dimanche 12 février 2012

تين من زمن الأنبياء

ولّينا ظهورنا لحنايا صنهاجة المحاذية لمقبرة ينام موتاها في أحضان شجر اللوز... لمّا وصلنا إلى قمّة الرّبوة كانت القرية قد توارت خلف أشجار السّرو لينكشف المشهد في الجهة المقابلة على سهل أخضر لا يحدّه البصر .. ترجّلنا من السيارة وقد أصابنا الخرس... ظلّ صوت محمود درويش يصلنا من داخل السيارة محمولا على خيط ناي خافت... 
"أطلّ، كشرفة بيت، على ما أريد
أطلّ على أصدقائي وهم يحملون بريد
المساء: نبيذا وخبزا،
وبعض الرّوايات والأسطوانات...
أطلّ على نورس، وعلى شاحنات جنود
تغيّر أشجار هذا المكان."[1]
ذبنا في سحر المشهد المؤلّف من أخضر العشب وأزرق السماء وذلك الخط الأرجواني الفاصل بينهما... هناك، هناك، بعيدا في قلب البساط الأخضر المغلّف بالضباب تتراءى نقطتان بيضاء وسوداء... هما كوخ صغير أمامه شجرة تين... ومن موقعنا في أعلى الربوة يمتد باتجاه الكوخ مسلك متعرّج يبدو كخيط من دخان...... فجأة أطلق الزورباني صرخة مزّقت عذرية الفجر ليتردّد صداها في الروابي المحيطة بالمكان. ثمّ ركض عاريا كعنقاء نهضت من قبر في المسلك المتعرّج باتجاه الكوخ... فاضت عيناي بدمع غزير... أمّا حبيبته فسربلها السهوم كراهبة بوذية تصلّي...   
"لم أمت بعد حبّا
ولكنّ أمّا ترى نظرات ابنها
في القرنفل تخشى على المزهرية من جرحها،
ثمّ تبكي لتبعد حادثة
 قبل أن تصل الحادثة
ثمّ تبكي لترجعني من طريق المصائد
حيّا لأحيا هنا"
لمّا عاد الزورباني من هناك كانت بهرة الشمس قد ثقبت السماء ومحت ذلك الخيط الأرجواني... استوى أمامنا طيفا أسود في ضوء الشمس الذي يجهر البصر. ثم مدّ لنا يديه لاهثا ومتمتما: "هذا تين من زمن الأنبياء"... لكنّ يدا أخرى امتدّت من خلفنا جعلتنا نصحو على صوت غليظ: "ما شاء الله، ما شاء الله، تفضّلوا كولوه بحذانا في المركز الكرموس".
"ما الذي تطلبه يا سيّدي القاضي
من العابر بين العابرين ؟
في بلاد يطلب الجلاّد فيها
من ضحاياه مديح الأوسمة !
[…]
آيّها القاضي السّجين
 إنّ طيّاريك عادوا سالمين
والسّماء انكسرت في لغتي الأولى –
وهذا شأني الشخصي – كي يرجع
موتانا إلينا سالمين !"
في السيارة كنت ممزّقا بين اليقين بأنّنا لم نرتكب جرما نؤاخذ عليه وبين التوجّس ممّا يمكن أن يلفّق ضدّنا. ثمّ حسمت المسألة بالتخمين أنّ ما حصل قد حصل، وليكن ما يكون. وبقدر ما كنت واثقا من صلابة حبيبته، كنت متخوّفا مّما قد يؤتيه الزورباني من استفزازات تجاه أعوان الدورية... وبالفعل، فحال مرور السيارة أمام مستشفى الرازي للأمراض العقلية، صاح بالعون “ها قد وصلنا أنزلنا من فضلك“. دست على ساقه ليتماسك لكنّه قهقه عاليا وأنشد:
" لا تعتذر عما فعلت  […]
ها هي ذكرياتك كلها مرئية  […]
"
هل هذا هو؟" اختلف الشهود […]
لم يجيبوني. […]
والتفتوا إلى أمي لتشهد
أنني هو.. فاستعدت للغناء على
طريقتها: أنا الأم التي ولدته
لكن الرياح هي التي ربته
قلت لآخري: لا تعتذر إلا لأمك!!! "
وجاء جواب رئيس الدورية في ما يشبه الهذيان: "ختمت يا بن عروس، سبيطار مهبّلة وزادو بحذاه كلية... لا تعتذر عمّا لم تفعله. خذ تينك وارحل أيّها الدّرويش... تبّا لهذه المدينة التي لا يسلم من الجنون فيها حتى أساتذتها!!!"


[1]  مختارات شعرية من مجموعة "لماذا تركت الحصان وحيدا"  لمحمود درويش

vendredi 10 février 2012

شاماكو والصوت

لا وجود للصّمت المطلق، لأنّ الكون مسكون بذبذبات ليست سوى تردّدات لأصوات قديمة قدم الكون ذاته... فالصوت لا يذوب ولا يفنى وإنّما يتفتّت إلى جزيئات أثناء اختراقه للفضاء وللزمان فيخفت وقعه ويتحوّل إلى ذبذبات خفية منتشرة في الجوّ لا تسمع بالأذن المجرّدة. فما لا نسمعه نحن تسمعه الحيتان ذات الحاسة السمعية المتطوّرة جدّا أو تلتقطه أجهزة الرّادار. عند سقوط صفيحة معدنية مثلا من أعلى سطح، تتناسب القعقعة التي تحدثها طردا مع نوعية المكان (الفضاء) الذي تسقط فيه. فالفضاء المفتوح يسمح للذبذبات (الصدى) أن تسافر عبر الهواء، بينما الفضاء المغلق يسجن الذبذبات بين الجدران التي إمّا أن تمتصّها فترتجّ (الصوت يتحوّل إلى طاقة) أو أن تعكسها فترتدّ لتصطدم بمثيلاتها من الذبذبات التي تعكسها الجدران الأخرى محدثة قعقعة أقوى.
إنّ الأهمّية العلمية للصوت لم تعد خافية. حيث يستفاد منه في مجال التردّدات الإذاعية والرّادار وعلوم الزلازل والاتصالات الهاتفية والمخابرات العسكرية وتفجير السدود، الخ. ولكنّ الصّوت كذلك هو المادّة الأولية التي يشتغل بها الموسيقي. فالوحدات الصوتية (الدرجات) هي حروفه التي يكتب بها الألحان، تماما كما هي الألوان عند الرسام أو الحروف والكلمات عند الكاتب.
في ثمانينات القرن الماضي، كان طلبة المعهد العالي للموسيقى يشاكسون زميلا لهم شهر "عربونيكس" بإلقاء قطعة نقدية وراءه فيحدّد الدرجة الصوتية التي تحدثها من فرط فهمه للموسيقى والمال في ذات الوقت. أمّا صديقي رضا الشمك، فقد سبّبت له حاسّته الصوتية المتطوّرة عديد المشاكل...
من كراماته الصوتية أن يكون جالسا في سدّة حانة الرّكن الضيقة والضاجة ويسمع بالتفصيل نقاشا ثنائيا يدور بين شخصين في الطابق الأرضي ولعلّه يكون في أثناء ذلك بصدد كتابة نص موسيقي مجرّد في ذهنه. نجد مثل هذه الطاقات الحسّية الخارقة، أو الكرامات الحسّية، في مجال الحواس الأخرى كما هو حال "جون بابتيست غرونوي" بطل رواية العطر لباتريك سوسكيند الذي يفكّك مكوّنات العطر من مجرّد شمّه أو مشاهير المتذوّقين الذين يتعرّفون على مكوّنات الزيوت والنبيذ ويحدّدون نسبها الكمّية.
لكنّ صديقي الشمك لم يصل إلى هذا المستوى من القدرة على الفرز بين الأصوات والدرجات بقدرة قادر... إنّها ملكة قابلة للتطوير بالاشتغال عليها وتدريبها... فهو ما كان ليصفع صديقنا فوزي تلك الصفعة المدوية عندما حشر صوته على طريق فم شفيق الذي كان يدندن أحد الألحان في أذنه، لو كانت حاسّة الفرز الصوتي مكتملة لديه يومها. ولأنّ فوزي أدرك فداحة خطئه وقدّر وجع الشمك قبل الصفع وبعده فقد غفر له تلك الحركة.
سألته مرّة عن السرّ في تحمّله ضجيج الحانة وقدرته على دندنة لحن أو كتابته، وهو الذي يصاب بالشلل عن العزف أمام أقلّ وشوشة أو حفيف داخل قاعة عرض، فأعادني إلى نقطة انطلاق هذا النص... قال" لا وجود للصّمت المطلق، لذلك لا فائدة من طلب المستحيل. صرت أستبطن الغلاف الصوتي الذي أوجد فيه وأدمجه في ما أكتبه بحيث يصير مكوّنا مندمجا في موسيقاي."
صديقي الشمك، أكرّر عليك سؤالا كنت طرحته عليك ذات مرّة في رسالة بريدية: "ماذا لو وضعنا لكلّ درجة صوتية مرادفا لونيا، وترجمنا الصوتي إلى مرئي، خصوصا وأنّه بإمكاننا اللعب على الداكن والفاتح (الضوء) لترجمة الخفض والرّفع في الدرجات الصوتية؟ ألا يسمح لنا ذلك بتخليص الصوت من شوائبه؟ هذا فضلا عن إيصال الموسيقى (كبنية مجردة) إلى الصمّ؟"
تحياتي على ما ياتي يا شاماكو يا معلّم.

mercredi 8 février 2012

حكايات عن الياسمين



يثير الحديث عن "ثورة الياسمين" في خاطري حكايا عالقة بذاكرتي عن علاقة والدي بالياسمين بعيدا عن اللغط الدائر بين مؤيد لربط الثورة بالياسمين ورافض لهذا "الكليشيي" الهادف إلى تعليب الثورة وتحويلها إلى منتوج سياحي. 
لكنني لا أستطيع الحديث عن حكاية والدي مع الياسمين دون أن أربطها بعلاقته بالبخور والعطور والطيب. فهو مولع بالروائح الفوّاحة إلى درجة الإدمان المرضي. لا يخرج إلى عمله في منجم الفسفاط قبل أن يرمي حفنة من البخور في الكانون ويقف فاتحا ساقيه، مفضفضا جنبات جمّازته كي يفسح المجال لدخان البخور حتى يتسرّب إلى ملابسه الداخلية ويخرج من رقبة تبّانه التي تغدو كفوهة مدفئة الحطب. وهو في ذلك لا يعبأ بمن في الغرفة ممّن يعوقهم الدخّان الكثيف عن التنفس. و"سيدي" من أولئك الذين يتملّكهم الصّرع لمّا يشمّون رائحة الجاوي (نوع من البخور المستورد من جزيرة جاوة بأندونيسيا) فيفاجأ من حوله بالقفز صارخا "أبَبْ بَبْ بَبْ بَبْ بَبْ بَبْ" والشرر يتطاير من عينيه والرّغوة البيضاء على شفتيه، كما لو كان درويشا من أحباب اللّه الذين يخاطبون الجن ويتحكّمون فيه. تلك علامة انتشاءه برائحة الجاوي الذي يدخله في غيبوبة تامّة عمّا حوله. وقد يصيب أحيانا بعض القريبين منه بركلة طائشة أثناء قفزه ونطّه... زجاجة العطر التي تدوم لدى الآخرين شهورا تنفذ لديه في ظرف أسبوع... يتعطّر منها عدّة مرات في اليوم ويرشها على كبّوسه وفراشه ووسادته وفي جوربيه وحذائه، حتى تسيطر رائحتها على المكان وتغزو أنوف الحاضرين مذكّرة إيّاهم بأنّهم في فضائه... فالعطر لديه علامة يرسم بها حدود مجاله الحيوي، على طريقة بعض الحيوانات في بسط نفوذها على المكان. أمّا إذا ما أراد تكريمك بتعطيرك، فيتحوّل الأمر من حركة ودّية إلى اكتساح وغزو حقيقيين تماما ككرم البدو الفاحش.
أمّا عن الياسمين، فمن معضلات "سيدي" التي لم يجد لها حلاّ، أنّه لم ينجح أبدا في إنبات ياسمينة ببستان بيتنا رغم محاولاته المتكرّرة، حاله في ذلك كالعاشق الذي يشقى في ترويض حبيبة متمنّعة دون أن ييئس. كم مرّة حاولت وإخوتي إقناعه دون جدوى أنّ مبالغاته في العناية بشتلة الياسمين هي سبب الفشل. ورغم ما يبديه من اقتناع بحججنا، إلاّ أنّه في كل مرّة ينساق نحو الإفراط في العناية بالشجرة الطرية، فيغدق عليها الماء والسماد من روث البهائم ويغطّيها بالكرتون خوفا عليها من لفحات الشهيلي ويشدّ أطراف أعرافها الغضة إلى خيوط معدنية يمدها لمساعدتها على التمدّد قبل الأوان. وفي أثناء ذلك تجده يتفحّص عودها وأوراقها بيديه فتذبل ثم تموت... وينتهي في كل مرّة حانقا ومغتاظا، متّهما إيانا بالاقتراب من ياسمينته في غفلة منه... كان يريد أن يستقلّ بياسمينته الخاصة للتحرّر من صلف جارنا "حمّة خبيش" الذي كان يمنّ عليه كلّ عشيّة بإهدائه مشموما. ولأنّه لم يستثمر في صنع ذلك المشموم جهدا، فإنّه لا يتحمّس له كثيرا ويفضّل التنازل عنه لأوّل من يقدّر أنّه لا يستخفّ بالياسمين. وبدلا عن ذلك كان يفضّل أن يذهب كلّ يوم في آخر القيلولة إلى الفيلاج حيث حدائق المهندسين ليقطف ما أمكن من براعم الياسمين ويصطحب معه بعضا من سعف النخيل يجرحها بالإبرة حتى يحوّلها إلى جذوع للمشاميم. ثم ينطلق في تطريز أعواد السعفة بالزهرات البيضاء حتى تستوي مشموما أنيقا. ولا يتحرّك نسيم الأصيل ويلطف الجو إلاّ وقد فرغ من تطريز ثلاثة مشاميم أو أربعة. فتغمره السعادة وتفيض على وجهه علامات النخوة والرضى. وبحركة أقرب ما تكون إلى الطقوس البوذية يريد من خلالها إبراز قيمة هديته يناولنا نحن أبناءه الأربعة مشموما مشموما. ويا ويل من لا يبدي له من الامتنان والاحتفاء بهديته ما يليق بقدرها. فذلك معناه أنّه دابّة بكماء لا تفقه في رفعة الذّوق ورهافة الحس. ولمّا تعاتبه المرحومة الفاقدة لحاسة الشم على مبالغاته وقسوة أحكامه في مسألة غير هامة، يرنو إليها مشفقا عليها من عاهة الحرمان من نعمة الشم ويكتم غيضه ممتنعا عن إجابتها. وفي كلّ مرّة يهدي مشموما لضيف يلقّنه درسا في كيفية التعامل معه. فليس من اللائق تشمّم الزهرة بغرس الأنف فيها، لأنّ ذلك يصيبها بالحمرة ويخنق عبقها. كما لا يجوز استعجال تفتّح البراعم، لأنّ الياسمين لا يتفتّح  إلاّ "عندما يأتي المساء ونجوم الليل تنثر"...  
لّما يزورني بتونس، يحرص على عدم التخلّف عن حصة المشي اليومية، ليس فقط لانضباطه العسكري فيما يتعلّق بمقاومة مرض السّكّري، بل وكذلك لأنّها فرصة للمرور بأنهج تعبق برائحة الياسمين. قال لي مرّة بعدما فرغ من حصة المشي وعاد إلى المنزل محشوّ الجيب ببراعم الياسمين: "ليس هناك أكرم من الياسمين وما أكثر منه فضلا على التوانسة... يزرع الناس أشجار الياسمين محاذية لأسوار حدائقهم، حتى يضربوا عصفورين بحجر واحد. أوّلهما المساهمة في تزيين النهج وتعطيره. وثانيهما جعل الأزهار في متناول أبناء الفقراء ممّن اتّخذوا من بيع الياسمين مصدر رزق. فالشجرة ولود ومعطاء تعوّض كلّ يوم ما يقطف منها في اليوم السابق ولا خوف على أزهارها من النفاذ. فلا شيء يضير أصحاب المنازل من أن يقطف الأطفال زهر الياسمين لتحويله إلى مشاميم يبيعونها ليجمعوا ما يساعدهم على العودة المدرسية في نهاية الصيف... وفي الحالتين يربح الناس رحمة الوالدين... كانت ثورتنا ستكون جديرة بلقب "ثورة الياسمين"، لو كان محمّد البوعزيزي بائع ياسمين... أمّا وقد كان مشعلها بائع موز، فليس غريبا أن تكون ثورة زلاّقة، تراوغ الجميع وتتركهم في التسلّل..."




جلال الرويسي
المعهد العالي للتوثيق
08 فيفري 2012



mardi 7 février 2012

الفايسبوك كنقاب

أعرف فتاة لها حسابان على الفايسبوك. اتّخذت للأوّل بروفايل فتاة لعوب باسم "منّولة دلّولة" وبصورة حسناء رائعة الجمال. فحاز على آلاف الأصدقاء الافتراضيين الذين مازالوا يتهافتون على طلب صداقة "منّولة دلّولة" فتستجيب ساخرة. تكتب على جداره وتنشر كلّ ما يعنّ لها بجرأة وحماس وعفوية ودون أدنى صنصرة. وهو ما يؤجّج تفاعل أصدقائها ويستقطب أصدقاء جددا...
أمّا الحساب الثاني فيحمل اسمها وصورتها الحقيقيين. وهي، وإن كانت ليست على جمال أخّاذ فإنّها تظل ذات جمال مقبول. لكنّ عدد أصدقائها ظلّ متواضعا بالمقارنة مع "منّولة دلّولة". وظلّ ما تنشره على جدارها حبيس حدود المسموح والممنوع.
طلبت صداقة "منّولة دلّولة" فحظي طلبها بالموافقة. واستغلّت تلك الصداقة لتشاكس "منّولة دلّولة" معاتبة إيّاها على استهتارها حينا وداعية إيّاها إلى الاحتشام والتقيد بقواعد ديننا السّمح حينا آخر. فيتكفّل أصدقاء "منّولة دلّولة" بالرّد الذي غالبا ما يأتي عنيفا وساخرا.. وقد يتّفق أن يثير الجدال المحتدم أحد أصدقاء البروفايل الثاني فيتدخّل مناصرا ضدّ "منّولة دلّولة" واصفا إيّاها بالفاجرة والعاهرة...
واختلط الأمر على صديقتي حتّى لم تعد تعرف أيّ البروفايلين أقرب لذاتها وأصدق في التعبير عن جوهر شخصيّتها. وظلّت ممزّقة بين "منّولة دلّولة" الحرّة والشجاعة والمشاكسة والجماهيرية، وبين شخصيتها الفعلية المكبّلة والمتحفّظة والمنطوية. فأيّ معنى لصفات "منّولة دلّولة" طالما ظلّت مقنّعة؟ لماذا لا تجرؤ على تبنّيها والخروج بها على النّاس طالما أنّها هي من أنشأتها وخلقتها من عدم؟ وفي المقابل، لماذا لا تقبل بشخصيّتها الفعلية طالما أنّها على الأقل مكشوفة وغير مقنّعة... وانتهى بها الأمر ذات يوم إلى أن تكتب على جدار "منّولة دلّولة" ما يلي: "سأقتلك أيّتها المخادعة، لن تفلتي منّي، ولن ينقذك منّي أحد من أصدقائك". وبعدها بيوم غابت "منّولة دلّولة" نهائيا عن الفايسبوك... بحث أصدقاؤها فيما بينهم عمّن يملك معلومات عنها. ولمّا يئسوا اتهموا صديقتها التي هدّدت بقتلها، فردّت عليهم على جدارها "إي نعم قتلتها، والنقاب نحّيتو واللي موش عاجبو ...أشنوّة ها الرّويّق، هذي طالبة تهرسل في أستاذها، وهذا يختبر في وفاء زوجته، وهذا يميني ينفّس على العقد متاعو، وهذا يساري يهتك في عرض يمينية، ملاّ حالة"

الشيشة

لست أفهم كيف يتحمّل بعضهم المكوث في محلاّت مغلقة ومزدحمة بمدخّني الشيشة. مشهد مقزّز ينمّ عن عداء مبيّت للذات وقطيعة تامّة مع الوقت كقيمة وثروة. دخان كثيف يسدّ الأنوف ورائحة مصطنعة لتفّاح، لا تختلف في شيء عن نكهة مبيد الحشرات الكيميائي، تصفعك لتصيبك فوريا بالصداع النصفي حالما تمرّ بجانب تلك المحلاّت، فما بالك بمن يقضي الساعات الطوال داخلها جاثما في غباء يقرقر نرجيلة وسخة ويتبادل جبّادها مع جلسائه في طقوس بدائية سابقة لمرحلة اكتشاف النّار... لا أفهم كيف تغضّ السلط النّظر على هذا الاستخفاف الصارخ بالنظافة وبقواعد حفظ الصحّة؟ بل وكيف تشارك فيه بإسناد الرخص لأصحاب هذه المحلاّت وتصنيفها كقاعات شاي من الصنف الرّفيع؟ يا ربّي، لو تتأمّلون ذلك المعجون الذي يسمّونه جيراق ومعسّل والذي يحشون به كبّوس الشيشة ويضيفون إليه محلولا كيميائيا يسمّونه الغليسيرين Glycérine. وهات من تلك الولعات الغنية بثاني أوكسيد الكربون والتي يتهافت على طلبها المشيّشون من عون مخصّص للغرض يجوب القاعة جيئة وذهابا كشاوش الحضرة.
شنوّة هذا؟ في 2012 يا رسول الله، مازلنا ندوّرو في جبّاد على أربعة جلغ؟ ونتكلّموا على الصحّة؟ تي ماهو مثل ما يسّقنا الفوطة المعصورة في الحوض والمشيّحة فوق سطح الحمّام وولّى كلّ واحد يجيب مناشفو وبشاكرو معاه من دارو، علاش ما نمنعوش ها الرويّق من قهاوينا؟ وما دامت حاجة تجبد حاجة، هاني تفكّرت زيوت الكفتاجي وكربوناطو اللبلابي والنصب متاع الزلابية والكسكروتات قدّام المدارس... خلّيني ساكت كيف ما نعمل فيها واك ونقطّع شعري...