jeudi 17 octobre 2013

حبّ فريد

أخيط أروقة الفضاء التجاري جيئة وذهابا أقلّب النّظر بين السلع المكدّسة بإغراء فاحش في الأروقة كمومسات المبغى. الدينارات العشرون التي أحتكم عليها لا تفي بالحاجة لشراء هديّة ترضي الحبيبة في عيد ميلادها. يعييني البحث وتقودني قدماي إلى رواق المشروبات الكحولية، حيث تلمع الفتوى كالوحي في الدّماغ: "بعض قوارير خضر يزهر بها الخيال وتفكّ عقدة اللسان، وسينساب الكلام معسولا فيكون أفضل هديّة للحبيبة في عيد ميلادها." 
أقف في الطّابور لخلاص قنّيناتي وأتسلّى بتحليل المشتريات المكدّسة داخل العربات المجرورة. تشدّني بالخصوص نظرات الرّضى الغبيّة المرسومة على عيون الزبائن وهم يفرغون مشترياتهم على الجلد الدوّار بتأنّ في حركة استعراضية كلّها زهو وتطاوس بما رزقهم الله من نعيم... يتظاهرون بالانهماك في جمع مشترياتهم في أكياس البلاستيك غير عابئين بمن حولهم وهم يرمقون بطرف العين بضاعة الآخرين مقيّمين مركزهم الاجتماعي ووجاهتهم من خلال مقارنة حجم مشترياتهم بمشتريات الغير. لكنّهم يختمون جميعا الاستعراض بحركة تكشف حقيقتهم العميقة عندما يسرقون لفّة بحالها من أكياس البلاستيك لاستعمالها كأكياس قمامة.... وأنا في كل ذلك أقاوم التردّد بحساب الفارق بين ثمن القنينات هنا وعند بائع الحيّ.
أدخل البيت فأجد فريد الذي يقاسمني الشقة وهو في وضع الانبطاح مشغولا بحلّ شبكة الكلمات المتقاطعة. فريد من جهة يعرف أهلها بالكدّ والجهد وحسن التّدبير. لست أعرف ما الذي جمعني أنا الجريدي المبذّر الفوضوي بهذا الكائن الهندسي. هي الزّمالة في المكتبة العمومية لا أكثر وحبّنا لهذه المهنة الذي ورثناه من كتب القراءة في الصف الابتدائي. يبتسم فريد إذ يسمع قرقعة زجاج القنّينات، فأبادله الابتسامة. فريد لا يكره الشّرب ولكن يؤلمه أن يصرف ماله في هذا الباب. يعضّ على قلبه ويخرج لجلب ما تيسّر من اللّوز المحمّر من عبد الستّار بائع الفواكه الجافّة.
فريد مغرم بشراء الهدايا، مرّة تحفة وأخرى وردة وأخرى لوحة وهذا كتاب وتلك زجاجة عطر، والكلّ ملفوف بعناية في ورق الهدايا اللمّاع ومربوط بتلك الأشرطة الملوّنة... يكدّس هداياه في ركن من الشقة التي نتقاسمها وينفض عنها الغبار صباح كلّ أحد ويفتح لها النّافذة ليغمرها النّور... سألته ذات مرّة "لمن كلّ هذه الهدايا العالقة؟" فأجاب ببراءة الأطفال: "أشتريها في انتظار أن أتعرّف على حبيبة، هكذا تكون هداياي حاضرة. على أيّة حال لا شيء يمنعني من أن أحبّ حبيبتي قبل أن أعرفها، فهي بالأساس حلم وفكرة، سأحبّها بالتّاكيد أقلّ عندما أعرفها. وسأحدّثها لمّا أتعرّف عليها عن وحدتي ووحشتي وغربتي، وسأقول لها تخيّلتك بالضبط كما أنت في الواقع."
كان الوقت عشيّة رائقة وكانت عندي شظايا افكار أريد أن أحدّث فريد بشأنها، لكنّه نام منذ القنينة الرّابعة. ولم أفرغ من قنّيناتي العشر إلاّ وقد تملّكتني الفكرة وصارت في ذهني واقعا ملموسا. لبست حذائي وخرجت للقاء حبيبتي.
لمّا قابلتها، هنّأتها بعيد ميلادها وناولتها الصندوق الذي لم أكن أعرف ما به. فتحته بلهفة وسحبت زجاجة عطر ومعها بطاقة كتب عليها: إليك حبّي في عيد الحب، فريد" نظرت إليها معلّقا بكامل الثقة: عيد ميلادك هو عيد الحب بالنّسبة لي. أنا فريد وحبّي لك فريد ما له من مثيل." عانقتني معلّقة "كلامك في غاية الرّقة وذوقك رفيع يا حبّي الفريد."

mardi 15 octobre 2013

ثورة بلا ساحات

كشفت مجريات الثورة القائمة في تونس عن أزمات وأمراض كثيرة تعانيها هذي البلاد التي نشترك فيها جميعا. ومن بين هذه الأزمات، أزمة السّاحات العامّة، حيث يمكن أن تدور بعض فعاليات الثورة ويمارس النّاس ثورتهم.
منذ العصور القديمة لا تكون المدينة جديرة باسمها حتّى تكون لها ساحات عامّة. فالآغورا من المفردات الأساية للمدينة عند الإغريق، وساحة الفوروم كذلك عند الرّومان. وتعرف أشهر مدن العالم اليوم بساحاتها: السّاحة الحمراء في موسكو، وساحة تيان أن مان في بيكين، وساحة الكونكورد في باريس، وساحة بلكور في ليون الفرنسية، وساحة القدّيس بيار في روما، وساحة جامع الفناء في مرّاكش، وميدان التحرير في القاهرة، وغير ذلك كثير.
الساحات العامّة كالحدائق العمومية هي من آليات تأمين الحياة بالمدن وتأسيس هويّتها. تعطي للمدينة روحا وإيقاعا وثقافة ونبضا... قد تكون في شكل ساحات شاسعة تستقبل الاحتفالات والتظاهرات العامّة (كرنفالات، مهرجانات خطابية، أعياد وطنية،) وقد تكون في شكل مفترق طرق تلتقي عنده حركة النّقل ومنه تتوزّع على مختلف شرايين المدينة. قد تكون فيها مقاه متناثرة حول نافورات المياه ومنتزهات وتماثيل وحمام ووو. فيها ينزل الغرباء أوّل ما يصلون المدينة ومنها ينفذون إلى أحيائها وأسواقها ومرافقها، وفيها يضرب الناس المواعيد ويستريح المتعبون والمشرّدون. وهناك تنشأ قصص الحب بين الرّومنسيين. وعبر أرجائها يتزحلق الأولاد على عجلاتهم وتدفع الأمهات عربات الرضّع وتطرز العجائز قبّعات الصوف... فيها يعتصم الشباب الثائر وتلقى الخطب وتدور النقاشات وتوزّع المناشير وتزدان الجدران بالكتابة الحائطية، ويقدّم البهلوانيون ألعابهم السحرية ويعزف الموسيقيون ألحانا مختلفة قبل أن يجمعوا القطع النقدية في قبّعاتهم... هكذا يتثقّف المبتدؤون ويعدّل الزّعماء أوتارهم وتبيع المطاعم السندويتشات والمياه المعلّبة ويروّج الباعة المتجوّلون الأعلام والكتب والورود...
وبعيدا عن الاستنقاص من مجد ساحات محمّد علي (بطحاء الاتحاد العام التونسي للشغل) وساحة باردو (التي احتضنت اعتصام الرّحيل)، أرى أنّها تحمّلت عبئا أكثر من طاقتها وفرضت عليها أدوارها فرضا، بحكم قلّة الساحات الجديرة بهذا الاسم.
لا أرى في تونس ساحات جديرة بهذا الاسم، ربّما باستثناء ساحة القصبة حيث النصب في أعلى الهضبة وهي خالية بلا روح كالمقبرة، وساحة برشلونة التي تريّفت واختنقت فصارت كسوق الحفصية، أو ساحة المنجي بالي المحاذية لها. أنا لا أفهم لماذا يعرض الشباب وقادة الأحزاب ومنظّمو المسيرات والاعتصامات عن هذه السّاحات. فعلى قلّتها، تظلّ هذه السّاحات في حاجة أن يغمرها نبض الثورة ويدبّ فيها إيقاع الحياة الجديدة وطاقة الشباب المتوقّدة والخلاّقة...
الغريب أنّ تونس مدينة عريقة ظلّت تكبر على مدى أكثر من عشرة قرون في شكل حلقات متداخلة ولكن دون أن يقرأ القائمون عليها حسابا للسّاحات العامّة، ولا أخال ذلك صدفة. فهم جميعا كانوا يخافون الفضاء العام ويسعون إلى الحدّ منه... "إلزموا جحوركم" (شدّوا دياركم) هذا هو شعار سياسيينا على مرّ العصور....
ولعلّه من مهام هذه الثورة الجارية أن تؤسّس لتونس ساحة أو ساحات تكون المهد الحاضن للديمقراطية المنشودة ومحرار حرّية البلاد وثقافتها ونبضها السياسي... قد يقول البعض أنّ الزّمن غير الزّمن، وأنّ لكلّ زمن ملامحه وشروطه. فقد حلّت السّاحات الافتراضية محلّ الساحات المادّية وعوّض الفايسبوك والشبكات الاجتماعية البطاح والأماكن العامّة
. ولكنّ هذا الكلام من قبيل ال"كليشيه" الممجوج والترديد الببّغائي. فالظلّ لا يعوّض الجسد مهما شابهه والتصق به، لأنّه يبقى غائما وبلا ملامح. إنّ ساحات الفايسبوك هي التي جعلت ثورتنا كطفل الأنبوب، حملت به أمّه في غير بطنها فأنجبت تنّينا يأكل ذيله كثعبان الأسطورة...