Articles

الرّاقصة

ظلت سهرة يوم السبت موضوع حديث اهل القرية اياما عديدة... لا يلتئم مجلس رجال ولا حلقة نساء الا ويدور الحديث عما فعلته فائزة... من صبيحة يوم الأحد، كان كبار الحي متحلقين كعادتهم امام دكان الباهي يراقبون القادم والغادي... وكان التوهامي ابن الباهي داخل مخزن الدكان يرتّب أكياس الدقيق والسكر التي أنزلتها شاحنة المزوّد وصورة فائزة وهي تهزّ خصرها فيرتعش ردفاها لا تغادر مخيّلته. كان حديث الرجال المتحلّقين في الخارج عمّا فعلته فائزة يثير غيرته وحنقه عليهم. فلم يكن يرى من داع إلى الإغراق في وصف جسد البنت واهتزازاته إذا كان غرضهم إدانة جسارتها وقلّة حيائها. كانت نبرتهم وعباراتهم تفضح نهما جنسيا إلى جسد فائزة يحاولون إخفاءه دون جدوى. وحده الحاح الطيب اكتفى بالقول أنّ رقص النساء حرام في المطلق فما بالك أن يفعلن ذلك في حضرة الرجال. ظلّ التوهامي داخل مخزن الدكّان يهتزّ غضبا وغيضا، إذ لم يكن يتحمّل أن يستبيح هؤلاء الوحوش جسد حبيبته على ذلك النحو. آه لو يغيب والدي فقط لبعض دقائق.. كنت سأخرج إليهم وأطردهم صائحا فيهم: "كلام الحاج الطيّب معقول، ولكن ما فائدة التفصيل في وصف جسد المسكينة...

بقايا وطن

إلى نابل، حبّا ووفاء... اليوم الاول، النهار الصيفيّ وقد انتصف في الحانة المتوسطية المطلة على البحر من الطابق الاول حيث زرقة البحر الهادئة مرهم للعين وحيث النسيم الناعم يدلّك مفاصل الرّوح بائع اللوز المملّح يلعب البلياردو مع النّادل... يتسلّيان في انتظار أوّل حريف،  كلاهما يلبس تبانا قصيرا ونعلا بلاستيكيا خفيفا صاحب الحانة، العجوز الأشقر يقف إلى المصرف يكرع البيرة في الكأس العملاقة  يبدو سعيدا بساعته الذهبية المتدلّية في معصمه المكسوّ بالشعر وبسلسلته الذهبية التي تطوّق عنقا غمره الزغب الأصفر والتجاعيد وبقع الدم المتجلّط السوداء يتصرّف كحريف صعلوك في انتظار أوّل حريف يتابع اللعبة في حماس، ولا ينهر نادله حرفاء منتصف النهار، أبناء الدّار لا يقطع النادل لعبة البلياردو ليخدمهم يخدمون أنفسهم، يعرفون جيدا أين توجد الجعة المثلّجة، وصحون الفول الساخن لا غريب في المكان سواي هم ياكلون الفول الساخن ويلفظون قشوره على الارض والنسيم رطب وزرقة البحر ساحرة الوقت يبدو مسروقا من زمن مضى يضرب النادل بعصاه العمود الذي أعاقه على التسديد بنجاح يسب الدين ويلعن فرج أمّ ال...

لا فرق بين فساد كبير وفساد صغير... هناك فساد وكفـــى

الحرب على الفساد هي أمّ الحروب جميعا وأصعبها على الإطلاق. إنّها ليست فقط حربا على الرشوة واستغلال النفوذ وسرقة المال العام والتهريب. إنّها حرب شاملة ضدّ الخارجين عن القانون دون استثناء، تستخدم فيها الوسائل الأمنية والسياسية والأخلاقية والجمعياتية والصحفية، ذلك أنّ الفساد نفسه يستخدم نفس هذه الأسلحة.     للأسف يكاد الفساد في البلاد يكون عامّا لم يترك شريحة عمرية أو فئة مهنية أو طبقة اجتماعية أو جهة جغرافية... يقول المستفيدون الصغار من الفساد: "ابدؤوا بالحيتان الكبيرة، لأنّهم أصل الداء، ولابأس أن يأتي الدّور علينا فيما بعد." هذا الكلام ليس في الحقيقة سوى تعويم للموضوع وربح للوقت وبحث عن منافذ للمناورة. لأنّ الفساد شبكة مصالح متداخلـــة، تتوزّع فيها الأدوار بين الكبار والصغار. الكبار يشغّلون الصغار ويحمونهم، والصغار يخدمون الكبار ويدينون لهم بالولاء والطاعة... ليس هناك فساد صغير وفساد كبير... هناك فساد وكفــــى. عندما تفكّكت شبكات الطرابلسية والدائرين في فلكهم، وتعرّت ظهور الفاسدين الصغار فتاهوا كاليتامى، كان لابدّ من إيجاد حلول ثورية للفئات الش...

بيت الحكمة

أمشـــي حافيا على الأرضية الرخامية الملساء الباردة فتخترقني رجفة كصعقة كهرباء تصعد من أخمص قدمي حتى فروة رأسي... سلسلة لا تنتهي من القاعات الفسيحة، تفضي الواحدة إلى الأخرى... متاهة من الجدران المغلّفة بمرايا عملاقة... في كلّ قاعة أكثر من باب واحد جميعها مشرعة... وعلى الشبابيك المفتوحة تنسدل ستائر مخملية شفافة تلامس الأرضية وتتمايل مع النسمات الرقيقة فتبدو كأنّها ترقص على صوت فيولنسال قادم من إحدى القاعات... تكشف الستائر في حركتها عن شرفات رحبة تطلّ على شاطئ قريب تتكسّر عنده أمواج خفيفة، تلعق رمله الذهبي بألسنتها قبل أن تلفظ أنفاسها مخلّفة رغوة وفقّاعات لا تلبث أن تنطفئ... أمشي في القاعات الفسيحة النظيفة، العالية الأسقف والفارغة من أيّ أثاث إلاّ من بيانو أسود لمّاع كبير جاثم في إحدى زواياها كفهد، فأرى نفسي جمهورا بفعل تعدّدي في المرايا المتقابلة... لست أعرف إن كنت عاريا تماما أم ملتحفا قماشة بيضاء كالكفن... هنا أتقدّم، وهناك ألتفت شمالا، وفي المرآة المقابلة ألتفت يمينا... في واحدة أخرى أرى وجهي، وفي غيرها يتراءى لي ظهري... أغمض عينيّ هربا من هذا الفخ.....