jeudi 13 août 2015

مرض اسمه: التونيزيت


عليك ألاّ تبتعد كثيرا عن مدينة تونس، وإلاّ أنكرتك ولفظتك إذا عدت إليها بعد طول غياب... حصل لي هذا معها في نهايات القرن الماضي لما عدت إليها بعد غيبة سبع سنوات فوجدت نفسي غريبا فيها وعن الوجوه التي تؤثّث فضاءاتها... تذلّلت حتى رقّ لي قلب حاسدي، وغفرت لي تونس جفوتي، ففتحت لي أحضانها من جديد كأمّ سامحت ابنها الضال... ولكنّني كرّرت فعلتي ثانية وهجرتها مجدّدا، وقد لا تغفر لي هذه المرّة...
أتلصّص على أخبارها عبر موجات الإذاعات التي تكاثرت وتوالدت كالخلايا السرطانية، عساني أقتنص لقاء أدبيا أو سهرة لمهرجان تغريني بالخروج إليها، فلا أظفر باسم شاعر أو موسيقي أو مسرحي ممّن ألفتهم. من يكون هذا الكافون والبلطي؟؟ هل شجّعنا هذه التعبيرات الهامشية كي تأخذ مكان الفن الراقي وتتصدّر المشهد؟ نحن فقط نشجّع كافون حتى ننقذه ممّا كان ولا يزال فيه وكي يساعد في إنقاذ أمثاله، أمّا أن يتحوّل إلى أيقونة فنية ونجم النجوم المبجّل ليعتلي ركح قرطاج، فهذا من علامات حلول ساعة الفنّ في تونس التي صارت سنية مبارك تقرّر سياستها الثقافية...
لهذا وغيره، ها نحن نرى شاعرا كعزّوز الجملي يختار الرّحيل في صمت وكمد، وقبله فعلها المناضل والمفكّر سنان العزّابي، وها هو أولاد أحمد يصرف ما بقي لديه من نبض في تكذيب المزايدات والإشاعات اليومية عن موته بسبب المرض، وهاهم مثقّفون وفنّانون آخرون هجروا البلد في صمت...
في المقابل، ها هم القوّادون المنتحلون صفة صحفيين يخرجون من السجون التي حوّلتهم إلى أبطال ومناضلين، وتلاميذهم يصمّون آذاننا بتفاهاتهم وبلغتهم الخشبية عبر ميكروفونات الإذاعات.
هل ترانا ثرنا لنصنع نجوما كفقاقيع الصابون تسمّى سمير الوافي وميغالو وماهر زيد ونوفل الورتاني والعربي المازني ؟ أينما ولّيت وجهك تعترضك لجان التحقيق ولجان متابعة أعمال لجان التحقيق، وزعماء الأحزاب التي تتوالد من بعضها البعض والنقابات والنفايات والمحلّلون السياسيون... عدد النقابات الأمنية أكثر من عدد أعوان البوليس...
صدق من قال "إذا أردت أن تفشل عملا فشكّل له لجنة للمتابعة، و إذا اردت أن تُمزّق شعبا فاصنع من كل مواطن فيه زعيما، و اذا اردت أن تقتل وطناً فأطلق المنابر للمُتسابقين في هواه!!!”
كم توجد في هذا البلد الذي هو بحجم ضيعة في الصين من قناة تلفزية؟؟ كم توجد من إذاعة؟؟ كم توجد من صحيفة؟؟ كم يوجد من حزب سياسي؟؟ كم توجد من جمعية خيرية؟؟ ما هذا الصداع؟؟ ما هذه الكاكوفونيا ؟؟ ما هذا الهراء؟؟ ما هذا الخراء؟؟
أنزل المدينة بعد الغروب متخفّيا بالظلام عساي ألتقي أحد الأصدقاء الخلّص لأشرب معه كأسا على نخب من غادرونا، ولكنّني لا أجد سوى مراهقين يتسكّعون في مجموعات على أهبة السطو والسلب وحرّاس مواقف السيّارات الذين تقاسموا الأرصفة وحوّلوها إلى مناطق نفوذ خاصّة بهم ومتسوّلين شرسين ومهمّشين وأعوان بوليس من مختلف التشكيلات يبدو عليهم التوتّر والتوجّس... أتردّد أمام أبواب الحانات والمطاعم وينتهي بي الأمر إلى الانسحاب بعد التزوّد ببعض الكتب من مكتبة الشارع الرئيسي... أحتاج أن ألتقي صديقي ومعلّمي كمال الزغباني، وأن أجلس إلى عشيري الشاماكو وإلى بعض زملائي من النقابيين ومن المعهد، ولكن كيف السبيل إلى لقائهم بعيدا عن هذا الضجيج والتلوّث؟
هناك مدن تغادرها كما دخلتها. هي هكذا بلا طعم ولا رائحة، مهما طالت إقامتك بها... وهناك مدن تطبعك بشيء منها ولو لم تتجاوز إقامتك بها ليلة... أمّا مدينة تونس فتؤثّر وتتأثّر بمن يمرّ بها... ولكنّها ككلّ مدينة كائن حيّ له دورة عمرية يحدّها مهما طالت مولد وفناء. وأعمار المدن تقاس طبعا بالقرون. وكما اختفت أوتيك ودقة وتيبوربوماجوس، وكما تراجعت القيروان والمهدية من عواصم إلى مدن ذات قيمة ثانوية، كأنّي بتونس صارت في السنوات الأخيرة تحث الخطى نحو نهايتها، فتعدّدت عللها وصارت جليّة... فبعد إصابتها بداء البروكسلّوز، ذلك المرض المنسوب إلى مدينة بروكسال الذي من أعراضه النموّ الفوضوي للمدينة، ها هي تصاب بالتونيزيت وهو عبارة عن التهابات حادّة تصيب المدن التي تغمرها القمامة ومياه المجاري. ومن مخلّفات التونيزيت التونسيون (الضغط) التي أدّت إلى انسداد الشريان التاجي. وها هو الشارع الرئيس (الآفوني) يدخل في حالة احتضار أثّرت على الشرايين الفرعية مثل شوارع قرطاج وباريس وروما ومرسيليا وابن خلدون التي لفّها الظلام بعدما انطفأت فيها الفوانيس العمومية وداهمتها جحافل الناموس والقطط التي تتصيّد جرذان المجاري... هجر التجار والمثقفون والفنانون السونتر فيل ولم يبق فيه إلاّ الجوارح والكواسر التي تحوم حول الجيف.
أهرب إلى ضاحية منّوبة حيث لا أزال أحتفظ بشقّتي على وجه الكراء لأستمتع بالمشي بين ضيعاتها أين ألتقي مجانين مستشفى الرّازي العقلاء وعجائز دار المسنّين الحكماء، بعيدا عن زيف العامّة وصلف الرّعاع...