Articles

حبّ فريد

أخيط أروقة الفضاء التجاري جيئة وذهابا أقلّب النّظر بين السلع المكدّسة بإغراء فاحش في الأروقة كمومسات المبغى. الدينارات العشرون التي أحتكم عليها لا تفي بالحاجة لشراء هديّة ترضي الحبيبة في عيد ميلادها. يعييني البحث وتقودني قدماي إلى رواق المشروبات الكحولية، حيث تلمع الفتوى كالوحي في الدّماغ: "بعض قوارير خضر يزهر بها الخيال وتفكّ عقدة اللسان، وسينساب الكلام معسولا فيكون أفضل هديّة للحبيبة في عيد ميلادها."  أقف في الطّابور لخلاص قنّيناتي وأتسلّى بتحليل المشتريات المكدّسة داخل العربات المجرورة. تشدّني بالخصوص نظرات الرّضى الغبيّة المرسومة على عيون الزبائن وهم يفرغون مشترياتهم على الجلد الدوّار بتأنّ في حركة استعراضية كلّها زهو وتطاوس بما رزقهم الله من نعيم... يتظاهرون بالانهماك في جمع مشترياتهم في أكياس البلاستيك غير عابئين بمن حولهم وهم يرمقون بطرف العين بضاعة الآخرين مقيّمين مركزهم الاجتماعي ووجاهتهم من خلال مقارنة حجم مشترياتهم بمشتريات الغير. لكنّهم يختمون جميعا الاستعراض بحركة تكشف حقيقتهم العميقة عندما يسرقون لفّة بحالها من أكياس البلاستيك لاستعمالها كأكياس قمامة......

ثورة بلا ساحات

كشفت مجريات الثورة القائمة في تونس عن أزمات وأمراض كثيرة تعانيها هذي البلاد التي نشترك فيها جميعا. ومن بين هذه الأزمات، أزمة السّاحات العامّة، حيث يمكن أن تدور بعض فعاليات الثورة ويمارس النّاس ثورتهم. منذ العصور القديمة لا تكون المدينة جديرة باسمها حتّى تكون لها ساحات عامّة . فالآغورا من المفردات الأساية للمدينة عند الإغريق، وساحة الفوروم كذلك عند الرّومان. وتعرف أشهر مدن العالم اليوم بساحاتها: السّاحة الحمراء في موسكو، وساحة تيان أ ن مان في بيكين، وساحة الكونكورد في باريس، وساحة بلكور في ليون الفرنسية، وساحة القدّيس بيار في روما، وساحة جامع الفناء في مرّاكش، وميدان التحرير في القاهرة، وغير ذلك كثير. الساحات العامّة كالحدائق العمومية هي من آليات تأمين الحياة بالمدن وتأسيس هويّتها. تعطي للمدينة روحا وإيقاعا وثقافة ونبضا... قد تكون في شكل ساحات شاسعة تستقبل الاحتفالات والتظاهرات العامّة (كرنفالات، مهرجانات خطابية، أعياد وطنية،) وقد تكون في شكل مفترق طرق تلتقي عنده حركة النّقل ومنه تتوزّع على مختلف شرايين المدينة. قد تكون فيها مقاه متناثرة حول نافورات المياه ومنتزهات وتماثيل ...

الحبس في غرفة القبو

Image
قصّة للكبار الذين لا يزال الط فل حيّا فيهم... طلّقت "ماما" "بابا" لأسباب عجزت عن إقناعنا بها أنا وأختي حتى قالت لنا ذات يوم "ستفهمان ماما ذات يوم عندما تكبران" ثمّ تزوّجت رجلا محبّا للثقافة والفن. ومنذ البداية أبدى زوجها هذا حرصا كبيرا على اصطحابنا إلى المتاحف والمواقع الأثرية والعروض الفنية والمهرجانات. وقد نجح بإصراره على ذلك في استمالتنا وحيازة صداقتنا، دون أن يصل بنا الأمر حدّ محبّته، لأنّه ظلّ ذلك الرّجل البرّاني الذي افتكّ مكان أبي في الأسرة ، مثلما كانت عمّتي تذكره بحقد . هذا بالإضافة إلى أنّه كان يبدو لنا رجلا مبالغا في الجدّية. فلا شيء في نظره مجاني أو اعتباطي. تراه طوال الوقت يردّد أنّه على كل شخص أن يتحمّل مسؤولية أقواله وأفعاله. إذ لا يمكنك مثلا أن تطلب قهوة بالحليب ثمّ تغيّر رأيك لتطلب حليبا فقط بعد أن تكون ماما قد سكبت القهوة في كأسك. وليس من حقّك أن تفتح باب الثلاّجة بدافع الفضول كلّما دخلت المطبخ. وهو لا يحبّ أن يسأل عمّن كان يحادثه في الهاتف. يسهب في تفسير كل شيء حتّى ينفخ رأسينا أنا وأختي بمواعظه وتفاسيره العلمية عن التغذية السل...

ثنائية الصومعة والبئر في مملكة آل سعود

يرتبط ذكر دول الخليج العربي في الذهن آليا بالنفط، لارتباط اقتصادياتها كلّيا بالذّهب الأسود. لكنّ مملكة آل سعود تشكّل في الحقيقة استثناء لأنّه لئن كان صحيحا أنّ ذكرها يرتبط بالنفط إلاّ أنّه يرتبط أيضا وبنفس القدر، إن لم يكن بقدر أكبر، بالحرمين الشريفين. فمكّة والمدينة والإسلام ليست فقط ركائز للوزن الحضاري للمملكة وإنّما عليها أيضا تتأسّس المكانة الدّولية للمملكة ونفوذها الإقليمي والعالمي. وللبقاع المقدّسة وما يرتبط بها من مناسك العمرة والحجّ وزن اقتصادي هام، لا بالنسبة للمملكة السعودية حيث لا يمثّل شيئا يذكر مقارنة بعائدات النفط، ولكن بالنسبة لعدد كبير من المسلمين في العالم.  صحيح أنّ الوزن الاقتصادي لمداخيل العمرة والحج أقل بكثير ممّا يدرّه النّفط، حيث نسجّل 11.5 مليار دولار كلّ سنة (9 مليار دولار للعمرة و2.5 مليار دولار للحج) مقابل ما بين 184 مليار دولار في 2010  و289 مليار دولار في 2011 كمداخيل من النفط، أي أنّ حجم البترول في الاقتصاد السعودي يمثل ما بين 16 إلى 25 مرّة حجم عائدات العمرة والحج. لكنّ هذه المداخيل كمبلغ لذاته دون مقارنته بالريع النفطي تبقى رقما ليس با...