Articles

الكمال هو الانتقال من حان زغبانيا إلى حان الله

 الكمال هو الانتقال من حان زغبانيا إلى حان الله يبدو أنّ هذا الأرق ليس أمرا عارضا سيزول بزوال أسبابه. ببساطة لأنّ أسبابه لن تزول. بدأت أوقن أنّ هذا التحوّل في علاقتي بالنّوم جاء هذه المرّة ليستمرّ، ليستقرّ. تعوّدت في السابق أن أهزم الأرق بحيلة جُـــرِّبَتْ فصحّتْ، حتى جعلتُ منها نصيحة لا أبخل بها على أصدقائي في موضوع مقاومة الأرق... إذا جفاك النوم، لا تعانده، لا تصرّ على استقدامه... تجاهَلْهُ، قُلْ له طز فيك، ورحّبْ بالسهر، افتح عينيك جيدا، انصرف إلى القراءة أو الكتابة، أبحر في الأنترنيت، اشغل نفسك بأيّ شيء يصرف تركيزك عن النوم. مُــدّ للنّوم لسانك ساخرا وغنّ له في تحد وشماتة "... ما أطال النوم عمرا ولا قصّر في الأعمار طول السّهر" وسترى كيف يأتيك ذليلا خانعا يغازل جفونك، يروّضها، يتوسّل إليها أن تقبل به، طالبا المعذرة... قل له ما أرخصك أيها النوم وما أذلّك، ثمّ اركبه، أبحر فيه ملء جفونك ... الأمر مختلف هذه المرّة. والسبب أنّني منذ خلد كمال إلى نومته الأبدية بعد سهر اختياري طوال 55 سنة، وأنا أحسب ما ضاع عليّ، علينا، على تونس، على الوجود من يقظة خلاّقة... أفهم أنّه من حقّك ...

بروفــــة

على غير عادتي، أفقت اليوم ليس بسبب التعرّق والرغبة في إفراغ مثانتي بل بسبب حلم غريب... لم يمهلني حلمي كي أحرّك أصابعي منتظرا أن تستفيق وتدبّ فيها الحياة. حاولت النهوض مستندا على كفّ يدي فوجدته كالخشبة ليس قطعة من جسدي... لم يكن كابوسا مرعبا من نوع المطاردات والمحاصرات والاختناقات... علي أن أعترف أنّنا ما كنّا صديقين مقرّبين في حياته. معرفتنا لا تتجاوز تبادل التحايا كلّما تقابلنا. لم أكن أسعى إلى التقرّب منه والتودّد إليه رغم كوني من أشد المعجبين بنصوصه. وكان لديّ يقين بأنّه يدرك ذلك ويقدرّه. ذلك كان يكفيني لأعتبر علاقتي به مميّزة. ولكنّه ليس سببا كافيا كي يزورني في الحلم بعد أربع سنوات من وفاته. رأيته جالسا في الصف الأمامي من كراسي قاعة عروض ابن رشيق. القاعة فارغة تماما ومظلمة. بدا كمخرج يدير بروفة مسرحية. أمام وجهه كان يتدلّى من السقف العالي مايكروفون كحبل مشنقة... ساق على ساق وهو صامت ينفث دخان سيجارته، دخانا أسود كذاك الذي تنفثه المصانع والشاحنات الهرمة... أين كنت أنا؟ لعلّي كنت أجمع بقايا ديكور وأكسسوارات فوق الرّكــح. للحظــة، تقاطعت نظراتنا في الظلام، بدونا لبعض كقطّين متحفّزين...

لاعب النرد

وصلت إلى السونترفيل في حدود الثامنة صباحا تقريبا... حركة المرور كانت خفيفة على غير عادتها في ذلك الوقت من اليوم. ركنت سيارتي في المستودع البلدي ولم يكن مزدحما. كأنّ الناس هجروا العاصمة ذلك الصباح... دفعت دينارا لحارس المستودع فسلّمني التذكرة دون المائة ملّيم التي يفترض أن يعيدها لي... تمتمت وانصرفت متحاشيا أن أبدأ يومي بخصومة مبكّرة، فلي شواغل أهمّ في ذلك اليوم... كان خط سيري واضحا في ذهني. أمشي في نهج المختار عطية إلى آخره عند شارع الحبيب ثامر. وهناك أنعطف يسارا لأمشي في شارع روما مائتي متر قبل أن أعبر سكة المترو وأجد نفسي في نهج محمد علي. ومع أن صباح ذلك اليوم الشتائي كان مشمسا إلّا أن علوّ العمارات وضيق الأنهج كان يمنع أشعة الشمس من الوصول إلى المارّة وبث الدفء في مفاصلهم... كانت الأرصفة لا تزال مبلولة بندى الفجر، ورائحة القهوة تفوح من الكافيتيريات المنتشرة في الأرجاء. لكنّني قاومت إغراءها بالدخول لعدم تمكّني من شراء صحيفة تؤثث طقس القهوة الصباحية. قرّرت الاستعاضة عنها بصحفة صحلب ساخنة عند لسعد... قلت أتذكّر بها أيام كنت مكتبيا بالمعهد العالي للموسيقى. كان شفيق يرا...

الوصيّة

كان يمكن لاختلافهم بشأن الوصيّة أن يحتدّ إلى درجة اللاعودة. قالت أخته اليامنة وهي ترفع رأسها إلى السماء كأنّها تطلب له الشفاعة "الله يسامحك يا محجوب متعبنا حي وميت"... والحقيقة أنّ رضا قرّر التظاهر بعدم الإصرار على تنفيذ الوصيّــة ما إن فرغ من قراءتها ولاحظ ردود الفعل. لا أحد كان يفكّر بوجود وصية أصلا، لولا أنّ رضا وأخته منجية اللذين يعيشان مع المرحوم أعلما بقية أفراد العائلة بذلك. فما الذي يملكه الرايس محجوب حتى يوصي به غير قاربه الذي يعلم الكلّ أنّه كتبه لرضا منذ حياته. وكان ذلك أمرا منطقيا لم يعترض عليه أحد لأنّ رضا هو الوحيد الذي ظلّ يسرح مع والده على ظهر القارب للصيد. أمّا بقية إخوته فقد وزّعتهم صروف الحياة ما بين العاصمة والهجرة. لمّا أعلمهم المرحوم بالأمر باركوه جميعا، حتى أخته منجية لم تر في ذلك حيفا، خصوصا أنّ رضا طيّب خاطرها لمّا وعدها بأنّ شكّ السمك سيظل يصلها كما عودّها الوالد. وحتى لما أصرّ رضا على فتح الوصية وقرأها على مسامعهم، كاد أغلبهم أن يضحكوا ممّا جاء فيها، واعتبروه من باب الطرافة التي عوّدهم بها المرحوم في حياته. كان الرايس محجوب على بساطته، ...

لا أستطيع أن أتنفس، أنا أختنق

الثابت أنّ الوجود البشري بكل مناشطه سيختلف بعد جائحة كوفيد-19عمّا كان عليه قبلها... ستترك هذه الجائحة الصحية الكونية الأضخم في التاريخ المعاصر أثارها على علاقة الإنسان بالطبيعة ومواردها وعلى علاقته ببني جنسه وبسائر الكائنات الحية. لن نعمل مثلما كنا نعمل، لن نتعامل مثلما كنا نتعامل، لن نسكن مثلما كنّا نسكن، لن نأكل مثلما كنّا نأكل، لن نسافر مثلما كنا نسافر. باختصار، لن نعيش مثلما كنّا نعيش. ولئن كنّا متأكّدين من ذلك، إلاّ أنّنا مازلنا لا نعرف بالضبط ملامح هذا الشكل الجديد من حياتنا والأسلوب الجديد من تعاملنا... كلّ ما نحن بصدده الآن، هو ارتجال للصمود أمام الجائحة للحد من أضرارها. وبعد ذلك سنرى... علينا أن نبتكر أساليب جديدة لاستغلال موارد الطبيعة دون استنزافها، بما يضمن تجدّدها واستدامتها. إنّ الشرط لتصالحنا مع الطبيعة، هو تصالحنا مع أنفسنا كذوات إنسانية. إنّه لمن المفارقات أن يكون سبب خراب الكون هو ذلك الكائن الحي الذي يتميّز دون سواه من كلّ الكائنات بالوعي والعقل. فهل انقلب ما يفترض أنّه نقطة تفوقنا إلى نقطة ضعفنا وخطر يهدّد وجودنا برمّته؟ أسئلة وجودية وفلسفية وإي...

تداعيات في زمن الكورونا

أتساءل وأنا سجين المحبسين، محبس الغربة ومحبس الكورونا، ما الذي لم أره في حياتي التي انطلقت قبل ستة عقود أو يكاد؟ كنت دائما أحدّث نفسي بأنّني لم أعش أيّام الألمان أثناء الحرب العالمية الثانية، ولا أيّام الاستعمار الفرنسي وصولات الجندرمة في سوق القرية، ولا سنوات الجوع والقمل والتيفوس والكوليرا والجراد. ولكنّ أوّل لحظة تاريخية رجّت وجداني كانت حرب 1967 وما نتج عنها من هزيمة. ثم فياضانات 1969 التي تزامنت مع صعود ذلك العسكري الشاب العروبي إلى سدّة الحكم في ليبيا ومع إنهاء تجربة التعاضد في تونس وتقديم أحمد بن صالح كبش فداء لها.. عشت كل تلك الأحداث في العشر سنوات الأولى من عمري بكامل الوعي حتى أنّ علاماتها موشومة في الذاكرة لا تمّحي. الشيوخ المتجمّعون تحت جدار منزل في حي العمّال يتابعون الأخبار عبر مذياع صادح في بطحاء الحي "هنا لندن"، "صوت العرب من القاهرة" وأحمد الخليفي ومحمّد الأخضر السائحي في إذاعة الجزائر الاشتراكية التي تخصّص ساعة مسائية من السادسة إلى السابعة لصوت العاصفة (صوت منظمة التحرير الفلسطينية) الذي كان يحفّز الهمم ويسعى إلى ترميم شروخ الهز...