dimanche 26 août 2012

دردشات بيّاع كلام عن عروس القرى التي ترفض عودة البوليس


في عروس القرى، يعيش الناس حالة غرائبية لو عاينها غابريال غارسيا ماركيز لوجد فيها خزّانا لا ينضب من الوضعيات والشخصيات الرّوائية. لا شرطة ولا حرس ولا ديوانة ولا عسكر ولا أيّ جهاز من أجهزة احتكار العنف الشرعي التي تميّز الدّولة. أمّا التعبيرات الإدارية للدّولة فموجودة كالبريد والبنوك والمستشفى والمدارس. يعني، في أم العرائس، توجد دولة
من دون عنف شرعي يحمي مؤسّساتها ومواطنيها ويفرض احترام القانون. ولا يمكن أن يوجد مثل هذا الوضع إلاّ في الجمهورية الفاضلة أو الجنّة أو في مناطق التمرّد المارقة عن السلطة المركزية والتي تستعدّ لإعلان استقلالها في دولة جديدة. ويتيح هذا الفراغ طبعا المجال لفئات عديدة حتّى تبسط قانونها وتفرضه على سائر الناس الغلابة فتقتطع الضرائب وتؤدّب على طريقتها وهواها.
ولتحمّل هذا الواقع العبثي طوّر النّاس لديهم موهبة الكلام والسخرية من كلّ شيء كآلية دفاع ذاتي ضدّ خطر الذّوبان والتفتّت. هكذا، تعوّض قوّة العبارة قوّة البوليس... في أم العرائس، يسخر الناس من كل شيء، ومن أنفسهم أوّلا بلغة تزداد إبداعا وبلاغة كلّ يوم... سمعت أحدهم يقول "لن تستقيم أوضاع أم العرائس قبل أن تصير علبة الياغورت تفتح بالسلسلة" فأذهلني. وعلّق آخر عن سلفيي قريته وهو الذّي يعرف من أين جاؤوا وماذا يفعلون في سرّهم "هاذوما سلفيين شنوة" للدّىلة على زيفهم.وفي مناسبة أخرى سمعت شخصا يقول لصاحبه "برّة ابعدني على قد ما تقدر، خير ملّي نضربك بكف يخلّطلك السمع مع النظر"... ورغم ما في هذه الجملة من شحنة عنف عالية ونفي للآخر، فإنني أقرّ بأنّ أوّل ما شدّ انتباهي فيها هو بلاغتها... ولكنّني بعد أن هضمت لذّة الإعجاب بالبلاغة أفقت على خطر أن يتحوّل العنف من مجرّد حركات منفلتة وسلوك طائش إلى مرحلة التنظير له بالبراعة في وصفه وترويض جوهره من خلال تحويله إلى ثقافة... والحقيقة أنّني لست الوحيد الذي كان للجملة عليه مثل هذا الوقع. فالظاهر أنّ قائلها نفسه يهمّه منها حيازة الإعجاب بقدرته على التوصيف أكثر من قدرته على التنفيذ. لكن ما ظلّ يشغلني هو:
ماذا الذي يدفع النّاس في أمّ العرائس إلى رفض وجود الشرطة في قريتهم؟
ففي الوقت الذي يطالب فيه التونسيون في جميع المدن والقرى بتعزيز الوجود الأمني نرى سكّان أم العرائس سعداء بغياب الأمن رغم ما تشهده المدينة من تفش لافت لمظاهر الانحراف الاجتماعي وما كانت قد عاشته من احتجاجات نتج عنها إحراق مقر إقليم شركة فسفاط قفصة ومعدّاتها ومكاتبها.
رغم ذلك، فالأهالي يكادون يتوحّدون حول المقولة الشعبيّة "الوحش ولا الأذى". لأنّ مركز الشرطة كان قد تحوّل إلى مؤسّسة لحماية المهرّبين والتستّر على الفارّين من قضايا الحق العام المطلوبين للعدالة مقابل ابتزازهم والحصول على امتيازات عينية ممّا يتمّ تهريبه أو ترويجه. ولإعطاء الانطباع بأنّهم يقومون بدورهم، يعمد الأعوان إلى الاعتداء على الزواولة والبطّالة ممّن يشربون الكحول المحلّي كالكولونيا والمقطّر، ويتسلّون بمطاردة الأطفال الذين يلعبون في البطاح ليصادروا كراتهم المطّاطية ويهدوها لأبنائهم أو يمزّقوها... وهكذا، وجد النّاس أنّ هناك في الهمّ، حال أفضل من حال. بل إنّ المهرّبين أنفسهم استغلّوا نفور الناس من الشرطة ليشجّعوا على استدامة الفراغ الأمني، بعدما ذاقوا الأمرّين من ابتزاز الشّرطة لهم وصار نشاطهم غير مربح.
في عهد المخلوع، كان البعض من أعوان البوليس يدخل البار بالزي الرّسمي ليشرب كعباتو على الكونتوار بوبلاش ثمّ ينصرف. حتّى أنّ السّكرة حكمت لأحدهم بأن يسحب مسدّسه ويدوّره حول إبهامه في الهواء على طريقة رعاة البقر، وراح يتسردك على السكارى المرعوبين من خدّامة المينة والبطّالة الذين يحومون حولهم. لذلك هرب الممحونون من الشرب في البار وصاروا يتردّدون على منازل حوّلها أصحابها إلى "رستورونات" شعبية تقدّم الشراب والأكل وألوان أخرى من المتع تحت حماية فتوّات يؤمنّون السلامة والشيخة والدنيا الهانية.
وإن نسيت فلن أنسى ما لحق بشقيقي الذي كان يعمل سرفورا في البار من تجاوزات وابتزاز حطّمت حياته وشرّدته. كان ذات عشية منتشيا يتجاذب أطراف الحديث مع أولاد الحومة. ودار الحديث عن جارتنا الأرملة وعن كرمها مع أولاد الحومة بل وحتّى مع البعض من آبائنا. فما كان من شقيقي حينها إلاّ أن تسوّر جدار جارتنا الأرملة ونطّ داخل باحة منزلها. لم يفعل ذلك لجموح جنسي فيه، وإنّما هو حكم امتحان الفحولة والرجولة في عرف حيّنا. كانت الوليّة صاحبة الجدار القصير مضطرّة إلى الصّياح ولمّ النّاس حوله للشهادة على ما أتاه. لم تفعل ذلك لضغينة تحملها ضدّه ولا لعفّة أخلاقية. فالحقيقة أنّها لم تترك أحدا من أولاد الحومة إلاّ وروت ضمأه. ولكنّه لم يترك أمامها من حلّ آخر بارتكابه تلك الحماقة كما أكّدت لي ذلك. قالت لي في دلع ظاهر وهي تستبقي يدي في كفّها لمّا قصدتها راجيا إسقاط دعوتها "يا وخيّ، طلبك عزيز وغالي ومرحبا بيك إنت ويّاه في كل وقت، أنا ليكم وانتم ليّ، عمريش شدّيت حاجة على واحد من الحومة ؟ أمّا راهي البيوت يدخلولها من البيبان، وخوك عفس عليّ من البقعة اللي توجع وخلاّني ضحكة قدّام نساء الحومة". وكان أن صدر ضدّه حكم غيابي بشهر سجنا لم ينفّذ حينها لأنّ أخي كان قد فرّ إلى ليبيا حيث بقي سنتين ونصفا عاد بعدها ليعترض على الحكم الغيابي الذي أقرّته المحكمة لاحقا. ولكنّه قبل أن يسلّم نفسه عرض عليه نائب رئيس المركز مقايضة حرّيته بالتنازل له عن امتيازه الجمركي FCR بإدخال سيّارة مهرّبة من إيطاليا عبر الحدود الجزائرية وتسجيلها على جواز سفره. ولم يكد ينفّذ وعده لسي شفرون، حتّى كافأه هذا الأخير بأن داهم بيتنا صحبة عونين ليوقفه ويسلّمه إلى إدارة السّجن المدني بقفصة أين قضّى ربطيّته. ولمّا غادر السجن هجر أم العرائس بعدما فقد ماء الوجه. ثمّ صارت جارتنا صاحبة الجدار القصير كلمّا لجأت إلى مركز الشرطة طالبة الحماية ممّن يتسوّرون جدار بيتها (يشرّفوا على حيطها في لهجتنا المحلية)، تاكل طريحة وتشبع سبّا وشتما بل ويصادف أحيانا أن يقدّمها عون الاستمرار الليلي هديّة إلى صديق جاء يسهر معه ويؤنس وحشته في حصّة العمل الليلي.
ثمّ جاءت انتفاضة الحوض المنجمي التي تفنّن أثناءها البوليس في إذلال النّاس وخلع حوانيتهم واستباحة أرزاقهم لتوشّم في ذاكرة النّاس ريبة وتوجّسا أبديين من البوليسية والحاكم بأنواعه.
لهذه الأسباب وغيرها كثير وكثير، يكره النّاس أن يروا الشرطة تعود مجدّدا إلى قريتهم المحرّرة من رمز الظلم والابتزاز. أنا لا ألوم النّاس على بساطة تفكيرهم وطيبتهم التي تجعلهم لا يدركون أنّ غياب الشرطة يفتح الباب لقانون القصاص الذّاتي وسلطان عصابات التهريب والجريمة المنظّمة والفارّين من السجون وجماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورابطات حماية الثورة والميليشيات الحزبية وفتوّات الأحياء (قدعان الحومة) والإقطاعيين ممّن يعتبرون أنفسهم عقلاء القبائل والعروش. ولكنّني ألوم رئيس الجمهورية المؤقّت الذي قال للنّاس عندما زار عروس العرائس وعاين بنفسه إصرارهم على رفض عودة البوليس رغم حالة الانفلات والفوضى: "طيّب، لا تريدون الشرطة؟ ابقوا دون حماية إلى حين تدركون قيمة الشرطة وضرورتها". الله الله، هكذا رجل الدّولة المؤمن بقيم الجمهورية والمتشبّع بثقافة حقوق الإنسان أو لا يكون... فبدل البحث في أسباب رفض الناس للشرطة التي صارت عندهم مرادفا للظّلم والعسف، يلوّح بالعقاب الجماعي ويتفصّي من مسئوليته كضامن لأمن العباد ووحدة البلاد واستمرار الدّولة. ما لم تفهمه أيها المنسوب للإنصاف ولا منصف أنّ الناس هنا يريدون شرطة في خدمة الشعب وأمنا جمهوريا، ولا بلطجية أو شفرونات..
ملاحظة: إنّ أيّ تشابه بين م ورد في هذا النص الخيالي وبين شخصيات أو أحداث واقعية، هو من محض الصّدفة... لكم شفرونكم ولي شفروني؟