lundi 29 février 2016

الله كريم ويقبل التّوبة الصّادقة

"الله كريم ويقبل التّوبة الصّادقة"، هذا ما يردّده الصحبي كلّ مرّة لمّا يصعد درجات الصّومعة الضيّقة كي يؤذّن للصّلاة. مائة وخمسون درجا ملولبة عموديا في شكل حلزوني، تتخّلّلها فتحات صغيرة للتهوئة والإضاءة.

يصرّ الصّحبي منذ تعيينه وكيلا على المسجد مكلّفا بإقامة الأذان والنظافة وتسخين الماء، على صعود الصومعة في كل صلاة لإقامة الأذان مستغنيا عن الميكروفون المتوفّر في الأسفل والموصول بالبوق المثبّت في أعلى الصّومعة. لم يصغ لنصيحة عديد المصلّين الذين أشفقوا عليه من عناء الألف وخمسمائة درجا التي يقطعها صعودا ونزولا على مدى الصلوات الخمس، رغم تنبيه كثيرين عليه من خطر الأزمات القلبية بسبب بدانته المفرطة. كان الصعود يستغرق منه ربع ساعة أو يزيد لكثرة الاستراحات التي يقوم بها مضطرا بعدما ينقطع عليه النفس في الصعود، وكذا الشأن عند النزول بسبب حدّة وخزات عضام الرّكبتين الناتج عن ثقل وزنه.

يبدو الصحبي أكبر بكثير من الأربعين سنة التي تجاوزها بعد تعيينه وكيلا للمسجد بشهرين. كان قبل الثورة يعيش من تهريب الأغنام الذي كان يدرّ عليه مكسبا وفيرا، لكنّ فلوس الحرام لا تثمر أبدا كما كان يردّد دوما. لم يتزوّج الصحبي وكان ينفق ما يكسبه من مال في اللّهو والمجون والقمار. لم يقرأ حسابا للمرض حتّى داهمه الكوليسترول والسكّري والضغط دفعة واحدة... وجاءت الثّورة لتضعف نشاطه بعدما تغيّر نشاط التّهريب وما عاد تهريب الأغنام يضمن الكسب الذي يبرّر المخاطرة بالحياة. لكنّه ظلّ متشبّثا بالمهنة الوحيدة التي لا يتقن سواها حتّى انقلبت به شاحنة الأوسيزي أثناء مطاردة ليلية ولم يعد ممكنا إصلاحها.

أشفق لحاله أحد أبناء حيّه من الذين استيقظ سعدهم بعد الثورة، فتدخّل له ليعيّن وكيلا على المسجد بعدما سجّله في قائمة جرحى الثّورة.

يومها، وقف الصحبي في الشرفة الدائرية المنتصبة كالتاج في أعلى الصومعة، وهو يلهث شادّا بكف يده على قفصه الصّدري الذي كان يؤلمه كما لو كان قد تلقّى طعنة خنجر. ولأوّل مرّة، تعذّر عليه تبيّن ما في الأحواش المحيطة بالصومعة بوضوح. كانت عائشة جالسة في صحن الحوش هناك كعادتها تنتظر إطلالته وهي تفرج ساقيها متظاهرة بنفش الصوف أو برحي القمح أو ما شابه ذلك من أشغال البيت.

تمتم الصحبي "اللّه كريم ويقبل التوبة الصّادقة" وكرّر ذلك والعرق يداهمه رغم نسمات الهواء التي كانت تخترق ثقوب السياج الخشبي الذي يزوّق الشرفة. أيقن أنّه سيتأخّر عن إقامة الأذان، ولم يتمالك نفسه عن التهالك أرضا. وحينها برزت له من ثنايا الذّاكرة، تلك الصور من أيّام الشقاوة ... صور نجح إلى غاية ذلك اليوم في حبسها بمجرّد ترديده "اللّه كريم ويقبل التوبة الصّادقة". ازداد الألم حدّة حتّى صار يتأوّه. هذا المكان الذي لم يكن المؤذّنون السابقون يصعدون إليه أبدا للأذان، كان مجلسه المفضّل ما بين الظهيرة والغروب. يتسلّل هناك ليعاقر ما تيسّر من القوارير، ويتلصّص على حياة البيوت الدّاخلية. من هذا المكان، جاءته فكرة سرقة الماعز المتسكّع عبر الأنهج في قيلولات الصيف القائظة، ومنها تطوّر نشاطه إلى تهريب القطعان وتجارة الأغنام. من هذا المكان عرف أسرار بعض البيوت، واستفاد منها لنسج علاقاته مع النساء. "اللّه كريم ويقبل التوبة الصّادقة" كانت آخر ما قاله الصحبي الذي كان يعرف وربّما يسعى إلى أن يموت هناك وبتلك الطريقة وهو الذي حرص على أن يعاقب نفسه بألف وخمسمائة درج يوميا، ولكنّه أبدا لم يتب عن عشق عائشة...

jeudi 11 février 2016

المكتبة العمومية "أندري ميغال"


لم يشأ السيّد ميغال أن يجمع أوراقه بنفس السرعة التي جمع بها ملابسه في الحقيبة الجلدية. أوراقه مجموعة من الكراريس والدفاتر والمفكّرات والأوراق المتناثرة كان يدوّن عليها أفكاره ومسودّات نصوصه... لم يكن من السهل عليه أن يغادر تلك القرية الواقعة في الصحراء التونسية والتي سحرته ببساطتها عندما عبرها مع العساكر الألمان والإيطاليين في ربيع سنة 1943 أيّام الحرب العالمية الثانية. ولأنّه لم يستطع نسيان عيون أطفالها الحفاة المتلألأة فرحا بعلب السردين والشوكولاطة التي كان العساكر يوزّعونها عليهم، فإنّه عاد إلى القرية في الستّينات مدرّسا متعاونا ليقضي بقية حياته بين أهلها حتى غدا واحدا منهم... لم يفكّر يوما في مغادرتها وهي التي بادلته حبا بحب... هدوءها وطيبة أهلها وبساطة العيش فيها ودفء شمسها ونعومة رمالها ونقاء هواءها، كلّها عوامل جعلته يستطيب المقام فيها. حتّى استحالة زواجه من إحدى زميلاته بسبب اختلاف ديانتيهما لم تدفعه إلى مغادرة القرية. وها هو اليوم بعد التقاعد كاتب معروف ينشر قصصه في أشهر المجلاّت الأدبية. قصص هو مدين بها لهذه القرية التي لولاها ما كان ليجد القريحة والقدرة على التركيز ليكتب نصوصه. يكتب بالليل ويقرأ بالصباح. ينام متأخّرا ويصحو على أذان الفجر فيخرج ليتمشّى رفقة كلبه في غبش الفجر... يتبادل تحايا الصباح مع المصلّين المستحثّين الخطى نحو المسجد. ثمّ يعود لينغمس في القراءة إلى غاية وصول خالتي فاطمة لقضاء شؤون البيت...

يدوّن ما تشير به خالتي فاطمة من لوازم الطبخ والتنظيف على ورقة صغيرة يضعها داخل قفّة السعف التي يثبّتها في عنق كلبه. ثمّ يفتح له الباب كي يسير بهدوء في أنهج القرية حتّى يصل السوق، فيقف أمّام الجزّار الذّي يتناول الورقة ويقرأ حاجيات السيّد ميغال ثم يزن المطلوب ويضعه في القفة. ينتقل الكلب بعد ذلك إلى الخضّار الذي يفعل الشيء نفسه ثم الخبّاز فبائع الصحف وينتهي بحانوت المواد الغذائية ويؤوب إلى المنزل محمّلا بالحاجيات المرصوصة في قفّة السعف بنفس الهدوء. وسائر الخلق من أهل القرية يسبّحون منبهرين بتلك "الزايلة البكماء" يكادون يؤدّون لها التحية العسكرية من فرط الإعجاب والاحترام والرّهبة.
هكذا عاش السيّد ميغال زاهدا في الحياة، مستمدّا رضاه عن نفسه من تفانيه في خدمة البسطاء ومن السفر في الخيال قراءة وكتابة، حتّى جاء اليوم الذي سمع فيه ما سمع... لم يصدّق ما روته له خالتي فاطمة عمّا يتداوله الناس بشأنه...
فكّر أوّلا في الانتحار حرقا، ولكنّه عدل عن ذلك لما قد يلحقه ذلك من إساءة بمن فعلوها قبله. ظلّ أيّاما لا يخرج من البيت عازفا عن الأكل وغير قادر على النّوم، مقلّبا المسألة من جميع وجوهها إلى أن اهتدى إلى قرار المغادرة. لم يكن قراره مجرّد ردّ فعل متسرّع، أو بدافع الخوف على حياته. ولكن كان لابدّ له أن ينقذ أوراقه ومسودّاته بمغادرة القرية قبل أن يداهمه الجماعة في بيته فيحرقون كلّ شيء.
كان لا يزال منهمكا في فرز أوراقه لمّا نبّهه نباح كلبه إلى وجود أصوات خارج البيت، فعرف أنّهم اكتشفوا أمر هروبه وجاؤوا ليدركوه هناك. "آه، حتّى أنت يا خالتي فاطمة! خسارة ثقتي فيك". لم يحدّث بالأمر أحدا سواها. كان قد سلّمها صباح ذلك اليوم رسالة إلى أهل القرية يشرح فيها سبب مغادرته المفاجئة، ويوصي بتحويل مكتبته الخاصّة إلى مكتبة عمومية لشباب القرية. ردّد في سرّه بمرارة "لماذا يا خالتي فاطمة؟ لماذا؟"
فقد تركيزه ولم يعد قادرا على مواصلة الفرز. وصار يتخيّلهم وهو يدفعون الباب وينصبون له محكمة على ما نشره في الجريدة. "كيف وصلتهم الجريدة؟ ومن هذا الذي ترجم لهم الأقصوصة المنشورة بالإيطالية؟ أكيد أنّها من فعل أحد المهاجرين المتزوّجين بإيطاليات دون أن يمنعهم من ذلك اختلاف الديانات. أكيد أنّه شحنهم ضدّه، وقال لهم أنّه هتك عرض بناتهم... لن أتركهم يفعلون بي ما يريدون. الانتحار أفضل لي من أن أقف متّهما بين أيديهم، عاجزا عن إقناعهم بالفرق بين الأدب والواقع."
أطلّ من كوّة الغرفة العلويّة، فلمح جمعا من الناس يتفاوضون همسا. نزل الدرج الخشبي وهو ينطّ مرتجفا قاصدا المطبخ حيث الولاّعة. كانت الأصوات في الخارج قد علت وصحبها طرق على الباب... حاول أن ينهي بقية درجات السلّم بنطّة واحدة فإذا كعبه يلتوي فيتهاوى متدحرجا نحو الأسفل.
لمّا خلع الجماعة الباب ودخلوا وجدوه في حالة غيبوبة والكلب يلعق جبينه... انحنت خالتي فاطمة عليه تتفقّده، فوجدت خيطا من الدم يسيل من داخل أذنه. ولم يكن بإمكان المركز الصحّي المتواضع للقرية فعل شيء لإنقاذه من النزيف الدماغي.
هكذا رحل السيّد ميغال وهو لا يعلم أنّ أهل القرية جاؤوه يترجّونه أن لا يغادر القرية...كانوا قد حرّروا رسالة يشرحون له فيها موقفهم المستنكر لما قاله ذلك السلفي الأحمق الذي لا يمثّلهم ولا يلزمهم، ويؤكّدون له فيها تمسّكهم ببقاءه بينهم وافتخارهم بما يكتبه وينشره... لكنّ الظروف شاءت أن تتحوّل تلك الرسالة إلى خطبة تأبين للسيّد ميغال قرأها إمام القرية ومدير مدرستها في موكب الدّفن... 
يقع قبر السيّد أندري ميغال في حديقة بيته الذي تحوّل إلى مكتبة عمومية تحمل اسمه. وإلى جانبه، دفن كلبه الذي عاش بضعة أسابيع بعده تائها في أنهج القرية وسوقها وقفّة السعف تتدلّى من عنقه... في بهو المكتبة ثبّتت جدارية عملاقة دوّنت عليها القصّة التي نشرها السيد ميغال بالجريدة الإيطالية مترجمة إلى العربية.