samedi 29 septembre 2012

ابنة عمّتي التي اغتصبها البوليس

بعيدا عن تبرئة ذمّة الوحشين المغتصبين، يبدو لي أنّ المسئول الأكبر عن اغتصاب فتاة عين زغوان هو ثقافة مجتمعنا الذّكورية... هذه الثقافة التي تضع المرأة دائما في موقع المخطئة أو المتسبّبة في الخطأ. فالرّجل دائما ضحيّة لغوايتها. انظر كيف وقع الأعوان الأشاوس الساهرون على أمننا ضحيّة غواية هاته "المستهترة" التي جاهرت بما ينافي الحياء فحرّكت فيهم غريزة طبيعية. هذا ما قصده الناطق الرّسمي باسم وزارة الدّاخلية عندما تحدّث عن الوضع غير الأخلاقي الذي ضبطت فيه الفتاة ومرافقها... 
لذلك يرى جماعة "هل ترضاه لأختك؟"، هؤلاء الذين نصّبوا أنفسهم حماة للمجتمع ولنقاوة أخلاقه أنه من واجب المرأة أن تستر نفسها باستمرار وتخفض صوتها ما استطاعت وتقتصد في الكلام بتجنّب اللغو وتفعل ما في وسعها لتأمين مسافة أمان تجاه الرّجل. فهي غواية كلّها ولا تأتي من ورائها إلاّ المصائب والكوارث، وبالتّالي فهي ظالمة دوما. هذه الفكرة متغلغلة في روح المجتمع وثقافته كالورم الخبيث، حيث فرّخت وعشّشت في مواطن كثيرة متخفّية وظاهرة. لذلك لابدّ من محاربتها باستمرار بالتّأكيد على مبدأ المساواة بين المرأة والرّجل على جميع المستويات: في التعليم والشغل والأجر والحرّيات الفردية والزّواج والطلاق والسفر والملكية والتعاقد والميراث والشهادة وغيرها من المجالات... 
عندما نفصّل المسألة على هذا النّحو، ندرك كم نحن بعيدون عن مبدأ المساواة، وكم هذا المجتمع وثقافته ذكورية... انظر كيف أنّه كلّما حصلت خصومة أو مشادّة كلامية بين امرأة ورجل في المترو أو الشارع، إلاّ وينحاز جميع الحاضرين لصف الرّجل، بما في ذلك النساء ذاتهن. يلقون باللائمة على المرأة التي تدافع عن نفسها وتراهم ينعتوها بالوقحة التي لا تستحي من رفع صوتها ويزدرونها بعبارات مهينة... وإذا انتصر أحدهم للمرأة لأنّه يراها مظلومة، فهو فاقد للرّجولة وطحّان. لهذا تفهّم النّاطق الرّسمي باسم وزارة الدّاخلية ما أتاه زملاؤه الأشاوس الساهرون على أمننا وأعراضنا، باعتباره ردّة فعل جاءت لمعاقبة الفتاة "المستهترة" بأن لقّنوها درسا في "الفجور" وعاملوها كسبيّة يجوز التصرّف فيها بوصفها غنيمة حرب مسلوبة الإرادة... لهذا، يبدو لي من غير الكافي تتبّع الوحشين وثالثهم زميلهم مقترف البراكاج لمرافق الفتاة، بل لابدّ، فضلا عن ذلك، من وضع المجتمع ومؤسّساته أمام مسؤولياتهم في تفشّي هذه الثقافة الذكورية التي تنطوي على نظرة مدنّسة للمرأة تجعل منها مصدر كلّ الشّرور. لا تنسوا تلك المرأة التي أوقفت وهي تغادر مطعما أين تناولت العشاء ثمّ اقتيدت إلى مركز الأمن أين "أكلت" طريحة لمجرّد أنّ الأعوان اشتمّوا رائحة خمر تفوح منها. ورغم أنّها فضحتهم وشهّرت بهم إلاّ أنّه لا أحد اهتمّ بما حلّ بها من اضطهاد أو توقّف عند الأبعاد الخفيّة التي يؤشّر لها هذا السّلوك لدى البوليس، وفي مقدّمتها تهديد الحريات الفردية وبالأساس ما يتّصل بحياة المرأة وكرامتها في تونس. بل أكاد أجزم أنّ الرّأي العام الذي يغلب عليه وعي القطيع اعتبر ذلك تأديبا ضروريا لمن تتجرّأ أن تعيش كما تشاء، ولعلّه يرحّب ويستزيد من هذا التصرّف للجم جماح المرأة التي ركّبها علينا بورقيبة فأذلّ رجال تونس أمام الأمم وبالأخص في عيون العرب والمسلمين. 
هذا عمق ما يدور في الأذهان ويتداول في المجالس والمقاهي دون أن يصرّح به في وسائل الإعلام. لذلك أحيّي هذه الهبّة التي أبدتها العقول النيّرة في تصدّيها لما حصل وأدعو إلى التعاطي الشّامل مع الحادثة في أبعادها المباشرة والإجرائية وخصوصا أبعادها الرّمزية العميقة (الثقافية والاجتماعية). وذلك يعني:
1.   محاسبة الوحوش المفترسة وتأمين المجتمع ضدّها
2.   محاسبة النّاطق الرّسمي باسم وزارة الدّاخلية الذي برّر ما حصل، أو سعى إلى اختلاق ظروف تخفيف بالاستناد على ثقافة ذكورية تحطّ من شأن المرأة
3.   جبر الضّرر للضحية على تلفيق التهم ضدّها والنّيل من عرضها وشرفها
4.   تدقيق مدلول الفصل 226 من المجلّة الجزائية الذي يتحدّث عن "المجاهرة بما ينافي الحياء"، هذا السّيف المسلّط على رقاب النّاس والمهدّد لحرياتهم الشخصية. متى ينطبق هذا الفصل ومتى لا ينطبق. هل أقع تحت طائلته إذا رسمت قبلة على شفتي حبيبتي على وجه الملأ؟ هل السيارة فضاء عام أم خاص؟؟ وإذا اعتبرت فضاء عامّا، فهل يجوز اعتبار ما يِؤتيه ركّاب سيّارة مركونة في زاوية مظلمة من الطّريق في منتصف الليل مجاهرة أم بالعكس من ذلك احتراما للمجتمع ونواميسه بدليل انزوائهم بعيدا عن العيون؟
إنّ الحملة المساندة لفتاتنا المغتصبة التي يراد لها أن تلبس تهمة إثارة الأعوان وغوايتهم تتجاوز شخص الضحية لتأخذ أبعاد الدفاع عن الحريات الفردية، هذه التي صارت مهدّدة بجدّية. وحكّام تونس الحاليين لا يفعلون سوى الاستفادة من ثقافة المجتمع الذكورية للقضم من هامش الحرّيات التي هي شرط المواطنة والكرامة. وعلى ذكر المواطنة والكرامة التين لا يستقيم الحديث عنهما دون ضمان الحريات الفردية وحمايتهما، فقد عاد بي ما حصل إلى صور أحتفظت بها ذاكرة طفولتي لما لها من رمزية عالية في علاقة التونسي برجل الأمن. صور تختلف عمّا اعتدنا عليه من ربط لرجل الأمن بالقمع والظلم والرّشوة. لكن للأسف، كأنّي بهذه الصّور آتية من زمن آخر وتتحدّث عن أمن لم يوجد في تونس قط.   
كنت في طفولتي أرافق عمّتي في عودتها إلى منزل جدّتي كلّما زارتنا في بيتنا. ونحن نمشي في الطريق، كانت وهي ملفوفة في سفساريها تؤتي حركة غريبة تجعلني أثور عليها كردّة فعل فورية، ولكنّ حركتها تلك تدفعني إلى التفكير الذي لا يخلو من إعجاب بطرافتها وجرأتها وشجاعتها. كانت لا تتردّد في إطلاق زغرودة مزلزلة ولافتة لانتباه جميع من في الشارع كلّما اعترضنا عون أمن بالزّي الرّسمي أو مررنا أمام بناية رسمية يرفرف فوقها العلم الوطني... كان ذلك يربكني لأنّه يجعلنا محطّ أنظار المارّة، وكانت عمّتي في انفلاتتها تلك تبدو لي ك"زهرة المهبولة" التي دمّرتها العنوسة، فأبتعد عنها قليلا وأتظاهر بأنّني لست مرافقا لها. بل إنّ عون الأمن نفسه يرتبك ولا يدري ما يفعل. ولكنّ عمّتي كانت تقول لي من تحت غمبوز سفساريها "معك حق، لأنّك لم تعش لحظة مداهمة الجدارمية لمنزلنا بحثا عن الثوّار الجزائريين الذين استضفناهم البارحة. ذلك الزي الذي كانت مجرّد رؤيته تبوّلنا في سراويلنا، صار رمزا لحمايتنا بعدما صار يلبسه التونسي." ثمّ تعود إلى الزغردة من جديد، فتبدو لي في حماستها وهي تزغرد كجندي يؤدّي تحية العلم في انضباط تام.
هكذا كانت عمّتي ترى رجل الأمن وتريده أن يكون، فإذا به يغتصب ابنتها. وهكذا كانت عمّتي تتخمّر لمّا ترى العلم يرفرف عاليا، فإذا بالبعض يحوّله إلى خرقة لا قيمة لها.

lundi 10 septembre 2012

من النخبة الرياضية إلى الصفوة الاجتماعية

تونس بلد صغير شعبها يتجاوز بالكاد العشرة ملايين نسمة. وهذه نعمة كبرى، فلا تطاحن عرقي أو قومي أو طائفي ولا طموحات توسّعية ولا حروب ولا أي شيء من أسباب التوتّر والتمزّق الاجتماعي... يكاد التونسيون يعرفون بعضهم البعض فردا فردا، حتّى أنّه يكفي أن يدرس الواحد منّا بالجامعة ثلاث سنوات حتّى يكوّن شبكة من الصداقات والعلاقات تغطي الجهات الأربع للبلاد، فلا يدخل بعدها قرية أو مدينة إلاّ وله فيها صديق يبيت عنده. لنا زيتون ودقلة وبرتقال وفسفاط وبعض صناعات تحويلية وساحل ممتدّ. ونعرف عدد تلاميذنا وطلبتنا وموظفينا وجامعاتنا ومستشفياتنا وعساكرنا وشرطتنا... نعرف جيّدا أصحاب الثروات الشرعية ونميّزهم عن أصحاب الثروات الوسخة ونعرف المناضلين والقوّادين والأتقياء والمندسّين فيهم. لا نحتاج بحوثا معقّدة لرسم خارطة المجتمع القبلية والفلاحية والتربوية والصحية.. هذا من أصول فقيرة ولكنّه نجح في تحسين وضعه بفضل جهده وهذا من عائلة ميسورة كوّنت ثروتها من خدمة الباي وموالاة الاستعمار (جد الأسرة قايد أو خليفة) وهذا قوّاد أو مرتشي وهذا مهرّب (كناتري) وهذا فرشيشي وذاك مرزوقي وذاك بلدي وذاك تركي وذاك طرابلسي أو سوفي. ها هنا منجم وهناك بئر بترولية ومن هناك نقطة حدودية وهذه أرض حبس وتلك زاوية قرآنية وهناك ينام كنز روماني ومن هنا طريق الصحراء.. بين القرية والأخرى ساعة سير على ظهر دابّة فما بالك بعدما شقت الطرقات المعبّدة وتعمّمت السيارات وسكّة الحديد؟ ولأنّ تونس على هذا القدر من الوضوح والشفافية واللحمة الجغرافية، فإنّه لا يمكن لأحد فيها أن يتنصّل من أصله أو يمحو ماضيه. فحتّى من كوّنوا زوز فرنك من الهجرة أو من بيعان الشراب كلندو أو من البرموسبور أو من الكورة فإنّنا نعرفهم واحدا واحدا... وهذا ما يفسّر شعبيّة ذلك المثل الشعبي القائل "قاللّو يا بابا وقتاش نولّيوا شرفة؟ قالّلو حتّى يموتوا كبار الحومة". ولا نعني بهذا الكلام تثبيت الوضع القائم بما يؤبّد فقر الفقير وثراء الغني، وإنّما قصدنا فقط أنّ النقلة الاجتماعية لا تفسخ تاريخ الفرد. فلا يمكن لمن كان صعلوكا أن يتحوّل بين عشية وضحاها إلى جنتلمان ولا لمن كان ذئبا متوحّشا أن يلبس قناع حمل وديع دون أن يكتشف أمره أحد هذا إذا لم يفضح نفسه بنفسه، ولا لمن كان من العامّة أن يرتقي في رمشة عين إلى الخاصة.
خذ لك مثلا، فصيلة الكوّارجيّة. فالجميع في هذه البلاد يعرف من أيّة أصول اجتماعية ينحدر هؤلاء الذين حوّلتهم علاقتهم بالكرة إلى أعيان البلاد. بل إنّ الأصول المتواضعة لنجوم الكرة تكاد ترتقي إلى مستوى القاعدة العلمية.
أنا لا أتناول هذا الموضوع بدافع الحسد للكوارجية فأنا من أشدّ المعجبين بساحر الأجيال حمّادي العقربي وبزبير بية واسكندر السويح، وإنّما بدافع الحرص على العدالة الاجتماعية. إذ لا يجوز أن يمنح المجتمع والدولة البعض كلّ الامتيازات دون أن يردّوا لهما أبسط الجميل. فمجرّد توفّر فرصة ممارسة كرة القدم في ناد رياضي يوفّر بنية أساسية كاملة من ملاعب معشبة وتجهيزات وأزياء وأدواش ورعاية صحية ومدرّبين، يعتبر مجهودا وطنيا  فائقا يحق للمجتمع والدّولة أن يطالبا بمقابل له. فما بالك والأمر يتجاوز هذه الخدمات بسنوات ضوئية ليصل إلى الجراية ومنحة إمضاء العقد ومنح الفوز والرّعاية الصّحّيّة الفائقة والنظام الغذائي المثالي والمعسكرات والسفريات بالطائرة والإقامة في أفخم النزل وحوافز الدورات الدولية ومكافآت الفوز بالألقاب وعقود الاحتراف بالخارج ومداخيل الإشهار ومجد الشهرة والأبواب المشرعة على مصراعيها أينما قبّل اللاعب المدلّل وجهه. اللهم لا حسد، ربّي يزيدهم. ورغم أنّه لا يغيب عن ذهني ما يقدّمه رياضيو النخبة الوطنية من تعريف بالوطن ورفع رايته بين الأمم، إلاّ أنّني أجد مبالغة في تكريمهم إذا ما قارنّا ذلك مثلا مع ما يقدّمه فنّان أو أديب للوطن. هذا عدا عن أنّ التكريم والامتيازات ليست حكرا على رياضيي النخبة فقط بل تشمل حتّى من لم ينتم يوما إلى منتخب وطني. ودعونا نتساءل ماذا جنت البرازيل أو الأرجنتين أو غانا من شهرة منتخباتها؟ هل صارت أكثر ثراء؟ هل صارت أكثر عدالة اجتماعية أو أكثر حرّية ؟ فما الذي يقدّمه لاعب الكرة حتى ينعم بكلّ هذه الخيرات؟ صحيح أنّ الرياضة تجاوزت كونها تربية بدنية وخدمة تؤمنّها الدّولة لمواطنيها الذين يمارسونها من باب الهواية والترفيه، وتحوّلت إلى صناعة للفرجة، أي إلى منتوج يباع ويشترى. وزاد من أهمّيتها تسويق هذا المنتوج عبر التلفزيونات بما يعني فتح باب الإشهار أي الدّفق المالي الذي لا حدّ له. وهذا ما حوّل الرّياضة إلى سوق مضاربات واحتكارات ككل الأسواق الرّأسمالية زاد من تضخّمها آلة الرهان الرياضي (البرموسبور).
في تونس، ينحدر اللاعب عادة من أسرة متواضعة تقطن بحي شعبي مناخه صاخب وقاس لا يعترف بغير التحدّي. المنزل صغير والوالدان لا يحتملان ضجيج الأولاد في البيت فيغضّان الطرف عن بقاء أطفالهما وقتا طويلا خارجه. ولكنّ الشارع لا يقدّم للأطفال سوى بطحاء الحي. فلا وجود لفضاءات ترفيهية وتثقيفية كالمكتبة أو نادي الأطفال أو دار الشباب. وهكذا، فما من خيار أمام الأطفال إلاّ تأثيث وقتهم بلعب الكرة في بطحاء الحي.. صحيح أنّ البطاح قلّت اليوم خصوصا في المدن وصارت هناك مراكز تكوين للاعبين الشبّان صلب الجمعيات. وقد غدا طريق الالتحاق بها والصّمود داخلها مزروعا بالعراقيل والأشواك. فهناك الرّشوة والإقصاء والمحسوبية و"الحرقان" والتهميش والتخويف والجهويات والتحقير والتهجيج والاعتداءات والتحرّشات الجنسية... لذلك، لا ينجح في فرض نفسه داخل هذا المحيط الجهنّمي إلاّ القليل النّادر من أبناء الشعب. تبقى الطريق الأخرى وهي البروز في جمعية صغرى تنشط في الأقسام السفلى بما يلفت انتباه الفرق الكبرى ومن ثمّة الفوز بعرض وإمضاء أوّل عقد احترافي. على المنتدب الجديد بعدها أن ينجح في الاندماج مع رفاقه ويكسر العزلة، وإلاّ فهو الفشل من جديد يطلّ برأسه. في الأثناء هناك مغريات الشهرة والمعجبات وضغوط الانضباط والشائعات، وعلى ذلك اللاعب "الجيعان" الذي "طاح في دشيشة" أن يقاومها جميعا خصوصا أنّ غول الفشل ماثل هناك يتربّص باللاعب في انتظار الزلاّت. ولنا أن نتذكّر كم من فلتة كروية سقطت في امتحان مقاومة المغريات والانضباط. بعدما يفتكّ مكانا له بالتشكيلة الأساسية، يصبح اللعب في منافسة قارية أو في صفوف المنتخب الوطني هدفا لما يمثّله من فرصة للبروز ولفت انتباه الفرق الأوروبية أو الخليجية. فقد ولّى عهد "الأب الرّوحي للجمعية" الذي كان يحتضن اللاعب الموهوب ويجعل منه فتى مدلّلا يغدق عليه العطايا ويساعده على بعث مشروع يؤمّن الحياة بعد الاعتزال، خصوصا وأنّ فتح مقهي لم يعد يمثّل "آفارا" كبيرا بعدما ظلّ لزمن طويل امتيازا حصريا للكوّارجية. لست أدري لماذا تصيح الجماهير ضدّ بعض اللاعبين "فلان يا فطايري تَتْ تَرَتْ تَتًّا" أو "فلان يا مزاودي تَتْ تَرَتْ تَتًّا" ولا تصيح "فلان يا قهواجي، تَتْ تَرَتْ تَتًّا"؟؟ ما عليناش، تنتهي المسيرة الرياضية للاّعب التونسي سنتين أو ثلاثا بعد الثلاثين، وفي لمح البصر يتحوّل إلى رجل أعمال أو مسيّر رياضي بفريقه أو مدرّب أو محلّل رياضي بإحدى الفضائيات، رغم أنّ علامات الشباب والغضاضة مازالت بادية على محيّاه كما لو كان أميرا غضّا تسلّم العرش إثر وفاة الملك المفاجئة... وسواء في مجلسه بمقهاه أو في وسائل الإعلام أو في الاجتماعات الرياضية والجلسات العامة، نراه يجتهد في النهوص بدوره الجديد متصنّعا الحكمة ومدّعيا المعرفة. وممّا يساعده على أداء دوره الجديد انتفاخ بطنه بسرعة وحرصه على نطق مصطلحات ك"التنشيط الهجومي" و"الجمل الكروية" و"الهجمة المركّزة" التي تختلف جوهريا عن "الهجمة المرتدّة" وقلب الهجوم المتأخرّ 9.5" والغاية من ذلك هي التأكيد على أنّ الكرة علم. وترى صاحبنا يرمي بمصطلحاته خارج سياقاتها وفي جمل لا تحترم أبسط قواعد اللغة مطرّزا كلامه بما بمزيج من الفرنسية المهشّمة والخليجية المقزّزة.
هذه ليست حالة نادرة، وإنّما هي صورة كاريكاتورية لنموذج اللاّعب التونسي منذ أكثر من ثلاثين سنة، أي منذ ما بعد إنجاز منتخبنا الوطني في دورة كأس العالم لكرة القدم بالأرجنتين سنة 1978. تنطلق علاقته بالكرة وهو طفل من أبناء الشعب المفقّر محب للّعب وعاشق للحركة الفنّية والانتصار وينتهي رجل أعمال جشعا ومتنكرا لأصله الطبقي وحيّه الشعبي، يمتطي سيارة رباعية الدّفع حاجبا عينيه بنظارات سوداء فاخرة ومباهيا بضخامة بطنه التي تلقي بظلال الشك حول حقيقة انتمائه يوما ما للرياضة.      
إنّ الامتيازات التي صار يحصل عليها لاعب الكرة منذ ما بعد كأس العالم بالأرجنتين سنة 1978، كانت وراء ظهور فئة اجتماعية لها خصائصها المميّزة من وضع اجتماعي ومهني وقيم وسلوك ونشاط اقتصادي وسياسي أحيانا حتّى نكاد نتكلّم عن طبقة اجتماعية استنادا إلى قاموس الاقتصاد السياسي.
 ياخي واحد كيف سي فوزي البنزرتي ولاّ سي باتريك لوينغ شنوّة يقدّم للجمعية باش يخلّصوه 20 مليون في الشهر؟؟ وملاعبي كيف المساكني ولاّ شادي الهمّامي ولاّ زهير الذوّادي باش يخلص 10 ملايين في الشهر؟؟ شنوّة ها التضخم ؟؟ ألا تكفي جراية ب 1500 دينارا لمدرّب بالقسم الوطني، وهو بذلك منظّر بأستاذ جامعي؟؟ كيف سيجد خرّيجو المعاهد العليا شغلا كمدرّبين وهم يجدون في منافستهم قدماء اللاعبين بما يتفوّقون به من جاه وشبكة علاقات وشهرة؟؟ ياخي معقول بروفوسور في الطب يخلص زوز ملايين وملاعبي ما يعرفش يكتب اسمو يخلص قدّو خمسة مرّات ؟؟؟ شكون أنفع للبلاد؟؟؟ مفكّرين وعلماء وأدباء كيف سي هشام جعيط والصادق بلعيد والبروفوسور العنّابي والبروفوسور بن اسماعيل وحمّادي الرديسي والمنصف الوهايبي وجليلة بكّار والصغير أولاد أحمد ورضا الشمك وكمال الزغباني ولاّ الكابتنات فوزي البنزرتي ونبيل معلول وزبير بيّة وخالد حسني؟؟؟  ع القليلة لوكان جابوا للبلاد ميداليات أولمبية كيف أسامة الملّولي والقمودي وحبيبة الغريبي، رانا قلنا عرّفوا بالبلاد ورفعوا علمها في المحافل الدولية... أمّا هذوما آش جابوا للشعب التونسي اللي خيرهم من لحم أكتافو؟؟؟ ريت علاش العلم والمعرفة ماعادش عندهم قيمة واعتبار عند الفروخ الصغار؟؟ معاهم حق وهوما يشوفوا في أستاذهم مهنتل وكاري وذهنو شارد ويتذلّلهم باش يقراوا عندو الأوتيد، ومن الشيرة الأخرى يراوا "حنش الخرى" ولد حومتهم طالع فلاش في الجمعية وولّى اسمو "ميسّي"...
اللاّفت أنّ الفئتين تشتركان في كون عناصرهما تنتمي إلى النخبة. والنخبة تعني تلك القلّة القليلة من الأشخاص داخل المجتمع التي تتفوّق على السواد الأعظم من أفراد المجتمع (ما يسمّون بالعامّة في مقابل النخبة) بالذكاء أو بالمال أو بالموهبة الفنّية أو بالجسارة والشجاعة والقدرة على المخاطرة أو حتّى بالقوّة والحسب والنّسب. وهو ما يعطيها قدرة على التّأثير والتحكّم في البقية. بقي أنّ لكلّ مجتمع نخبه ومقاييسه في إبراز البعض منها وتهميش بعضها الآخر على ضوء ما يعتمده من مقاييس يولي الصّدارة لنوع مخصوص من النخب. فإذا كانت النخبة في المجتمعات المتطوّرة صارت تعني الأنتليجنسيا (أي فئة المثقفين والفنّانين والمفكّرين والباحثين والكتّاب) فإنّها تعني في المجتمعات القبلية الأشراف والأعيان والشيوخ، وهي في جمهوريات الموز تعني قادة العصابات المافياوية وباعة المخدّرات والصعاليك. وفي المجتمع الرّأسمالي الاستهلاكي فهي تعني نجوم الرياضة والسينما والغناء الذين يعتمد عليهم المستثمرون في الإشهار لتوسيع قاعدتهم الاستهلاكية وترويج سلعهم. ولكنّ أيّا كان تعريفنا التطبيقي للنخبة فإنّ أصنافها جميعا تشترك في كون عناصر النخبة هم قادة رأي يصنعون الرّأي العام ويوجّهونه ويؤثّرون فيه. ومن ثمّة مراهنة السّلطة عليهم وسعيها الدّائم لاستمالتهم لممارسة الحكم من خلالهم واهتمام وسائل الإعلام بهم.
في المجتمعات المتطوّرة يترتّب عن انتقال الفرد الموهوب من وضع النكرة إلى وضع النّجم استحقاقات لا يتردّد النجم في النهوض بأعبائها وتشريفها. انظر كيف تحوّل بيلي وزين الدين زيدان وميشال بلاتيني وجمال دبّوز وغيرهم كثير فتثقّفوا وكوّنوا أنفسهم في اللغات والسياسة والاقتصاد والفن وانتدبوا مديري أعمال لترشيد خطواتهم وتوجيههم حتّى اختيروا سفراء لدى الأمم المتّحدة واليونسكو واليونسيف والصّليب الأحمر. لقد وعوا خطورة دورهم فأسّسوا الجمعيات الخيرية ورعوا الفئات الهشّة وأطلقوا المبادرات الاجتماعية في أوطانهم وفي العالم قاطبة وسافروا إلى المناطق المحرومة وساهموا في نشر القيم النبيلة وفي إرساء السلم ومقاومة الأمراض والحروب والمظالم الاجتماعية.
فماذا فعل رياضيونا ومدرّبونا لصالح الثورة وهم الذين استفادوا من نظام بن علي الذي كان يغدق عليهم المنح والجرايات؟؟ هل تبرّعوا بمال ما لجمعية ما؟ هل أسّسوا جمعيات جديدة؟؟ هل قاموا بمبادرات لنشر الروح الرياضية ولتعميم البنية التحتية الرياضية؟؟ ويني فلوسكم ياللي تقولوا أنّكم تموتوا على تونس وأنّ لحمكم ياقف شوك شوك عند تحية العلم على أنغام النشيد الوطني؟؟ هيا عاد، تي ما هو مجهود وطني والتونسي للتونسي رحمة، حكّوا جناباتكم واجبدوا الفلوس الرّاقدة في الحسابات البنكية وابعثوا المشاريع المشغّلة للشباب اللي عندو شهايد أنتوما ما عندكمش.. فيني فلوس المنح والعقود والقهاوي والعقارات والسواني؟؟ 
ولنا عودة إلى موضوع تجنيس اللاعبين التونسيين والتحاقهم بمنتخبات أخرى وإلى موضوع حرقان لاعبي منتخبات الشبّان كلّما تحوّلوا إلى بلد أوروبي.

jeudi 6 septembre 2012

التعدّدية النقابية: إصابة بنيران صديقة وهديّة غير مقصودة للخصم

غالبا ما تبرّر التعدّدية النقابية بالاستناد على أنّه من المبادئ الأساسية للدّيمقراطية قبول التعدّد والاختلاف. وهذا ما يصحّ نعته بكلمة الحق التي يراد بها باطل. فالعمل النقابي ينبني على معادلة تضع وجها لوجه طرفين: ممثّل العمّال من جهة وممثّل المشغلين (الدولة أو العرف) من جهة ثانية. فهل يقبل الطّرف الثاني أن يكون متعدّدا؟ طبعا لا. فالدولة واحدة والعرف واحد وإلاّ فهو التفتّت وضياع السلطة والثروة. بلغة أخرى تشجّع الدولة والعرف على التعدّدية النقابية تحت ستار الديمقراطية لإضعاف خصمها. وهذا منطقي إلى حد ما، إذ لا تنتظر من خصمك أن يقوّيك ضدّه. لكن ما هو غير منطقي، هو أن يأتي الحرص على التعدّدية النقابية من الطرف العمّالي ذاته، ودائما تحت نفس ستار الديمقراطية إذ لا وجود لغيره. ولشرعنة هكذا موقف، يتمّ الخلط بين النشاط التقابي والنشاط الحزبي المبني بطبيعته على التعدّد. هذا ما نسمّيه بالنيران الصّديقة.
إنّ التوظيف السياسي للعمل النقابيl'instrumentalisation  مبدأ عزيز على اللينينيين الذين لا يرون في غيره إلاّ نقابات صفراء تطيل عمر الاستغلال. ويجاريهم في ذلك طبعا كلّ من يمارس العمل النقابي بغاية الاستقطاب السياسي بل والإيديولوجي. ولا نستثني من ذلك حساسية إيديولوجية أو حزبية بما في ذلك الإسلاميون حديثو العهد بالعمل النقابي. هكذا تتحوّل النقابة إلى حلبة للتجاذب السياسي والمزايدة الإيديولوجية فتضيع مصالح العمّال. لا يرى هؤلاء في النقابة إلاّ عربة من جملة العربات التي تؤلّف قطار الثورة شأنها في ذلك كالمنظمات الأخرى ومنها الكشافة والجمعيات الثقافية والبيئية والخيرية... أمّا القاطرة التي تجرّ هذا الرّتل فهي الحزب الذي يضمّ صفوة الثوريين المنضبطين والمتكوّنين، أي ما يسمّى بالطّليعة الثورية أو أولي الأمر. لا فرق هنا بين الإسلاميين واليسراويين إلاّ في التسميات أمّا المقاربة فواحدة.

يولّد الصراع أو التدافع للسيطرة على النقابة احتقانا وأزمة ثقة يؤدّيان بالضرورة إلى الانسلاخات والانسحابات وتأسيس النقابات الموازية فيفرك الخصم كفيه فرحا ولا يرفض الهديّة غير المقصودة.
لكنّ الدّعوة إلى ترك الاتّحاد بمنأى عن التوظيف الحزبي والإيديولوجي لا تعني تحويله إلى وسيط اجتماعي médiateur social محايد لا علاقة له بالشأن الوطني والقضايا السياسية الكبرى. حيث يذكّر الكثيرون من أبناء الاتحاد، وهم محقّون في ذلك، بخصوصية الاتحاد العام التونسي للشغل، التي تجد جذورها في تاريخ هذه المنظّمة. فقد ولد الاتّحاد في أتّون النضال الوطني ولعب دورا بارزا في استقلال البلاد حيث كان مؤسّسوه في نفس الوقت من أبرز قادة الحركة الوطنية. وقد واصل الاتحاد النهوض بهذا الدّور بعد الاستقلال، فكان شريكا فاعلا في بناء الدّولة الوطنية الفتية، كما لم يتخلّف عن أي محطّة من محطّات تاريخ بلادنا وشعبنا، مع ما اقتضاه قانون التطوّر الجدلي من خوض لمعارك خارجية وداخلية كمعارك الاستقلالية في 26 جانفي 1978، والكرامة في 3 جانفي 1984، والديمقراطية (نضال داخلي أبرز علاماته معركة الفصل العاشر) والعدالة الاجتماعية في الحوض المنجمي 2008 والحرّية في الفترة ما بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011. وإذا كان مناخ القمع والاستبداد الذي خنق البلاد طيلة ستّين سنة قد وفّر مسوّغات للحركات السياسية كي تستظل بظل الاتحاد، فإنّ استحقاقات 14 جانفي تملي على الجميع الخروج من عش الاتحاد وممارسة السياسة في الأطر الحزبية. ففضلا عن كون هذا يحمي العمل الحزبي والتعدّدية السياسية ويكرّس مكتسبات 14 جانفي على الأرض ويوسّع هامش الحريات، فإنّه يحمي كذلك الاتّحاد ويخفّف عنه العبء الذي ما تملّص منه يوما، كما يفوّت الفرصة على الانتهازيين والبيروقراطيين الذين يتحرّكون كالخفافيش بين خيوط عنكبوت الصراعات الحزبية التي طبعت تاريخ الاتحاد في الثلاثين سنة الماضية. وهاهم اليوم بعدما سقطت عنهم ورقة التوت يسعون إلى حياكة ورقة توت بلاستيكية (غير طبيعية) اسمها التعدّدية النقابية.
إنّ القياس على التعدّدية الحزبية لتبرير التعدّدية النقابية لا يستقيم وهو محض مغالطة.   فالأمر ينطوي على تناقض أنطولوجي، إذ كيف يعقل أن يكون اسمنا اتّحادا أو جامعة وندافع في نفس الوقت على نقيض الوحدة أي التعدّد. أمّا القياس الذي يوضّح الصّورة فهو مع التمثيل البرلماني. ذلك أنّ النقابة برلمان العمّال، وبالتّالي لابدّ من أن تكون واحدة موحّدة. وهذا لا يعني نفي تعدّد الآراء، ولكنّ ذلك التعدّد يمارس تحت سقف البيت النقابي ولا خارجه. فكما لا نقبل أن ينشق من لا يقبل رأيه داخل برلمان الشعب ويؤسّس برلمانا موازيا، فنحن لا نقبل أن ينشق النقابي ويؤسس نقابة موازية. وإلاّ فسيكون معنى الديمقراطية التخريب وليس البناء. لا بديل عن الوحدة النقابية. عاش الاتحاد العام التونسي للشغل ممثّلا شرعيا واحدا موحّدا مستقلا ومناضلا وديمقراطيا للشغيلة التونسية.