samedi 19 avril 2014

ليلة الكسوف (قصة مترجمة لغابريال غارسيا ماركيز)

 ترجمها جلال الرويسي بمسقط في 19 أبريل 2014
عن نسخة بالفرنسية منشورة بصحيفة لوموند
ديبلوماتيك في أوت 2003

المرجع للنسخة الفرنسية http://www.monde-diplomatique.fr/2003/08/GARCIA_MARQUEZ/10357  كان هذا النزل العجيب يخبّأ ل"آنّا ماجدلينا باخ" ألغازا أكثر تعقيدا من مجرّد إطلاق نظام الإنذار إثر إشعالها سيجارة. إنذار كان عبارة عن جوقة من المنبّهات الصوتية والضوئية، صاحبها صوت زاجر يخبرها بثلاث لغات مختلفة أنّها في غرفة لغير المدخنّين، هي الغرفة الوحيدة التي أمكنها حجزها في ليلة الاحتفالات تلك. احتاجت المساعدة حتى تفهم أنّ إشعال النور وتشغيل التلفزيون ومكيّف الهواء وموسيقى الغرفة يتمّ بواسطة نفس البطاقة التي تسمح بفتح الباب. وكذلك تمّ تلقينها كيف تستخدم اللوحة الإلكترونية للتحكّم في زخّات الماء المثيرة جنسيا والجالبة للاسترخاء في حوض الجاكوزي. وبدافع الفضول المتأجج فيها، خلعت تنورتها التي بلّلتها شمس المقبرة بالعرق وشدّت شعرها تحت طاقية وعرّضت جسدها للتيارات المائية. وفي غمرة استمتاعها ذاك، اتصلت بزوجها عبر الهاتف لتقول له "عزيزي لا يمكنك أن تتخيّل كم أنا في حاجة إليك الآن" قالت له ذلك بدلال جعله يحس بحرارة جسدها داخل حوض الجاكوزي، فأجابها "اللعنة، أعترف أنّك سدّدت لي ضربة ناجحة. ثقي أنّني سأثأر لنفسي"
فكّرت أن تطلب شيئا تأكله على مهل في مهجعها حتى لا تضطرّ إلى لباس ثيابها من جديد. ولكنّ ارتفاع سعر هذه الخدمة جعلها تعدل عن فكرتها وتنزل إلى المطعم مرغمة. كان الفستان الحريري الأسود ذو الشكل المخروطي الطويل لائقا جدّا على تصفيفة شعرها، وفتحة الصّدر العريضة تعطي انطباعا بأنّها نصف عارية. ولكنّ القلادة والأقراط وخواتم الزمرّد الكاذب التي زادت عينيها بريقا، أمدّتها بالثقة وثبّتت معنوياتها.
نزلت إلى العشاء عند الثامنة ليلا. لكنّها فرغت من الأكل بسرعة، خصوصا وقد أزعجها بكاء الأطفال والموسيقى الصّاخبة إلى الحدّ الذي جعلها تفكّر في العودة إلى غرفتها لاستئناف قراءة كتاب كانت قد بدأته منذ ثلاثة أشهر. وفي طريقها إلى غرفتها، أعاد لها هدوء البهو انتعاشها من جديد. لاحظت وهي تمرّ أمام الملهى، زوجين من موظّفي النزل يؤدّيان رقصة الإمبراطور بإتقان لافت. تسمّرت مكانها تتابع الراقصين حتى فرغا وأخليا حلبة الرّقص للحرفاء. وفي تلك اللحظة، فاجأها من الخلف صوت رجالي دافئ ليوقظها من حلمها : "هل تسمحين برقصة؟". كان صاحب الصوت قريبا منها إلى الحدّ الذي جعلها تتبيّن رائحة خجله الخفيفة تخترق غلاف عطر ما بعد الحلاقة. ولمّا التفتت إليه لتعتذر في اضطراب واضح أحسّت بنفسها ينقطع "آسفة، لباسي غير مناسب للرّقص" وجاءها الردّ فوريا: "ولكنّ فستانك هو الذي يلبسك ولست انت من ترتدينه"
أربكتها الجملة، وفي حركة لا إرادية مرّرت يدها على صدرها ثمّ على ذراعها العارية فخصرها المستقيم، كأنّما كانت بذلك تريد أن تتأكّد أنّ جسدها موجود داخل الفستان وأنّها تحسّ به وتلمسه. ثمّ أعادت النظر باتجاه الرّجل من خلال محور كتفها، لكن ليس لمجرّد رؤيته هذه المرّة وإنّما لتتملّى وجهه بعينيها اللتين لم ير هذا الرّجل أجمل منهما في حياته.
"هذا لطف منك" قالت له بإغراء وأضافت "أمازال من الرجال من يقول مثل هذا الكلام للنساء؟"
اقترب الرّجل منها أكثر، مجدّدا دعوتها إلى الرّقص في حركة صامتة. أمسكت آنّا ماجادلينا باخ، الوحيدة والحرّة في جزيرتها، بيد الرّجل الممدودة نحوها بكلّ ما في روحها من قوّة، كما لو كانت تقف على شفا هوّة تخشى السقوط فيها. رقصا سويّا ثلاث رقصات كلاسيكية. ومنذ الخطوات الأولى خمّنت آنّا ماجدلينا أنّ الرّجل قد يكون من موظّفي النزل المحترفين المكلّفين بتنشيط السهرات، وأطلقت العنان لجسدها لينساق في لفّات محورية محمومة، محافظة في ذات الوقت على مسافة تجاه جسد الرّجل بواسطة ذراعها الممدودة. قال لها وهو يثبّت نظراته في عينيها "أنت ترقصين كحورية". وكانت تعرف أنّ ذلك صحيح ولكنّها كانت تعرف أيضا أنّ الرّجل كان سيوجّه نفس تلك المجاملة لأيّ امرأة يرغب في استدراجها نحو فراشه.
حاول في الرّقصة الثانية أن يضمّها إلى صدره، ولكنّها نجحت في صدّه والمحافظة على مسافة الأمان. وقد دفعه ذلك إلى الانهماك في الرّقص كإله، مكتفيا بتوجيهها من خصرها بأطراف أصابعه، كما لو كان يحرّك زهرة. وفي منتصف الرّقصة الثالثة، تملّكها الإحساس بأنّها تعرف هذا الرّجل من زمن بعيد.
لم تتصوّر أبدا رجلا من طينة القدامى بهذا المظهر اللاّفت. كانت له بشرة فاتحة وعينان من نار تحت حاجبين كثيفين وشعر فحمي ملمّع بالجال وممشوط بعناية مع خطّ مستقيم يشقّه في الوسط. كانت بدلة الحرير الخالص التي يرتديها على مقاس خصره بالضبط وتعطيه هيئة غندور كلّ ما فيه متصنّع. ولكن عينيه المشتعلتين كانتا تصرخان عطشا إلى الحنان.
لمّا فرغا من الرّقص قادها دون أن يأخذ رأيها إلى طاولة منزوية. لم يكن هناك من داع لذلك. حدست الآتي وراقها أن يطلب شامبانيا. كان الضوء الخافت يجعل المكان مريحا ويضفي على كلّ طاولة حميميتها الخاصّة بها.
قدّرت آنّا ماجدلينا أنّ سنّ مرافقها لا يتجاوز الثلاثين، مادام يكاد لا يعرف شيئا عن رقصة البوليرو. ظلّت تقود الرّقصة بمهارة ورشاقة، حتّى أمكنه أن يمسك بإيقاع الرّقصة ويتفاعل معها. لكنّها حافظت على مسافة بينهما حتى لا تحرّك فيه الرّغبة أن يشمّ ما في شرايينها من دم ساخن بفعل الشامبانيا. ولكنّه أرغمها على ذلك. جرّب ذلك في البداية بلطف ونعومة، وفي مرحلة لاحقة استعمل كلّ ما في ذراعه المطوّقة لخصرها من قوّة. عندها أحسّت على فخذها ما كان يريد أن يلفت انتباهها إليه حتّى يرسم حدود مجاله، ولعنت في سرّها نبضات الدّم في شرايينها وتسارع أنفاسها. لكنّها نجحت في صدّ زجاجة الشامبانيا الثانية. لمّا تفطّن إلى ذلك، دعاها إلى المشي على الشاطئ. قالت برعونة أنها توافق من باب التضامن حتّى تخفي حرجها.
-       "هل تعلم كم عمري؟"
-       "لا أستطيع أن أتخيّل أنّ لك عمرا"، أجابها
-       "بالكاد، ذلك العمر الذي قد تتخيّله لي"
ولم تكد تنهي جملتها تلك حتى تملّكها الملل من هذه الأكاذيب، فقرّرت أن تحسم الأمر. إذا لم يكن الآن فلن يكون أبدا. "أنا آسفة" قالتها وهي تنهض. فقفز الرّجل ملتاعا
-       "ما الذي حصل؟"
-       "عليّ أن أذهب. أنا لا أتحمّل الشامبانيا"
اقترح عدّة خيارات أخرى بريئة، وهو بالتأكيد يجهل أنّ المرأة إذا قرّرت الذّهاب فلا توجد قوّة بشرية أو سماوية تستطيع ثنيها عن قرارها. وفي الأخير استسلم.
-      في هذه الحال، اسمحي لي أن أرافقك
-      لا تزعج نفسك. شكرا على هذه الليلة التي لا تنسى
ظلّت وهي في المصعد تستغفر عن ذنبها وتعلن توبتها. كانت تحس بغيض شديد على نفسها. ولكنّها كانت تجد في قرارها بالعودة إلى غرفتها ما يواسيها. نزعت حذاءها حالما دخلت الغرفة وتهالكت على الفراش مستلقية على ظهرها ثم أشعلت سيجارة. وفي نفس اللحظة تقريبا رنّ جرس الباب فلعنت هذا النزل حيث يطارد القانون الناس في حميمياتهم الأكثر قدسية. لكن الطارق على الباب لم يكن القانون، وإنّما الغندور. كان طيفه في عتمة الرواق أشبه ما يكون بتمثال من متحف الشمع. رمقته بنظرات حادّة وعدوانية ويدها ممسكة بمقبض الباب، ولكنّها لم تمنعه من أن يعبر إلى داخل الغرفة، ففعل كما لو كان يلج بيته.
-       "هل لي أن آمل في كأس؟ أما من شيء تقدّمينه لي؟" قال لها
-       "اخدم نفسك"، أجابته "فأنا لا أعرف شيئا عن كيفية استخدام هذه المركبة الفضائية"
وعلى نقيضها، كان هو يعرف كلّ شيء. خفّض النور وشغّل موسيقى هادئة وصبّ كأسي شامبانيا من المينيبار بمهارة قائد أوركسترا. انخرطت في اللعبة كأنّما لم تكن هي، وإنّما مجرّد ممثّلة لذلك الدّور. كانا على وشك أن يرفعا نخبا ويشنشنا كأسيهما لمّا رنّ الهاتف فردّت فزعة. وجاءها على الطّرف الآخر من الخط صوت عون الحراسة يعلمها بلطف أنّ نظام النزل يمنع استقبال الضيوف بالغرف بعد منتصف الليل دون تسجيل أسمائهم بمكتب الاستقبال.
-       "لا حاجة إلى تذكيري بذلك" قالت له مقاطعة ومضطربة، "أرجو المعذرة"
علّقت السمّاعة وقد غدت حمراء كقرنفلة. أمّا هو، فعلّق كما لو كان قد سمع ما دار في المكالمة بعبارة بسيطة "إنّهم رهبان في دير". ودون انتظار، دعاها إلى الشاطئ لتأمّل كسوف القمر. كانت المعلومة جديدة بالنّسبة لها، وهي المولعة بمشاهدة الكسوف منذ طفولتها. هكذا، بعدما قضت سهرتها في صراع بين الغواية والتعفّف، ها هي الآن دون عذر مقبول يسمح لها بالرّفض.
-       "لا مناص لنا من ذلك" قال لها، "إنّه قدرنا"
جرّدتها هذه الذريعة القدريّة التي رماها بها من آخر تحفّظاتها، فخرجا على متن شاحنة الغندور لمشاهدة الكسوف في خليج تحجبه غابة من النخيل ولا أثر فيه لسائح واحد. كانت السماء صافية والقمر وحيدا وحزينا. وفي الأفق البعيد لاحت أضواء المدينة. ركن الشاحنة بجوار النخيل ونزع حذاءه ثمّ فتح حزامه وأطلق الكرسي إلى الوراء ليسترخي عليه. لاحظت أنّه لم يكن في الشاحنة كراسي خلفية حيث يكفي الضغط على زر لتحويل الكراسي الأمامية إلى سرير. أمّا بقية الفضاء فيشغله مينيبار وجهاز لبث موسيقى الساكسفون وركن لقضاء الحاجة البشرية وراء ستار قرمزي. عندها فهمت كلّ شيء.
-       "ما من كسوف هناك" قالت، "القمر في طوره نحو الاكتمال."
ظلّ هادئا ولم يتحرّك له ساكن. ثمّ قال:
-       "فليكن خسوف الشمس إذن، أمامنا الوقت كلّه"
ولم يعقب ذلك مقدّمات أخرى. فقد عرف كلاهما ما الذي عليه أن يفعله. والحقيقة أنّ آنّا ماجدلينا قد أدركت منذ الرّقصة الأولى أنّه ليس لهذا الرّجل من شيء مختلف يمكنه أن يهديه لها سوى ذلك الشيء. أدهشتها براعته في خلع ملابسها قطعة قطعة، بل خيطا خيطا. فعل ذلك ببراعة ساحر مستخدما أطراف أصابعه حتّى يكاد لا يلمسها، كما لو كان يقشّر بصلة. عند الهجمة الأولى للتنّين أحسّت قواها تخور من فرط الألم وبالمهانة البشعة التي تلحق بدجاجة مفكّكة. اختنقت وغمرها عرق بارد، ولكنّها استعانت بغرائزها الأولى حتى تقاوم الإحساس بالاضمحلال والدونية إزاءه. وانخرطا في تلك اللذّة التي لا تصوّر والناتجة عن اختلاط القوّة البكر بالرّقة والحنان.
لم تسع أنّا ماجدلينا باخ إلى معرفة من يكون ذلك الرّجل، ولم تفكّر في الأمر أصلا. ولم تتعرّف على حقيقته إلاّ بعد ثلاث سنوات من تلك الليلة المشهودة لمّا عرض التلفزيون صورة تقريبية لمصّاص الدماء الذي تبحث عنه شرطة الكاراييب كلّها بوصفه متحيلا وقوّادا في خدمة الأرامل المومسات والوحيدات، والقاتل المحتمل لاثنين منهما.

vendredi 18 avril 2014

أغلب الأثرياء يتمسّكون بأموالهم

رسالة مفتوحة من الكاتب ستيفان كينغ (مترجمة يتصرّف)
هو من أنجح الكتّاب، حاز إعجاب النقّاد ويبيع ملايين النسخ في مختلف أنحاء العالم من كلّ كتاب يصدره. وغالبا ما تحوّل كتبه إلى أشرطة سينمائية ناجحة. هذا هو ستيفان كينغ النّجم العالمي بامتياز والثري الذي لا ينقصه شيء. ولكنّه يصرخ إزاء انخرام العدالة الاجتماعية وتفشي الفقر والإقصاء بأعلى صوته مطالبا بالترفيع في الضرائب المسلّطة على الأثرياء. ويعلن استعداده أن يدفع أكثر ممّا يدفعه حاليا. فهل هي مجرّد ديماغوجيا وجعجعة لفظية تعوّدناها من النجوم للمحافظة على نجوميتهم أم أنّه موقف صادق من فنّان يحسّ بمأساة الملايين وينتفض ضدّ الحيف والإقصاء الاجتماعيين؟ اقرؤوا هذه الرّسالة التي تقطع مع اللغة الخشبية حول موضوع شائك ومحلّ مزايدة....
_________________________
صرّحت أثناء تظاهرة أقيمت في فلوريدا بأنّني أدفع 28 بالمائة من دخلي بعنوان ضرائب وتساءلت لماذا لا ترفع ضرائبي إلى 50 بالمائة؟  فقيل لي: "ما عليك إلاّ أن تمضي صكّا في ذلك وتريحنا من جعجعتك الفارغة" قيل لي أيضا "إذا أردت أن تدفع أكثر، فافعل، لا أحد سيمنعك من ذلك" كما سمعت من يقول "سئمنا سماع مثل هذا الرياء والكلام المنافق"
 طيب، سأردّ عليهم بالقول "تبّا لكم ما أبئسكم من عقول. لن أملّ من ترديد ذلك الكلام. أنا أعرف أناسا أثرياء وأعرف عمّا أنا أتكلّم بالضبط، فلماذا تريدونني ألا أتكلّم عمّا أعرفه أكثر من غيري؟ صحيح أنّ بعض الأثرياء يعطون نصيبا من ثرواتهم للأعمال الخيرية. لكنّهم يتمتّعون بإعفاءات ضريبية مقابل ذلك. ثمّ إنّ هؤلاء لا يمثّلون أكثر من واحد بالمائة من الأثرياء. زد على ذلك أنّ صدقات الأثرياء لا تكفي لمواجهة الانحباس الحراري أو لتخفيض سعر البنزين ولو بفلس واحد.
عفوا، إنّ الأمر يتعلّق بمسؤولية وطنية تهم أمريكا كلّها. من واجب كل أمريكي أن يساهم في المجهود الوطني لمساعدة الفقراء والمرضى وتعليم النشء وإصلاح الأعطاب التي تصيب البنى التحتية وسداد ديون الحروب التي لم يستشرنا أحد إن كان على أمريكا أن تخوضها أم لا؟ ألم يحن الوقت لنطرح المشكل بكامل الوضوح والمسؤولية؟
إنّ أغلب الأثرياء يدفعون ضرائب في حدود ثمانية وعشرين بالمائة ويحتفظون ببقية ثرواتهم لأنفسهم. هذا معناه شيء واحد: إنّ أغلب الأثرياء بخلاء. يحبّون كنز المال الفائض عن حاجتهم ويفضّلون توريثه لأبنائهم وأحفادهم بدل استثماره وإفادة المجتمع به. ويمكن تلخيص علاقة الأثرياء بالمال في هذه الفلسفة البائسة: "لا تقولوا لنا ما يتعيّن علينا أن نفعل بأموالنا. وسنعلّمكم كيف تصرفون أموالكم"
إنّ أعضاء الكنغرس وممثّلي الشعب الأمريكي الذين يرفضون مجرّد التفكير في الترفيع في ضرائب الأثرياء، ليسوا في غالبيتهم العظمى من الأثرياء الكبار، رغم أنّ كثيرا منهم ينتمون إلى فئة المليونيرات. لا تسألوني لماذا. فأنا نفسي لا أفهم سرّ موقفهم المساند للأثرياء خصوصا وأنّ أغلب الأغنياء أكثر إزعاجا من خراء كلب عجوز.
ربّما كان السبب في حب المحافظين للأثرياء هو إيمانهم بتلك الفكرة القائلة بأنّه بإمكان أيّ كان أن يصير ثريا في أمريكا إذا عمل وكدح بجدّ، وادّخر ماله. ألم يقلها "ميت رومناي" : "أنا ثري، ولا أرى سببا للاعتذار عن كوني ثريا"؟ ولكن لا أحد طلب منك الاعتذار يا مستر ميت. كلّ ما نطلبه منك هو الاعتراف بأنّه ما كان يمكنك أن تصير ثريا لولا أمريكا. ونطلب منك أن تتصرّف بناء على ما يترتّب على هذا الاعتراف بفضل أمريكا عليك. فأنت محظوظ لكونك ولدت في بلد يتيح فرص الارتقاء الاجتماعي لجميع أفراده. وليس أفضل من باراك أوباما نفسه ليشهد بذلك لما له من تجربة في هذا المجال. ولكنّ المصعد الاجتماعي الذي استخدمته واستفدت منه تعطّل وعليك أن تساهم في إصلاح ما حلّ به من عطب.
ليس من العدل أن نطالب الطبقة الوسطى بتحمّل مستوى جباية غير متناسب مع قدراتها. هذا أكثر من ظلم. ولا علاقة له بالثقافة الأمريكية. لا أريدك أن تعتذر على كونك ثريا، أريدك فقط أن تقبل بدفع ضريبة عادلة. إنّ دروس التربية المدنية التي تلقّيناها في المدرسة الأمريكية لم تعلّمنا أنّ المعنى من أن تكون أمريكيا هو أن لا تعوّل إلاّ على نفسك ولا شيء أو أحد سوى نفسك. أبدا لم تعلّمنا المدرسة الأمريكية أنّه على الجميع أن يدفع نفس القدر من الضرائب. بالعكس، على الضريبة أن تتناسب مع حجم الثروة. وعلى دافعها أن يتقبّل ذلك دون تذمّر ولا تهرّب. وهذا يسمّى "وطنية"، هذه الكلمة التي لا يفتأ النوّاب المحافظون يتشدّقون بها بمناسبة وغير مناسبة طالما أنّها لا تكلّف فلسا واحدا لمن يستميتون في الدفاع عنهم وعن ثرواتهم.
هذا ما يجب أن يحصل، ولا بديل عنه، إذا أرادت أمريكا أن تبقى وفية لمثلها وقيمها. إنّها ضرورة عملية وواجب أخلاقي.

samedi 12 avril 2014

اعترافات في الوقت الضائع

نعم قصّرت معك يا سنان في الشهور الأخيرة. لمّا مرّ المرض إلى السرعة القصوى ودخل بك في المنعطف الأخير، كنت ألهث وكانت عجلاتي "مفشوشة". ما كان بإمكاني مسايرة النسق. لم أعد أستطيع أن أقابلك لألوك أمامك تلك الكذبة التي لا تنطلي عليك "آه، أنت اليوم أفضل حالا يا عشيري... ما شاء الله وجهك مشرق". كان الحديث الوحيد الصادق والممكن بيننا هو عن الموت، عن موتك. وأعترف أنّه لا أحد منّا كان يستطيع ذلك أو يرغب فيه... كان الأمر يحتاج منّا التحليق في طبقة أخرى من كنه الوجود. لعلّك كنت تنتظر منّي أن أبادر لتستجيب... ربّما. لكنّك تعلم محدوديّة قدرتي على التفلسف.
كم رجتني ابتسام ألاّ أغيب عنك، ومثلها ألحّت كوثر وفعل كمال الزغباني وعبد السلام البغوري وغيرهم... كنت أعدهم دون أن أفي، لأنّني لم أكن أقوى على رؤيتك بصدد الموت. كم آلمني قول كمال "عشيرك يسلّم عليك، ويقولّك ما تخافش منّي راهو السرطان موش مرض معدي" 
لكنّ كلّ ما فيك معدي يا عشيري: الصداقة والخيال والإحساس والحساسية واللعب بالمعاني. كم مرّة تساءلت في سرّي محاولا تقليدك: "ماذا لو كانت الحياة تبدأ بالمقلوب؟؟ فنصير نبدأ من النهاية متجهين نحو البداية؟ نبدأ أمواتا ثمّ نحيا ونسير القهقرى نحو لحظة الولادة، نبدأ شيوخا هرمين ونسير باتجاه الطفولة، نبدأ موظّفين مهمومين ثم ننتهي تلاميذ أبرياء وأشقياء، نبدأ أباء ثم ننتهي أبناء... هذه عدواك يا عشيري التي أصابتني من منادمتك في بار الفول بنهج روما ونحن نمارس خيانة الندامى المطاردين إيانا بالهاتف...
كنت أحدّث كمال عن ضعفي، عن عجزي، عن هروبي. وكان يتفهّم الأمر ويستدرك "لكنّ سنان يحتاج منّا مرافقته في هذا الشوط الأخير... صعب عليه أن يمشيه لوحده"
كنّا نعرف أنّك ستموت، أخبرنا بذلك العلم. كنت أوّل من عرف ذلك ذات يوم من شهر أوت 2012... قالها لي حمّأدي الديناصور وهو خارج متثاقل الخطو ومهدودا من مخبر الآنابات بالرابطة. احتمى وراء جملة ساخرة من القدر ليداري وجعه وقد غشى عينيه سحاب أغبر "صاحبنا وقع في المصيدة، منيّكة علينا وعليه. الNK T هذا لا يرحم"
ومن يومها وأنا أحاول تكذيب العلم وحمّادي وأتمسّك بالكذب على نفسي وعلى من حولي. تخفّفت من عبء سرّي على حساب كمال المسكين. أفتيت لنفسي ذلك بالقول "أليس روائيا متعوّدا على تحمّل أعباء شخصياته وعذاباتهم، فليعتبرني واحدا منهم".
في المنعطف الأخير، كان واضحا أنّ المرض أشهر خنجره وصار يعربد ويلعب على المكشوف. وعمّت حالة من الاضطراب العاطفي بين الأصدقاء والرّفاق الذين صاروا يلملمون أمرهم ويكثّفون التكريمات والنصوص كأمريكي يحصّن بيته بالمسامير ضدّ إعصار قادم لا محالة... وبقدر ما كان المرض يزحف في تبجّح الجبان، بقدر ما كانت تطفح على وجهك حكمة وهدوء الشجعان.
أنا لم أحضر لا التكريمات ولا التوديعات ولا التأبينات. بذلك حافظت عليك حيا.
التقيتك آخر مرّة في حانة الرّكن "التورنون"، حدّثتني يومها عن مشاريعك القادمة بعد الفراغ من العلاج. بعدما خرجنا متعتعين كالعادة، كنت قد حسمت أمري، وقرّرت اعتبار أحدنا مسافرا. آه، تصادفنا بعدها ثانية في نهج المختار عطية وأنت مرفوق بأحمد الملولي ورياض الفاهم ومحمد الهادي الوسلاتي، كنت خارجا لتوّك من دار الثقافة ابن رشيق حيث ألقيت مداخلتك في ذكرى بلقاسم اليعقوبي، وكنتم تتعجّلون الذهاب إلى حانة "الأوسكار" لإطفاء الظمإ بكأس... تعلّلت بأنّني مرفوق بالخطيبة، فصافحتني وأنت تدسّ في مشاكساتك إبر العتاب المرّ. لمعت في عيوننا وفي غفلة من الأصدقاء كلّهم نظرة الوداع الأخير... بعدها، ارتكبت في غيابك الخيانات التي تعرف... تزوّجت، ثم سافرت إلى الخليج، كأنّما كنت أبحث عن فسخ حياتي السابقة، قبل أن تفسخ برحيلك أحلى فقرة فيها... 
تركتك في العاصمة، وها أنّك قد هجرتها من بعدي لتقيم نهائيا ودون رجعة في قبلي... حسنا فعلت حتى لا أزور قبرك وأزعجك بنواحي... سأعتبرك قد نفّذت ذلك التهديد الذي كم كنت تردّده كلّما استبدّ بك القرف من العاصمة ومن نفاق العاصميين... كنت تقول لي "والله يا عشيري، ليس هناك أنقى وأهنأ من العيش مع أهلي الطيّبين في قبلّي، والقلب خال من هموم المدينة وزيفها" سأتشبّث باعتبارك في "منط" (جلسة خمرية في غابة النخيل) مع حمان عدوّ البطاطا وسمير البوهيمي وعرفُك "حمامة" الذي علّمك مهنة الدهينة وذلك الزنجي العملاق الوديع وبقية الشلّة... لن أزور قبلي حتى لا أصحو من وهمي... ولن أمرّ أمام بيتك في أريانة... سأسعى إلى رؤية إيثار وأمّه... وسأشتمّ رائحتك في شقيقك ماجد شبهك في العمق والكرم... سأواصل الشرب رغم داء السكري، في نفس المكان وحسب نفس الطقوس، إحياء لذكراك وإكراما لروحك...
شيء واحد لست أدري كيف أعالجه، وهو كيف أسدّ فجّ الريح الذي تركه لي رحيلك بين الكتفين؟؟؟

vendredi 11 avril 2014

ينعل بو الدنيا

حالما تعافت أحلام، استأنفت التردّد على الملهى الليلي حيث كانت تعمل راقصة. لكن بوصفها حريفة هذه المرّة وليس بوصفها نجمة الملهى ومركز ثقله. لم تتحمّل حياتها حبيسة بيتها الكئيب. إذ رغم كلّ ما وفّرته فيه من أسباب الرّاحة، فإنّه ظلّ موحشا يسيطر عليه صمت المقابر. فهي ابنة الليل والملهى هو بيتها وحرفاؤه هم عائلتها. ولكنّها للأسف لم تعد تستطيع مواصلة الرقص مهنتها التي تعشقها إلى حدّ الجنون.
في البداية، كانت تبالغ في الشرب وتنهار بالبكاء في آخر السهرة فيواسيها أصدقاؤها من المعجبين بها أيّام مجدها، حتّى نبّه عليها صاحب الملهى وهدّدها بعدم قبولها من جديد. لكنّ الحرفاء صدّوه عنها وهدّدوه بمقاطعة الملهى إن هو منعها من الدخول. استمرّت تتردّد على الملهى حريفة يومية لأكثر من ثلاث سنوات حتى عرض عليها صاحب المحلّ أن تكون قابضة تتعامل مع النوادل.
حصل ذلك ليلة الاحتفال بذكرى الثورة، حيث كانت مشاعرها مزيجا بين الفرحة بسقوط نظام أنهكها أعوان بوليسه بالابتزاز والتحرّش وبين خوفها ممّا ينتظرها بعد انتقال السلطة إلى الإسلاميين. بالغت ليلتها في الشرب، ورقصت بتوتّر جعل عضلاتها منقبضة ولكنّها كانت تغطّي آلامها كلّ مرّة بكأس إضافية. ولم تفق إلاّ وهي في المستشفى حيث أعلمها أحد أصدقائها من حرفاء الملهى بّأن كعبها التوت وهي ترقص فسقطت من الدرج نحو أسفل الحلبة. وقضت بالمستشفى شهرين كان فيهما جرح ركبتها يتعفّن أكثر فأكثر بسبب إصابتها بداء السكّري حتى أعلمها الطبيب ذات يوم بأنّه لا مفرّ من بتر الساق إلى حد الركبة لإنقاذ حياتها.
أصرّت على استلام ساقها المبتورة وأقامت لها جنازة كاملة. غسّلتها وكفّنتها وحفرت لها قبرا دفنتها فيه ثمّ ثبّتت عليه رخامة كتبت عليها " أيّها التراب، هذه تسبقة على الحساب..."
وهاهي بعد أربع سنوات فقط من الحادثة عجوزا مترهّلة لا أثر فيها من ذلك الجمال الآفل وتلك الحيوية المتبخّرة. تؤوب إلى غرفتها ليلا ثملة وقبل أن تدخل الفراش تنزع كل قطع الغيار التي تغلّف بها جسدها. تبدأ بالنظارتين، ثم الأشفار الاصطناعية فالعدستان الملوّنتان فالباروكة ثم طاقم الأسنان والسمّاعتان ثم الأظافر الاصطناعية وتمرّ إلى الساق الخشبية وتجس كرتي السيليكون اللتين تشدان الصدر وهي تنظر في المرآة. تبصق على المرآة وتصرخ "ينعل بو الدنيا قداشها ..." ثم تغيب عن الوعي

jeudi 10 avril 2014

محمّد "لاصيان"

لمّا توقّف المطر، خرج "محمّد لاصيان" إلى الشارع مستطلعا آثار ليلة كاملة من السيول المتواصلة على منازل الطوب الهرمة. كانت الجدران المتآكلة ذات الحجارة الناتئة كبقايا أسنان في فم عجوز أدرد متشرّبة ماء حتّى صارت تهدّد بالتهاوي في أيّ لحظة. سحب "محمّد لاصيان" من جيبه علبة السجائر وقبل أن يشعل واحدة عدّ ما تبقّى في العلبة من سجائر مستغربا سرعة نفاذها وخمّن أنّ البركة طارت من كلّ شيء ولم ترحم حتّى السجائر التي التهبت أسعارها. قرفص مسندا ظهره إلى جدار بيته وطلب من مقداد ابن جاره الذي كان يلعب بالوحل أن يسأل أمّه إن كان لديها بقايا "رشفة تاي"... 
ينادي أهل القرية محمّد بلقب "لاصيان" المستمدّ من عبارة فرنسية اعترافا له بالخبرة والمهارة في حرفة البناء. قدّر "لاصيان" في سرّه أنّه من الأفضل له ولسكّان هذه البيوت الهرمة لو تتداعى إلى السقوط حتّى تعوّض الدولة لأصحابها بمساعدات مالية، وهكذا "يدور الدّولاب" ويتوفّر له الشغل الذي كسدت سوقه منذ حلّت الثورة. وفي نفس الوقت يستفيد أهل القرية فيجدّدون بيوتهم... لكنّه سرعان ما طرد هذه الفكرة من دماغه بعدما شعر بالذّنب، إذ كيف له أن يتمنّى أن تهدم بيوت الناس حتّى يجد هو شغلا؟ ثمّ من يضمن أصلا أنّ الدّولة ستعطي تعويضات بعدما صرفت كلّ أموالها في التعويض لجرحى الثورة وأهالي الشهداء ومساجين العهد البائد... تبّا لزوجته التعيسة التي منعته من الخروج مع الجماعة أيّام الثورة للسّطو على المستودع البلدي... لو لم يسمع كلامها وخرج مع أصدقائه الثلاثة فربّما فاز بطلقة نارية في الساق جعلته من ضمن جرحى الثورة ليحصل على تعويض يقلب حياته، وليكن أنّه مات، فقد كان سيستريح من الشقاء ويصير شهيدا يرفع رأس أبنائه ويضمن لهم تعويضا سخيا. سحب آخر نفس من السيجارة ورمى بها في بركة الوحل مستغفرا الله عن هذه الوساوس الشيطانية، ثمّ همّ بالوقوف مسندا يديه على الجدار. 
كانت آخر كلمة نطقها "محمّد لآصيان" قبل أن يهوي عليه جدار بيته فيكتم أنفاسه هي "أستغفر الله العظيم عن كلّ ذنب عظيم"... يقع قبر "محمّد لاصيان" بجانب قبور مفخرة القرية وشهدائها الثلاثة، الذين كان "محمّد لاصيان" آخر من رآهم قبل خروجهم إلى المستودع البلدي. ينام الشهداء في قبور جميلة وأنيقة تبرّع "محمّد لاصيان" ببنائها بكلّ تفان إكراما منه لروح أصدقائه الثلاثة. وعلى كل قبر رخامة نقش عليها اسم الشهيد مع الآية الكريمة "ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربّهم يرزقون". "أمّا قبر "محمّد لاصيان"، فمجرّد كوم من الحجارة كقبور الأنبياء، لولا تلك اللوحة الخشبية التي ثبّتها ابنه وكتب عليها بخط مرتعش "هز الكنتولة يا لاصيان يا بو السواعد البنّاية، السلّوم مهما طوال الدرجات ليها نهاية"
رحم الله محمّد لاصيان، كان من الفقراء النبلاء.



هز الكنتولة يا علي يا بو السواعد البناية، مهما طوال السلوم الدرجات ليها نهاية

هز الكنتولة يا علي يا بو السواعد البناية، مهما طوال السلوم الدرجات ليها نهاية
هز الكنتولة يا علي يا بو السواعد البناية، مهما طوال السلوم الدرجات ليها نهاية
Top of Form