mardi 7 mai 2013

أيّة سياسة للكتاب التونسي بعد 14 جانفي 2011؟

مدخل

يعيش الكتاب التونسي أزمة ما في ذلك اختلاف. لكنّ ما بشأنه تختلف الآراء والتحاليل، إنّما هو أسباب الأزمة ومسؤولية كلّ طرف فيها. فهل هي أزمة إبداع وتأليف؟ أم هي أزمة نشر؟ أم أنّها أزمة توزيع؟ أو هل تكون أزمة قراءة؟ والحقيقة أنّ طرح الموضوع على هذا النحو من تراشق التّهم وسعي كلّ طرف إلى التفصّي من المسؤولية وتحميلها للآخرين بغرض الظهور في صورة الضحية، إنّما تحرّكه الفئوية المهنية الضيقة corporatisme. فنرجسية الكاتب التي تصوّر له دائما أنّه ضحيّة جشع النّاشر، أعطت ذريعة للكثير من الكتّاب كي ينشروا على النفقة الخاصّة، فاختلط الحابل بالنّابل ولم نعد نميّز بين الكاتب الجيّد ومنتحل الصفة. أمّا الناشر، فيفسّر ارتفاع ثمن الكتاب بضعف نسبة السّحب الناتج عن قلّة القرّاء. ولكنّ ذلك لا يعطيه الحقّ في العمل دون لجان قراءة وفي خلاص الكاتب عينا. وهل يحقّ لنا أن نستنكر غياب الموزّعين، والحال أنّ نشاطهم تجاري يتأسّس بالدّرجة الأولى على منطق الرّبح ووجود سوق حقيقية؟ فهل يعقل أن نطالب تاجرا بتوزيع بضاعة غير مطلوبة؟ وفي خضمّ كلّ هذا، تتراءى سياسة الدّولة في مجال الدّعم عرجاء باعتبارها تهدم بيد ما تبنيه باليد الأخرى. إذ كيف يعقل أن تدعم الدّولة الورق والنّشر وترصد الملايين للتّرغيب في المطالعة، ولكنّها في نفس الوقت لا تدعم التأليف والإبداع بالجوائز التقديرية ذات القيمة العالية ولا تحرّك ساكنا إزاء أزمة التوزيع المستفحلة والحال أنّها المتسبّب الأوّل فيها بعدما حلّت الشركة التونسية للتوزيع؟      

وبصرف النّظر عن أسبابها، نرى أنّ الأزمة وصلت حدّا صار للجميع فيه مسؤولية. لكن ذلك لا ينفي أنّ لأزمة النّشر والكتاب في بلادنا صلة بما يعرفه الكتاب والممارسات القرائيّة في العالم من تحوّلات جذرية نتيجة عديد العوامل ليس أقلّها الثورة الرّقمية والاتصالية، ولو أنّ هذه العوامل الخارجية تبقى ثانوية ولا تؤثّر على المجتمعات بنفس الكيفية والدّرجة، لأنّها تتفاعل مع الخصوصيات الثقافية والحضارية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية لكلّ بلد فتعمّق الأزمة أو تخفّفها حسب الحالات.

1.  في نشر غسيل النّشر


أوجز ما يعرّف مهنة النّشر، هو القول بأنّها وصل الكاتب بالقارئ. وبصفتها تلك، تتوزّع هذه المهنة بين المعرفي (الثقافي) والتجاري ملامسة من خلال ذلك أبعادا كثيرة منها الإعلامي والاقتصادي والاجتماعي. وفي تونس، تبدو الصّورة معقّدة نتيجة الفوضى العارمة التي تميّز نشاط النّشر في بلادنا. وهي فوضى أفرزتها تراكمات سياسة ممنهجة عبر السنين، شعارها تتفيه الفكر وتهميش المعرفة كقيمة من خلال خلط الأوراق وصرف اهتمام الناس عن المطالعة.

إنّ فعل الوساطة الذي ينهض به الناشر بين كاتب ينتج نصّا وقارئ يطلب ذلك النص ليستهلكه من خلال فعل القراءة، فعل مركّب. فالبعد الثقافي للكتاب يجب ألاّ يكون مبرّرا لإهمال بعده الاقتصادي. فالكتاب منتوج ثقافي خاضع لقوانين العرض والطلب. ذلك أنّ الناشر لا ينشر الكتب فقط لغاية نشر المعرفة ولكنّه أيضا مستثمر اقتصادي وصاحب رأس مال يهمّه الرّبح، ومن حقّه أن يسعى إلى تنمية رأسمال مؤسّسته.

ويعني النّشر في بعده الثقافي اختيار النّص الجدير بالنّشر اعتمادا على رأي لجنة قراءة ينتدبها الناشر للغرض من ذوي الاختصاص المشهود لهم بالكفاءة والتميّز في الاختصاص، حتّى أنّ سمعة دار النّشر تقاس بسمعة أعضاء لجان القراءة الذين تعتمدهم. وهذا معناه أنّ عمل لجنة القراءة ليس عملا خيريا ولا تطوّعيا وإنّما مجهود يجازى عليه أصحابه.

أمّا في بعده الاقتصادي فيعني النّشر تمويل إصدار الكتاب في كامل مراحله انطلاقا من انتداب لجنة القراءة حتّى الترويج عبر المعارض بالدّاخل والخارج مرورا بخلاص الرقن والتصفيف والطباعة والسحب والحملة الترويجية. كما يعني أيضا خلاص نصيب المؤلّف من الإيرادات (وتتراوح الحقوق المادّية للمؤلّف بين 10 و12%  من المرابيح)

والنّشر بما هو مهنة، يشترط جملة من المهارات المتمثّلة في الإشراف على الإخراج الفنّي للكتاب والطبع والتصفيف انطلاقا من الرّقن والمراجعة والتصحيح، حتى اختيار حجم الصفحات والحروف ونوعيّة البيانات المصاحبة من صور وخرائط وجداول ومؤثّرات ومرفقات، وما يتبع ذلك من خيارات تتعلّق بالألوان وبنوعية الورق أو سائر الأوعية الأخرى. ويضاف إلى ذلك الإجراءات المرتبطة بالإيداع القانوني وإسناد الرّقم الدولي الموحّد للكتب الضامن للاندراج في المنظومة الدّولية للحصر البيبليوغرافي. وما انفكّ هذا البعد المهني يعرف التغيّر تلو الآخر في ارتباط بالثورة الرّقمية والنّشر الإلكتروني والاتّصال عن بعد، حيث استبدل المخطوط اليدوي بنسخة رقمية من مشروع الكتاب، وانخفضت تكلفة النسخة بفضل الطباعة الرقمية، وصار ممكنا الحديث عن الطبع حسب الطلب Tirage sur commande، الخ.

وللمهنة أبعاد أخرى تقع بين هذا وذاك كتنظيم اللقاءات النّقدية وحصص الإمضاءات واللقاءات الصحفية واستصدار المقالات النقدية والإشهارية بالصحف والمجلاّت المختصّة. هذا دون أن ننسى المراهنة على المواهب الناشئة من الكتّاب غير المعروفين وتبنّيهم ورعايتهم ماديا والتعريف بهم. كلّ هذا في إطار علاقة تعاقدية واضحة تنصّ بدقة على حقوق كل طرف وواجباته وعلى سعر الكتاب وعدد النسخ المسحوبة.

إذا كانت هذه هي مهنة النّشر كما هو متعارف عليها عالميا، فإلى أيّ حدّ يجوز لنا القول بوجود ناشرين في تونس، وكي لا نظلم البعض، بوجود حركة نشر تونسية؟

يبلغ عدد دور النّشر في تونس أكثر من 150 دار نشر أمضت على كرّاس الشروط الخاص بالمهنة وتعتبر بالتالي في وضع قانوني سليم. ولكنّ عدد الدور الناشطة فعليا لا يتجاوز الخمسين، علما وأنّنا نقصد بالنّشاط الفعلي مجرّد إصدار الكتب بقطع النّظر عن احترام قواعد المهنة المنصوص عليها بكرّاس الشروط من عدمه. والحقيقة أنّ كثيرا من الدّور النّاشطة لا تمضي عقودا مع المؤلّفين وإن فعلت فهي لا تلتزم ببنودها. بل إنّ هناك من الدّور من يلزم الكاتب بدفع تسبقة!؟ ومنها من يقوم بخلاص الكاتب عينا في شكل مجموعة من النسخ، وما على الكاتب إلاّ أن "يدبّر حاله" لتوزيعها!؟. بل هناك من يقوم بسحب ثان دون علم الكاتب!؟ أو من يضع سعرا مضخّما على ظهر الكتاب خصّيصا للجنة شراءات وزارة الثقافة، وبعد ضمان شراءات اللجنة، يحجب ذلك السعر الأوّلي بوضع ملصق فوقه يحمل سعرا للعموم هو أقل ب3 أو 4 مرّات من السعر الأوّل. وقد وصل الأمر بالبعض إلى طبع نسخة نموذجية يتيمة غير مكلّفة بالمرّة (بعدما صارت الطباعة الرقمية تسمح بذلك) وعرضها على لجنة الشراءات بالوزارة، وبعد الحصول على موافقة لجنة الشراءات بوزارة الثقافة يقوم بسحب عدد من النسخ على مقاس ما قرّرته اللجنة !! ؟؟  

شجّعت هذه الفوضى المنظّمة على انتشار ظاهرة النّشر على الحساب الخاص حيث لم يعد الكتّاب يرون موجبا للمرور بناشر لا يسبّق مالا لتمويل عملية الإصدار ولا يضمن عملية الإشهار ولا يساعد في التوزيع. وهم في ذلك محقّون. ولكنّ هذا فتح المجال لمنتحلي الصفة من أشباه الكتّاب باعتبارهم لا يخضعون لغربلة نقدية من لجان القراءة. وحتى ضغط الوزارة بالامتناع عن الشراء من الناشرين على النفقة الخاصة دفع كل كاتب إلى تأسيس دار نشر خاصّة به على غرار شركات الإنتاج المسرحي الخاصة بأصحابها من المخرجين. وهكذا عمّت الفوضى وأفضت إلى اتفاق ضمني يضمن مصالح كل طرف ما عدا القارئ والفكر والثقافة.
ومن علامات هشاشة قطاع النّشر في بلادنا أنّه لم يرتق بعد إلى مرتبة المهنة المقنّنة رسميا والمهيكلة قانونيا. فاتحاد الناشرين التونسيين يبقى مجرّد جمعية محدودة القدرة في الضّغط على الدّولة ولا نفوذ قانوني لها على أهل المهنة. إذ يمكن لشخص ما أن يكون ناشرا معترفا به قانونيا دون أن ينتمي إلى الاتحاد، لأنّ هذا الأخير ليس غرفة نقابية منتمية إلى منظّمة الصناعة والتجارة، لها صلاحيات التمثيل الحصري لأهل المهنة لدى السلطات العمومية والتحدّث باسمهم وتأطيرهم بالتكوين والرّقابة وإسناد بطاقات الانتماء إلى المهنة وسحبها. 
وقد ظلّت البنوك التونسية متحفّظة على المخاطرة بإقراض المستثمرين الثقافيين في غياب الضمانات، حتّى سنة 2002 تاريخ إمضاء اتفاقية بعث صندوق ضمان الاستثمارات الثقافية بين المنظّمة الدّولية للفرنكفونية والدّولة التونسية، وهي اتفاقية تقضي بتغطية هذا الصندوق المموّل من قبل المنظّمة الفرنكفونية لقروض الاستثمار في الصناعات الثقافية إلى حد 70 بالمائة من حجم القرض المسند. على أنّ هذا الصندوق لم يحدث الحركية الاستثمارية المأمولة ممّا حدا بالسّاهرين عليه إلى تنظيم حملة دعائية لصالحه باتّجاه كلّ من البنوك والباعثين الشبّان بقيت نتائجها دون المنتظر.  



2. التوزيع

عن مهنة موزّع الكتب

التوزيع هو مهنة الوساطة بين المنتج وبائع التفصيل. فالموزّع هو البائع بالجملة الذي نجده في عديد القطاعات التجارية كتوزيع الأدوية أو المواد الغذائية أو غيرها من المنتوجات. وفي مجال الكتاب، يلعب الموزّع دور الوسيط بين الناشر (المنتج) والكتبي (بائع التفصيل). وهو لا يشتري من ناشر واحد بل يجمّع عدّة عناوين من عدّة ناشرين من داخل البلد وخارجه ليزوّد بها نقاط البيع بالتفصيل (الكتبيات). وهناك من الناشرين الكبار من يكوّن شبكة توزيعه الخاصّة به، كما أنّ هناك من الموزّعين الكبار من يكوّن شبكة بيع بالتفصيل خاصّة به أيضا. وهذا معناه أنّ الجدوى الاقتصادية لمهنة الموزّع مرتبطة بحجم سوق النّشر (عدد الناشرين، عدد العناوين المنشورة، نسبة السحب، عدد نقاط البيع، الخ.) ويشمل نشاط التوزيع التزوّد والتّزويد ومسك المخازن والحسابات بما يعنيه ذلك من متابعة للمبيعات وفوترة وتحويلات وقبض وصرف وإصدار للطلبيات وتصدير وتوريد. لذلك، تتطلّب هذه المهنة إمكانيات لوجستيكية مكلفة كوسائل النقل ومستودعات الخزن. كما تتطلّب كفاءات في مجال المحاسبة والقانون والجباية والتصدير والتوريد والإشهار والاتصال والمتابعة. ولكلّ ذلك، يمثّل التوزيع العنصر الأثقل في تركيبة ثمن بيع الكتاب للعموم، حيث يتراوح وزنه بين 30 و50%.

وتوفّر التكنولوجيا الرقمية اليوم تسهيلات عديدة للضغط على الكلفة والتخفيف من أعباء الخزن والنقل (الطباعة الرّقمية، السحب حسب الطلب، النشر الإلكتروني، الإشهار على الإنترنيت، الخ). لكنّ سوق النّشر في بلادنا لم تستفد بعد من هذه الفرص. 

عن خصوصية التوزيع في تونس


السمة الأبرز لواقع توزيع الكتاب في بلادنا هي غياب الموزّع المحترف، أي الخبير بآليات التسويق والمدرك لمتطلبات السوق. حيث ترك حلّ الشركة التونسية للتوزيع في بداية تسعينات القرن الماضي، فراغا كبيرا أدّى إلى كسر سلسلة إنتاج الكتاب. فبعدما اضمحلّت ال STDالتي كانت توفّر في كلّ ولاية نقطة مركزية لبيع الكتب، لم يخلفها موزّعون خواص بالمعنى الذي سبق بيانه، بل ظهر صنف هجين من المتدخّلين هم أقرب إلى سماسرة يركّزون نشاطهم على توريد الكتاب الأجنبي ووكالة دور النشر الأجنبيّة. أمّا بالنسبة للكتاب التونسي فيقتصر اهتمامهم به على الكتاب شبه المدرسي. كما يركّزون تعاملهم في الغالب على المؤسّسات الجامعية المستهلك الأبرز للكتاب الأجنبي. وبخصوص الكتاب الثقافي التونسي، فهم لا يشترونه ولا يستثمرون فيه مالهم، بل يفرضون على من أراد التعامل معهم من ناشريه طريقة الودائع بالمخازن  en dépôt والخلاص بعد البيع مع إعادة المرتجعات (الفواضل) إلى النّاشر. وقد اضطرّ هذا الوضع النّاشر إلى الاضطلاع بمهمّة التوزيع بنفسه. لكنّه سرعان ما رفع الرّاية البيضاء وانسحب بعدما غرق تحت أطنان النسخ التي تكدّست في المكاتب والأروقة ومستودع السيارة واكتسحت المنزل وغرف الأبناء، وبعدما أعياه اللهث وراء نقاط البيع الموزّعة في أقاصي البلاد لقبض مستحقاته فيعود محمّلا بالمرتجعات دون أن يظفر بملّيم. وما لبث النّاشر أن ألقى كرة التوزيع في مرمى الكاتب من خلال خلاص حقوق هذا الأخير عينا، وذلك بتمكين الكاتب من عدد معيّن من النّسخ وإجباره على بيعها بنفسه خارج مجال مقتنيات وزارة الثقافة الذي يستأثر به الناشر لنفسه.

فما السبب في هذه الأزمة؟ الحقيقة أنّ الجواب بقدر وضوحه، بقدر ما هو متعدّد الأوجه والأبعاد. لذلك، فالصعوبة لا تكمن في التشخيص بقدر ما تتمثّل في التوفّق إلى تصوّر حلّ شامل لا يغفل وجها من وجوه الأزمة التي نلخّصها في النقاط التالية.

1. أزمة المطالعة وضيق السوق التونسية  


وهذا مردّه أزمة القراءة وتراجع الإقبال على المطالعة، إلى الحدّ الذي يفقد السوق أيّ وزن اقتصادي يغري بممارسة نشاط التوزيع والاستثمار فيه. ومن هنا ضرورة توسيع السّوق بالمراهنة على الفضاء المغاربي في دائرة أولى، وفي مراحل لاحقة التفكير في السوق العربية فالمتوسّطية. ولن يتسنّى ذلك إلاّ بتكثيف الحضور في هذه الأسواق، لا فقط عبر المعارض ولكن أيضا عبر تنظيم الأسابيع الثقافية والتعريف بالمنشورات والمؤلّفين التونسيين. وهذا يتطلّب جهدا كبيرا من البعثات الثقافية صلب ممثلياتنا الدبلوماسية. وكذلك عبر تسهيل تصدير الكتاب التونسي وتبسيط الإجراءات التي من شأنها أن توصله إلى الخارج ونحن نفترض في كلّ هذا أنّ النّاشر كفاعل اقتصادي يقوده منطق الرّبح لا يستثمر ماله في ما لا يتوفّر على شروط الرّواج وعلى رأسها جودة المضمون، إلى جانب جودة الصناعة وجمال الشكل والسعر المناسب والقادر على المنافسة.

2. غياب النّاشر المحترف


ونقصد بذلك الناشر ذو الخط الواضح (متخصّص في الإنسانيات أو الأدب أو الكتاب العلمي أو كتاب الجيب أو الكتاب الفنّي الفاخر،الخ) وغزير الإنتاج (تعدد الإصدارات) ومنتظمه (له سلاسل) ومرتفع السحب (معدّل السّحب في تونس لا يتجاوز الألف نسخة) والحاضر في الأسواق الخارجية، والمتعامل مع أسماء لامعة من تونس ومن خارجها، وصاحب الأسعار المناسبة والقادرة على المنافسة. (انظر الجزء الأوّل أعلاه من هذا المقال)

3. عدم التحكّم في ارتفاع كلفة التوزيع


تزن كلفة التوزيع بما لا يقلّ عن الثلث في ثمن بيع الكتاب، حيث تشمل النّقل والخزن بالمستودعات والمتابعة والاتصال. لذلك يتعامل الموزّعون مع النّاشرين بطريقة الإيداع بالمخازنen dépôt  التي تعني الدّفع المؤجّل بحساب المبيعات وإعادة المرتجعات (الفواضل) إلى النّاشر. ويرضى النّاشر بذلك، لأنّه أخفّ الأضرار بالمقارنة مع غياب الموزّع. فبغير ذلك، تقع أعباء الخزن على النّاشر الذي سرعان ما تحاصره أكوام الكتب المتكدّسة في كلّ مكان فيخنتق بها. ورغم أنّ الطباعة الرّقمية صارت تسمح بالسحب حسب الطلب، ممّا يخفّف من أعباء الخزن على النّاشر، إلاّ أنّ ذلك يتعارض مع  فلسفة الدّعم المسند من وزارة الثقافة، لأنّ هذه الأخيرة تدعم المنتوج وليس المشروع. فقد يؤدّي فتح المجال لهذه الممارسة إلى اقتصار الناشر على سحب الكمّية المشتراة من وزارة الثقافة.

4. قضايا السعر ومحدّداته


يشتكي الكثيرون (المؤلّفون والقرّاء خصوصا) من ارتفاع سعر الكتاب الثقافي والإبداعي منه على وجه الخصوص، ومن عدم الشفافية في تحديد هذا السّعر ومن ضعف مصداقية السّوق لعدم إلزاميّة طباعة سعر البيع على ظهر الكتاب. فمن الذّي يحدّد سعر الكتاب؟ وعلى أيّ أساس يقوم بذلك؟ وهل لدينا فكرة واضحة عن كلفة إنتاج الكتاب؟ وهل من معنى وجدوى لاعتماد السعر الموحّد للكتاب في بلد كتونس؟  ويفسّر الناّشرون ارتفاع السّعر بضعف نسبة السّحب التّي لا يتداوز معدّلها الألف نسخة.

إنّ آخر دراسة عن تكلفة الكتاب الثقافي في تونس تعود إلى أفريل 1983، وقد أعدّها المركز القومي للدّراسات الصناعية بطلب من وزارة الشؤون الثقافية. أفلم يحن الوقت لإنجاز دراسة جديدة على ضوء المستجدّات التكنولوجية والاقتصادية في الثلاثين السنة الأخيرة؟

أمّا عن السّعر الموحّد، فإنّه خيار اعتمدته فرنسا الاشتراكية سنة 1981 لضمان تساوي فرص الوصول إلى الكتاب والحيلولة دون تفاوت سعر البيع للعموم بسبب كلفة التوزيع التي تختلف من منطقة إلى أخرى حسب المسافات المقطوعة لإيصال الكتاب، وكذلك لحماية النقاط الصغرى لبيع الكتاب من المنافسة الشرسة للمساحات التجارية الكبرى القادرة على إسناد تخفيضات كبرى. فأين نحن من كلّ هذه الاعتبارات؟

5. أزمة الكتبيات


تقلّص عدد الكتبييّن في كامل البلاد إلى حد ينذر بالخطر. ولم تسلم حتّى العاصمة مركز الثقل الثقافي والجامعي والإبداعي، أين اختفت كتبيات عريقة ظلّت تشتغل بشكل مربح لأكثر من قرن حتى أصبحت من المعالم الثقافية المميّزة لمدينة تونس على غرار مكتبة النجاح ودار بوسلامة. وصار الأمر يتطلّب الإسراع بالتفكير في النهوض بمهنة الكتبي وترسيخ أصولها وقواعدها فليس بإمكان كلّ من هبّ ودبّ أن يصير كتبيا (حبّ الكتاب، الثقافة الواسعة، فنّ العرض وتقنيات التسويق، التصرّف في المخزون، التزوّد والتزويد، التفاعل مع الموسم الثقافي والتنشيط وبرمجة لقاءات مع الكتّاب). وقد يكون من المفيد الاعتماد على نسيج الكتبيات المدرسية المنتشرة بالبلاد والذي يقدّر حسب إحصائيات الغرفة الوطنية للكتبيين بما يفوق 6300 نقطة بيع وتوزيع. وهو ما يشكّل أرضية لما يمكن أن يصير شبكة وطنية لتوزيع الكتاب الثقافي على غرار ما تؤّمّنه هذه النّقاط في مجال توزيع الكتاب المدرسي. على أنّه من الضروري تحفيز الكتبيين من خلال تمتيعهم بمنح لتحسين واجهات العرض وتأهيلهم لممارسة مهنة الكتبي. أمّا بالنّسبة للتعامل مع شبكات توزيع الصحف والمجلاّت، فقد بيّنت التجربة مع الشركة التونسية للصحافة (سوتيبراس) عدم نجاعة مثل هذا المسلك. فهذه الشركة، وإن كانت لا تتلكّأ في دفع نصيب الناشر من المرابيح، إلاّ أنّها تتعامل بطريقة الودائع بالمخازن، وتشترط أن يقلّ نصيبها من المرابيح عن 50% من سعر الغلاف، وتعامل الكتاب كالدّوريّة فلا تتركه طويلا في العرض وتسحبه بسرعة كما لو كان مجلّة.

6. فوضى المعارض


أصبح الكتاب لا يوزّع إلاّ في المعارض. وهي أنواع نجد على رأسها معرض تونس الدّولي للكتاب، ولكن، هناك المعارض الدّولية الأجنبية عربية وغربية (القاهرة، بيروت، الجزائر، المغرب، باريس، فرانكفورت، الخ.) والمعارض المتخصّصة مثل معرض صفاقس الدّولي لكتاب الطّفل. على أنّ هناك الكثير من المعارض الفوضوية التي أضرّت بالنّاشر والكتاب والكتبي التونسيين وهمّشت الكتاب عموما في زخم المعروضات التجارية كالأدوات المدرسية واللعب وغيرها.

ولعلّه بات من المستعجل تنظيم نشاط المعارض الجهوية والمعارض المختصّة من خلال إصدار كراس شروط يضبط شروط التّنظيم والمشاركة واختيار المواد المعروضة وعرضها ونسب التّخفيض وواجبات العارضين ووضعه تحت إشراف لجنة وطنية تشارك فيها وزارة الثقافة والغرفة الوطنية للكتبيين واتّحاد النّاشرين واتحاد الكتّاب وجمعيات أحباء الكتاب. أمّا عن معرض تونس الدّولي للكتاب، فقد يكون من الأنجع إسناد مهمّة تنظيمه إلى هيكل مستقل وقارّ يعمل طوال السنة تحت إشراف المركز الوطني للكتاب المنتظر إحداثه على أن يكون اتحاد الناشرين التونسيين شريكا فاعلا في تنظيمه.

وعن حضور الكتاب التونسي في المعارض الخارجية، يبقى دعم وزارة الثقافة (التكفّل بكلفة الشحن، التكفّل بتنقّل ممثّل اتحاد الناشرين التونسيين) غير كاف. فعلاوة على ذلك، يحتاج الكتاب التونسي اهتماما أكبر من مركز النهوض بالصادرات ومن الملحقين الثقافيين لدى بعثاتنا الديبلوماسية وذلك من خلال تنظيم أسابيع ثقافية، ودعوة كتاب تونسيين إلى الخارج.

7.  الإعلام والاتصال والإشهار


تبقى المواكبة الإعلامية لحركة النّشر غير كافية كمّا وكيفا، وخاصة في التلفزيون نظرا لدوره الحسّاس في هذا المجال. فالقنوات الأجنبية حكوميو كانت أو خاصّة تخصّص عشرات البرامج للعناية بالكتاب تقديما وتسويقا. أمّا عندنا فيكاد الأمر يقتصر على بضع حصص حوارية لا ابتكار فيها ولا تجديد تبثّ في آخر السهرة بعدما ينام أغلب النظّارة. أمّا عن الإعلام المكتوب، فالملاحق الأدبية والفكرية قليلة وغير منتظمة كما يشرف عليها غير المختصّين.

أمّا بالنّسبة للاستفادة من تكنولوجيا المعلومات والاتصال في التوزيع عن بعد والتّسويق فنسجّل ظهور جيل جديد من الكتبيات التي تعتمد التكنولوجيات الاتصالية الحديثة مثل مكتبة آرليبيريس بقرطاج ومكتبة ألف ورقة بالمرسى ومكتبة المعزّ بالمنزه ومكتبة الكتاب بشارع بورقيبة، الخ. ومن الواضح أنّ اعتماد هؤلاء الكتبيين على التكنولوجيا الحديثة (مواقع واب، صفحات فايسبوك، الخ.) بوّأهم موقع الرّيادة وأعطاهم سبقا على زملائهم الذين ظلّوا متمسّكين بالطرق التقليدية في التسويق والإعلام. ولكنّ هذه الكتبيات مجرّد ترجمة إلكترونية للكتبيات التقليدية، أي أنّها تبيع في الغالبية القصوى كتبا ورقية مطبوعة ولا كتبا رقمية. وفي نفس هذا السياق، كان الحديث عن موقع ويب خاص بالكتاب التونسي أنجزته وزارة الثقافة لفائدة الناشرين التونسيين وبدعم مالي من منظّمة اليونسكو، قد بعث آمالا وانتظارات كبرى. لكنّ الحماس بدأ يخبو بسبب التأخير الكبير الحاصل في إطلاق الموقع الذي ظلّ يشتغل بنسخة تجريبية على العنوان التالي  www.livretunisien.tn

عن الحلول الممكنة لأزمة التوزيع

1. لم لا يفكّر الناشرون عبر اتّحادهم في اعتماد موزع واحد لهم جميعا، على أن تسندهم في ذلك وزارة الثقافة في إطار سياسة دعمها للكتاب التي حان الوقت لمراجعتها؟ ويمكن أن يشتغل هذا الموزّع على صيغة معرض وطني دائم ومتنقّل للكتاب التونسي دون سواه يغطّي كامل الولايات بمعدّل 15 يوما في كلّ ولاية. وتتكفّل المندوبيات الجهوية للثقافة بتجسيد دعم وزارة الثقافة لهذا المعرض/الموزّع في مستوى كلّ ولاية.

2. لم لا يتمّ تأسيس مجمع لتصدير الكتاب التونسي بالشراكة بين المركز الوطني للنّهوض بالصّادرات واتّحاد الناشرين ووزارة الثقافة؟

3. ويبقى الرّهان التكنولوجي الأكبر ذلك المتعلّق بالنّشر الإلكتروني باعتباره يساعد بشكل ملحوظ في حلّ أزمة التوزيع. فهو يسمح بوصول الكتاب إلى أبعد النقاط دون كلفة توزيع ثقيلة مادام سيتمّ الاستغناء عن وسائل النقل والمخازن. لذلك نحتاج في بلادنا إلى خوض تجربة النشر والتوزيع الإلكترونيين التي يمكنها أن تتخطّى الحواجز والمسافات وتضغط على الكلفة.

4. يطالب بعض الناشرين الوزارات "المستهلكة" للكتاب (الثقافة، التربية، التعليم العالي، الشباب والرياضة، الأسرة والطفولة، الخارجية، الخ.) بالتفكير في صيغة للمساعدة في تصفية المرتجعات المكدّسة بمحلاّت النّاشرين وذلك تخفيفا للعبء الذي يخنقهم وسعيا لإعطائهم دفعا جديدا.

5. من الضروري تعويض النّاشرين والمؤلّفين على خسائرهم النّاتجة عن النّسخ الفوضوي والقرصنة، من خلال توظيف معلوم جزافي على جميع نقاط النّسخ.

6. خلق تقاليد احتفالية بالكتاب وغرس عادة المطالعة لدى النّشء منذ الطفولة. وذلك من خلال الأخذ بيد باعة الكتب القديمة والوثائق المستعملة كتمكينهم من قروض وإدراجهم في المسالك السياحية لما لهم من دور ثقافي واقتصادي وسياحي يجعلهم من العلامات المضيئة في هويات المدن كباعة الزّهور ورسّامي الشوارع، وتنظيم يوم وطني لتبادل وإهداء الكتب في الشوارع الرّئيسية للمدن، وتفعيل منظومة الجوائز التقديرية للدّولة المحفّزة على الإبداع مع الترفيع في قيمتها المالية لخلق التنافس الضروري حولها.