samedi 17 octobre 2015

بنت الباساج

بي رغبة أن أسمّيها أمّ الباساج أو ملكته، فهذا أدقّ وأنصف لها... لست أعرف إن كنت قد عرفتها فعلا أم أنّها من نسج خيالي. لكنّ الثابت أنّ لها في الحالتين وجها بملامح واضحة وجسد وشخصية بسلوك ومواقف وردود أفعال معلومة كلّها لديّ، ومسجّلة في دماغي وذاكرتي... وقد يكون من الواجب عليّ حين أعود في المرّة القادمة إلى تونس أن أذهب إلى حديقة الباساج للبحث عنها والتأكّد ممّا إذا كانت لا تزال هناك. سأهديها كرتونة مارلبورو ذات عشر علب وزجاجة فودكا... هدية هي أجدر بها من أي صديق رغم أنّني لا أضمن ردّة فعلها، فقد ترفضها وتبصق وتسبّ كعادتها، وقد تفرح بها... سأبحث عنها في الحديقة أوّلا، ثمّ في محطّة الحافلات، وإذا لم أجدها سأتوغّل في الأزقّة المتفرّعة عن نهج الملاحة حيث باعة اللبلابي والمسروقات الخفيفة والبيض المسلوق على نار الوبابير. هناك حيث تعوّدت المخاطرة بالمرور ليلا لأطمئنّ عليها... تصرف يومها متنقّلة في حافلات الشركة الوطنية المشتغلة على خط الباساج، تنزل من حافلة لتركب أخرى. لا تطلب إذنا من أحد. جميع السوّاق وقاطعي التذاكر والمسافرين يعرفونها.. وبصرف النظر عمّا إذا كانوا يحبّونها أم يشمئزّون منها فلا أحد يجرؤ على منعها من امتطاء الحافلة التي تريد. صارت علامة تجارية ملازمة لهوية الشركة وجودة خدماتها...لا تتسوّل أبدا. تعبر الحافلة مرّتين أو ثلاث مغنّية تارة، مطلقة ضحكات صاخبة أخرى، شاتمة أحيانا ولا تعبأ بمن يضع قطعا نقدية أو سجائر في جيبها... وفي الليل لمّا تتوقّف حركة الحافلات تنام في الحديقة مع كلاب الحراسة التي صادقتها وألفتها أو في الأزقة المجاورة... أذكر كيف مررنا بها أنا وصديقي الشاماكو ذات ليلة ماطرة وكان تبغنا ونقودنا قد نفذت. لمّا حيّاها الشاماكو وطلب منها سيجارة، دعتنا إلى تقاسم أنفاس السيجارة التي بين أصابعها لأنّها لا تملك غيرها. نزع صديقي الشاماكو جمّازته الجلدية ليغطيها بها وكنّا عائدين إلى بيتي بعدما تعشّينا وشربنا وغنّينا وقرأنا الشعر.. ومن الغد تفطّن الشاماكو إلى أنّه وهبها الجمّازة بما في جيبها الدّاخلي من أوراق ومن بينها نوطة موسيقية ومسودّة شعرية وبطاقة هويّته... لكنّه لم يجرؤ على إزعاجها بطلب الأوراق مخافة أن تظنّ أنّه ندم فجاء يسترجع جمّازته الثمينة التي ظلّت تلبسها شتاء وصيفا...
وكان أن غابت عن الأنظار سنوات. ظنّ أغلب من يعرفها أنّها ماتت. وقال آخرون أنّها عادت إلى أهلها في الجنوب. وأشاع البعض أنّها في السّجن. فيما روّج كثيرون أنّها تزوّجت. ولكنها عاودت الظهور في العام الثالث بعد الثورة، ب"نيو لوك": دون أسنان ولا شعر وبجسد منهك، ولكنّها كانت مرفوقة بطفل لم يتجاوز السنتين... لم يمرّ شهر على معاودتها الظهور حتّى فقدت طفلها. وفيما قال البعض أنّ الشرطة افتكّته منها لتضعه في دار الأيتام حفظا له من التشرّد الذي لا يليق بأبناء الثورة، أكّد آخرون أنّه سُرِق منها في غفلة منها... ومن يومها أصابها الخرس، وصارت متكوّرة على نفسها كالمصاب بالروماتيزم... أمرّ أمامها فلا تزيد عن أن ترمقني بنظرة صامتة من وراء تلك العيون التي خبا بريقها ثم تغمضهما كالمحتضر، كما لو كانت تنزل ستارة على المشهد الماضي وتدعوني إلى عدم النبش فيه وهي في ذات الوضع المتكوّر لا تبدي حراكا...
صوت عنيد بداخلي يصرّ ويدفعني إلى زيارتها ووضع كرتونة المارلبورو وزجاجة الفودكا هناك بجانبها والانصراف في صمت.... أمّا إذا لم تكن موجودة لأنّها ماتت أو غيّرت المكان، فلتكن رحمة على روحها موهوبة لعابري السبيل... سأفعلها وليكن ما يكون.