vendredi 4 décembre 2015

اليوم الأوّل في بانكوك

تطلّ برأسك من باب الطائرة مستعدّا للنزول نحو الحافلة الرابضة أسفل المدرج بانتظار القادمين. تلفعك حرارة غير عادية في وجهك لتوقظك من خدر الهواء المكيّف داخل الطائرة. رطوبة مرتفعة حتى تكاد لا تظفر بشيء وأنت تستنشق الهواء بمنخريك المفتوحين على أقصاهما كمنخري بغل. لا يسعفك فمك الذي تفتحه متلقّفا الهواء وقد أطبق عليك الاختناق بغير بخار مثقّل بالماء كبخار الحمّام. بعض ثوان كافية كي تحسّ جلدك دبقا وملابسك ملتصقة بجسدك. رئتاك تتحوّلان من اسفنجتين ليّنتين إلى بالونين من الكاوتشو السميك والمتيبّس. "ما الذي دعاني إلى القدوم إلى هذا البرّ البعيد؟؟". وفي الخطوات الفاصلة بين مدرج الطائرة وباب الحافلة، تدرك معنى كلام الراضيين عن استحالة لعب الكرة في مثل هذا المناخ المداري. تسترجع شيئا من حيويتك لمّا تصعد الحافلة، ويسعدك أن تتواصل الانتعاشة في فضاء المطار المكيّف. ولكنّ مغادرتك للمطار ترجعك إلى معاناة البحث اليائس عن النفس.
تستقلّ سيّارة تاكسي وتناول السائق ورقة عليها اسم النزل وعنوانه، فيشغّل مروحة كهربائية صغيرة مثبّتة أمامه قبل أن ينطلق. يقود التاكسيست سيارته بسرعة جنونية رغم حالة الازدحام في الطريق. تحس بعدم التوازن وبالعالم معكوسا من حواليك، فتشغل نفسك بالتطلّع من خلال النافذة. لكنّ ذلك الإحساس بعدم التوازن يتضاعف ويحاصرك حتّى تنتبه إلى أنّ كرسي السائق على يمين السيارة وأنّ هذا الأخير يستخدم يده اليسرى لتحريك مقبض السرعة. ثمّ تلاحظ أنّ السيارات تلزم اليسار عكس ما تعودته في بلدك. في بانكوك، تقدّم الدراجات النارية كذلك خدمة التاكسي. يلبس صاحب الدراجة التي تحمل لوحة مميّزة، خوذة خاصّة ويضع قناعا قماشيا يقيه من دخان السيارات، ويقف في انتظار الحريف محترما دوره في الطّابور. تمرق هذه الدراجات بجانب سيارة التاكسي بسرعة جنونية والحريف جالس وراء السائق يطوّق حزامه بذراعيه. 
الطرق السيّارة في هذه البلاد العجيبة تخترق قلب المدينة التي تعجّ بناطحات السحاب العصرية والمجاورة للأحياء الشعبية. تمرّ سيارة التاكسي على جسور معلّقة بين العمارات القريبة من بعضها فيمكنك أن ترى تفاصيل البيوت من الداخل. تتحوّل شرفات شقق الطابق الرابع إلى امتداد للطريق السيارة بالعرض فيبدو أصحاب البيوت وهم يتّكؤون على الشرفات كمارّة واقفين على جانبي الرّصيف. 
نساء مقرفصات أمام قصاع كبيرة لا تتبيّن محتوياتها يلحن من وراء مستنقعات تكسوها الطّحالب الخضراء وينمو على جنباتها نبات القصب السكّري. اللافتات الإشهارية لماك دونالدز وكوكاكولا وكنتاكي منثورة على طول الطريق. يخاطبك التاكسيست بلغة إنجليزية غير مفهومة ويبتسم في وجهك بحماقة. تردّ له الابتسامة بجرعة أكبر من الحماقة. لكنّه يصرّ على الاستمرار في التحدّث إليك. يخرج من درج الباب دفترا ضخما يناولك إياه منتظرا منك أن تتصفّحه. "تاي ماساج، تاي ماساج" يردّد السائق لمّا يلاحظ تفاجئك بصور الفتيات في ذلك الدفتر الألبوم...
تقف التاكسي أمام الشيراتون بالاص فتدلف إلى الدّأخل بأقصى سرعة طلبا للتكييف. تتمّ إجراءات القبول وتتسلمّ مفتاح غرفتك بالطابق الخامس. وأنت تتعجّل الوصول إلى الغرفة كي تأخذ دشا باردا، ترافقك في المصعد فتيات آسياويات من ذوات العيون المسحوبة إلى جانبي الوجه ناحية الناظرين، حتّى تبدون أقرب إلى العصافير منهنّ إلى الكائنات البشرية. 
من وراء النافذة حيث تقف لتجفيف شعرك، تلقي نظرة على حديقة النزل فتلمح رجلا وامرأة يتعبدّان أمام مصلّى بوذي صغير تحت رذاذ المطر. يغريك المنظر بنزهة خاطفة في محيط النزل، فتصرف النظر عن مشروع الإغفاءة وتترك محتويات الحقيبة منثورة على الفراش وتغادر الغرفة. 
أمام المصعد تلتقيك نفس الفتيات الساحرات بابتساماتهنّ المغرية وتنوراتهن الأسكتلندية القصيرة. دمى بشرية من فرط الظرف واللطافة تزقزق إذ تتكلّم أو تضحك. وحالما ينغلق عليكم باب المصعد، تبادرك إحداهنّ هذه المرّة "تاي ماساج، تراي إيت، إيتس فيري غوود فور يو" وتزقزقن جميعا كعشّ من الفراخ الضاجّة.
تتّجه إلى البار لتطلب بيرة تبلّ بها حلقك الذي جفّفته العصافير. تجثم النادلة على ركبتيها لتقدّم لك كأس المشروب الأصفر تتصاعد من أسفله كريّات غاز بيضاء... يزداد جفاف حلقك، وأنت تلاحظ هذه الطقوس على خلفية موسيقى خافتة. كأس أولى ثم ثانية ثم ثالثة فرابعة، والنادلة تكرّر نفس الحركات كراهبة. وزقزقات عصافير الماساج التايلاندي القابعات هناك في صالون الزاوية المقابلة تحتدّ أكثر فأكثر، وملامحهنّ تغيم لتتحوّلن إلى أطياف....
بخار يعتّم قاعة الصونا وموسيقى صينية تسيطر عليها أصوات المزامير والنواقيس. روائح أشجار غابية وأعشاب حارّة تخترق أنفك تتبيّن منها روائح الصنوبر والكالاتوس والإكليل والزعتر ولا تتعرّف على البقيّة. يد ناعمة تمسكك من كتفك برفق وتمدّدك على مصطبة خزفية لتهرق على جسدك خليطا من زيوت الريحان والمنتهى والسمسم والينسون والقرنفل وتوزّعها على كامل جسدك بحركات سريعة وناعمة براحتي يديها، فتشعر بمسام جلدك تنفتح والهواء يخترقها. بعد ذلك تطليك بطبقة سميكة من الطّحالب والأوحال قبل أن تبخّ عليك هواء ساخنا، يجعل جلدتك تشدّ وعضلاتك تتقلّص. ربع ساعة تدعوك بعدها المدلّكة بحركة دونما كلام إلى الغطس في حوض ماء بعمق متر. تستجيب بهدوء راهب في معبده وتتحرّك بانسجام مع إيقاع الموسيقى وبعينين نصف مغمضتين. تجلس على حافة الحوض وتبدّل الخطو نازلا درجاته والمدلّكة تمسك بيدك لمساعدتك.
"كم ستكلّفني هذه الحماقة من دولار يا ترى؟؟ لا وقت لهذه الحسابات الخسيسة أيها الأحمق، لا تفسد متعتك. استمرّ في ما أنت فيه" "العزى فيك وفي والدين أمّ الدولارات، شعرة لا زلقت وساقي مشات" "سورّي سورّي، أي نيد تو غاو تو ذي تُويْلِتْ" "ينعل دين أم البيرة، آش تبوّل" ومن زاوية معتّمة يأتيك صوت "باباباباباب، حتى في قلب حمّام مظلّم في طرف الدنيا تلقى تونسي يا بوقلب، برجولية مخّي وقف... ولد بلادي آش جاب غربتك لها البلاد؟ برّة برّة بول، وارجع كمّل مسّاجك، راك مازلت ما ريت شيء... أمّا ما نوصّيكش، ردّ بالك من السيدا"

mardi 1 décembre 2015

صيّاد الأفكار

كان يتناول قرن البازلاء ويلوي أحد طرفيه لينفلق بطن القرن بفعل الضغط كاشفا عمّا في جوفه من حبيبات خضراء متلألأة. ينطّ بعضها ليسقط في الإناء فيما يبقى بعضها الآخر معلّقا بخيط نباتي رفيع في الجانب الباطني من القرن. يمرّر حسّان سبّابته في جوف القرن كالجرّافة ليمسحه ويخلّص الحبيبات العالقة فتسقط في الإناء لتلتحق بمثيلاتها.
كان هذا التكليف في بداية التحاقه بمركز إصلاح الأحداث الجانحين بمثابة حصّة تعذيب قاسية. فلا صبر له ولا قدرة على تحمّل تكرار نفس العمليات الدقيقة واليدوية. ذلك يصيبه بالملل ويفقده أعصابه لأنّه لم يخلق لمثل هذه الأعمال التافهة. هذا فضلا عن أنّ كلّ حبّة بازلاء تنطّ خارج الإناء وتقع على الأرض، كانت تترجم إلى عقوبة رياضية بدنية قاسية.
يتذكّر كيف كان يثور في وجه أمّه كلّما طلبت منه أمرا كهذا متعلّلا بأنّ ذلك شغل صبايا ونسوان، أمّا الرجال فشغلهم التفكير. كانت تلك تعلّاته لمغادرة البيت والالتحاق بأقرانه في الزوايا المظلمة من الحي، حيث يمارسون جميع أنواع الشقاوات. كان لا يطيق البقاء لوحده. يتصوّر أنّ خمس دقائق من العزلة كفيلة بإزهاق روحه، لأنّه يحسّ فعلا بالضيق والاختناق كلّما وجد نفسه وحيدا. كان يهرب إلى الجماعة حيث المرح والمغامرات والبطولات. هذه البطولات هي التي قادته هو وجميع من يحيطون به إلى هذا المركز الإصلاحي. وها هو وجها لوجه مع واجب تقشير البازلاّء القاتل، دون أن يمكنه الرّفض.
لكنّ تكرّر تنفيذ ذلك الواجب في مركز الإصلاح وبذلك القدر من التركيز جعله يكتشف أنّ الأعمال الدقيقة والمتكرّرة وسيلة منشّطة للتّفكير ومساعدة على التأمّل. ومن يومها صار مغرما بتقشير البازلاء وبفرز أوراق البقدونس وبتنقية أكداس العدس من السوس والحصى. وفي المقابل، تراجع ميله إلى أنشطة التحدّي البدنية. فقد صارت الأشغال اليدوية الدقيقة والمتكرّرة بالنسبة إليه منطلقا للانغماس في ذاته والحفر عميقا في طوايا شخصيته. من خلالها أمكنه إيقاظ تفاصيل نائمة في زوايا الذاكرة نبّهته إلى حماقات ارتكبها وأجبرته على مراجعات واعترافات صادقة. كم قطّا عذّب هو ورفاقه؟ وكم عقب سيجارة جمعوها ودخّنوها؟ وكم ناقوسا قرعوه ليوقظوا أهل البيت في عزّ القيلولة؟ وكم تلميذا سلبوا وهو عائد من مدرسته؟ وفي حالات أخرى كثيرة، كانت تأمّلاته تطوّح به في تهويمات وأسئلة فلسفية لا طاقة له على تفكيكها وفهمها بوضوح. ولكنّ غموضها وعجزه على استكناهها لا ينقصان من سحرها وانجذابه إلى الغوص فيها. كان يمسك مثلا قرن البازلاّء ويتساءل عن الأيادي التي مرّ بها قبل أن ينتهي بين أصابعه. فقد حصده فلاّح ما في مكان ما من هذه البلاد، وباعه في سوق الجملة حيث اشتراه خضّار وأعاد بيعه إلى إدارة المركز ليتولّى تقشيره هو ويفرّق بين الحبيبات المدسوسة داخله كالأخوات، وستنتهي كل منها في فم شخص مختلف. وأحيانا أخرى، كانت تنتابه الرّغبة وهو ينقّي حبّات العدس من الشوائب أن يقوم بعدّها حبّة حبّة. فيبتسم ثم يواصل عمله وهو يميل رأسه يمينا وشمالا استغرابا لأفكاره.
يفهم الآن غرام أولئك الذين يصطفّون كل عشية على ضفاف بحيرة تونس مولّين ظهورهم لسكة الحديد والطريق الموازية لها وهم جالسين في صمت متباعدين بعضهم عن بعض يلاعبون الأسماك التي تعلق بصنّاراتهم. كم مرّة رأى بعضهم يخلّص السمكة من الشص ويعيدها إلى الماء... يدرك الآن أنّ انتظار "المسّ" ليس سوى تعلّة لترويض النفس القلقة واستدراجها إلى رحاب التأمّل والفكر.
يوم تسريحه، راودته فكرة أنّه يقشّر آخر قرن بازلاء في المركز. ولكنّه ابتسم لمّا أدرك أنّ آلافا من قرون البازلاّء وملايين من حبّات العدس تنتظره في الخارج، ومعها ساعات ممتعة من العزلة والتأمّل والتفكير. ثمّ قرّر أن يكون أوّل شيء يفعله هو اشتراء صنّارة ومعدّات لصيد الأفكار...