vendredi 25 février 2011

حول الثورة التونسية : كلمات هادئة في لحظة صاخبة

في أصناف التّغيير الاجتماعي

تتغيّر أنظمة الحكم وفق آليات عديدة. وتتفاوت التغييرات في جذريّة قطعها مع النظم السابقة، وذلك حسب طبيعة الأطراف الفاعلة في التّغيير والأهداف التي تحرّكها وميزان القوى بينها. ذلك أنّ التّغيير ينجزه أصحاب المصلحة فيه. ويحدّد الموقف من مناصرته أو معاداته أثناء تقدمه على طريق إنجاز مهامّه قانون المصلحة. فتتشكّل التحالفات ويتبلور ميزان القوى بين القوتين المتصادمتين حدّ ممارسة العنف إن لزم الأمر لحسم معركة السيطرة على دواليب السّلطة.

من أنماط التّغيير ما يكون مسقطا، تقوم به فئة ضيّقة من داخل أجهزة النّظام ذاته دون مشاركة من الشعب. وغالبا ما تكون هذه الفئة من الأجهزة الأمنية أو العسكريّة أو الحزبية الحاكمة. وفي حين يسمّي القائمون بالتغيير عملهم حركة تصحيحية، يعتبره من لم يشارك فيه انقلابا. ولكنّ الثابت تاريخيا ومن زاوية علم الاجتماع السياسي أنّه في كل هذه الحالات التي يكون فيها الشعب مغيّبا، يكون للتّغيير طعم تصفية الحسابات وينتهي إلى خدمة مصالح فئوية ضيّقة وإلى احتكار للسّلطة وغياب للديمقراطية.

وهناك تغييرات تنشأ من تحت في شكل هبّات غضب جماهيرية عاصفة ومفاجئة تأتي على الأخضر واليابس فتكنس كلّ ما يعترض سبيلها من علامات النظام القائم غبر متسائلة عن الوجهة التي تقصدها ولا منشغلة بما يتعيّن بناؤه. هي تعرف ما لا يعجبها وما تريد هدمه والقضاء عليه ولكنّها لا تعرف ما تريده بديلا لذلك الذي ترفضه. ومن خصائص هذا الشكل من الاحتجاج أن يركّز الغضب على الرموز الأبرز للسلطة لا على نظام الحكم بوصفه منظومة مركّبة من العناصر السياسية (جملة خيارات) والقانونية (المدوّنة التشريعية والقانونية والترتيبية) والاقتصادية (جملة قوى الإنتاج والعلاقات الإنتاجية التي تربط بينها) والإدارية (شبكة المرافق والخدمات الإدارية). وتسمّى هذه الطريقة في التّغيير انتفاضة أو تمرّدا لا ثورة une révolte et non pas une révolution.

وهناك تغييرات تأتي تتويجا لحراك فكري واجتماعي وسياسي وثقافي ونقابي وحزبي وجمعياتي. حراك يحتضن مطامح الجماهير ويبلورها دونما أبوية أو توجيه وإنّما في تفاعل جدلي يغذّي مطامح الجماهير ويتغذّى منها، يرعاها ويحميها في تكامل بين تطلّعات الجماهير وأفكار أبنائها من النخب الفكرية والجامعية والحزبية والنقابية والطلاّبية والثقافية والفنّية. وهكذا تلتقي إرادتان في وجهة واحدة: إرادة الجماهير الرّاغبة في القطع الجذري مع الوضع القائم وإرادة النخب في التبشير بالوضع المأمول ورسم ملامحه. إنّها الثورة. وباعتبارها مسارا تراكميا يستغرق فترة زمنية ممّا يقصي عنصر المفاجأة، فإنّه لا مناص من التصادم بين القوّتين المتصارعتين على السّلطة. حيث يستعدّ كلّ طرف لمواجهة الآخر في انتظار لحظة الحسم. وغالبا ما تدخل على الخط أطراف خارجية (مخابرات، أحزاب، حكومات، الخ) للمساهمة في تحريك خيوط اللعبة بمساندة هذا الطّرف أو ذاك.

فأين يقع تغيير 14 جانفي 2011 الحاصل في تونس من هذه النماذج؟ وألا يعدّ السّعي إلى توصيفه في هذه المرحلة من مساره تسرّعا خصوصا وأنّ عديد المؤشّرات تؤكّد أنّه لا يزال متواصلا وبالتالي يصعب الاتفاق على توصيف نهائي له؟ وأيّا كانت الإجابة، لعلّه من المتّفق عليه أنّه من الضروري مساءلة ما يحدث في تونس على الأقل من زاوية قراءة الفترة الانتقالية وتلمّس ما قد تفضي إليه من سيناريوهات في ظلّ التجاذبات الحالية والمواقف المعلن عنها من مختلف الأطراف.

في توصيف 14 جانفي 2011

تنبّهت أقلام عديدة إلى أصالة ثورتنا التونسية فاعتبرتها ثورة مبدعة ثوّرت مفهوم الثورة ذاته ( انظر مقال "الثورة المبدعة" لكمال الزّغباني على صفحته الشخصية قي فايسبوك). والحقيقة أنّ ما أنجزه التونسيون في الفترة ما بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011 لا يخضع لأي من القوالب النموذجية التي استعرضناها وهو أقرب إلى ما يمكن تسميته "الثورة قيد التحقّق" أو "السير نحو الثورة" (la révolution en devenir) عملا بالمبدأ البنائي القائل بأنّه ما من طريق مسطّرة سلفا وإنّما الطرق تتشكّل أثناء المسير Le chemin se crée en marchant. وهذا معناه أنّ الذي يرفض السير لا يتعلم. فالمسير يبني المصير. بل لعلّه المصير ذاته على اعتبار أنّ الطريق إلى البيت أهمّ من البيت. وقياسا عليه فالطريق إلى الثورة أهمّ من الثورة. ولا نقول هذا من باب اللّعب بالكلمات. ولكنّه الحقيقة المعاشة. ذلك أنّ ما تعلّمناه في مسيرة أقلّ من شهر هو ثورة كبرى وثروة لا تنضب ستصير يوما ورثة يتغذّى منها أبناء تونس القادمون. وكون ثورتنا لا تزال في طور التحقق هو بالذّات ما يشجعنا على الكتابة حولها دون رهاب.

إنّ الثورة التونسية وإن اتّخذت عند انطلاقتها شكل انتفاضة شعبية ضدّ الظّلم ودوس الكرامة، إلاّ أنّ شراسة القمع الذّي اصطدمت به وحجم التعتيم والتّشويه الإعلاميين الذّين جوبهت بهما جعلاها تعي، في مرحلة أولى، باستحالة تحقيق مطلبي الكرامة والشغل بمعزل عن المطالبة بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية (شعارات: "لا لا للطرابلسيّة اللّي نهبوا الميزانية"، "التّشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق")، وفي مرحلة لاحقة، باستحالة تحقيق الحرّية والدّيمقراطية والعدالة الاجتماعية دون الإطاحة بنظام الحكم القائم (شعارات: "خبز وماء وبن علي لا"، "حرّيات، حريات، لا رئاسة مدى الحياة"، "يسقط حزب الدّستور، يسقط جلاّد الشعب"، "بن علي يا جبان، شعب تونس لا يهان"). هكذا اتّسعت دائرة المطالب وتجذّر الوعي وكبرت رقعة الانتفاضة وتأجّج لهب الغضب. ومثّلت الإضرابات العامّة الجهوية يومي 13 و14 جانفي منعرجا حاسما في مسار تحوّل الانتفاضة إلى ثورة من خلال التحام النخب بالجماهير. والدّليل على ذلك ما أصاب عرش الدّكتاتور وصورته من شرخ جسّده خطابه المتلفز الثالث ليلة 13 جانفي حيث خرج على التونسيين في حالة من الهلع والارتباك جعلتهم يوقنون بأزوف ساعته.

فهل أنّ الشباب والفقراء المهمّشين وحدهم من كنسوا الدّكتاتور؟؟ وعلى فرض صحّة ذلك، فهل يعني سقوط الدّكتاتور سقوط الدكتاتورية بما هي منظومة متشابكة من المصالح والأطراف والممارسات والقوانين والمؤسّسات؟

سيكون من الحيف والتجنّي القول بأنّ الشباب المهمّش الملتحم بقاعدته الشعبية كانوا وحدهم في الميدان. لأنّه من عرج الفكر أن نتعاطى مع 14 جانفي بمعزل عن المسار التاريخي الذّي أفرزها وعن التراكمات النضالية التي مهّدت لها الطريق. وقد كان للنخب في هذه التراكمات دور بارز. كما سيكون من الطفولية ومعاداة الثورة أن ننادي اليوم بعزل جماهير الشّعب وشبابه عن النخب الفكرية والأحزاب والجمعيات بداعي أنّها لم تشارك في إسقاط الدّكتاتور، لأنّه لا يمكن تفكيك عناصر منظومة الدّكتاتورية دون مشاركة ريادية من هذه النخب.

صحيح أنّ شرارة الثورة وسرعة انتشارها فاجأتا هذه النّخب. لكنّ النقابات والأحزاب المناضلة وتشكيلات المجتمع المدني والجمعيات المهنية المناضلة كالمحامين والصحفيين والفنّانين المناضلين والجمعيات الديمقراطية والحقوقية والنسائية كانت حاضرة في ساحات النضال السياسي والاجتماعي والثقافي منذ سنين. ولا أدلّ على ذلك من مساهماتها في انتفاضة الحوض المنجمي وحركة 18 أكتوبر والإضرابات النقابية وصمود الرّابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وجمعية القضاة ونقابة الصحفيين الخ. هذا فضلا عن سرعة التحاقها بالمدّ الشعبي في الانتفاضة الأخيرة. وفي تقدّمها على طريق تطهير المجتمع من ركائز الديكتاتورية المافياوية شرعت الانتفاضة تتحوّل إلى ثورة تبلور ومازالت بدائلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في شكل غير مسبوق من التفاعل بين جماهير الشعب ونخبه تجلّت في اللجان المحلية للدفاع عن مكتسبات الثورة وفي المشاركة النّشيطة لكلّ الفئات في الجدل والنقاش المحتدم.

بدأت ثورة 14 جانفي صرخة احتجاج وتمرّد ضدّ امتهان الكرامة أطلقها المهمّشون والبطّالون من الشباب الذين سرعان ما وجدوا المساندة لدى الفقراء المسحوقين والمقصيين من حسابات مخططات التنمية. ماذا كان يدور في ذهن البوعزيزي لحظة سكبه البنزين على جسده وقدح شرارة النّار التي ألهبت الثورة على الظلم والإذلال؟ لماذا اتّسعت رقعة الثورة من جهة منزل بوزيان والرّقاب وتالة والقصرين ومكثر وسليانة؟ قبل سبعة أشهر من إقدام البوعزيزي على إحراق نفسه، انتحر عبد السّلام تريمش وهو صاحب عربة بنفس الطريقة ولنفس الأسباب أمام مقر ولاية المنستير. وقد تحوّل موكب جنازته إلى مظاهرة حاشدة شارك فيها أهل المدينة. لكنّ تلك الحادثة المريرة وما خلّفته من أسى وامتعاض لم تثر موجة من التضامن الواسع والمظاهرات في المدن الأخرى. إنّ الفرق بين الحالتين يكمن في تفاوت درجة احتقان الغضب والإحساس بالغبن والإقصاء بين المناطق الدّاخلية ومناطق الشريط الساحلي. حصل ذلك لأنّه ما كان لأهالي سيدي بوزيد والولايات المجاورة لها ما يخسرونه سوى أغلالهم. فكيف يخافون الحصار وهم المحاصرون أصلا بالفقر والتهميش والجوع وكيف يهابون القنص وهم الذين تقنصهم يوميا الأمراض والجوع والسّلب والنّهب؟ . وهذا يطرح مطلب التّنمية العادلة بين الجهات.

لكن، هل كان صمود أهلنا هناك سيجدي نفعا لولا التحاق شباب تونس، كلّ تونس، المتعلّم والنّاشط في شبكات الاتصال الاجتماعية بواسطة الفايسبوك والأنترنات لإسناد الغضب بكسر الحصار المضروب عليه وكشف الحقيقة عن المجازر والفضاعات المرتكبة في حق التونسيين العزّل من جهة وعن صمود هؤلاء وبطولاتهم في وجه آلة القمع والتصفيات الدّموية الرّهيبة؟ لنتذكّر كيف أقدمت مجموعة "ألأنونيموس" على قصف مواقع حكومية إلكترونية وكيف ألهب شباب الفايسبوك الثورة بتبادلهم الومضات المصوّرة. ثمّ ما لبث المحامون أن هبّوا إلى نصرة أبناء شعبهم فنظّموا المظاهرات والاعتصامات في تونس العاصمة وفي الجهات. ومثلهم فعلت الأسلاك التربوية التي نظّمت الاجتماعات ونادت بالإضراب لولا أنّ وزارتي التربية والتعليم العالي سارعتا منذ 11 جانفي إلى تعليق الدروس وإغلاق المؤسّسات التعليمية. ولم يمنع ذلك رجال التربية المناضلين من النزول إلى الشارع ملتحمين بأبنائهم من الطلبة والتلاميذ وبسائر فئات الشعب.

أمّا تأخّر الانخراط الرّسمي والصّريح للاتحاد العام التونسي للشغل بثلاثة أسابيع عن اندلاع الشرارة الأولى للثورة فيعزى إلى تنصّل البيروقراطية النّقابية ومعاداتها لكلّ مبادرة تدفع باتّجاه الانخراط في ثورة الشعب. وقد سجّل التّاريخ لقياديي الاتحاد تبرّأهم من الشعارات التي رفعت في تجمع27 ديسمبر حيث نسبوها إلى زمرة من الناشطين السياسيين والطلبة الغرباء عن الاتحاد. (انظر جريدة الصّباح بتاريخ 28 ديسمبر 2010). فكيف ينقلبون اليوم ليتبنوا نفس تلك الشعارات؟ لكنّ جموعا من المناضلين النقابيين الذين كانوا عشية العاشر من جانفي 2011 مرابطين في ساحة محمّد علي بحضور بعض القيادات القطاعية مارسوا ضغطا قويا على اجتماع المكتب التّنفيذي الموسّع وظلّوا يردّدون شعار "الإضراب العام، واجب" وفرضوا التحاق القيادات القطاعية الحاضرة يومها باجتماع المكتب التنفيذي الموسّع لإلزامه بالدّعوة إلى هيئة إدارية وطنية عاجلة من الغد. وهذا ما تمّ حيث تمخّضت الهيئة الإدارية الوطنية المنعقدة يوم 11 جانفي عن تفويض للهيئات الإدارية الجهوية حتّى تتخذ ما تراه مناسبا من أشكال للتفاعل مع ثورة الشعب. لولا هذا الضغط الذّي مارسه مناضلو الاتحاد من مختلف القطاعات على البيروقراطية النقابية، ولولا الإصرار الذي تحلّوا به لسجّل تاريخ الثورة الشعبية التونسيّة المجيدة أنّ الاتحاد العام التونسي للشغل كان غائبا عن هذا الموعد لأنّ قيادييه اختاروا التقوقع وأداروا ظهورهم للشعب الذّي طالما تملّقوه بعبارة الشهيد فرحات حشاد "أحبّك يا شعب". وحتّى بالنّسبة للإضراب العام بجهة تونس فإنّ الدعوة وجّهت لإضراب عام بساعتين فقط من التاسعة إلى الحادية عشر. ولكنّ المسيرة التي فرضتها الجماهير على البيروقراطية وانطلقت من دار الاتحاد العام التونسي للشغل ببطحاء محمّد علي تحوّلت إلى اعتصام أمام وزارة الداخلية وصارت رمزا للإجهاز على الدّكتاتور. ولن يمكن للبيروقراطية النقابية الرّكوب عليها بدليل غياب رموزها عن الصفوف الأماميّة للمظاهرة وغياب أيّ لافتة تحمل إمضاء الاتّحاد العام التّونسي للشغل. لكن، لنحمد اللّه على أنّ للاتحاد هياكل قاعدية وجماهير مناضلة لم تتخلّف أبدا عن المعارك الحاسمة. لقد فرض المناضلون النّقابيون مسار المظاهرة وحوّلوها إلى اعتصام بمعيّة شباب تونس الرّائع. وتدعّم كلّ ذلك فيما بعد في الأحياء الشعبية للعاصمة بعيدا عن إرادة البيروقراطية.

14 جانفي اليوم : نقاط القوّة، نقاط الضعف

إنّ نقطة قوّة هذه الثورة تمثّلت بالضبط في ما جرت العادة على اعتباره نقطة ضعف كلّ ثورة. ذلك أنّ افتقار هبّة الشعب إلى قيادة سياسية جعلت نظام بن علي لا يتوقّع انتشارها السّريع كالنار في الهشيم ويعتمد على القنّاصة لحصد أرواح المحتجّين وترهيب من تحدّثه نفسه بالانضمام إليهم. فلو كان لهذه الهبة قيادات سياسية تؤطر حراكها وترسم لها برامج وأهدافا وتكتيكات لكان نظام بن علي جنّد كافة أجهزته من بوليس وميليشيات حزبية وجمعيات ومقرّات وأسلحة وعتاد ولعلّه كان سيطلب العون من حلفائه الخارجيين. لقد لعبت المفاجأة دورا حاسما في إسقاط الدّكتاتور الذي ذهب ضحية غروره في تقدير قوّته وحماقته في الاستخفاف بقوّة الجماهير العفوية. ولكن الآن وقد سقط الدّكتاتور دون أن تسقط الدكتاتورية بما هي المنظومة المركّبة التي كان الدكتاتور يعتمد عليها لحكم البلاد والعباد، فإنّ نقطة القوّة قد تتحوّل إلى نقطة ضعف قاتلة. فكيف نفسّر انقلاب الهبّة من ثورة على الظلم تطالب بالكرامة والشغل والحرية والديمقراطية إلى فوضى مطلبية عارمة وإلى انفلاتات للسطو على الأملاك العامّة والخاصّة ولتعطيل الحياة الاقتصادية بسلاح الاعتصامات تحت غطاء الشرعية الثورية؟

إنّ أخطر أعداء الثورة هم من يأتونها من داخلها، إمّا بفعل اندساس بقايا المنظومة القديمة من الانتهازيين الحربائيين لنخرها من الدّاخل في انتظار الانقضاض عليها، أو بفعل قصور في الرؤية لدى أنصارها الذين يخرّبونها من حيث يريدون حمايتها. إنّك ما إن تتحدّث إلى المتظاهرين والمضربين والمعتصمين والمحتجين حتّى تفاجأ بوعي متدنّ باستحقاقات الثورة في المرحلة الحالية لدى نسبة كبيرة منهم. ففي غياب القيادة السياسية الوفية لمبادئ الثورة، يتراجع الوعي بأنّ هذه الثورة مازالت في خطواتها الأولى ليحلّ محلّه الوهم بأنّ المهمّة اكتملت ومن ثمّة التهافت على الفوز بنصيب من الكعكة الثورية الناضجة. إنّ ثورتنا في المرحلة الرّاهنة، بقدر ما تبعث من أمل، فهي محاطة بالأخطار والأعداء. ومن ألدّ أعدائها وأخطرهم هو النّزعة الشعبويّة التي تدسّ السّمّ في الدّسم. فتحت عنوان حماية ثورة الجماهير الشعبية والشباب من انتهازيّة السّياسيين السّاعين إلى الرّكوب على منجزاتها يتستّر كلّ الحريصين على عزل المثقفين عن جماهير شعبهم التي طالما حمل هؤلاء المثقفون آلامها وآمالها.

وفي جرد سريع لنقاط القوّة والضعف، يمكن تبويبها كالآتي:

في العلامات المضيئة للثورة

1. تتالي تأسيس الأحزاب والجبهات السياسية والجمعيات التي منعت من الوجود القانوني في ظلّ نظام 7 نوفمبر. وهي ظاهرة صحّية غير مزعجة خصوصا وأنّ الحراك السياسي الذي سيلحق سيتكفّل دون سواه بإعادة رسم الخارطة الحزبية والسياسية والجمعياتية فيبقى في السّاحة القادر على بلورة أطروحاته وتعبئة المناضلين حولها فيما ستندثر الدّكاكين الحزبية الضيقة والمتناسخة لتنصهر في الأقطاب الكبرى.

2. تأسيس مجلس حماية الثورة في إطار توافقي واسع جمع أطيافا سياسية مناضلة من اليسار واليمين وجمعيات مهنية وقوى من المجتمع المدني. وهذا الهيكل الذي نادت به أغلب القوى السياسية صاحبة المصلحة في التّغيير الجذري سيشكّل قوّة ضاغطة وأداة مراقبة لآداء الحكومة المؤقتة وسندا فاعلا للمضي على طريق تجذير الثورة في خياراتها ومناصرتها رغم احترازنا على ما أوكله لنفسه من صلاحيات تقريرية.

3. ممارسة الشّعب للسيادة من خلال الاعتصامات النوعيّة ذات الطبيعة السياسية وأهمّها اعتصام القصبة الذي ساهم بشكل بارز في إسقاط الحكومة الأولى وأمام مقرّات الولايات للاعتراض على تسمية ولاّة من التجمّع الدّستوري الدّيمقراطي ولإغلاق دور التجمّع الدستوري الدّيمقراطي وطرد الشعب المهنية وكذلك من خلال تكوين لجان محلية وروابط لحماية جماهير الشعب والأحياء السكانية والأملاك الخاصّة والعامّة ، الخ.

4. قوافل شكر وتضامن في اتّجاه المدن الدّاخليّة التي أشعلت شرارة الثورة وصمدت في وجه العسف والتقتيل وقدّمت النصيب الأوفر من الشهداء. وهذه القوافل تتجاوز رمزية الامتنان إلى الالتزام بالوقوف ضد التّنمية اللامتوازنة والنضال من أجل التقاسم العادل للثروة الوطنية بين كلّ الجهات.

5. تبرّعات مالية بأيّام عمل وتبرّعات عينية وحملات تطوّعيّة لتنظيف الشوارع والمدن ولترميم مقرّات الأمن والإدارات العموميّة التي تعرّضت للتخريب

6. حراك فكري وكتابات وتدخّلات عبر وسائل الإعلام واجتماعات وتحاليل وانخراط واسع في الشّأن العام

7. انخراط واسع للشباب في الاهتمام بالشأن العام والمشاركة الفاعلة فيه بعد سنين عجاف من الانصراف عن هذا الشأن بما كرّس ثقافة اللاّمبالاة والانتهازية والميوعة والهامشية لدى فئات واسعة من الشباب. وتوظيف ناجع لتكنولوجيا المعلومات والاتصال عبر الشبكات الاجتماعية ممّا يؤشّر على مواكبة شبابنا للحداثة التكنولوجية بما تعنيه من انعكاسات ثقافية وفكرية وعولمة للفضاء العمومي وللقيم وجب أخذها في الحسبان في السياسات القادمة. ولعلّ من أهمّ ملامح هذه الثقافة الجديدة الاستعاضة عن الهرمية التراتبية والفكر الأبوي بثقافة الأفقية والمبادرات الحرّة في إطار الشبكات ( انظر مقال "الثورة المبدعة" لكمال الزّغباني على صفحته الشخصية قي فايسبوك).

في الأخطار المتربّصة بالثورة

ولكن في مقابل هذه العلامات المضيئة، نرصد جملة من الأخطار المتربّصة بثورتنا الغضّة الفتيّة في ما يؤشّر إلى خطّة محكمة ومعدّة سلفا هدفها الإجهاز على كلّ نفس ثوري في المهد وإجهاض كل ما يمكن أن تبشّر به الثورة أو تنجزه. ومن العلامات الدّالة على هذا الخطر نذكر:

1. وجود الآلاف من مجرمي الحق العام طليقين بعدما تمّ تفريغ السّجون من أحد عشرة ألف سجين وتسليحهم وتنظيمهم في مجموعات انطلقت تنهب وتحرق وتروّع الناس في كلّ مكان لتركيع الثورة وبث الرّعب والخوف. ولم يسلم من ذلك التلاميذ الصغار ولا النساء ولا الشيوخ ولا العجّز ولا المرضى في المستشفيات.

2. زرع الخوف والشك وإرباك الأمن العام من خلال نشر الإشاعات. والأمثلة على ذلك كثيرة كإشاعات تسميم مياه الصوناد وإضراب محطات توزيع البترول ومداهمة المعاهد وأحداث الكاف المأساوية ومهاجمة رئيس مركز حرس الهيشرية بسيدي بوزيد، الخ.

3. تمسّك رموز بارزة من نظام بن علي بمناصب حسّاسة في الحكومة والإدارات المركزية والجهوية والمؤسّسات والمنشآت العمومية الكبرى، رغم كلّ ما تعرّضت له هذه الرّموز من ضغوط وتهم بالتورّط عرّضت حياتهم للخطر. وبالإضافة إلى أنّ بقاءهم في مناصبهم يعني استدامة امتيازاتهم فإنّ نسبة هامّة منهم مكلّفة بإنجاز مهمّات، إن لم يكن لفائدة بن علي وعائلته الفاسدة ونظامه فلحلفائهم الخارجيين من الأنظمة وشركات الاستثمار ممّن كانوا سندا لهذا النظام واستفادوا من علاقاتهم به. والأساليب التي يتوخاها هؤلاء عديدة منها المعلن والمكشوف ومنها الخفي. ومن الأمثلة على ذلك نذكر التّلويح بخطر الفراغ في مؤسّسات الدّولة إذا ما تمّ تطهيرها من رموز الفساد، وكذلك توافد مسؤولين فرنسيين وأوروبيين وخصوصا أمريكيين (جيفراي فالتمان، ليبرمان، ماك-كاين، ويليام بورنس، الخ) على تونس في زيارات مكّوكية معلنة وخفيّة. وتبقى الطّريقة التي تمّت بها تسمية السفير الفرنسي بوريس بوالّون بتونس يوم 18 فيفري من أبرز الأمثلة على هذا التحالف بين بقايا نظام بن علي والمتآمرين الخارجيين. فقد تمّت التّسمية بأسلوب لم يراع الأعراف الدبلوماسية حيث ديست سيادة تونس وكرامة شعبها من خلال عدم استشارة الحكومة التونسية كما هو معمول به دوليا. وما إن وطأ هذا السفير المعروف بماضيه التآمري في العراق ومن خلال دفاعه عن المجرم المزطول معمّر القذّافي أرض تونس المحرّرة حتّى أظهر وجهه البشع بإهانة صحفييها.

4. ولكن في مقابل ذلك، هناك انفلات ثورجي وسلوك أهوج يسعى، تحت ستار حماية الثورة ومخاسبة رموز النظام السّابق، إلى تصفية الحسابات مع بعض المسؤولين الشرفاء الذين صمدوا أمام الفساد وامتنعوا عن إسداء الامتيازات لرموزه. وهكذا تنظم لهم ما يشبه "المحاكمات الشعبية" وذلك دون أيّة أهليّة قانونية وبمجرّد التلفّظ بعبارة DEGAGE أو تلفيق تهمة عبر الفايسبوك تنتشر كالنار في الهشيم، بينما يظلّ المتهم زورا في الغالب جاهلا بما يحاك ضدّه. وهذا يؤسّس لبذور الدّكتاتورية الجديدة في رحم الثورة ويفسح المجال لخلط الأوراق من جديد وتشويه سمعة الشرفاء فيستفيد منه المتورّطون في الفساد بادّعاء الدّسّ لهم وتصفية الحسابات الشخصية. والتاريخ حافل بالأمثلة على الثورات التي أكلت أولادها (الثورة الصينية تحت عنوان الثورة الثقافية، جرائم بول بوت في كمبوديا، الثورة الإيرانية، إلخ). ولا حلّ إلاّ في الاحتكام إلى القضاء والتصدّي الصارم لممارسي الثلب وملفّقي التهم.

5. تحويل الثورة عن أهدافها السياسية الرّامية إلى تغيير نمط الحكم بدسّ مطالب مادّية وفئوية تحرّك عواطف الجماهير ذات الأفق السياسي الضيق وتعيد الثورة إلى نقطة الانطلاق بذريعة أنّها قامت للمطالبة بالخبز والشّغل لا غير. ويتمّ ذلك وفق خطّة محكمة الدّهاء تعمل على محاور عدّة منها عزل المناضلين السياسيين عن جماهير شعبهم من خلال التّلويح بفزّاعة الرّكوب على الثورة والتّأكيد على أنّها ثورة الشباب المعطّلين عن العمل والفقراء دون سواهم، ومن خلال تشجيع الاعتصامات المطلبية ودفع الناس إلى المطالبة بالزيادات في الأجور وحيازة الأراضي والبناء الفوضوي والانتصاب التجاري العشوائي وتغذية التناحر بين الجهات، وكذلك من خلال التعامل الشعبوي مع الاعتصامات المطلبية أمام مقرّات الولايات والوزارات بقبول المتجمهرين والتظاهر بالإصغاء إليهم فردا فردا. وهو سلوك غير جمهوري يذكّر بالسياسات العشائرية والإقطاعية البائدة (سيدي حاضر يا شكّاية) التي تمنّ بالخير والقوت على الرّعية من بيت مال المسلمين. الخ.

6. تسمية أشخاص مورّطين مع النظام السابق في الحكومتين الأولى والثانية وفي مناصب الولاّة وفي لجان الإصلاح السياسي وتقصّي الحقائق حول الفساد والرّشوة والتحقيق في التجاوزات والتقتيل الحاصل أثناء الثورة وعدم وضوح صلاحيات هذه اللّجان بما جعلها تتداخل مع صلاحيات القضاء المفترض أنّه مستقل.

7. عمليات حرق وتخريب لأرشيفات الوزارات والمؤسّسات الإدارية والبنكية والعقارية والأمنية والاقتصادية لطمس الأدلّة على الفساد والمتورّطين فيه.

8. مهاجمة وزير الدّاخلية في مكتبه من طرف عناصر من البوليس المسلّح الموالي لنظام بن علي وزبانيته.

9. تنظيم حملات هجرة جماعية غير قانونية عبر تعبئة بواخر تستوعب المئات بل الآلاف من الركّاب وتهريبهم إلى إيطاليا لأغراض مشبوهة.

10. عدم الاستجابة لمقترح تركيز هيئة وطنية موسّعة لحماية الثورة رغم إجماع كل الحساسيات السياسية والقوى الحيّة بالبلاد على ضرورتها. ممّا أدّى إلى تجذير الموقف المطالب بذلك حدّ اشتراط تمتيع مجلس حماية الثورة بصلاحيات تقريرية.

11. عدم الاكتراث بالأصوات المنادية بمجلس تأسيسي نظرا لما تردّت فيه مؤسّسات الدّولة من مأزق دستوري حوّل الدّستور الحالي إلى خرقة متعدّدة الثقوب لا تحتمل مزيدا من الترقيع والاجتهاد كما أصاب مؤسّساتها الدّستورية كالبرلمان ومجلس المستشارين والمجلس الدستوري بالشلل التّام الذّي لا ينفع معه إلاّ البتر.

12. سعي البيروقراطية النقابية إلى اكتساب عذرية جديدة وتلميع صورتها بالرّكوب على الثورة وهي التي طالما تآمرت مع بن علي وأعوانه على مصالح الشغالين وزكّت ترشّحاته المتكرّرة للرّئاسة وغرقت في الفساد بارتكابها للتجاوزات المالية والإدارية وجرّدت النقابيين الشرفاء وأغلقت دار الاتحاد العام التونسي للشغل بتونس في وجه النقابيين المناضلين والشباب الثائرين بدعوى عدم انتمائهم للاتحاد وعرّضتهم لبطش البوليس وتنصّلت من الشعارات التي رفعوها في تجمعاتهم بساحة محمّد علي

13. عدم ارتقاء الإعلام إلى ما تتطلّبه دقّة المرحلة من تحمّل للمسؤولية واصطفاف صريح إلى جانب الثورة بعيدا عن ديماغوجية حب الوطن الفضفاضة والممجوجة. من ذلك تحوّل وسائل الإعلام المسموعة والمرئية إلى ما يشبه مراكز النّداء تستقبل مكالمات المواطنين وتتيح لهم الفرصة للفضفضة عن النفس المخنوقة أو لكيل التهم وتصفية الحسابات الشخصية أو ادّعاء البطولة الزّائفة، وكذلك المحافظة على وجوه وأصوات وأقلام فاقدة لكلّ مصداقية من فرط ما مدحت وانبطحت وإلباسها حلّة ثورية لا تتماشى مع مقاسها حتى غدا الأمر مبعثا للسّخرية حينا وللسخط أحيانا. ومن الأمثلة على الآداء المهزوز للإعلام قطع الملفّات الحوارية قبل نهاية الوقت المخصّص لها (ملف الحوض المنجمي مثلا)، والضبابية الإعلامية التي تحاط بها زيارات السّاسة الفرنسيين والأوروبيين والأمريكيين حيث يتمّ الاكتفاء بالإعلان عن هذه الزيارات/المناورات دون كشف النّقاب عن مجرياتها، ومسرحية تفويض السلطات التشريعية للرّئيس المؤقت التي فسح من خلالها الإعلام المجال لزمرة المهلّلين والمناشدين من نوّاب التجمّع الدستوري الدّيمقراطي وأمثالهم من أحزاب الموالاة للتباكي ومحاولة الظهور في صورة كبش الفداء. وسنورد قراءة تحليلية للآداء الإعلامي في هذه المرحلة في ورقة مستقلّة خاصّة بهذه المسألة.

14. الاكتفاء بتعليق نشاط التجمّع الدّستوري الديمقراطي والتلكّؤ في إحالة ملفّه على القضاء ليحكم بحلّه وبمصادرة أملاكه. ولم يتمّ ذلك إلاّ أخيرا تحت ضغط اعتصام القصبة الثاني.

15. ارتفاع أصوات ظلامية معادية للثورة بدأت بمظاهرة واعتصام أمام الكنيس اليهودي بشارع الحرّية بتونس العاصمة مهدّدة اليهود بالويل والثبور ثمّ هاجمت ماخور تونس العاصمة وحاولت إحراقه.

جلال الرويسي. تونس 24 فيفري 2011