dimanche 24 avril 2016

الحزام الناسف

في الرّيف، حيث لا يوجد إلاّ حانوت واحد في خدمة نثار من المنازل المنتشرة على رقعة يتجاوز شعاعها عدّة كيلومترات، يلعب ذلك الحانوت دورا محوريا في حياة النّاس. هو المجلس حيث يلتقي الناس بالعمدة لقضاء شؤون إدارية بسيطة. وهو المقهى حيث يلعب الناس الورق والديمينو. هو أيضا الصيدلية لديه يجد الناس أقراص تسكين الصداع والمطهّرات ومراهم العيون والجلد. يلعب الحانوت الريفي كذلك دور مركز البريد يستقبل الرّسائل الواردة ويوزّعها كما يجمّع رسائل الناس ليسلّمها إلى ساعي البريد. حانوت متنوّع البضائع والسلع، على صغره، مثل السوبرماركت. يبيع السجائر والفحم والخبز والبنزين والزيت والمسامير وبعض المبيدات، وعلى الأخص الحلويات والمشروبات الغازية. منه يقتني الناس البسكويت المعلّب الملبّس بالشوكولاطة والحلوى الشامية وحلوى النوقة ومكعّبات الحلقوم...
كان مبروك يومها ينتظر متبرّما فراغ الجماعة من لعبة الديمينو في حانوته الذي داهمته شمس الظهيرة فغدا حارقا وخانقا كفرن، حتّى كاد الطاهر الحامي وأصدقاءه يقطعون طرح الديمينو لولا شدّة المنافسة. فجأة دفع البكّوش المشرّد الباب وأومأ بعصاه باتجاه طوابي التين الشوكي فزعا وهو يستحث الجماعة على مرافقته... هبّ الجميع وقد أدركوا أنّ وراء حركات البكّوش أمرا جللا... جروا مسافة كيلومترين أو يكاد تحت تلك الشمس الحارقة، حتّى أدركوا فرج وهو ملقى في ظلّ طابية وقميصه مكسو بالدماء وحوله تناثر زجاج.
بعد سنين حدّث فرج الجماعة بحقيقة ما حدث في جلسة صفاء مسائية أمام حانوت مبروك. شرب قارورة الكوكاكولا الصغيرة على نفس واحد مستمتعا بوخزات كريات الغاز في حلقه التي خرجت من منخريه حارّة دمعت لها عيناه وأعقبها بتجشّؤ عال حمد بعده اللّه ومسح شاربيه ثم ألقى بالقارورة الفارغة في الصندوق البلاستيكي وتداعى : "يلعن أبو الكوكا... كادت تقتلني وتمزّق أحشائي. كنت يومها على موعد مع أمّ صغاري وكنت لم أطلب يدها بعد. قلت أهديها قارورة كوكاكولا باردة تقوّي من رباط المودّة الناشئة بيننا. مررت من هنا وكان المرحوم الطاهر الحامي وجماعته "يركزوا في حجر الديمينو". اقتنيت قارورة باردة ثبّتها في حزامي وخرجت مهرولا كي أدرك موعدي معها قبل أن يسخن المشروب. لكنّ القارورة انفجرت نتيجة ضغط الغاز فانغرس زجاجها في بطني وطال وجهي وكدت أموت. لكنني لم ولن أتوب عن حب الكوكا..." ضحك منصور المعلّم وعدّل من وضع نظارتيه قائلا: "لو علمت بأمرك شركة كوكاكولا، لجعلت منك نجما لومضة إشهارية تصوّر ما حدث لك..." عقّب مبروك: "واللّه لو حصل معك هذا اليوم، لاعتبروك إرهابيا يحمل حزاما ناسفا"