الفرصة للقارئ حتّى يتفاعل بإدماج ملاحظاته في متن النص الأصلي ويتقاسم ذلك على الأنترنيت في إطار شبكة اجتماعية. ذلك أنّ هذه التعليقات توفّر للقارئ صورة عن المجتمع القرائي الافتراضي الذي يشاركه اهتماماته ويتقاسم معه قراءاته وتفاعلاته، ومن ثمّة تحدّد موقفه من البقاء في الشبكة أو الانسحاب منها. كما توفّر التعليقات والهوامش في شبكات القراءة الاجتماعية رهانا تجاريا كبيرا في مجال الكتاب الرقمي والنشر الإلكتروني بالنّسبة للنّاشر والكتبي، نظرا لأنّها تعطي النّاشر فكرة على نوعية القارئ ودرجة تركيزه، ونظرا لقاعدة التأثّر والتّأثير بين القرّاء المنتمين والنّاشطين في الشبكة les effets de club.
ويشكّل نشر القرّاء انطباعاتهم بخصوص ما قرؤوه على الشبكات الاجتماعية دعوة للقراءة التشاركية، وهذا في حدّ ذاته فعل اجتماعي بالغ الأهميّة. لذلك يؤمن الكثيرون ممّن يهمّهم إنقاذ فعل القراءة بصرف النظر عن موضوعها أنّه بإمكان الشبكات الاجتماعية أن تشكّل حصنا ضدّ استفحال أزمة القراءة. فالكثيرون صاروا يخشون أن يندثر فعل القراءة في أبسط معانيه بوصفه فكّا للحرف.
وفي جانب آخر، يعتبر البعض أنّ القراءة الاجتماعية تعني الكتابة الاجتماعية. فأن تقرأ على الخط يعني أن تكتب على الخط أيضا كلّ ما يخطر ببالك أثناء قراءتك: انطباعات، تفاعلات، أسئلة، اعتراضات، الخ. ومع أنّ الهوامش الخاصّة بكلّ شخص هي صالحة بالأساس لصاحبها وهو ما يعني أنّها لا تتساوى في القيمة الاجتماعية، ألا يلعب القارئ الذي يدوّن فقرة تتحدّث عن كتاب وتحيل إلى عنوان بائعه دورا تجاريا دون وعي منه؟ وألا تتجاوز الموافقة أو الاعتراض صفتها كردود فعل مزاجية تنفّس عن مكنون أصحابها بمجرّد أن تصبح منشورة ومتقاسمة على شبكة للقراءة الاجتماعية؟ هذا، علما أنّ هذه التعليقات تتميّز بقلّة الهوامش النقدية العميقة والنوعية التي يبحث عنها أغلب القرّاء. حيث تظلّ تعاليق الصحفيين والباحثين الأكاديميين والكتّاب خارج دائرة القراءة الاجتماعية أين لا نعثر إلاّ على هوامش القرّاء العاديين.  
ولكنّ البعض يردّ على هذا التحفّظ بإنّ بقاءنا سجناء لتمثّلاتنا النّخبوية لفعل الكتابة هو الذي يمنعنا من إعطاء تلك التعليقات ما تستحقّه من العناية والتقدير. فقد تعوّدنا في منظومة القراءة الكلاسيكية أن لا نتساءل عمّا يدفع قارئا ما إلى تمييز جملة ما داخل نص ما من خلال تسطيرها أو أي شكل آخر. فقد يفعل القارئ ذلك لأنّ الجملة غير واضحة وتحتاج العودة إليها لمزيد التأمّل، أو لأنّها مستفزّة له وتتطلّب التّعليق الفوري الذي لو عاد إليه صاحبه بعد فترة لوجده باردا وسطحيا بل في كثير من الحالات مسقطا خارج سياق النص، أو لأنّها تلخّص المعنى العام للفقرة وبالتّالي قد تصلح كاستشهاد، الخ. فهل تفتح الشبكات الاجتماعية أفقا جديدا وإمكانيات أوسع لتأويل الكتابة عن الكتابة والاستفادة منها؟ وإلى أي حدّ يمكن اعتبار القراءة الاجتماعية تجسيدا ملموسا للفكرة القائلة بأنّ كلّ قراءة هي في الحقيقة إعادة كتابة للنص الأصلي؟ إنّ تعليقات القرّاء، ولو كانوا عاديين، في إطار الشبكات الاجتماعية ليست مجرّد انطباعات كتلك التي اعتدناها في حالة الملاحظة المدوّنة بخط اليد على صفحة كتاب مطبوع. فالملاحظة المخطوطة تكون موجّهة بالأساس لصاحبها الذي يسعى من خلالها إلى تثبيت فكرة أو خاطرة قبل أن تضيع منه وتتبخّر. لكنّ هذه الوظيفة للهامش تفقد معناها في الشبكات الاجتماعية طالما أنّ التدوينات متقاسمة على هذا الفضاء المشترك. وبالتالي، فهي تتجاوز طابعها الشخصي الحميمي لتتحوّل إلى خطاب موجّه للآخر. وهذا ما يفرض عليها أن تكون بنّاءة ومتضمّنة لإضافة، لا أن تقتصر على تدوين الانطباعات وتبادلها. لكن، ألسنا بذلك نطلب من تعليقات الهوامش أكثر ممّا تستطيع أن تقدّمه، أي هل يجوز أن نطلب من القارئ العادي أن يتحوّل إلى ناقد وباحث يحترم قواعد منهجية صارمة ما إن يضع قدمه (يده) في الفضاء العام (المشترك)؟ هكذا يجوز القول أنّ شبكات القراءة الاجتماعية تستمدّ أهمّيتها من ذلك الاعتراف الذي يمكن أن يناله البعض بقيمة تعليقاتهم وملاحظاتهم التي كثيرا ما يعتقد النّاس أنّها لا تأتي بجديد كما هو حال خربشات اليد التي يخطّها القارئ على صفحات كتابه الخاص، والتي قد لا يفهمها لو عاد إليها بعد حقبة من تدوينها. وهاهي ردود فعل القارئ تتحوّل بفضل الشبكات الاجتماعية إلى مادّة ذات قيمة لأنّها أوّلا مكتوبة بخط واضح ومقروء، وثانيا متقاسمة بمعنى مفتوحة لتفاعلات فورية تلقي عليها الضوء وتثريها ككرة الثلج، وثالثا لأنّها قد تكشف عن مواهب نقدية متميّزة تلفت انتباه المتعاملين على الشبكة حتى تكرّس كأصوات نقدية معترف بها على نطاق واسع.
وهناك من ينادي باعتماد نسبة تداول التعليقات عبر شبكات القراءة الاجتماعية كمؤشّر على درجة الاعتراف الذي يناله كلّ تعليق، نسجا على منوال "عامل التأثير" facteur d’impact المعتمد للبحوث المنشورة في الدّوريات العلمية المحكّمةّ. وهنا تكمن القيمة المضافة لهذه الشبكات مقارنة بما اعتدنا عليه في خربشاتنا اليدوية.
خاتمة
ومهما يكن من أمر هذا السجال، فللقراءة الاجتماعية بعض مزايا بالمقارنة مع القراءة الإلكترونية في بيئة الجيل الأوّل للويب أو مع القراءة التقليدية (الورقية) ، تتلخّص في كون القراءة الاجتماعية:
·       قراءة تفاعلية بينما الأخرى جامدة
·       قراءة تتحدّى حواجز الزمن والفضاء
·       قراءة لا تعترف بالتصنيفات النخبوية، فهي تتمّ في فضاء افتراضي لا يقصي أحدا ويتيح المشاركة باسم مستعار وبوجه غير مكشوف. وهذا يشجّع الكثيرين على الإدلاء بآرائهم وانطباعاتهم التي كانوا في السابق يحتفظون بها لأنفسهم.
ولكنّه قد يدفع البعض من النقّاد إلى الترفّع عن المشاركة في نقاشات لا يرون فيها جدوى تذكر. هذا وتبقى تفاعلات القرّاء قراءات فردية متعدّدة ومفكّكة يعوزها البعد التأليفي، ممّا يجعلنا نكتفي بوصفها بالقراءة الاجتماعية، دون الذهاب إلى حدّ اعتبارها قراءة جماعية.
لقد أحكم العمالقة سيطرتهم على السوق من خلال طرحهم حلولا صناعية متكاملة (المضمون المتنوّع وجهاز القراءة متعدّد الوظائف وشبكة القراءة الاجتماعية الواسعة) حتّى غدا من العبث للمتدخّلين الصغار أن يسعوا إلى منافستهم في هذا المجال. لذلك يرى الكثيرون أنّه صار من الضّروري التفكير في تحرير القارئ من أحبولة شبكات القراءة الاجتماعية. والأكيد أنّ مصنّعي  المنظومات الكبرى لن ينظروا بعين الرضا إلى مثل هذه المساعي التي تتعارض مع مصالحهم وأنّهم سيحاولون تعطيلها، لأنّ غوغل يودّ لو أنّ كلّ استشهاد يحيل إلى مرجع من خزّانه "غوغل بوكس" وكذا الشأن مع "أمازون" أو آبل. انظر مثلا كيف اشترى أمازون شبكة غودريدس (Goodreads) بقيمة مائة وخمسين مليون دولارا، رغم أنّ هذه الشبكة التي طالما تعاملت معه باعتمادها على بياناته البيبليوغرافية وصور أغلفته كانت قد انفصلت عنه واستقلّت بذاتها. ولاشكّ أنّ غاية أمازون من إعادة حبل الود، هي وضع اليد على تكنولوجيا محرّك بحث هذه الشبكة المتخصّص في خدمات النصح بالشراء وإرشاد القرّاء، وكذلك تطعيم جذاذات جهازه القارئ "كندل" بملايين التعليقات والمستخلصات. ويبقى من أهمّ دوافع هذه العملية سعي أمازون كموزّع وبائع للكتب إلى أن يتحرّر من هيمنة النّاشرين ويستغني عنهم ليستأثر لنفسه بحلقة الوصل بين الكاتب والقارئ. ويجزم الكثيرون بأنّ مكتبات القطاع العام ستكون الحلقة الأخيرة التي ستطالها أصابع الأخطبوط الأمازوني، لأنّه كلّما انتشر قارئ كندل لدى روّادها كلّما ازداد طلبهم على خدمات شبكة غودريدس، وبالتالي ستضطرّ هذه المكتبات إلى الاشتراك في هذه الشبكة استجابة لحاجة روّادها من مستخدمي الكتاب الإلكتروني.   
لكلّ هذه الأسباب، يصعب تأمين حرّية القارئ دون تصميم أدوات مفتوحة وعلى قدر عال من التوافقية التي تسمح بتفاعلها واندماجها، أي شبكات اجتماعية مفتوحة تحيل على مضامين لا على سلع. ولكن من شروط النجاح في ذلك أن يتوحّد الصغار ليصمّموا حلولا بمقاييس الصناعيين ولا الحرفيين، أي حلولا قادرة على منافسة الكبار.
جلال الرويسي، جامعة منّوبة، أفريل 2013


[2]- اعتمدنا في هذا الجزء من المقال بشكل رئيسي على جملة من المقالات المنشورة بموقع www.sobookonline.fr وبالأخص على سلسلة مقالات مارك جاهجاه حول "القراءة الاجتماعية". ويعتبر مارك جاهجاه من أبرز الباحثين المتخصّصين في قضايا القراءة الاجتماعية.