ما بعد الفيلم
المعروف عن غابريال غارسيا ماركيز أنّه محب للسينما ومدمن على مشاهدة الأفلام في القاعات. لكنّ الفيلم عنده أطول بكثير ممّا هو عند سائر النّاس. ذلك أنّ الشريط الذي يشاهده مع الناس على الشاشة الكبيرة في القاعة المظلمة ليس إلاّ منطلقا لفيلم أطول يدور في وجدان هذا الروائي السابح بطبعه في الخيال، حتى أنّه بالإمكان اعتبار الفيلم الرئيسي عند ماركيز يبدأ لمّا ينتهي الفيلم المعروض على الشاشة. فمن عادات ماركيز عندما تشتعل الأضواء ليغادر المتفرّجون القاعة، أن يعشي عينيه إلى القدر الذي يسمح له فقط بتبيّن طريقه إلى الخارج ثمّ يمتطي أوّل تاكسي ويغمض عينيه طالبا من السائق الابتعاد عن مناطق العمران دون وجهة محدّدة. ويظلّ طوال الطريق مغمضا عينيه مسترجعا أحداث الفيلم وشخصياته محاورا البعض وثائرا على البعض ومعاتبا البعض ومساندا أو مواسيا بعضهم الآخر حتى يتحوّل إلى شخصية من شخصيات الشريط. ويظلّ على تلك الحال والتاكسي يطوي المسافات حتى تنفذ جعبة تفاعلاته وانفعالاته، فيطلب من السائق العودة. والحقيقة أنّ هذا هو حال الكثير من عشّاق السينما مرهفي الإحساس الذين يتأثّرون بما يشاهدونه إلى حدّ الانصهار في...