jeudi 23 juillet 2009

عُملة الطّريق



مهداة إلى بلقاسم حارس القلعة المهجورة، ذلك المسرف في الصّمت وتفتيت القلب
الطّريق
سأحدّثكم عن رجل لم يعرف أمّه، ليس فقط لأنّها ماتت أثناء ولادته، ولكن أيضا لأنّ زوجة أبيه مزّقت كلّ صورها فماتت مقتولة مرّّتين. في المرّة الأولى قتلها هو بولادته العسيرة، وفي المرّة الثانية قتلتها زوجة أبيه بتمزيق صورها وحرمانه من معرفة أمّه إلى الأبد. هي حكاية رجل يربطه بالحياة خيط رفيع جدّا هو الحدّ الفاصل بين الحضور والغياب، بين الشجاعة والخوف، بين الأمل واليأس، بين الحكمة والتهوّر، بين الليونة والخشونة، بين الصّدق والكذب. نبت في التخوم الفاصلة بين هذه الثنائيات منذ مجيئه إلى هذا الكون، حيث كانت ولادته في ذات الوقت موتا لأمّه.
كان يبدو للمحيطين به أخرق ومستهترا في تصرّفاته، حتّى أنّ دخوله السّجن لم يفاجئ أحدا. والحقيقة أنّه غذّى هذا الإحساس لدى النّاس، حيث لم تكن ملاحظات المقرّبين منه تثير لديه سوى الاشمئزاز وفي أفضل الأحوال الشفقة عليهم لما تخفيه من نفاق وما ترشح به من انفصام. لذلك كان يلوذ بالصّمت ويصمّ أذنيه معرضا عن تبرير سلوكه. إذ كيف لهم أن يفهموا أنّ من لم يف بدين تخلّد بذمّته لدى مراب ليس ناكث عهود؟ وأنّ من يحترم الحياة الخاصّة لأخته المطلّقة ليس قوّادا؟ ولعلّه كان عاجزا على تفسير سلوكه رغم يقينه بصوابه. كان يحسّ كما لو أنّ هناك حكمة مبهمة تقوده إلى إتيان أفعاله المارقة دون قدرة منه على ضبط نفسه. هو رجل يسعى إلى المال ليس حبّا فيه وإنّما للثّأر منه وممّا سبّبه له من حرمان في طفولته اليتيمة. علاقته بالمال خليط من الاحتقار والانبهار والكرّ والفرّ. علاقة انتهت به في السّجن، إذ لم يستطع الصمود أمام إغراء توزيع الصكوك البنكية يمينا وشمالا في حالة من الدّهشة الطّفولية بانفتاح أبواب الجنّة على مصراعيها بمجرّد أن يخط إمضاء لا يكلّفه شيئا على صفحة من ذلك الكنّش السّحري المسمّى دفتر الصّكوك. سجن يقول أنّه سعى إليه بكامل الحرّية والإرادة، وفيه بايعه السجناء ملكا عليهم وصاروا ينادونه "الشيخ". يوم غادر السّجن كانت فلسفته للحياة قد تشكّلت واكتملت بعدما انكشف له سرّ تلك الحكمة الغامضة التي كانت تقود سلوكه الأخرق قبل دخول السّجن. هناك فهم أنّ المهم ليس طول العمر وإنّما طعمه. فبين أن تمتنع عن الملذّات الحسّية والانفعالات العاطفية القويّة والسّهر وركوب المخاطر من أجل وهم التعمير في الحياة، وبين أن تعيش حياة مكثّفة لا مكان فيها للفراغ ولا للرتابة القاتلة والتّكرار الغبي، حياة قد لا تتجاوز الأربعين حولا ولكنّها مشحونة بالتّجارب الحسّية والرّوحية، فإنّه لم يتردّد لحظة في اختار النّمط الثاني.
في زنزانته، اقتنع بأنّ أسلافنا سكنوا العالم أفضل منّا لأنّهم لم يعرفوا الاستقرار وصرفوا حياتهم في ترحال دائم. كان سحر الاكتشاف يساعدهم على تحمّل ألم الانفصال. كانوا يجوبون الأرض بسهولها وفيافيها وجبالها أحرارا رغم الخوف والكوارث والأوبئة. لم يعرفوا السّجن لأنّه صنيعة الاستقرار. هكذا خلص إلى أنّ المدينة سجن والمنزل سجن والدّولة سجن بكامل مؤسّساتها ومنها النقود، أشرس السّجون وأدهاها، والطريق المرسومة سلفا سجن. فلا معنى للطّريق إذا لم تتشكّل أثناء المسير ولم تكن فضاء للاكتشاف والمغامرة والصّدفة والاندهاش. وحتّى لا تكون مغادرته السّجن مجرّد انتقال من سجن إلى آخر، ولأنّه كان يعرف أن لا شيء ينتظره في البيت سوى ما ألفه  من استقرار مميت، ولأنّه لا يريد لحياته أن تقتصر على مجرّد الوظائف البيولوجية، فقد عقد "السّجين الحر"، كما كان يحلو له أن يعرّف نفسه داخل السّجن، العزم على إعطاء معنى لحياته. ومن أمام بوّابة السّجن، انطلق يوم سراحه في تنفيذ حلمه دون إضاعة لحظة واحدة. من هناك قطع أولى خطوات دورته حول العالم على القدمين. كان مصمّما على التقدّم إلى الأمام دون التفات. فلا شيء يبرّر الرّجوع على الأعقاب. لا التثبّت من أمر ما ولا استرجاع تفصيل ولا الحنين ولا الحرص على تأمين الخطوات القادمة. ما أروع أن تكون كل خطوة جديدة في المسير دخولا لمجال جديد لم تعرفه من قبل. غادر هذه الحياة المنمّطة التي يحياها النّاس كالنعاج، وذهب لاكتشاف العالم وتنوّعه من أجل أن يعيش كل يوم تجربة جديدة ويعرف أناسا جددا، ويربك بصره بالمناظر المدهشة ويكرّس فرادته دونما عزلة أو تقوقع ويطلب المصاعب غير عارف إن كان سيهزمها أم أنّها ستصرعه... أليس أفضل من أن يعيش على اليقين بأنّ غدا سيكون نسخة من اليوم والأمس، وهكذا الحال حتّى ينصرم العمر؟

العملة الصّعبة والعملة السّهلة
كانت طفولته أيّاما تتوالى لتتشابه. يُتمٌ مؤثّث بفقر وبرد وحرّ وريح وجوع وخوف وسؤال ملحاح: "لماذا يمتنع الحاكم عن طبع ما يكفي من الأوراق المالية ليوزّعها على رعاياه فيقضي على الفقر في رمشة عين ولا يبقى بينهم محتاج؟". سؤال ترسّخ في ذهنه كالحقيقة حتّى أنّ حديث أستاذ علم الاقتصاد بالثّانوية عن التضخّم المالي لم يجد نفعا في إسقاطه وبيان عدم وجاهته.
ذات يوم خلاص تزعزعت ثقة يتيم الأم في جميع مصادر أمانه دفعة واحدة، في الله وفي الزّعيم وفي والده. سمع والده يبوح لزوجته بأنّ "الورقة جات بيضاء" وذلك معناه بلغة عمّال المناجم أنّ بطاقة الأجر لا مال فيها. أمّا في وعيه الطّفولي فمعناه أنّ يوم الخلاص تحوّل إلى يوم ورطة. ولمّا همّ بدخول المطبخ اعترضه والده يغادره دامع العينين. تملّكه الإحساس بأنّ بيتهم صار بلا سقف فهرع إلى نقوده المزيّفة التي يستعملها في درس الحساب ليختلي بها ويسحب منها ورقة راح يتأمّل صورة الزعيم فيها واثقة حكيمة وهادئة. ثمّ سأل الزّعيم أن ينقذ والده فورا. كان متأكّدا من قدرة الزّعيم، لو أراد، على تحويل النّقود المزيّفة إلى نقود حقيقية، ومن قدرته على إدخال يده في جيب سترته الأنيقة المرسومة على الورقة النّقدية ليمدّه بحزمة من الأوراق المالية الحقيقية. لكنّ الزّعيم خذله. وتكرّرت خلواته دون جدوى مع صورة الزّعيم الصمّاء مخلّفة لديه حنقا على الزّعيم وعلى المال. ولم يفهم كيف يتخلّى عنه الله ولا يستجيب لتوسّلاته بأن يأمر الزّعيم بإدخال يده في جيب وسترته ليمدّه بحزمة من المال. في سنوات الطّفولة تلك، كوّن مفهومه الخاص للعملة الصّعبة باعتبارها تلك العملة المستعصية على اليتامى وعمّال المناجم وليست تلك العملة التي يأتي بها المهاجرون والسياح ويصرفونها على ملذّاتهم بكلّ سهولة.




لمّا التحق بالوظيف، سلّموه كنّشا سحريا يسمّى "دفتر الصّكوك". وأفهموه أنّ الصّكوك نقود لها نفس قيمة الأوراق النقدية الحاملة لصورة الزّعيم. ولمّا تأمّلها ولم يجد فيها صورة الزّعيم، أحسّ بالارتياح من غياب ذلك الخائن الذي كم خذله في طفولته. وهاهي الصّكوك العذراء تهبه نفسها كحوريات الحلم أو كأنهار الجنّة، يكفي أن يقتطع صفحة ويمضيها بعد أن يدوّن عليها المبلغ الذي يريد حتّى يحصل على أي بضاعة يطلبها. لمّا أمضى أوّل صكّ، وتسلّم البضاعة استحضر صورة الزّعيم في ذهنه ومدّ له إصبعه الوسطى. ومن يومها انقلبت حياته بعد أن صارت السّعادة على مرمى صك. راح يختار بضاعة ويمضي صكوك ضمان يسلّمها للبائع، يتسلّم نصف ثمن البضاعة نقدا حيا يلهب الجيب والقلب من شخص ثان يرافقه إلى المحل التّجاري ليتسلّم البضاعة بدلا عنه. ويطير إلى الخمّارة القذرة، حيث السّعادة رابضة بانتظاره على طاولة عرجاء في جوف الحانة الظلماء كذكرى أمّه والعطنة كزوجة أبيه. يجلس قبالة الباب ويسحب من جيبه قطع النّقود المعدنيّة فيبسطها على الطّاولة. بعدما يشرب الكأس الأولى يلوّح القطعة الأولى بيده في الهواء عبر الباب مترصّدا لمعان المعدن عند تقاطعه مع شعاع الشّمس. وما إن يحصل ذلك حتّى يصيح منتشيا "في التراب ولا في كروش أولاد الكلاب". وما هي إلاّ لحظات حتّى يلتفّ حوله النّدامى مشكّلين مجلسا خمريا كبيرا يصغي في انتباه إلى فلسفة "الشيخ" حول مفهومي "العملة الصعبة" الحاملة لصورة الزّعيم والعصيّة على عمّال المنجم و"العملة السّهلة" المطهّرة من صورة الزّعيم. وأتاح توسّع دائرة النّدامى معرفة أنواع أخرى من العملة السّهلة والعملة الصّعبة حيث نجد في الصنف الأوّل عملة الوسطاء والسّماسرة والمرتشين والمراهنين وكتّاب التّعاويذ ومزيّفي العملة بالماسح الإلكتروني والآلة الطّابعة وفي الصّنف الثّاني عملة الحارقين والمهرّبين والبنّائين والعتّالين والعاطلين عن العمل ممّن يربّون الأمل.

جلال الرّويسي
منّوبة في 23 جويلية 2009

jeudi 9 juillet 2009

لهذا نعترض على تحرير الكتاب المدرسي: وجهة نظر في إطار الاستشارة الوطنيّة الموسّعة حول الكتاب والمطالعة


يشهد قطاع النّشر ببلادنا أزمة حادّة رغم كلّ الإجراءات والحوافز المادّية التي تمنحها الدّولة لهذا القطاع (التّعويض على الورق وعلى الأداء على القيمة المضافة، شراءات وزارات الثقافة والتّربية والتّعليم العالي، المساعدة على نشر الكتاب التّونسي بالخارج من خلال التّخفيضات والتكفّل بكلفة الشّحن وكذا التكفّل بسفر ممثّل أو أكثر عن النّاشرين للمشاركة في معارض الكتب الدّولية بالخارج، الخ). ومن علامات هذه الأزمة انكماش توزيع الكتاب والإقبال عليه ممّا قلّص معدّل السّحب إلى ما يقارب الألف نسخة. وكذلك انتشار ظاهرة النّشر على نفقة المؤلّف الذّي لم يعد يرى نفعا من المرور بناشر لا يؤمّن له التّمويل المسبّق ولا الدّعاية الكافية ولا التّوزيع الواسع.
ولعلّ الاستشارة الوطنيّة الموسّعة حول الكتاب والمطالعة تشكّل فرصة للوقوف المتأنّي على ملامح هذه الأزمة واستشراف سبل تجاوزها، خصوصا في ظل تعدّد الكتابات والندوات التي تناولت هذا الموضوع.[1] ومن اللاّفت للانتباه في هذا السياق عودة بعض الأصوات في أوساط النّاشرين إلى المناداة بوضع حدّ لاحتكار الدّولة لقطاع الكتاب المدرسي وفتحه للقطاع الخاص كحلّ يسمح لقطاع النّشر بتجاوز أزمته المستفحلة.
أوّل ما يتبادر إلى الملاحظة هو أنّ هذه الأصوات تنتمي إلى قطاع النّاشرين دون سواهم من المتدخّلين الآخرين في سلسلة إنتاج الكتاب المدرسي. فلا المربّون ولا لجان التّأليف ولا التّلاميذ ولا الأولياء ولا الوزارة ولا الصحفيون وعلماء التّربية تقدّموا بهذا المقترح أو دعّموه. بمعنى آخر، فإنّ من تقدّم بالمقترح هو صاحب المصلحة الوحيد في موضوع لا يهمّه لوحده، هذا إن كان يهمّه أصلا.
وثاني الملاحظات يتعلّق بحرص أصحاب المقترح على عدم طرحه للنّقاش في الفضاء العمومي منذ البداية (الصّحافة والجمعيات والمنتديات) وإنّما تسويقه أوّلا في كواليس الدّوائر الرّسمية ربحا للموقف الرّسمي ومن ثمّة اختبار حظوظ تبنّيه من خلال توسيع دائرة الدّعاية له شيئا فشيئا وذلك لتجنّب الاصطدام بردود فعل رافضة بقوّة للفكرة.
أمّا ثالث ما نلاحظه فنسوقه في شكل سؤال: ما علاقة قطاع الكتاب المدرسي بأزمة النّشر؟ ولماذا نحشره في أزمة لا تعنيه؟ وهل يعقل أن نحلّ أزمة قطاع ما بتصديرها إلى قطاع آخر لا ناقة له فيها ولا جمل؟ بمعنى آخر، هل يعقل أن نتّخذ من قطاع حسّاس كالكتاب المدرسي كبش فداء لحل أزمة قطاع ليس أقلّ حساسيّة منه وهو قطاع النّشر؟
وعلى فرض أنّ الكتاب المدرسي يعاني صعوبات فهل بإمكان النّاشرين الخواص المساعدة على تجاوزها؟ إنّ الصّعوبة الرّئيسيّة (ولا نقول أزمة) بالنّسبة للكتاب المدرسي تكمن في التّأخير المسجّل في سحب الكتب قبل انطلاق السّنة الدّراسية وتوزيعها على نقاط البيع. فماذا يمكن للناشر أن يقدّم في هذا المجال؟ أليست وظيفة النّاشر اختيار المؤلّف والمخطوط ومن ثمّة تمويل إنتاج الكتاب وهندسة شكله وإخراجه الفنّي وفي مرحلة أخيرة الدّعاية للكتاب لضمان رواجه الواسع؟ فماذا سيبقى للنّاشر أن يفعله للكتاب المدرسي طالما أنّ وزارة التّربية هي التّي تحدّد محتواه وشكله معتمدة على لجان بيداغوجية مختصّة تشتغل وفق ضوابط منهجية لا يفقهها إلاّ أصحاب الاختصاص في البيداغوجيا وعلوم التّربية؟ وهل يحتاج الكتاب المدرسي لعمليّة دعاية وهو الذي يشترى لزوما باعتباره يدخل في المقرّرات الرّسمية؟ أمّا عن مسالك توزيعه فهي قائمة ومعبّدة ومهيكلة في إطار مراكز جهوية للمركز الوطني البيداغوجي تغذّي شبكة وطنية من الكتبيين الخواص تناهز ال6300
نقطة
بيع منتشرة على كامل تراب البلاد
إنّ للكتاب المدرسي وظيفة وخصائص تحتّم بقاءه تحت إشراف الدّولة. فهو أداة تعليميّة بيداغوجية موحّدة بيد الأساتذة والتّلاميذ لا يعقل أن تخضع للمنافسة عند إنتاجها ممّا يفتح الباب لأنواع مختلفة من نفس الأداة تتفاوت من حيث الجودة والإخراج والثّمن وربّما طال الاختلاف المحتوى ذاته. ولقائل أن يقول أنّه بالإمكان التحكّم في هذه الاختلافات عبر وضع كرّاسات شروط دقيقة تضبط المحتوى والشّكل وتعهد بإنجاز كل عنوان حصريّا لصاحب أفضل عرض ممّا يضمن وحدة الشّكل والمضمون وجودتهما. لكنّ هذا لا يجيب على كل الاحترازات. فماذا عن الثّمن والكل يعلم أنّ سعر الكتاب المدرسي المنتج من قبل الدّولة مدعوم بأكثر من 75 بالمائة؟ ألا يخشى من توفّر كتاب جيّد للميسورين وكتاب أقل جودة وربّما رديئا لضعاف الحال؟ وفي صورة اعتماد كرّاس الشّروط، أفلا يتحوّل النّاشر إلى مجرّد مناول
Sous-traitant
منفّذ للإنتاج هو أشبه ما يكون بمنسّق الطّباعة والسّحب والتّوزيع؟ وفي هذه الحالة، لن نأتي بالجديد باعتبار الدّولة تعتمد صيغة المناولة بالنّسبة لأعمال الطّباعة والسّحب وهذا مبرّر نظرا لضغط الوقت وضرورة توفير الكتب قبل العودة المدرسية.
يعتبر النّاشرون أنّ احتكار الدّولة لنشر الكتاب المدرسي.يحرمهم من أكبر سوق نشر في البلاد[2]. لكن لئن كان ذلك صحيحا من وجهة النّظر الاقتصادية البحتة، فإنه لا يحقّ لنا أن نتعاطى مع الكتاب المدرسي بوصفه مجرّد سوق تخضع لآليات العرض والطّلب والمنافسة والأسعار. إنّه قطاع استراتيجي حسّاس تكون الأولويّة فيه للأبعاد السّياسية والاجتماعية والحضارية على حساب الأبعاد الاقتصادية رغم ثقلها. فماذا تراه يحصل لو أنّنا حرّرنا الكتاب المدرسي؟
من وجهة نظر النّاشرين، يعتبر هؤلاء أنّه لا ضير من ارتفاع معقول في مقابل تحسين الجودة، خصوصا وأنّ الوزارة ذاتها تتبنّى سياسة الجودة التي لا يمكن الذّهاب فيها دون تحمّل كلفة إضافية. هذا إذا لم تؤدّ المنافسة إلى انخفاض في الأسعار كما حصل في الكتاب شبه المدرسي. ولنا على هذا الكلام عديد التحفّظات، نسوق بعضها في شكل أسئلة: أين تقف حدود المعقولية في ارتفاع الكلفة؟ وما هي الجوانب التي سيشملها تحسين الجودة طالما أنّها لن تشمل المحتوى باعتباره سيظلّ موحّدا للجميع ومحدّدا من طرف الوزارة عبر كرّاس الشّروط ؟ أمّا فيما يتعلّق باحتمال انخفاض الأسعار فهو إذا حصل سيكون مقترنا بتدهور الجودة.
أمّا من وجهة نظرنا، فإنّ تحرير الكتاب المدرسي سيؤدّي إلى اختيارات ينتج عنها مزيد إثقال محفظة التّلميذ التّي ما انفكّ الأطبّاء يحذّرون من خطورة وزنها الحالي على سلامة ظهر التّلميذ الغضّ، وما فتئ الأولياء والمربّون يتذمّرون من أخطارها النّفسية على شهيّة الدّراسة فما بالك بعد التّحرير؟ وفي نفس السّياق يحقّ لنا أن نتخوّف من توسّع ظاهرة الكتب الصّالحة للاستعمال مرّة واحدة
Livres jetables
لأنّها تجمع في نفس الكرّاس الدّروس وما يقابلها من تمارين على التّلميذ إنجازها؟ ولنتصوّر حجم التّبذير المترتّب عن هكذا اختيار على مستوى الاقتصاد العائلي والاقتصاد الوطني. هذا فضلا عن الإضرار بمبدإ التّكافل الاجتماعي المجسّد من خلال التبرّع بالكتب المدرسية المستعملة. إنّ ما نقوله ليس من باب الحكم على النّوايا أو التنبّؤ بالغيب. إنّما ملاحظة ما حصل في مجالات مجاورة كالكتاب شبه المدرسي والتّعليم الخاص والدّروس الخصوصية تحثّنا على الاتّعاظ والحذر. فلنتأمّل ما يحصل من استهتار بجودة التّعليم في أغلب المدارس الحرّة ومن تجاوزات إدارية وإخلالات بيداغوجية بغرض المحافظة على التلاميذ المسجّلين والذين صاروا مجرّد زبائن وحرفاء. وإذا كانت بعض الأخطاء المشينة تتسرّب إلى الكتب المدرسيّة المنتجة من طرف الوزارة تحت إشراف اللّجان البيداغوجية المتخصّصة فكيف سيكون عليه الحال بعد التّحرير في ظلّ التّسابق المحموم الذّي يعطينا طوفان الكتب شبه المدرسيّة صورة دقيقة عن جدّية الناّشرين في المحافظة على جودتها.
وفي هذا المجال، اتّضح عدم الجدوى من إسناد الوزارة لعلامة "مصادق عليه من طرف وزارة التّربية"
Agréé par le ministère de l’éducation
لبعض الكتب شبه المدرسية التي تستجيب لمواصفات تحدّدها الوزارة بنفسها، حيث لم يفد هذا النّظام في فرز الجيّد من الرّديء وفي خلق التوازن الضروري للسّوق. ويؤكّد النّاشرون أنفسهم أنّهم لم يستفيدوا كثيرا من هذا النّظام لأنّ سوق الكتاب شبه المدرسي لا تتفاعل مع مثل هذه الأدوات ولا تتأثّر بها ممّا يفقد الكتب الحاصلة على هذه العلامة أيّ امتياز تنافسي بالقياس للكتب غير الحاصلة على العلامة. وفي السّياق ذاته، يشتكي النّاشرون من منع الوزارة المعلّمين من اعتماد الكتب شبه المدرسيّة حتّى ولو كانت أكثر جودة من الكتب الرّسمية. لكنّه، فضلا عن أنّ الجودة ليست مجرّد تصريح يطلقه صاحب المنتوج على منتوجه، فإنّ الاستجابة لمثل هذا الطّلب قد تؤدّي إلى خلق تكتّلات مصالح بين المعلّمين والناشرين كما يحصل أحيانا بين الطّبيب والصّيدلي.
كما يعتبر المطالبون بتحرير الكتاب المدرسي أنّ ذلك سيفتح الأبواب للمشاركة في طلبات العروض الخاصّة بهذا المجال في الخارج. ولا يخفى ما لذلك من انعكاسات إيجابية على اقتصاد البلاد وموازناته. إنّهم بهذه الحجّة الهشّة (طالما أنّه لا شيء يضمن قدرة ناشرينا على اكتساح مثل هذه الأسواق) يؤكّدون مرّة أخرى أحاديّة رِؤيتهم وانكفائها على المنطق الرّبحي والتّجاري دون سواه. فمجرّد فرضية اكتساح الأسواق الخارجية تبرّر برأيهم المجازفة بما تبقّى لنا من مكاسب تربوية واجتماعية.
وخلاصة القول، نعتقد أنّ اعتماد هذه الحجج في معالجة إشكاليّة النّشر ببلادنا يعتبر تبسيطا تعسّفيا لمسألة مركّبة لها امتدادات ثقافية واجتماعية وحضارية وتكنولوجية. والدّليل أنّ الإجراءات المادّية العديدة التّي اتّخذتها الدّولة إلى حدّ الآن في مجال النّشر لم تؤدّ إلاّ إلى ترسّخ عقلية تواكليّة لدى المنتفعين منها وتجذّر ثقافة الأخذ باليد والمساعدة الأبدية لديهم، حتّى أنّ تكاثر عدد النّاشرين في السّنوات الأخيرة يجيز لنا أن نشكّ في ما إذا كانت ممارسة هذا النّشاط تجابه فعلا صعوبات اقتصادية خانقة. وها أنّ الكتاب المدرسي، هذه الأداة الدّيمقراطية والشعبيّة لتكوين العقل التّونسي في إطار متجانس من العدالة الاجتماعية وتساوي الفرص، يسيل لعاب البعض ممّن لا يرون في أزمة النّشر إلاّ جانب السّوق ورقم المعاملات ونسبة الأرباح، متناسين أنّ أزمة النّشر في بلادنا تضرب بجذورها في أبعاد مهنيّة واجتماعية وحضارية وثقافيّة يمكن تلخيصها في محورين كبيرين:
¨ السياسة الارتجالية لأغلبية دور النّشر والتّسيير "الرّعواني" لهذه المؤسّسات: انعدام لجان القراءة، المراهنة على ما يطلبه الجمهور انطلاقا من وعيه الزّائف وذائقته العرضية ولا من حاجات هذا الجمهور الكامنة بالاعتماد على تحليل ملامحه السوسيولوجية والفكرية، عدم وضوح العلاقة بين الكاتب والنّاشر وانعدام الثّقة بينهما، عدم توفّق أغلب النّاشرين إلى مجاراة التطوّرات التّكنولوجية الحديثة التي تضعهم أمام تحدّيات النّشر الإلكتروني والعمل عن بعد الخ. ودليلنا على ما نقول أنّ بعض الدّور الجادّة نجحت في إصدار عناوين حقّقت انتشارا واسعا حتّى أنّها وصلت في ظرف سنة واحدة إلى الطّبعة السّادسة.
¨ غياب سوق من القرّاء الأوفياء لضعف المطالعة وعدم ترسّخها كتقليد وممارسة واسعة لدى الفرد وفي الأسرة والفضاء العمومي
صحيح أنّ دور النّشر مؤسّسات اقتصادية ربحية وليست مؤسسات ثقافية "خيرية" أو تطوّعية. ولكنّها تنشط في المجال الثّقافي والفكري الذّي يتطلّب الرّبح فيه الاستمرارية وطول النّفس والمراهنة على التميّز والعمق وككلّ نشاط اقتصادي على المجازفة، هذه التي يطالب بها الدّاعون إلى تحرير الكتاب المدرسي الدّولة ولا يمارسونها. ولولا هذا الطّابع الثقافي لنشاط النّشر ما كانت هذه المؤسّسات لتحظى بكل تلك المساعدات والتّسهيلات الممنوحة من الدّولة. لكن مهما يكن من أمر، يجب أن تحافظ المساعدة على طابعها كإجراء تسهيلي وكدعم لنشاط قائم الذّات ولا يمكن أن تتحوّل إلى عماد النّشاط أو شرطه الحيوي.

منّوبة في 10 جويلية 2009
جلال الرّويسي
أستاذ بالمعهد العالي للتّوثيق- جامعة منّوبة
[1] نذكر بالأخصّ كتاب الأستاذ محمّد صالح القادري حول "مهن النّشر وصناعة الكتاب في تونس" الصّادر سنة 2007 عن مركز النّشر الجامعي وكتاب "مذكرفات ناشر" لحسن أحمد جغام الصّادر سنة 2009 عن دار المعارف للطّباعة والنّشر. أمّا في باب النّدوات فنشير إلى ما عقده المركز الإفريقي لتدريب الصحفيين ومعرض تونس الدّولي للكتاب ووزارة الثقافة ومعهد الصحافة واتّحاد النّاشرين
[2] - وصل حجم منشورات المركز الوطني البيداغوجي، بعنوان السّنة الدّراسية 2008-2009، 75 عنوانا موجهة للتعليم الأساسي و127 عنوانا خاصا بالتعليم الثانوي بالإضافة إلى 12 عنوانا جديدا. فيما بلغ الحجم الجملي للسّحب 18 مليون نسخة بمعدّل سحب للعنوان الواحد يجاور ال100 ألف نسخة في حين لا يتجاوز هذا المعدّل بالنّسبة للكتاب الثقافي الألفي نسخة. (انظر المواقع التالية و تمّت زيارتها بتاريخ 09

جويلية 2009:

http://www.moheet.com/show_news.aspx?nid=164761&pg=37 http://www.swa7liyas.com/vb//showthread.php?t=690