vendredi 23 décembre 2011

المعلومات في ظروف الثورة: الذّاكرة والإبداع والقيم


عرض ونقاش جلال الرويسي، أستاذ مساعد بالمعهد العالي للتوثيق
تحت هذا العنوان، نظّم المعهد العالي للتوثيق يوما دراسيا بتاريخ 30 نوفمبر 2011 دعا إلى تأثيثه مجموعة من أساتذة المعهد والجامعيين التونسيين عموما. وقد تمحورت اهتمامات المتدخّلين حول دور المعلومات والإعلام في تطوّر مجريات الأحداث أثناء فترات الحراك الثوري. وهذا يعني التساؤل عن مدى تأثر مجريات الثورة بما يُتداول من معلومات وبنوعيتها، وكذلك بالأدوات والوسائط المستعملة في تداولها ونشرها. هذا، دون إغفال تأثير تعدّد المتدخّلين الذين يتوزّعون بين المهنيين كالصحفي والموثق والأرشيفي والناشطين السياسيين ورجال القانون والإداريين وكذلك المواطنين بل وحتى المتدخّلين الأجانب أفرادا وجمعيات ومؤسسات وأنظمة.ويثير كل هذا إشكاليات معقّدة ومتداخلة تتوزّع بين القانوني والسياسي والمهني.
1. الإشكاليات القانونية
وهي على صلة بجرائم بثّ الأخبار الزائفة والثلب والتلاعب والتجسّس وإفشاء المعطيات الشخصية المحميّة والقرصنة، الخ. وتطرح هذه الإشكاليات القانونية في إطار سؤال عام حول ما إذا كانت مجريات الثورة تعلّق العمل بالقوانين السارية أم تبقي عليها في انتظار الانتصار النهائي للثورة وإقامة نظامها الخاص. ذلك أنّ الأهمّ من التأكيد على كون الثورة ترتبط في مفهومها بالقطع الكلّي مع المنظومة السابقة، هو أن نعرف متى يتمّ هذا القطع وكيف.
فهل يتم حال اندلاع الثورة ممّا يطرح مشكل حماية الناس وأعراضهم وحقوقهم المحفوظة في الوثائق والمعلومات في انتظار استتباب الأمر للنظام الجديد؟ أم أنّ الثورة أثناء تقدّمها على طريق الإطاحة بالنظام القائم تبطل فقط نصوص القانون العام المتعلّقة بالدولة ومؤسساتها وبعلاقة هذه الأخيرة بالمواطنين، بما يسمح بتكريس العصيان المدني كالإضراب العام وممارسة العنف الثوري ضدّ النظام القائم، دون أن تبطل مواد القانون الخاص المتعلقة بعلاقات الأفراد فيما بينهم وبحماية عقودهم والتزامات بعضهم تجاه بعض؟ أمّا بالنّسبة للفراغ الدستوري والمؤسّساتي الذي قد ينشأ عن تعطّل العمل بالقانون، فللثّورة آلياتها الخاصّة لتغطيته حيث تبلور أثناء حراكها أخلاقيات تنبثق من رحم مطالبها وشعاراتها لتحلّ محلّ القوانين المعطّلة مستندة في ذلك على الشّرعية الثورية أو على الشرعية التوافقية (انظر في الحالة التونسية مثال مجلس حماية الثورة الذي تمّ تطويره إلى هيئة عليا لتحقيق أهداف الثورة وتأمين الانتقال الديمقراطي والإصلاح السياسي والتي أفرزت فيما بعد الهيئة العليا المستقلة للانتخابات والهيئة العليا لإصلاح الإعلام).
قدّم الأستاذ الناصر الكافي مداخلة حول موقع التوثيق والمعلومات في مسار العدالة الانتقالية، وذلك في سياق متّصل بتأمين الانتقال من الوضع السابق للثورة إلى ما بعده. وقد أسّس الأستاذ الكافي مداخلته على تعريف العدالة الانتقالية الذي قدّمه كوفي عنان في 2004، لمّا كان أمينا عاما لمنظمة الأمم المتحدة، حيث عرّفها بوصفها "مجموعة العمليات والآليات المرتبطة بالمبادرات التي يقوم بها المجتمع لفهم تركته من التجاوزات بغية كفالة المساءلة وإقامة العدالة وتحقيق المصالحة." وبالتالي فهي منظومة مركّبة من الأجهزة والآليات (هيئات ولجان وجمعيات) والنصوص القانونية والإجراءات والقرارات وهي كذلك تمشّ منهجي وثقافة وقيم. وتتّخذ مجمل هذه العناصر مرجعية لها القانون الدّولي ومواثيق حقوق الإنسان.
ومن المهم التّنبيه إلى أنّ آليات العدالة الانتقالية لا تنحصر في الجهاز القضائي. ويمكن تلخيص هذه الآليات في لجنة التحقيق وجمع الحقائق ولجنة جبر الأضرار ولجنة الاستماع العمومي ولجنة التوصيات وكذلك نظام التوثيق والمعلومات. أمّا إجراءات العدالة الانتقالية فتشمل خمسة مجالات هي تقصّي الحقائق حول التجاوزات وجبر الأضرار والمساءلة (بما في ذلك المساءلة القضائية) واقتراح حزمة من الإجراءات والإصلاحات لضمان عدم تكرّر التجاوزات والمصالحة (وتشمل مصالحة الشعب مع مؤسسات الدولة والضحايا مع المجتمع). كما يجب التأكيد على أنّه لا مجال لعدالة انتقالية دون اتخاذ جملة من الإجراءات بهدف تهدئة الأوضاع وزرع الطمأنينة والثقة. وهذا معناه أن لا تنطلق العدالة الانتقالية قبل مرور فترة زمنية تسمح باتخاذ مسافة من الأحداث تضمن الموضوعية في التعامل مع المعطيات بعيدا عن منطق التشفي والثأر. أمّا عن أبواب جبر الأضرار فتشمل التعويض المادّي للضحايا أو لذويهم وإعادة الاعتبار للضحايا برفع المظالم المسلّطة عليهم وإعادة إدماجهم في وظائفهم وتمكينهم من استرجاع حقوقهم المسلوبة مادّية كانت أم معنوية واعتراف الدّولة بمسؤوليتها عمّا حصل من تجاوزات لا فقط تجاه الضحايا وإنّما تجاه المجتمع بأسره، وهذا يعني إطلاق جملة من المبادرات واتخاذ قرارات ذات قيمة رمزية كتسمية أنهج وساحات باسم الشهداء ومراجعة قائمة الأعياد الوطنية وتنظيم الندوات العلمية ومراجعة المدوّنة القانونية والبرامج التعليمية الرّسمية الخ.
وفي كلّ هذا تحتلّ المعلومات ومهنيوها مكانة رئيسية. إذ لا سبيل إلى تقصّي الحقائق وإقامة الأدلّة وجبر الأضرار والمساءلة القضائية دون الاستعانة باختصاصي المعلومات والرّجوع إلى ما يوفّره من مادّة موثوقة.
وتطرّق النقاش إلى ما يمكن أن تتعرّض له هذه الهياكل من صعوبات أثناء أداء عملها، ومنها ما هو منهجي (فمن هو الضحية ومن هو الجلاّد؟ وهل الشرطي المصاب أثناء المواجهات ضحية؟ وكيف يعقل أن نطالب باعتبار من مات أثناء عملية نهب لفضاء تجاري شهيدا؟ وهل السجين الذي مات مختنقا في حريق أثناء احتجاجات مساجين الحق العام شهيد؟ الخ). ومنها ما له صلة بالتلاعب بالوثائق (كيف التثبّت من الشهادات المسلّمة للجرحى؟ كيف السبيل إلى إثبات حقائق تمّ حرق مؤيّداتها الوثائقية والأرشيفية؟).
2. الإشكاليات السياسية
من يمسك بخيوط المشهد الإعلامي ومن يتحكّم في سيولة تدفّق المعلومات ومساراتها؟ وما هي أهداف مختلف المتدخلين في العملية؟ وعلى أيّة شرعية يستندون؟ أعلى الشرعية القانونية أم على الشرعية الثورية أم على ما يسمّى بالإرادة الشعبية ("الشعب يريد")؟ وهل من السهل تبيّن الحدود بين الناشطين الوطنيين والمتدخّلين الأجانب؟ وبمعنى آخر، هل تدار كلّ المسائل الإعلامية والمعلوماتية المتّصلة بالثورات من الدّاخل وحده في إطار السيادة والاستقلالية؟ وأي دور للسفارات الأجنبية وأجهزة استعلاماتها في هذا المجال؟
ولأنّ الحكم على الفعل الثوري يتحدّد دائما بشكل بعدي أي بعد انتهاء مجريات الثورة، فإنّ الجهة التي تصدر الحكم هي دائما الجهة المنتصرة. وهذا معناه أنه، في حالة انهزام الثورة، سيتمّ تقديم جواب قانوني على سؤال سياسي (الثورة)، بينما سيتمّ تقديم جواب سياسي على سؤال قانوني في حالة انتصار الثورة. ذلك أنّه في حال فشلت الثورة، سيعتبر ما أتاه الثائرون جريمة واعتداء على مكاسب الشعب وتآمرا على نظامه ويكون جزاء الثائرين العقاب بالسجن والقتل بوصفهم مجرمين في نظر القانون. وفي حال انتصرت الثورة سيصنّف نفس ذلك الفعل فعلا نضاليا وبطوليا يستحق من قاموا به التمجيد والإكبار وتخليد ذكر من مات منهم بوصفه شهيدا.
اقترح الأستاذ محمّد ضيف الله تحليلا للمواقع السياسية التونسية على الأنترنات بين خريف 2008 وخريف 2011، أي في فترة الغليان الثوري الواقعة بين تفجّر انتفاضة الحوض المنجمي وفرار بن علي. وبيّن المحاضر أنّ الأنترنات شكّل متنفّسا للحركات السياسية المعارضة لنظام بن علي وغير المرخّص لها. حيث كانت المواقع الافتراضية لهذه الأحزاب السرّية بمثابة الجريدة الناطقة بلسانها وكذلك بمثابة المقرّ الإداري والفضاء الذي يأوي أنشطتها.
وعن الموضوعية التاريخية، بيّن الأستاذ ضيف الله أنّ من الأفكار الدّارجة بخصوص الكتابة التاريخية الموضوعية ضرورة أخذ مسافة زمنية من الوقائع وانتظار أن تبرد الأحداث ليصفو المشهد وتتضح الرؤية. لكن، طالما أنّ التاريخ كتابة متجدّدة باستمرار على ضوء ما يتوفّر من وثائق وأدوات لكتابته، فلا شيء يمنع حسب الأستاذ ضيف الله من كتابة تاريخ الزمن الرّاهن. إنّ تاريخ الأحداث الجارية مقاربة ممكنة لكتابة التاريخ بشكل يبقى مفتوحا للمراجعة كلّما توفّرت معطيات جديدة. وإذا كان من الجائز إلى حدّ ما القول أنّ التاريخ تكتبه الجهة المنتصرة، فلا يجب في المقابل أن ننسى أنّ تلك الكتابة الرّسمية ستعرف، لا محالة، مراجعات، على غرار ما عرفه تاريخ الحركة اليوسفية التي كم حرص بورقيبة على كتابة تاريخها بالشكل الذي يلائم وجهة نظره، لكنّ الوثائق المحفوظة والأرشيف سمح بمراجعة النسخة البورقيبية الرسمية لتاريخ الحركة اليوسفية بعد رحيل بورقيبة.
هكذا نتبين ما يمثّله عمل الموثّق والأرشيفي من ضمانة لمراجعة التاريخ وإعادة كتابته لاحقا من خلال حمايته للأرصدة وجمع ما يكتب عن الثورة ومجرياتها والمحافظة عليها لوضعها على ذمّة الباحثين والمؤرّخين. فلئن كان التاريخ يكتب دائما في صيغته الأولى من قبل الجهة المنتصرة بما يعنيه ذلك من خطر التحريف والتوجيه، فإنّ الموثّق والأرشيفي هو الضامن لإعادة كتابته وتصحيحه لمّا تبرد الأحداث.
وعن أداء الإعلام إبّان الثورة، اقترح الأستاذ سالم الأبيض قراءة للمشهد الإعلامي من زاوية التجاذبات القائمة في إطار ثنائية المخزن والسيبة. واستهلّ مداخلته بتعريف المخزن والسيبة. فالمخزن هو مجال تدخّل الدّولة حيث تبسط سلطانها ونفوذها، بينما السيبة هي مجال التمرّد والخروج عن سلطة الدّولة. فمن جهة قطب المخزن، بيّن الأستاذ الأبيض أنّ الدّولة كانت تحكم قبضتها على مختلف حلقات السلسلة الإعلامية منذ التكوين العلمي والمهني إلى النشر والتوزيع مرورا بإنشاء المؤسّسة الإعلامية والإشهار، وذلك مباشرة من قصر قرطاج عبر السيد عبد الوهاب عبد الله صاحب اليد الطولى والصلاحيات المطلقة في الإشراف على المشهد الإعلامي. كما كانت الدّولة تمارس مخزنيتها على الإعلام من خلال مجبى الستاغ الذي يعتبر ضريبة مخزنية بامتياز لفائدة الإذاعة والتلفزة التونسيتين دون سواهما ويخضع لهما جميع التونسيين بصرف النظر عمّا إذا كانوا يملكون أم لا أجهزة إذاعة وتلفزيون ويستهلكون المادّة الإعلامية أم لا لتلك القنوات الرسمية المستفيدة من هذا المجبى. أمّا إعلام السيبة، فهو حسب المحاضر، إعلام الشبكات الاجتماعية والأنترنيت كمقابل ضدّي لإعلام المخزن. فهو إعلام غير رسمي متمرّد على النظام وقوانينه وغير مستفيد من دعمه بل واقع تحت سياط ملاحقته وعسفه ورقابته. واعتمادا على هذه المقاربة، صنّف الأستاذ سالم الأبيض فضلا عن أجهزة الإعلام الرّسمية بعض وسائل الإعلام المستقلّة ظاهريا في خندق إعلام المخزن، نظرا لأنّها كانت تستفيد من نعم المخزن التي كان يوزّعها بقدر الولاء والطاعة الذين تبديهما هذه الوسائل. وذكر ضمن هذه القائمة إذاعات موزاييك وجوهرة أف أم وإكسبريس أف أم وشمس أف أم وكذلك العديد من الصحف. ثمّ أضاف إلى هذه القائمة وسيلتين خصّهما بتحليل مستفيض هما قناة نسمة التي اعتبرها صوت الفرنكفونيين العلمانيين وتوأمها في الإعلام المكتوب المتمثّل في جريدة المغرب، مؤكّدا على أنّ هاتين الوسيلتين كانتا منابر إعلامية مفتوحة لمن سينهزمون في انتخابات 23 أكتوبر التي فاز فيها الإسلاميون بأعلى نسبة من الأصوات. وتستدعي مداخلة الأستاذ سالم الأبيض عدّة ملاحظات منها ما يتّصل بالخيار المنهجي الذي بنى عليه مداخلته، ومنها ما هو تطبيقي.
فبخصوص المنهج، لنا أن نتساءل إلى أي مدى يجوز تطبيق ثنائية المخزن والسيبة المستعارة من ميدان الجباية في عصر غابر (القرن التاسع عشر) بما له من مميّزات اجتماعية (انتشار الأمّية والفقر، غلبة الرّيف على المدينة، الخ) وسياسية (الدّولة تبسط نفوذها على رعاياها بواسطة أعوانها المحليين في إطار تجاذبات العروش والقبائل وشراء ولاءاتهم) وتكنولوجية (لم يكن هناك وسائل اتصال جماهيرية متطورة كالصحف والإذاعة وتلفزة والهاتف والأنترنات) على ميدان الإعلام في عصر عولمة الاتصالات؟ فالحقيقة أنّ ثنائية المخزن والسيبة صالحة لتحليل الجباية في مجتمع منغلق على ذاته في إطار ممارسة الدولة للسيادة الوطنية على التراب والعباد. ولكنّها لا تبدو لنا ملائمة لتحليل المشهد الإعلامي في زمن العولمة التي طالت أوّل ما طالت الإعلام. فهل أنّ الأنترنيت والفايسبوك تونسي صرف حتى نعتبره سيبة؟ أليس فيه ناشطون غير تونسيين أو تونسيون يعيشون بالخارج؟ لنتذكّر ما فعله غوغل عندما قطع نظام مبارك الأنترنيت في مصر، حيث وفّر للمصريين شفرة الدّخول إلى الشبكة. ولكنّه لم يفعل نفس الشيء عندما قطع نظام بشّار الأسد الأنترنيت في سوريا. فهل نعتبر غوغل سيبة في الحالة المصرية ومخزنيا في الحالة السورية؟ وهل أنّ قناة حنّبعل التونسية كانت أكثر حضورا وتأثيرا في مجريات ثورة بلادها من قناة الجزيرة غير التونسية؟
أمّا على المستوى التطبيقي، فكيف يفسّر الأستاذ الأبيض عدم تناوله لقناة حنّبعل بالتّصنيف على غرار ما فعله لقناة نسمة التي اعتبرها مخزنية؟ فأين يصنّفها لو طلبنا منه ذلك: مخزنا أم سيبة؟؟ وكيف غفل عن ذكر قناة الحوار التونسي ذات الدّور البارز في تغطية انتفاضة الحوض المنجمي ؟ ولماذا لم يتعرّض لقناة المستقلّة التي تبث من لندن؟ ولماذا لم يشر إلى صحيفة الموقف؟ بل وحتّى إلى بعض الصحف السرّية كالبديل الثوري مثلا؟
تبيّن مجمل هذه التساؤلات في تقديرنا محدودية قراءة المشهد الإعلامي من زاوية ثنائية المخزن والسيبة منهجا وتطبيقا.
3. الإشكاليات المهنية
على مستوى أوّل، تثير الإشكاليات المهنية مسألة أخلاقيات مهن المعلومات. حيث يطرح السؤال إن كانت كلّ معلومة قابلة للنشر والتداول؟ أو هل هناك ما يبرّر الحجب؟ ومن يقرّر الحجب؟ ومتى يجوز الحديث عن تجاوزات؟ وفي مستوى ثان، تتعلّق هذه الإشكاليات بدور تكنولوجيا المعلومات والاتصال وعلى وجه الخصوص شبكات التواصل الاجتماعي كتويتر والفايسبوك في الثورة وحراكها. وبعيدا عن التأكيدات الانطباعية والتعميمات المتسرّعة، حريّ بالباحث أن يدرس ويحلّل دور الفايسبوك وتويتر واليوتوب في مجريات الأحداث؟ فهل كانت هذه الشبكات الاجتماعية دائما في خدمة الثورة؟ وهل كان لها نفس الدّور قبل اندلاع الثورة وأثناءها وبعد إسقاط النظام والتحوّل إلى مرحلة بناء النظام الجديد؟
ففي حين ترى الأستاذة نجوى جراد أنّ تكنولوجيا المعلومات والاتصال متاحة بنفس القدر لأنصار الثورة كما لأعدائها، وأنّ استخدام الشبكات الاجتماعية يمكن أن يقدّم دعما لأولئك الذين يناورون من أجل إجهاض الثورة، تعتبر الأستاذة سعاد الشوك الفايسبوك مكّن التونسيين من الالتقاء في الشارع باعتبار قدرته على تحدّي الرقابة والمنع حيث كان الوسيلة لتحديد مواعيد المظاهرات وشعاراتها وأماكنها ومساراتها ثمّ تغييرها بالسرعة والنجاعة المطلوبتين. هذا فضلا عن كونه كان شارعا افتراضيا يحتضن المظاهرات والاجتماعات الافتراضية. وفي هذا السياق، أكّدت الأستاذة شوك أنّ نشاط المعارضين الافتراضيين التونسيين الذي انطلق منذ 1998، كان شبيها بنشاط برجوازية الصالونات التي نشطت في أوروبا في القرن 18 عندما لم يكن هناك أنترنات ولا حواسيب. ومن مميزات نشاط المعارضين الافتراضيين التونسيين أنّه:
· كان نشاطا نخبويا
· إقامة الناشطين بالخارج
· عدم الولاء لأي جهة حزبية أو سياسية
· غلبة الطابع التهكّمي والساخر على الخطاب السياسي التحليلي أو التحريضي
أمّا الأستاذ شاكر الغرياني، فقد اختار التطرّق إلى قضية الحوكمة التوثيقية وعلاقتها بالإدارة الشفّافة ليحلّل من خلالها دور الأرشيف وووظائفه في المجتمع الديمقراطي. فقبل الثورة، كان الأرشيفي يصرخ "أنا لست خازنا بل متصرّف" فيأتيه الجواب "إذن، تصرّف أو انصرف". أمّا أثناء الثورة، فقد عرف الأرشيف تدميرا منظما وممنهجا أمام صمت مريب من المجتمع المدني والأجهزة الرّسمية للإدارة. واليوم، بعدما هدأت الأحداث نسبيا، لابدّ من مراجعة الأسس التي تقوم عليها المنظومة الوطنية للوثائق والأرشيف بطريقة تجعل منها إحدى الآليات الممكنة للحوكمة ولإدارة تتّسم بالشفافية في دولة ديمقراطية. ويظلّ السّؤال الأهم في نظر الأستاذ الغرياني هو كيف سمحت المنظومة الوطنية للتصرّف في الوثائق والأرشيف التي كان الجميع يشهد لها بالجودة والنجاعة بما حصل من اعتداءات ونهب للمخزون الوثائقي والأرشيفي المتوفر بسائر المؤسسات والمنشآت والإدارات العمومية؟ وبماذا نفسّر الاستهداف الممنهج لهذه الأرصدة والجهات الماسكة بها؟
وتثير مداخلة الأستاذ الغرياني برأينا قضايا على غاية من الحساسية والخطورة. فكيف السبيل إلى منع الاعتداء على الأرشيف الذي هو فضلا عن كونه أداة إثبات المسؤوليات والحقوق، ذاكرة جماعية وتراث وطني؟ خصوصا وأنّ القانون 02 أوت 1988 الذي يجرّم الاعتداء على الأرشيف لم يكن كافيا لحمايته؟ واعتقادنا أنّ الحماية القانونية لوحدها غير كافية، إذ لابدّ أن تشتغل آليات الحماية في محاور متضافرة على النحو التالي:
· الحماية القانونية: تجريم إتلاف الوثائق الإدارية، تجريم التّدليس، تجريم إفشاء الأسرار، تجريم التستّر وحجب الوثائق على من له الحق في الاطلاع عليه، الخ.
· الحماية الفنّية: تدقيق الأدوات الأرشيفية وأدلّة الإجراءات (نظم التصنيف والقوائم الاسمية للوثائق، جداول مدد الاستبقاء، آليات التحويل والترحيل والإتلاف، احترام مبدأ وحدة الرّصيد، النسخ الأصلية والنظائر، ظروف الحفظ والمخازن، أي الحماية من الأعداء الثلاثة للوثيقة الأرشيفية وهم النار والغبار والماء، تفعيل المنظومة الوطنية للتصرّف الإلكتروني في الوثائق من رقمنة وتخزين في قواعد وبنوك المعلومات عن بعد وإتاحة عبر الشبكات)
· أخلاقيات العمل الأرشيفي: لا للتشفّي، لا للتّشهير، لا للتلاعب بالوثائق، الحياد، احترام السرّية والحياة الخاصة، عدم استخدام المعلومات الشخصية لغير الأغراض التي خلقت من أجلها، إلخ.
· تفعيل دور الجمعيات المهنية والمجتمع المدني والبحث العلمي في حماية الأرشيف
لقد بيّنت الثورة أنّنا نفتقر إلى أجوبة واضحة على بعض الإشكاليات الأرشيفية الحارقة، ممّا فسح المجال لغير المختصّين من خارج الباحثين والمهنيين والقانونيين للإدلاء بدلوهم حتّى يجيزوا ما هو غير جائز. فما مصير بعض الأرشيفات الحسّاسة وما مدى احترام قواعد تداولها وكشفها، مثل أرشيفات التجمّع الدّستوري الديمقراطي والبوليس السياسي وصندوق 26/26 ورئاسة الجمهورية، الخ؟ وهل تبرّر الشرعية الثورية ومقتضيات العدالة الانتقالية إفشاء الأرشيف للعموم دون احترام لجداول الحفظ والاستبقاء المنصوص عليها قانونا وتعريضه للتلاعب والتشتت بين أياد غير مخوّلة لذلك بداعي إنارة الرّأي العام وفضح الفساد.

jeudi 22 décembre 2011

ماي 1968 الفرنسية وديسمبر2010 /جانفي 2011 التونسية: المختلف والمشترك

رغم الاختلاف الواضح في المضمون والشكل والظرف بين ثورة ماي 68 في فرنسا وثورة ديسمبر2010/جانفي 2011 في تونس، فإنّني لا أستطيع مقاومة إغراء المقارنة بينهما اعتبارا لنقاط التقاطع الجوهرية التي أرى الثورتين تلتقيان عندها ومن أهمّها الدّور البارز للشبيبة فيهما وهو ما يعني بالضرورة أن تنطبع الثورة بالخلفية الثقافية وبالأفق الفكري وبالمنظومة القيمية التي تستند عليها الشبيبة. وأنا أحدس أنّ الكثيرين قد يرون في فعل المقارنة هذا تعسّفا على المنطق والتاريخ. لكن دعونا نفكّك الحدثين لنقف عند محرّكاتهما وتطوراتهما وتداعياتهما ونرى بعد ذلك إن كانت المقارنة جائزة بينهما.
ثورة ماي 1968 بفرنسا
كان الشباب الطالبي هو المحرّك الأساسي لأحداث ماي 1968 بمعزل عن أي تأطير حزبي. وهو ما يفسّر غلبة الطابع الثقافي على الحركة وعدم تحوّلها إلى ثورة اجتماعية لتغيير نظام الحكم، رغم التحاق النقابات والعمّال بالحركة في وقت لاحق ودخولهم في موجة من الإضرابات والمظاهرات. وكانت النتائج البعيدة المدى لحركة ماي 1968، بعدما بردت الأحداث وجنى الرّاكبون على الأحداث ما تيسّر من فتات المكاسب الاجتماعية والسياسية، ذات جوهر ثقافي وفكري... ومن علامات ذلك ظهور الموجة الجديدة في الفن (في السينما خصوصا) ونزول مقولات الفلسفة الوجودية إلى الشارع وانتشارها لدى الشباب الذي صار يؤمن بأنّ حياة أخرى أكثر إنسانية واحتراما للبيت الكوني ممكنة. حياة تقوم على احترام حرّية الفرد وإرادته وعلى إعادة الاعتبار للرّيف إزاء المدن الكبرى الملوّثة، وعلى التصالح مع الطبيعة والمنتجات البيولوجية وعلى الاستفادة من حكمة الأوّلين ومعارفهم مثل الطب البديل، وعلى الثورة ضدّ التقاليد المحافظة في السلوك والعلاقات الفردية... كل ذلك كبديل عمّا كان مسيطرا في المجتمع الرّأسمالي من قيم استهلاكية تسلّط على الفرد ضغطا نفسيا خانقا بسبب ازدحام الشوارع وارتفاع نسق العمل حدّ الاستلاب، وتلوّث البيئة بإفرازات المصانع وبدخان السيارات وبضجيجها. بهذا المعنى، كانت ماي 1968 ثورة ثقافية على منظومة القيم وأسلوب الحياة السائدين. وهو ما جسّدته حركات الهيبيز والبوهيميين الشبابية التي تتميّز باللباس التلقائي وبإطلاق الشعر طويلا وتمارس فنا بديلا وترفع شعار الهجرة إلى مدينة كاتماندو عاصمة الحشيش ورمز الانصهار في الطبيعة والحرية الجنسية وممارسة المشي وركوب الدراجة الهوائية كبديل عن السيارة الملوّثة وتنادي بعكس حركة النزوح من المدينة نحو الريف خلاف ما كان سائدا حتى تلك اللحظة... وقد جاء ظهور الأحزاب الإيكولوجية بعد ذلك بعقدين من الزّمن كاستثمار سياسي لهذه المراكمة الثقافية، حيث كان مؤسّسو هذه الأحزاب من قياديي حركة ماي 1968 الذين استندوا في أطروحاتهم على موروث الحركة الثقافي وترجموه إلى برامج سياسية تتمحور حول أنسنة الوجود في مقابل جشع رأس المال وشراسة منظومته الاقتصادية التي لا كابح لها.
ثورة ديسمبر 2010/جانفي 2011 التونسية
في تونس، انطلقت حركة التمرّد، التي تطوّرت إلى ثورة أطاحت بالمافيا الحاكمة، في أوساط المهمّشين من الشباب والنساء بالأساس. لم يكن محرّك التمرّد قوى الإنتاج من عمّال أو موظفين أو فلاّحين. ولم يكن للثورة حزب قائد... ولكنّ عكس ماي 68 الفرنسية، لم تكن مطالب ثورة ديسمبر2010/جانفي 2011، على الأقل عند انطلاقها سياسية ولا ثقافية، بل كانت اجتماعية ذات عمق إنساني: الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والتشغيل. ولئن لم يرفع شعار واحد ذو مضمون ديني فليس ذلك تنكّرا للدين أو استلابا بقدر ما هو دليل على أنّ الدّين لم يكن يطرح مشكلا بالنسبة للثائرين. لم نر أثناء شهر من المظاهرات والاستشهادات سلفيا واحدا يتظاهر في الشارع ولا منقبة واحدة... ولم نسمع مرّة واحدة شعار "الشعب مسلم ولن يستسلم"... رأينا شابات كالزهرات تحلّين مظاهرات المدن الكبرى، صار بعضهن أيقونة تروّج صورة وضّاءة عن ثورتنا وبلدنا في معاصرته وأصالته. متعلّمات ومثقفات ونقابيات من الطالبات والموظفات ونساء كهول من الأمهات والجدّات والأرامل والثكالى. تروي بطولاتهنّ ساحات تالة والقصرين والرديف وأم العرائس التي وثّقت أحداثها الصور وأفلام الفيديو... هنّ تونسيات "حراير" لباسهنّ الملية والبنوار والروبة والسفساري والملحفة و"ع الجبين عصابة"، هنّ مبعث فخرنا واعتزازنا...
هذا الشباب وأمهاتهم الذين بحّت حناجرهم بترديد "التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق" حتى أرغموا العصابة على الهروب، نراهم اليوم واقعين من جديد في تهميش نخشى أن يكون أعظم من سابقه. لا نقول هذا من باب المزايدة وإلهاب حماس الشباب المتحمّس بطبعه والميّال إلى ردود الفعل العاطفية، وإنّما من باب القراءة الموضوعية للنتائج المباشرة للثورة. فما إن سقط الدكتاتور بعدما فقد السيطرة على الأجهزة الساهرة على أمنه وعلى قمع الشعب حتى ارتفعت أصوات المكاتب السياسية للأحزاب بما في ذلك المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل... هذه القيادات الحزبية التي لمعت، باستثناء بعض اليسار الراديكالي، بازدواجية مقيتة في التعامل مع مجريات الثورة. حيث لم تعبّر عن مواقف صريحة تنادي بالانتصار للثورة وبإسقاط النظام أثناء الأحداث، لا باتجاه أنصارها ولا باتجاه جماهير الشعب، بل اكتفت بمغازلات لبن علي وبالتبرّؤ من مسؤولية ما يحصل في الشارع خوفا من العقاب عندما تحل ساعة الحساب. لكنّها، حالما فرّ رئيس العصابة، سارعت إلى وضع اليد في اليد مع بقايا نظامه للملمة الوضع والاكتفاء بفتات من السلطة. ثمّ جاء بعد ذلك الدّور على الشباب، وقود الثورة وحطبها، للتلاعب به فوقع تجييشه في اعتصامات سياسية بهدف إسقاط حكومتي الغنوشي الأولى والثانية وفرض مطلب المجلس التأسيسي الذي لم يكن مطلبا شعبيا وتنصيب مجلس حماية الثورة وإعلان نفسه مؤتمنا على الثورة وبقية السمفونية معروفة.... وقد مثّلت الهشاشة الفكرية والثقافية للشباب الثائر، رغم ما أثبته من شجاعة وقدرة على العطاء، نقطة ضعف قاتلة سمحت بالالتفاف على الثورة واستثمارها لصالح الأحزاب على حساب من أشعلها وحملها على أكتافه وأعني الشباب والنساء (انظر كمثال على ذلك أغنية "محلا الثورة التونسية تضم الجميع" التي صارت بمثابة النشيد الرّسمي لشباب الثورة رغم ما يميّزها من ضحالة في الكلمات ومن استلاب نغمي باعتبارها مستلهمة من أغنية شعبية أردنية، والتي نلمس فيها بصمة الثقافة الكشفية التي نعرف حدّة الاستقطاب داخلها بين الدساترة والإسلاميين). ذلك أنّ الشجاعة والقدرة على العطاء اللامحدود لا تكفيان للأسف لإنجاح ثورة. فلابد من وعي سياسي وأفق فكري واضح. واعتقادنا أنّ تفاعلات الثورة في المدى المنظور ستتمحور حول المسائل الفكرية والسياسية عندما يتبلور الوعي ويترسّخ باستحالة نجاح الثورة إذا ما حصرت في مطالب اجتماعية تنادي بالتشغيل وتحسين الأوضاع المعيشية والنهوض الفوري بالجهات المحرومة. على أنّنا لا نرى الثورة التونسية ستتطوّر نحو أفق ثقافي وفني مثل الذي ميّز ثورة ماي 68 الفرنسية، ليس فقط بسبب اختلاف الخلفية الثقافية للشبيبة في كلا الحالتين، ولكن بالأساس لأنّ سلّم الأولويات ليس نفسه في المجتمعين. صحيح أنّ الثورة التونسية سجّلت حضورا نوعيا لفصيل من الشبيبة تربّى على ثقافة العولمة البديلة وتشبّع بقيم الحرّية ووحدة المصير الكوني وبأولوية الفنّ على السياسة وباحترام التنوّع الثقافي. وقد نجح هذا الفصيل النوعي من الشبيبة في إسماع صوته ولكنّه لم يطبع الثورة برؤيته. فعندما لا يجد الناس خبزا ولا ثقافة ولا كرامة ولا شغلا ولا فنّا ولا حرية ولا فكرا ولا حبا ولا ديمقراطية، يثورون من أجل الخبز والتشغيل قبل كلّ شيء، ولا يعبأ السواد الأعظم منهم بمطالب الفن والثقافة والحب. وإذا كان هذا قانونا علميا، فإنّه من غير الممكن التأسيس لنظام سياسي واجتماعي جديد دون الخوض في مسائل فكرية ومفهومية كالدّولة (وجوهرها العقد الاجتماعي) ومدنيتها واللائكية وأنظمة الحكم والأمن والمواطنة والكرامة والعدالة الاجتماعية والتنمية الجهوية والديمقراطية والحريات الفردية والعامة، وقضية المرأة، والتربية والأسرة ووظيفة المدرسة والجامعة...
ما يجمع بين الثورتين
1. محرّك الثورة هو الشباب الحرّ من التوجيه الحزبي حتى ولو كان بعضهم متحزّبا... شباب يتميّز بحس إنساني عميق وبأفق كوني رحب... هم طلبة الجامعات من ذوي النزعات الفوضوية الخلاقة في الحالة الفرنسية. وفي الحالة التونسية، هم بالإضافة إلى الشباب المهمّش من ذوي التعليم المحدود، شباب طالبي خنقته شراك منظومة "إمد" وشباب معطّل عن العمل من حاملي الشهادات وشباب مثقف منفتح على العالم عبر الشبكات الاجتماعية.
2. القوّة المحرّكة الأخرى في تقاطع مع الأولى هي فئة النساء. طالبات وموظفات شابات وعاملات نقابيات وأمّهات لم يكن لهنّ زي مميّز يعكس خلفية دينية أو عرقية.
3. تداعيات الحدث التي تجاوزت في كلا الحالتين الحدود الوطنية للبلاد. حيث كانت أحداث ماي 68 في الجامعات الفرنسية وراء ثورة فكرية وثقافية وفنية فاضت على حدود أوروبا لتصل إلى القارّات الخمس. وكذلك أسفرت ثورة تونس عن تتابع للثورات في الدول العربية لا أحد بإمكانها أن يتنبّأ أين ستقف.
4. لئن اختلفت الثورتان في المطالب، فقد التقتا في ما ترفضانه: التهميش والإقصاء وكبت الحرية...
ما يفرّق بين الثورتين
1. هناك في المقام الأوّل التاريخ حيث جاءت ثورة شباب تونس متأخّرة بأكثر من أربعة عقود عن ثورة شباب فرنسا. ومن استتباعات ذلك أنّ تكنولوجيا المعلومات والشبكات الاجتماعية في الحالة التونسية عوّضت، في الحالة الفرنسية، دور الخطباء السياسيين والإعلام المكتوب والتلفزة التي كانت من ناحية حداثتها ووقعها آنذاك توازي حداثة الأنترنات ودوره اليوم.
2. الفرق الثاني بين ماي 68 وديسمبر 2010/جانفي 2011 يكمن في التفاوت الواضح على مستوى الخلفية الثقافية والزاد المعرفي للشباب محرّك الثورة في كلتا الحالتين.
3. كانت في الحالة الفرنسية ثورة ثقافية وفكرية تتراوح مطالبها من مساندة الثورة الفيتنامية إلى المطالبة بأكثر حريات فردية وخاصة بالنسبة للنساء وإطلاق سراح المعتقلين. أمّا في الحالة التونسية فكانت ثورة اجتماعية تركّزت مطالبها على التشغيل والعدالة الاجتماعية والجهوية. ولم تتوسّع إلى المستوى السياسي والفكري إلاّ بعد سقوط الدكتاتور إمّا نظرا لالتحاق النخب بها أو نظرا لحصول القناعة بترابط المسارين وعدم إمكانية تحقيق مكاسب اجتماعية ومادية دون مراجعة جذرية لنمط المجتمع والدّولة. ويقيننا أنّ مداولات المجلس التأسيسي وما يصحبها من تفاعلات خصوصا عبر وسائل الإعلام ستكرّس الأفق الفكري والسياسي للثورة. ولكنّ المؤشرات الصادرة عن المناخ السائد في المحيط الجامعي وعن تفاعل الشبيبة الطلابية مع ما تشهده الساحة الجامعية لا تبشّر بانخراط الطلبة في حراك فكري وثقافي نراه ضروريا اليوم. ويبقى الأمل معقودا على حضور أبرز للمجتمع المدني الذي يختزن طاقات كبرى في هذا الحراك.
4. في الحالة التونسيبة، لم يكن شباب الثورة فقط من الطلبة، بل كان فيهم شباب معطّل من حاملي الشهادات ومن غيرهم، يعيشون في المناطق الداخلية التي ضاقت ذرعا بالتهميش وال"حقرة"، شباب من الحوض المنجمي والقصرين وتالة وبوزيد وسليانة وبن قردان، شباب وصل به اليأس حدّ المقامرة بين أن يبتلعه حوت البحر وبين أن يصل إلى شواطئ الوهم الأوروبي...