Articles

شيخ البلد

هذا النّص مهدى إلى سي المطّوسي صاحب محلاّت الطابق السفلي بعمارتنا، سي المطّوسي هذا الذي يرفض منذ أشهر إصلاح العطب بماسورة دورة المياه التي فاضت وأغرقت العمارة والحي في "العسل".    لم أتعوّد الإقامة في نفس البيت أكثر من سنتين. ولأّنّ امتلاك منزل أمر مستحيل على الموظّف في بلادنا، فقد اتّخذت من شعار "ما أقصر العمر حتّى نضيعه في الادّخار" عقيدة سكنية لي، وزيّنت لنفسي حياة الترحال بعدما أقنعتها بأنّ عدم الاستقرار إنّما هو امتياز فاز به غير المالكين لبيوت، مادام عدم الملكية يتيح للسّاكن على وجه الكراء تغيير سكنه ومحيطه مجدّدا من خلال ذلك حياته وعلاقاته، بينما المالك سجين مسكنه. ألم يسمّي الأوّلون المسكن "قبر الحياة"؟.  لكنّ ذلك المشهد الرّائق من نافذة غرفتي بالطابق الثالث جعلني أتشبّث بالمكوث في تلك الشقّّة لأكثر من عشر سنوات لم أشعر بمرورها. فقد جعلت من وقفتي وراء بلّور النّافذة طقسا يوميا ثابتا أستهلّ به يومي. هناك أترشّف قهوتي على مهل، وأنا أ طلّ على حديقة قصر "قبّة النّحاس" المنسوب إلى العائلة الحسينية، مطوّحا بنظري في ...

جريمة قتل رجل ساخن جدّا بدم بارد في صباح بارد

في ذلك الصباح السيبيري المشمس، كنت وأخواي نشعل ما يكفي من كوانين الحطب لتدفئة جموع من جاؤوا يعزّوننا في الوالد، لمّا هاتفني حمّة عوني ليعلمني بصوت مرتجف أنّ شكري بلعيد تعرّض لطلق ناري وقد يكون مات. ودون أن أفكّر لحظة في ما يمكن أن يخلّفه تشغيلي لجهاز التلفزة من استهجان لدى الأقرباء باعتبار حالة الحداد القائمة في البيت، اختليت في الصالون لأتابع الأخبار عبر الفضائيات. كنت موقنا أنّ الرّب لن يتخلّى عنه وعنّا. وللحظات ظللت متشبّثا بأمل أن يستفيق صديقي ورفيقي ويروي تفاصيل الحادثة وأوصاف المعتدي. لكنّ الحلم لم يطل فقد كان للحكمة الربّانية رأي آخر. اختارت تلك الحكمة التي لا تدركها حماقة قتلته أن تذكّرنا أنّ تونس لا تزال في حاجة إلى تقديم أعزّ ما تملك من أبنائها لتعمّد ثورتها وتجذّر شعاراتها وأهدافها. وكانت ردّة الفعل فورية كالطّفح الجلدي الدّال على مناعة الجسد. خرجت الجماهير في جميع مدن تونس مولولة وهادرة وثائرة على المجرم الجبان وباكية شهيدها . فكّرت فوريا في سنان العزّابي رفيقه العليل ولكنّني لم أقو على مهاتفته . ثمّ دخلت في حالة من الذهول استمرّت حتى يوم الجنازة .   قبل أن ...

عشر استراتيجيات للتلاعب بالجماهير

طرح عالم اللسانيات الأمريكي نووام شومسكي في جانفي 2011 الاستراتيجيات العشر التي تستعملها وسائل الإعلام للتلاعب  بالجمهور. نلخّصها ونتونسها في ما يلي:   1. استراتيجيا الإلهاء   إغراق الرّأي العام في سيل من المسائل الهامشية بغاية تحويل الأنظار عن القضية الرّئيسية. أشرطة "برسوبوليس" و «Ni Dieu, ni maître» و "براءة المسلمين" وأحداث قصر العبدليّة كنماذج 2. افتعل مشكلا، ثم اطرح حله الجاهز مسبقا افتعال مشاكل لا أساس لها في الواقع وفرضها على أجندات الناس الذين يسقطون في الفخ ويجدون أنفسهم يطالبون بإجراءات لم يكونوا يحبّذونها في الأصل، كتصعيد وتيرة العنف لدفع النّاس إلى المطالبة بالحزم الأمني والتنازل عن الحرّيات، ومن ثمّة طرح الحلول المعدّة سلفا باعتبار تجهيزها عند التخطيط للمشكل. 3. استراتيجيا القضم تقبل الإجراءات اللاشعبية عند تطبيقها بالتدرّج على مراحل. وبعد فترة ينتبه النّاس إلى الكمّ الهائل من الإجراءات التي قبلوها والتي لو طبّقت دفعة واحدة لأدّت إلى ثورة عارمة. 4. استراتيجيا التهيئة النفسية إقناع النّاس بحتمية التضحية، مع تخفيف معاناتهم بتأ...