lundi 15 décembre 2014

الملاجئ

كنت في الخامسة من عمري لمّا شيّدت شركة فسفاط قفصة ثلاثمائة مسكنا شعبيا وزّعتها على عمّالها. ورغم صغر سنّي آنذاك، فقد عشت تجربة زرع العمّال في حيّهم الجديد بوعي حادّ. أذكر كيف وصلنا إلى حيّنا الجديد ذات صباح على متن عربة مجرورة (كرّيطة) حملت كلّ ما نملكه من متاع، ومن فوقه كنّا مكوّمين أنا وإخوتي الثلاثة وأمّي. ربّما بسبب هذه الصّورة ظلّت تسمية الملاجئ أقرب إلى وجداني من عبارة الحي العمالي المعتمدة رسميا. وفيما انشغل والدي وأمّي بتوضيب غرف البيت التي لم تكن تختلف عن الأقفاص في شيء من فرط ضيقها وانخفاض سقوفها، انتشرنا أنا وإخوتي في أرجاء الحيّ نكتشف تضاريسه وملامحه. كان للحي رائحة الحياة البكر وألوانها. انتشرت في أرجائه بقايا مواد البناء كقطع الآجر الأحمر وبقايا الأخشاب والحديد.

ورغم فقره، فقد أصرّ أبي على أن يطبع البيت بروحه حتى لا يكون مجرّد رقم في سلسلة من الأبواب المتشابهة والتي يصعب التمييز بينها. فقد جاء ببرميل صدئ مزج فيه الجص الأبيض بمادّة ملوّنة خضراء فاتحة وترك الخليط يتماهى ثلاثة أيّام كان أثناءها يرشّه بالملح ويحرّكه بعصا خشبية ثقيلة فتفور منه حرارة تحرق العيون وتسيل الدّموع، حتّى استوى. وفي الانتظار ظلّ يعزق الأرض المحيطة بالبيت بعمق يزيد عن المتر ليقلّب التربة ويخلّصها من الشوائب كالحجارة الكلسية أو قطع الحديد وشظايا البلّور، ومن ثمّة يضيف إليها سمادا طبيعيا مستخرجا من روث البهائم. كنت أقرفص قبالته أرقبه وهو غاطس في تلك الحفر إلى مستوى خصره والعرق يتصبّب على جبينه، وكنت أتخيّل أصابع قدميه تنمو وتتمدّد لتنغرس في الأرض كجذور الشجرة... كان يواصل عزق الأرض مستعينا بتنهيدة حادّة ترافق كلّ ضربة فأس، متوقّفا بين الحين والآخر ليطلب منّي أن أناوله كأس الشاي أو شربة الماء أو أن أغيّر موجة المذياع بحثا عن محطّة تبثّ من الغناء ما يساعد على مواصلة العمل الشاق.
انهمك السكّان الجدد الفرحين بمنازلهم يتنافسون في تهيئتها وتزيينها. ولم نجد نحن الأطفال صعوبة تذكر في ربط صداقات عفوية وسريعة. كنّا نزرع الحياة في ذلك الحي الجديد وننفخ فيه من أرواحنا. هنا أزهار العلّيق الملوّنة وهناك كالاتوس ودفلى طرية ومن الناحية الأخرى بطحاء للعب الكرة، وفي التلّة صنبور الماء الجماعي. شيء واحد لم يعجبني هو شكل العلم المرسوم على الجدار الفاصل بين المدرسة وبطحاء الحي. فقد كان مستطيلا هندسيا متناظر الأطراف، جامدا لا يرفرف ولا تحرّكه ريح، وهو ما جعلنا نتّخذ منه مرمى أثناء لعب الكرة. وبفعل ارتطام الكرة به وتبوّلنا عليه أثناء اللعب، بهت أحمره ومال إلى الوردي. لم تكن الملاجئ مجهّزة بالنور الكهربائي، وظلّت على ذلك الحال سنوات عديدة، حتى كان أن ضربت شركة الفسفاط موعدا لإطلاق الكهرباء. وكان ذلك الحدث عيدا لا ينسى في حيّنا. أذكر كيف تسمّر الناس كبارا وصغارا بجانب أزرار الكهرباء ساعة قبل الموعد المحدّد، وظلّوا يتكتكون بالأزرار يفتحون ويغلقون سائلين بعضهم البعض بأصوات عالية "هل وصلت عندكم الكهرباء؟ هنا، لاشيء عندنا بعد... وأنتم؟" كان التوتّر على أشدّه حين أطلقت خدّوجة السودة زغرودة مجنونة شقّت الأرجاء وهرع بعدها الأطفال إلى بطحاء الحي وقد غمر نور المصابيح البيوت التي باتت ليلتها مضاءة حتى الصباح.
نمت في حيّنا الحياة وكبرت في غفلة منّا، هي غفلة الخدر ببساطة العيش. استأذنت الحي في أن أغادره إلى بعض من المدن القريبة للدراسة وعاهدته على العودة وحفظ الود... لكنّني أخلفت وعدي وظللت كلّ مرّة أنجذب أكثر نحو الشمال الذي كان يشدّني كمغناطيس حتى انتهى بي الأمر إلى شق البحر والتجاسر على فرنسا.
لمّا تذكّرت وعدي وعدت للاعتذار، وجدت أبي قد مات وملامح الحي قد محيت ولم أستطع دخول بيتنا الذي صار ملكا لشخص غريب رفع جدار السياج مترا إضافيا وربط كلبا أمام المدخل يمنعني من دخول منزلنا.
لماذا فعلتها وعدت؟ هل كان يجب أن أعود؟

vendredi 12 décembre 2014

حقيبة الخط


كنّا ثلاثة طلبة جددا نتقاسم الغرفة F 13 بالحي الجامعي ببن عروس في مفتتح السنة الجامعية 1981-1982. طلبة قادمون من ثلاث مناطق مختلفة: الحوض المنجمي والمكناسي وجزيرة جربة. لم تكن تربطنا ببعضنا معرفة سابقة، ولكن لم تجمعنا الصدفة في تلك الغرفة. فقد رتّب الأمر على هذا النّحو رفاقنا الأقدم منّا بتوجيه من حلقات الاستقطاب الصيفية.
منذ اليوم الأوّل، عملنا بمبدأ أنّ كلّ شيء مشترك ويدار بشكل جماعي: الأغطية والبسيسة والكعك والسجائر والكتب... وعشنا على ذلك النسق أكثر من ستّة أشهر حتّى كانت أحداث كلّية الآداب بمنّوبة التي عرفت مواجهات دامية بين طلبة اليسار وطلبة الاتجاه الإسلامي. بعدها مباشرة، زار غرفتنا رفيق من الساحل معروف بالجدّية والصلابة. كان يجرّ معه حقيبة جلدية ثقيلة جدّا استودعها أمانة عندنا وقال أنّها تضمّ أدبيات الخط الذي اختارتنا قيادته لهذه المهمّة الشريفة في ذلك الظرف الذي لم يعد فيه أحد من القادة البارزين آمنا على حياته في ظلّ ملاحقة البوليس ومطاردات الإسلاميين لهم. شخصيا لم أكن ميّالا إلى تصديق كلامه، وكنت أرجّح أنّها كذبة افتعلها ليتخلّص من ذلك العبء الثقيل عليه، فأوهمنا بهذا الشرف الذي حظينا به من القيادة الخطية التي كنّا نسمع عن أفرادها حكايات تشبه الأساطير دون أن ينالنا شرف ملاقاتهم. ولكنّني رأيت في تلك الحركة اعترافا باختصاصنا كطلبة ندرس التوثيق والأرشيف. صار صاحب الأمانة يأتينا بين الحين والآخر بنصوص ومعلّقات جديدة ليضيفها إلى محتويات الحقيبة. وكانت فرصة لنخوض في تلك المحتويات ونرتّبها حسب التواريخ والمواضيع وغيرها من المداخل. كان رفيقاي في الغرفة يستغلاّن تلك المناسبات للغوص في محتوياتها ومناقشة ما تتضمّنه من مواقف ومرجعيات. أمّا عبدكم الحقير، فما كانت لديه القدرة على فكّ مكنون تلك النصوص التي كانت تبدو له رديئة الخط، ركيكة اللغة، معوجّة التراكيب، محنّطة العبارات ملغزة المعاني، محشوّة بالاستطرادات، مسقطة الاستشهادات...
كنت أتعامل مع تلك النصوص كوثائق أرشيفية أطبّق عليها تماريني الدراسية لا غير، فأصنّفها وأكوّن منها ملفات وأدوّن قفاها بيانات مثل تواريخ وأسماء المؤسّسات الجامعية التي وزّعت أو علقت فيها والمناسبات...
في تلك الأيام كان الحصول على الشهادة الجامعية لدراسات المرحلة الأولى يسمح بالفوز بوظيفة حكومية دون عناء. وهذا ما حصل معي. وكان الجمع بين الرّاتب والمنحة الجامعية كافيا لمغادرة المبيت الجامعي وتسوّغ بيت مع رفاق آخرين. كان افتراق طلبة الغرفة F 13 بالمبيت الجامعي بن عروس نهاية لعلاقة البوزيدي والجربي بخطّنا السياسي. فقد حصل الأوّل على وظيفة باتحاد الأعراف فتحت شهيته على عالم المال والأعمال لينتهى به الأمر اليوم صاحب مصنع لمواد التنظيف. أمّا الثاني فقد عيّن موثّقا بجريدة يومية سرعان ما كشف فيها عن مواهب تحريرية جعلت القائمين على الصحيفة يحوّلونه إلى صحفي. وهاهو اليوم صاحب إذاعة خاصة ورثها عن الطرابلسية.
تسوّغت شقة مع أربعة رفاق جدد منهم مهندس غمراسني رقيق والرّفيق الساحلي الصلب والجدّي وقائد خطّي بارز أفهمونا أنّه احترف السياسة وبالتالي علينا إعالته غذاء ولباسا وسكنا ومصروف جيب، على أن يكون في المقابل مفكّر الخط ومموّله بالنصوص والتحاليل. ورغم عدم اقتناعي بهذا التوزيع للأدوار الذي لم يستشرني فيه أحد، فإنّني لم أجرؤ على أن أسأله من اختارك لهذه الخطّة ومن بوّأك هذه المكانة؟... والحقيقة أنّني لم أستقرّ على رأي واضح تجاه الرفيق المفكّر. فبقدر ما كان يبدو لي اتّكاليا وسفسطائيا، بقدر ما كان يبهرني بثقافته الواسعة وذكائه الثاقب.
كان مالك البيت رجلا يوسفيا "أبّهة": له "ريشة" ما رأيت لها مثيلا، بَلْدِيٌّ، أنيق، لبق ولبيب، كريم، مثقّف وعفيف. كان يحرّم علينا الطبخ طيلة شهر رمضان، وأيّام الآحاد. يطرق الباب كل يوم قبل آذان المغرب فنفتحه لنفاجأ بالرّجل قد ترك أمام الباب صينية عليها كل صنوف الطعام الشهية وتوارى في حياء الكرماء. هذا الرجل هو الحاج الجريبي والد وزير الدفاع الحالي في حكومة المهدي جمعة... كان غازي في تلك الأيام قاضيا إداريا شابا ولاعبا دوليا في كرة السلة مع فريق الزهراء الرياضية.
انتقلت حقيبة الخط معي إلى ذلك البيت في ضاحية الزهراء، وصارت تتغذّى ممّا يكتبه رفيقنا المفكّر محترف السياسة. يكتب النصوص بخط يده على أوراق عادية وأتكفّل أنا بنسخها على أوراق حائطية بالأقلام الغليظة، وقد كانت فرصة لأتدرّب على أنواع الخط العربي. وكنت أجد لذّة لا توصف في قراءة تلك النصوص التي صار أسلوبها جميلا رائقا بعيدا عن ركاكة المعلّقات السابقة. كانت تلك النصوص تسافر لتقوم بجولة على جدران الأجزاء الجامعية ثم تعود في الأخيرة مرقّعة بقطع اللصق (السكوتش) كالضمّادات من فرط ما علّقت على الجدران وسحبت، فأتولّى تمسيدها وطويها بعناية وتدوين بعض البيانات على ظهورها وحفظها في الحقيبة.
شاءت الظروف أن يغادر المهندس الغمراسني الرقيق المجموعة ويحلّ محلّه رفيق آخر من مدينة المكنين يعمل مهندس اتصالات لم أصادف أكرم منه وأكثر بهجة وحبا للحياة. وتلازمنا أربعتنا طيلة سنوات عديدة. ننتقل من شقة إلى أخرى والحقيبة السمينة الثقيلة تلازمنا كمفتاح الفلسطيني الشريد الحالم بالعودة.
آخر عهدي بالحقيبة كان في شقّة تقع بمنطقة لافايات أقمنا فيها بعد تخرّجنا. كنّا أربعة أفراد أو يزيد نقيم في تلك الشقّة التي  سرعان ما غدت مزارا لعديد الرفاق المناضلين من العاصمة ومن داخل البلاد، موظّفين وعمّالا وطلبة، خصوصا وقد تعزّزت بمكتبة ضخمة مشتركة كنّا نغذّيها بما نشتريه ونسرقه من الدورات المختلفة لمعرض تونس الدولي للكتاب ومن المركز الثقافي السوفياتي الذي لا شك أنّ المشرفين عليه كانوا يتغاضون عمّا نرتكبه من سرقات وتلك كانت طريقتهم الذكيّة في نشر الفكر اللينيني. كان زعيم الخط بالجامعة يزورنا ليختار ما شاء من الكتب ويحملها معه دون إرجاعها أبدا. أذكر أنّني اختلفت مع الرفيق المفكّر لمّا عبّرت عن عدم رضاي على ضياع الكتب. أعترف أنّ إجابته أربكتني إذ قال أنّ الكتب كالطيور تمقت الأقفاص ولو كانت من ذهب وتعشق الطيران الحرّ، لذلك علينا أن نطلق العنان للكتب كي تتنقّل بحرّية بين الناس ولا نحبسها في أدراج المكتبات. ومن يومها احتميت وراء فكرة قدّرت أنّها ترضي كلينا وصرت أرى في كل كتاب يغادر المكتبة مشروع شهيد يغادر بيت الأسرة ليحرّر أبناء الوطن، وغدوت أودّع الكتب المغادرة للمكتبة بشعور يمزج بين الأسى والفخر.
في غمرة تلك الزيارات المتواترة، اختفت الحقيبة وقيل لي لمّا سألت عنها أنّها نقلت إلى مكان أكثر أمنا بعدما غدت الشقّة تجلب الأنظار خصوصا أنّها تقع قبالة أخطر مراكز بوليس العاصمة، مركز نهج كولونيا وما أدراك.
اليوم تستيقظ في دماغي ذكرى تلك الحقيبة بروائح الورق والحبر المنبعثة منها. لذلك، أوجّه نداء إلى رفاق الخطّ وغيرهم ممّن قد تكون لديهم فكرة عن مآل الحقيبة. من رأى منكم حقيبة جلدية صفراء طريّة وسمينة بها حزامان سميكان ينتهي كلّ منهما بصفيحة معدنية بيضاء، حقيبة تضم معلّقات جدارية متفاوتة الأحجام، عليه بإيداعها لدى مؤسّسة الأرشيف الوطني، والله لا يضيع أجر المحسنين.
مسقط في 12 ديسمبر 2014

jeudi 13 novembre 2014

دار الكاتب

تستيقظ في زاوية ما من الذاكرة الوديعة الساكنة ودون سبب ظاهر ولا استدعاء أو نبش في خباياها، تستيقظ مناخات دار الكاتب بنهج شارل ديغول وأجواءها. فتبدو لي تلك الفترة كما لو أنّها مجرّد حلم، لا لكونها فترة حلوة وزاهية، ولكن لأنّ كل ما فيها يشبه الحلم... لا أستطيع استحضارها بكامل تفاصيلها، ولا أظفر منها بأكثر من نتف وشذارات متناثرة. وهي إلى ذلك صور غائمة بدخان السجائر والضوء الخافت والضوضاء كما لو كانت صورا لحان نواسي في دولة بني العبّاس. شخصيات غريبة وطريفة في غالبها، منها المبدع الحقيقي ومنها المجنون وكذلك المتشاعر، وهناك المتزلّفون والقوّادون والعتّالون والجزّارون والنقابيون والمثليون والأشاعبة...
درج معتّم يصعد بك إلى ردهة المتر المربّع في الطّابق الأوّل حيث يستوقفك باب صقيل ثبّت عليه جرس وكوّة صغيرة كفتحة الزنزانة يطلّ من وراءها النوادل أو القائم على المحل. 

اختلفت الآراء عند افتتاح الدّار وتوزّعت المواقف بين من اعتبرها شركا نصبته السلطة السياسية للمبدعين حتّى تعزلهم عن عمقهم الاجتماعي الذي منه يستلهمون إبداعهم، ومن دافع عنها بوصفها مكسبا يوفّر فضاء للنقاش وتلاقح القرائح بعيدا عن اعتداءات البلطجية، ومن رحّب بها شريطة أن تظلّ مفتوحة لأصدقاء الكتّاب وضيوفهم حتّى لا تتحوّل إلى سجن. 
هناك المبجّلون وأصحاب الحظوة يدخلون ويتدخّلون لإدخال من يشاؤون، وهناك المتمسّحون على الأعتاب مرحّب بهم مقابل خدمات مختلفة يقدمونها لصاحب المحلّ وللحرفاء، وهناك الصّادقون في حبّهم للأدب والخمريات دون أن يكونوا أدباء وإن كانوا على غاية من التأدّب، منبوذون لأنّه ما من فائدة ترجى من تردّدهم على المحل، وكثيرا ما يكون نصيبهم الصدّ والطّرد، إلاّ إذا شفع لهم شاعر عربيد يقدّر معادن النّاس. بهو استقبال مربّع وضيق انتصب في أحد جوانبه مقصف لا يتّسع لأكثر من حريف واحد، تعوّد روّاد الدّار على اعتباره محجوزا لمسرحي مصاب باكتئاب مزمن يشرب بيرّته هناك واقفا في صمت ومحتكرا جهاز بث الموسيقى ليفرض من خلاله الكلثوميات على الجميع. في الناحية المقابلة للمقصف، تقع قاعة ضيوف الشرف التي يستأثر بها أعضاء الهيئة المديرة لاتحاد الكتّاب مساء بينما يستغلّها مدير الدّار القميء، ذو الكرش الضخمة والنظارات السميكة للاختلاء بالشاعرة البائدة بنت البائد صباحا حتى موعد الغداء. تفضي الناحية الثالثة المواجهة للمبولة إلى القاعة الرئيسية، وهي عبارة عن صالة مستطيلة غارقة الزّوايا حدّ العتمة لا تتبيّن فيها إلاّ أطياف الجماجم المتحلّقة حول طاولات تغطيها مناديل حمراء داكنة تكسوها بقع الزيت وحروق السجائر، وترى الأيادي تتحرّك كشخصيات مسرح الظلّ في السحابة الخزامية التي ينفثها المدخّنون... في فناء الصالة يقع المطبخ الذي يقدّم المعكرونة بغلال البحر والعجّة والمشويات. تفتح بلكونات الصّالة على مركز الشرطة في الجادّة المقابلة حيث يتحلّق الأعوان ماسكين أجهزة اللاسلكي المخشخشة، شاغلين وقتهم بفرز ما يصلهم من نقاشات الأدباء السّكارى الذين تتنازعهم إغراءات شتّى لنشر غسيلهم على مسامع البوليس. يستقبل الأعوان المغادرين الثملين بالمشاكسات وأحيانا بالنهر والشتم، وقد يصل الأمر حدّ إيقاف المتصعلكين وتأديبهم. وكثيرا ما يتناوب الأعوان على القيام بإطلالة إلى الدار التي هي في مقام دار الجيران لإطفاء الظمإ والاطمئنان على الأحوال. 
في آخر اللّيل، تشيّع رائحة الشواء والزيوت المحروقة شراذم السكارى المتجمّعين في حلقات مترنّحة في الساحة الخلفية قبالة محطة الأرتال وهم يتبارزون شعرا وأدبا ويتلاكمون بقبضات تنطلق قوية ولا تصل إلاّ طريّة أمام أنظار القطط التي تجلبها رائحة الشواء ... مات كثير من هؤلاء. رحل عبد الحفيظ المختومي ورضا الجلاّلي ومصباح بوحبيل ورضوان الكوني والميداني بن صالح  ومحمّد عبد اللاّوي وعبد الوهاب الجمني وسنان العزّابي وعاطف بلعربي... ولا يزال الكثير منهم يعيش اليوم بائسا مشرّدا بعدما أغلقت دار الأيتام إلى غير رجعة.
يصادفك الواحد منهم في بعض الحانات الشعبية وقد اشتعلت منه الرّاس شيبا ودرد حتى انطبق الفكّان وغار الفم، وهزل الجسم ولم يترك فيه السّهر غير جلدة تشد العظام، ورشحت عليه أعراض السكّري والرّبو والروماتيزم، فيحييك بحرارة الغريب في بلاد العجم وقد شعّ في عينيه بريق الحنين وانحبست
في حلقه الكلمات... تكتفيان برفع الأنخاب وقرع الكؤوس وأنتما تداريان الدّمع وتحتميان بحديث العامّة عن الثورة هربا من الأدب والشعر والفن
هذا النص مهدى إلى الصديق الروائي الجزائري الحبيب السائح

jeudi 16 octobre 2014

كوابيس الأسبوع الأخير قبل يوم الانتخاب

في غياب المهرّبين، يتسلّى أعوان الجمارك بمطاردة الغزلان النّاطة فوق كثبان الرمال حتّى يجنّبوا سيّاراتهم الكسل، ويشغلون أنفسهم بصيد الطيور الشاردة حتّى يسرّحوا حناجر بنادقهم.
خطب ضابط الحدود في فرقته "علينا أن نحمي ثروتنا الحيوانية من الاحتكاك بدوابّ جيراننا التي تتسكّع على أراضينا ّفي أوقات فراغها، فهي غير ملقّحة".
في المعبر الحدودي، تمدّ الأشجار العملاقة ظلالها خارج خطّ الحدود بين الدولتين الجارتين. تكون الأشجار صباحا في البلد الشرقي بينما ظلالها في البلد الغربي. وعند الغروب تنقلب الأدوار.
أمّا الطيور الشاردة، فلا أحد يعرف لها أصلا ومستقرّا. تظلّ ترتع بين الجهتين هازئة بتلك الطلقات الذابلة التي تصدر عن هذا الجانب أو ذاك. وقد يتجرّأ بعضها فيزقّ على شارات الرتب التي تحلّي أكتاف الضبّاط وينقر الحب على شرفات مكاتبهم.
صاح ضابط الحدود في وجه جنوده: "ويحكم، أما من أحد فيكم يستطيع أن يكفّ عنّي نزق هذا الطّائر اللّقيط؟" واستدار ناحية كتيبة الدّولة الجارة صارخا عبر مضخّم الصوت "خفّفوا عنّا لفح رياحكم، فالقمر ضيفنا هذه الليلة" ضحك شيخ الجراد وأعطى الإيعاز للجحافل كي تبدأ الغارة ...
من الغد، حلّ الضابط المتقاعد والمترشّح للرئاسة في زيارة إلى الموقع عرض خلالها محاور برنامجه الانتخابي حيث بسمل ثلاث مرّات متتالية على عجل ثم قال فيما قال:
1. نفكّر أن نشتري خيطا من البحر الأحمر نزرعه على طول حدودنا مع جارتنا، تحصينا لسيادة البلاد على أراضيها وترطيبا للجوّ الوطني. لا خوف على هذا الخيط البحري من الجفاف، فلنا ما يكفي من السوائل المناسبة للونه نغذّيه بها.
2. سننتدب قنّاصة نكلّفهم بقطع رؤوس أشجار جارتنا التي تحرمنا بظلالها من حقّنا الطبيعي في الشمس
3. سنخصي كل جمل يجرؤ على الاقتراب من نوقنا. فظفر ناقة جرباء من عندنا أغلى من أفحل إبلهم
4. سنجعل من القمر رادارا يرصد تحرّكات المهرّبين.
5. سنتّخذ من الشمس منصّة لقصف الإرهابيين.
6. سنغسل الأموال وننشرها على أجنحة الطيور المرفرفة حتّى تجفّ.
7. سنشحن السحب بغاز القمامة ونستفيد من الرّيح لتصدير هذه الطاقة الوطنية البديلة نحو أوروبا.
8. سنفتح مصانع لتصبير الجراد البرّي وتعليبه، فهو أرفع قيمة غذائية من جراد البحر ومطلوب في الأسواق العالمية
لمّا فرغ المترشّح من خطابه دون أن يلمس تفاعلا من الجنود الذين كانوا منشغلين بتلميع أحذيتهم، رنا إلى الناحية الثانية من وراء خط الحدود حيث الجنود يلوّحون له بقبّعاتهم السوداء مبتهجين، ثمّ تمتم جملة سمعها الجميع عبر المصدح "تبّا لبلد أرعن يتصرّف شبابه كعساكر فاجئهم كرسي الحكم ويتغابى شيوخه كملوك فقدوا صوابهم من فرط الحكم."

samedi 4 octobre 2014

شكرا حضرة البروفسورة



شكرا لزميلتي الباحثة اللامعة والبروفسورة ذائعة الصّيت ذات الأخلاق الجامعية العريقة جدّا، لأنّها جرجرتني أمام المحاكم ومرمطتني أمام القضاء في أيّام العيد (والثابت أنّ زميلتي البروفسورة الجامعية تفضّل عبارة "مرمدتني" لأنّ منسوب التشفّي فيها أرفع)
شكرا لزميلتي البروفسورة اللامعة التي لا يشقّ لها غبار، صاحبة الفضل في تقدّم العلم والمعرفة في اختصاص علوم المعلومات بكل فروعها، على تخصيصها حيّزا من وقتها الثمين الذي نذرته للبحث وإنتاج المعارف، لمتابعة من تطاول على كرامتها لمجرّد أنّها رفعت عريضة سرّية لم تشأ أن تزعج أغلب زملائها بدعوتهم إلى توقيعها واكتفت بثمانية منهم فقط من أصل اثنين وثلاثين
شكرا لزميلتي البرفسورة الجامعية اللامعة على تمكيني من فرصة أن أكون عبرة لمن تحدّثه نفسه بالوقوف في وجه البروفسورات الذين يتّهمون زملاءهم بالتزوير دون أن يقدّموا أيّ إثبات، فمتى كان البرفوسور في حاجة إلى إثبات ما يقول؟
شكرا لزميلتي البرفسورة الجامعية جدّا لأنّها أعادتني إلى أروقة المحاكم وقاعات جلساتها من موقع اللاعب الأساسي بعدما أدمنتها في مراهقتي من موقع المتفرّج وأنا التلميذ المقيم بمعهد قفصة. كنّا جمعا من التلاميذ الدّاخليين نهرب من قاعات المراجعة الباردة كلّ خميس لنلتحق بقاعة الجلسات الدافئة بالمحكمة الابتدائية بقفصة فنتسلّى بمتابعة القضايا منبهرين بمرافعات الدفاع وبالحجاج القانوني فنتربّى على المنطق وترويض الكلام ومعالجة الأفكار. كنّا نحلم أن نصير ذات يوم قضاة أو محامين نتبختر في تلك الجلابيب السوداء من السّاتان اللّمّاع التي تتدلّى من أكتافها شالات تنتهي بتيجان من الفرو الأبيض النّاعم.
شكرا لزميلتي البروفسورة الجامعية التي أتاحت لي فرصة العودة إلى قاعات المحاكم بعد 14 جانفي لألمس عن كثب تفاصيل عالم القضاء.
قاعة ضيّقة تتدلّى من سقفها العالي كمشنقتين مروحتان كهربائيّتان غطّى ناعورتيهما البلاستيكيتين الغبار حتى استحال لونهما من الأبيض إلى الأسود، عمود من الإسمنت المسلّح ينتصب وسط القاعة رافعا السقف الفسيح وشاطرا القاعة نصفين ليحجب كرسي رئيس الجلسة عن بعض الحاضرين. عنكبوت يعشّش في زوايا السّقف العالي. مصدح عديم الجدوى يشوّه صوت رئيس الجلسة. قناة بلاستيكية لتصريف المياه ملاصقة لأجد زوايا القاعة تحدث فحيحا كلّما استخدمت طرّادات الماء في الطابق العلوي فتبدو في لونها الدّاكن وصوتها المزعج كثعبان يسكن الفضاء. شعار الدّولة التونسية في معلّقة ضخمة بما لا يتناسب مع مساحة الجدار وراء منصّة هيئة المحكمة التي ركّزت على مصطبة من الخشب المتواضع.
يدخل الحاجب بحزمتين كبيرتين من الملفّات يعقبه ضابطان ساميان تلمع النجوم على أكتافهما. يلفّ الهدوء المفاجئ القاعة وأنتظر سماع تلك الصرخة المدوّية "محكمة" ولكنّها لا تأتي. فجأة يقف المحامون المصطفون في الصفين الأمامين وتدخل القاعة القاضية بخطى ثابتة وواثقة تتبعها كاتبة الجلسة وكلاهما في الرّوب الأسود اللّمّاع. تخترقني قشعريرة من فروة رأسي إلى أخمص قدميّ. أسأل نفسي في السّرّ "ماذا دهاك؟ هل أنت خائف؟" يجيبني الآخر الذي يسكن في أعماقي "أبدا، بل أنت فخور بترؤّس امرأة لهيئة المحكمة" فعلا، أنا فخور بأنّني تونسي
يلتفت نحوي الأستاذ المحامي الشاب المعروف في الأوساط الحقوقية، ويعمزني ملوّحا بإبهامه مشجّعا ومطمئنا. تشدّ زوجتي الحامل على يدي وترفعها برفق لتضعها على بطنها كأنّما تريد من سندة التي ننتظرها بعد شهرين أن تشاركنا اللّحظة. تتولّى القاضية مناداة المتقاضين وتدير الجلسة باقتدار يبهرني ويجعلني أنسى سبب وجودي هناك. يأتي دوري فأقف مستجيبا وأمثل أمام هيئة المحكمة. والحقيقة أنّني فوجئت بذلك المكان المخصّص للمدّعى عليه. متر مربع يسيّجه من جهات ثلاث خشب على علوّ متر، يدخله الشخص من الجهة المفتوحة ويقف في مواجهة القاضية. أجد نفسي موزّعا بين خواطر شتّى. "ماذا لو عنّ للقاضية أن تدينني؟ ماذا لو قلت كلاما لا يجوز قوله؟ لماذا أنا هنا؟ نعم حلمت أن يكون لي ذات يوم مكان ما في مثل هذه القاعة إلاّ هذا المكان." يأتيني صوت القاضية وهي تعيد سؤالها لتوقظني من شرودي... أتمالك نفسي وأنطلق في إجابتها بما يليق بمقامها ولا يخرج عن إطار السؤال. وفي الأثناء، كنت أتساءل في سرّي عن الوقفة الأوفر احتراما لهيبة القضاء وعدالة المحكمة: "هل أنتصب مكتوف اليدين؟ هل أتّكأ على السياج الخشبي الواطئ أمامي فأبدو في هيئة انحناء مذلّة؟ أم أرفع رأسي وأدفع صدري إلى الأمام؟" تسعفني القاضية بسؤال يعيد إليّ تركيزي. ولكنّني ما إن أشرع في الإجابة حتّى أتوه في خواطري الجانبية من جديد: "كيف يتقبّل الحضور مثل هذه القضية التي تفوح منها رائحة سياسية؟ هل القاعة متعاطفة معي؟" ينفذني من ضياعي إحالة الكلمة إلى لسان الدفاع للمرافعة. ومرّة أخرى أحس بالفخر. فالأستاذ الشاب مبهر، لبق، فصيح، منهجي، ثابت.
أقول في سرّي "شكرا أيّها الزميلة البروفسورة الجامعية اللاّمعة على هذه اللّحظة التي أهديتنيها" تخاطب القاضية صفوف المحامين متسائلة عن وجاهة موقف نسب لي في ملف القضية، فيأتيها الجواب بالإجماع مساندا لي في شكل سمفونية نحتها بإبداع سلك المحاماة التونسي المناضل.
تعاودني القشعريرة ذاتها من فروة الرّأس حتى أخمص القدمين، ويغمرني الفخر بكوني تونسيا.
شكرا لزميلتي البرفسورة الجامعية اللامعة على كل ما فعلته

جلال الرويسي منوبة في 4 أكتوبر 2014