lundi 15 décembre 2014

الملاجئ

كنت في الخامسة من عمري لمّا شيّدت شركة فسفاط قفصة ثلاثمائة مسكنا شعبيا وزّعتها على عمّالها. ورغم صغر سنّي آنذاك، فقد عشت تجربة زرع العمّال في حيّهم الجديد بوعي حادّ. أذكر كيف وصلنا إلى حيّنا الجديد ذات صباح على متن عربة مجرورة (كرّيطة) حملت كلّ ما نملكه من متاع، ومن فوقه كنّا مكوّمين أنا وإخوتي الثلاثة وأمّي. ربّما بسبب هذه الصّورة ظلّت تسمية الملاجئ أقرب إلى وجداني من عبارة الحي العمالي المعتمدة رسميا. وفيما انشغل والدي وأمّي بتوضيب غرف البيت التي لم تكن تختلف عن الأقفاص في شيء من فرط ضيقها وانخفاض سقوفها، انتشرنا أنا وإخوتي في أرجاء الحيّ نكتشف تضاريسه وملامحه. كان للحي رائحة الحياة البكر وألوانها. انتشرت في أرجائه بقايا مواد البناء كقطع الآجر الأحمر وبقايا الأخشاب والحديد.

ورغم فقره، فقد أصرّ أبي على أن يطبع البيت بروحه حتى لا يكون مجرّد رقم في سلسلة من الأبواب المتشابهة والتي يصعب التمييز بينها. فقد جاء ببرميل صدئ مزج فيه الجص الأبيض بمادّة ملوّنة خضراء فاتحة وترك الخليط يتماهى ثلاثة أيّام كان أثناءها يرشّه بالملح ويحرّكه بعصا خشبية ثقيلة فتفور منه حرارة تحرق العيون وتسيل الدّموع، حتّى استوى. وفي الانتظار ظلّ يعزق الأرض المحيطة بالبيت بعمق يزيد عن المتر ليقلّب التربة ويخلّصها من الشوائب كالحجارة الكلسية أو قطع الحديد وشظايا البلّور، ومن ثمّة يضيف إليها سمادا طبيعيا مستخرجا من روث البهائم. كنت أقرفص قبالته أرقبه وهو غاطس في تلك الحفر إلى مستوى خصره والعرق يتصبّب على جبينه، وكنت أتخيّل أصابع قدميه تنمو وتتمدّد لتنغرس في الأرض كجذور الشجرة... كان يواصل عزق الأرض مستعينا بتنهيدة حادّة ترافق كلّ ضربة فأس، متوقّفا بين الحين والآخر ليطلب منّي أن أناوله كأس الشاي أو شربة الماء أو أن أغيّر موجة المذياع بحثا عن محطّة تبثّ من الغناء ما يساعد على مواصلة العمل الشاق.
انهمك السكّان الجدد الفرحين بمنازلهم يتنافسون في تهيئتها وتزيينها. ولم نجد نحن الأطفال صعوبة تذكر في ربط صداقات عفوية وسريعة. كنّا نزرع الحياة في ذلك الحي الجديد وننفخ فيه من أرواحنا. هنا أزهار العلّيق الملوّنة وهناك كالاتوس ودفلى طرية ومن الناحية الأخرى بطحاء للعب الكرة، وفي التلّة صنبور الماء الجماعي. شيء واحد لم يعجبني هو شكل العلم المرسوم على الجدار الفاصل بين المدرسة وبطحاء الحي. فقد كان مستطيلا هندسيا متناظر الأطراف، جامدا لا يرفرف ولا تحرّكه ريح، وهو ما جعلنا نتّخذ منه مرمى أثناء لعب الكرة. وبفعل ارتطام الكرة به وتبوّلنا عليه أثناء اللعب، بهت أحمره ومال إلى الوردي. لم تكن الملاجئ مجهّزة بالنور الكهربائي، وظلّت على ذلك الحال سنوات عديدة، حتى كان أن ضربت شركة الفسفاط موعدا لإطلاق الكهرباء. وكان ذلك الحدث عيدا لا ينسى في حيّنا. أذكر كيف تسمّر الناس كبارا وصغارا بجانب أزرار الكهرباء ساعة قبل الموعد المحدّد، وظلّوا يتكتكون بالأزرار يفتحون ويغلقون سائلين بعضهم البعض بأصوات عالية "هل وصلت عندكم الكهرباء؟ هنا، لاشيء عندنا بعد... وأنتم؟" كان التوتّر على أشدّه حين أطلقت خدّوجة السودة زغرودة مجنونة شقّت الأرجاء وهرع بعدها الأطفال إلى بطحاء الحي وقد غمر نور المصابيح البيوت التي باتت ليلتها مضاءة حتى الصباح.
نمت في حيّنا الحياة وكبرت في غفلة منّا، هي غفلة الخدر ببساطة العيش. استأذنت الحي في أن أغادره إلى بعض من المدن القريبة للدراسة وعاهدته على العودة وحفظ الود... لكنّني أخلفت وعدي وظللت كلّ مرّة أنجذب أكثر نحو الشمال الذي كان يشدّني كمغناطيس حتى انتهى بي الأمر إلى شق البحر والتجاسر على فرنسا.
لمّا تذكّرت وعدي وعدت للاعتذار، وجدت أبي قد مات وملامح الحي قد محيت ولم أستطع دخول بيتنا الذي صار ملكا لشخص غريب رفع جدار السياج مترا إضافيا وربط كلبا أمام المدخل يمنعني من دخول منزلنا.
لماذا فعلتها وعدت؟ هل كان يجب أن أعود؟

vendredi 12 décembre 2014

حقيبة الخط


كنّا ثلاثة طلبة جددا نتقاسم الغرفة F 13 بالحي الجامعي ببن عروس في مفتتح السنة الجامعية 1981-1982. طلبة قادمون من ثلاث مناطق مختلفة: الحوض المنجمي والمكناسي وجزيرة جربة. لم تكن تربطنا ببعضنا معرفة سابقة، ولكن لم تجمعنا الصدفة في تلك الغرفة. فقد رتّب الأمر على هذا النّحو رفاقنا الأقدم منّا بتوجيه من حلقات الاستقطاب الصيفية.
منذ اليوم الأوّل، عملنا بمبدأ أنّ كلّ شيء مشترك ويدار بشكل جماعي: الأغطية والبسيسة والكعك والسجائر والكتب... وعشنا على ذلك النسق أكثر من ستّة أشهر حتّى كانت أحداث كلّية الآداب بمنّوبة التي عرفت مواجهات دامية بين طلبة اليسار وطلبة الاتجاه الإسلامي. بعدها مباشرة، زار غرفتنا رفيق من الساحل معروف بالجدّية والصلابة. كان يجرّ معه حقيبة جلدية ثقيلة جدّا استودعها أمانة عندنا وقال أنّها تضمّ أدبيات الخط الذي اختارتنا قيادته لهذه المهمّة الشريفة في ذلك الظرف الذي لم يعد فيه أحد من القادة البارزين آمنا على حياته في ظلّ ملاحقة البوليس ومطاردات الإسلاميين لهم. شخصيا لم أكن ميّالا إلى تصديق كلامه، وكنت أرجّح أنّها كذبة افتعلها ليتخلّص من ذلك العبء الثقيل عليه، فأوهمنا بهذا الشرف الذي حظينا به من القيادة الخطية التي كنّا نسمع عن أفرادها حكايات تشبه الأساطير دون أن ينالنا شرف ملاقاتهم. ولكنّني رأيت في تلك الحركة اعترافا باختصاصنا كطلبة ندرس التوثيق والأرشيف. صار صاحب الأمانة يأتينا بين الحين والآخر بنصوص ومعلّقات جديدة ليضيفها إلى محتويات الحقيبة. وكانت فرصة لنخوض في تلك المحتويات ونرتّبها حسب التواريخ والمواضيع وغيرها من المداخل. كان رفيقاي في الغرفة يستغلاّن تلك المناسبات للغوص في محتوياتها ومناقشة ما تتضمّنه من مواقف ومرجعيات. أمّا عبدكم الحقير، فما كانت لديه القدرة على فكّ مكنون تلك النصوص التي كانت تبدو له رديئة الخط، ركيكة اللغة، معوجّة التراكيب، محنّطة العبارات ملغزة المعاني، محشوّة بالاستطرادات، مسقطة الاستشهادات...
كنت أتعامل مع تلك النصوص كوثائق أرشيفية أطبّق عليها تماريني الدراسية لا غير، فأصنّفها وأكوّن منها ملفات وأدوّن قفاها بيانات مثل تواريخ وأسماء المؤسّسات الجامعية التي وزّعت أو علقت فيها والمناسبات...
في تلك الأيام كان الحصول على الشهادة الجامعية لدراسات المرحلة الأولى يسمح بالفوز بوظيفة حكومية دون عناء. وهذا ما حصل معي. وكان الجمع بين الرّاتب والمنحة الجامعية كافيا لمغادرة المبيت الجامعي وتسوّغ بيت مع رفاق آخرين. كان افتراق طلبة الغرفة F 13 بالمبيت الجامعي بن عروس نهاية لعلاقة البوزيدي والجربي بخطّنا السياسي. فقد حصل الأوّل على وظيفة باتحاد الأعراف فتحت شهيته على عالم المال والأعمال لينتهى به الأمر اليوم صاحب مصنع لمواد التنظيف. أمّا الثاني فقد عيّن موثّقا بجريدة يومية سرعان ما كشف فيها عن مواهب تحريرية جعلت القائمين على الصحيفة يحوّلونه إلى صحفي. وهاهو اليوم صاحب إذاعة خاصة ورثها عن الطرابلسية.
تسوّغت شقة مع أربعة رفاق جدد منهم مهندس غمراسني رقيق والرّفيق الساحلي الصلب والجدّي وقائد خطّي بارز أفهمونا أنّه احترف السياسة وبالتالي علينا إعالته غذاء ولباسا وسكنا ومصروف جيب، على أن يكون في المقابل مفكّر الخط ومموّله بالنصوص والتحاليل. ورغم عدم اقتناعي بهذا التوزيع للأدوار الذي لم يستشرني فيه أحد، فإنّني لم أجرؤ على أن أسأله من اختارك لهذه الخطّة ومن بوّأك هذه المكانة؟... والحقيقة أنّني لم أستقرّ على رأي واضح تجاه الرفيق المفكّر. فبقدر ما كان يبدو لي اتّكاليا وسفسطائيا، بقدر ما كان يبهرني بثقافته الواسعة وذكائه الثاقب.
كان مالك البيت رجلا يوسفيا "أبّهة": له "ريشة" ما رأيت لها مثيلا، بَلْدِيٌّ، أنيق، لبق ولبيب، كريم، مثقّف وعفيف. كان يحرّم علينا الطبخ طيلة شهر رمضان، وأيّام الآحاد. يطرق الباب كل يوم قبل آذان المغرب فنفتحه لنفاجأ بالرّجل قد ترك أمام الباب صينية عليها كل صنوف الطعام الشهية وتوارى في حياء الكرماء. هذا الرجل هو الحاج الجريبي والد وزير الدفاع الحالي في حكومة المهدي جمعة... كان غازي في تلك الأيام قاضيا إداريا شابا ولاعبا دوليا في كرة السلة مع فريق الزهراء الرياضية.
انتقلت حقيبة الخط معي إلى ذلك البيت في ضاحية الزهراء، وصارت تتغذّى ممّا يكتبه رفيقنا المفكّر محترف السياسة. يكتب النصوص بخط يده على أوراق عادية وأتكفّل أنا بنسخها على أوراق حائطية بالأقلام الغليظة، وقد كانت فرصة لأتدرّب على أنواع الخط العربي. وكنت أجد لذّة لا توصف في قراءة تلك النصوص التي صار أسلوبها جميلا رائقا بعيدا عن ركاكة المعلّقات السابقة. كانت تلك النصوص تسافر لتقوم بجولة على جدران الأجزاء الجامعية ثم تعود في الأخيرة مرقّعة بقطع اللصق (السكوتش) كالضمّادات من فرط ما علّقت على الجدران وسحبت، فأتولّى تمسيدها وطويها بعناية وتدوين بعض البيانات على ظهورها وحفظها في الحقيبة.
شاءت الظروف أن يغادر المهندس الغمراسني الرقيق المجموعة ويحلّ محلّه رفيق آخر من مدينة المكنين يعمل مهندس اتصالات لم أصادف أكرم منه وأكثر بهجة وحبا للحياة. وتلازمنا أربعتنا طيلة سنوات عديدة. ننتقل من شقة إلى أخرى والحقيبة السمينة الثقيلة تلازمنا كمفتاح الفلسطيني الشريد الحالم بالعودة.
آخر عهدي بالحقيبة كان في شقّة تقع بمنطقة لافايات أقمنا فيها بعد تخرّجنا. كنّا أربعة أفراد أو يزيد نقيم في تلك الشقّة التي  سرعان ما غدت مزارا لعديد الرفاق المناضلين من العاصمة ومن داخل البلاد، موظّفين وعمّالا وطلبة، خصوصا وقد تعزّزت بمكتبة ضخمة مشتركة كنّا نغذّيها بما نشتريه ونسرقه من الدورات المختلفة لمعرض تونس الدولي للكتاب ومن المركز الثقافي السوفياتي الذي لا شك أنّ المشرفين عليه كانوا يتغاضون عمّا نرتكبه من سرقات وتلك كانت طريقتهم الذكيّة في نشر الفكر اللينيني. كان زعيم الخط بالجامعة يزورنا ليختار ما شاء من الكتب ويحملها معه دون إرجاعها أبدا. أذكر أنّني اختلفت مع الرفيق المفكّر لمّا عبّرت عن عدم رضاي على ضياع الكتب. أعترف أنّ إجابته أربكتني إذ قال أنّ الكتب كالطيور تمقت الأقفاص ولو كانت من ذهب وتعشق الطيران الحرّ، لذلك علينا أن نطلق العنان للكتب كي تتنقّل بحرّية بين الناس ولا نحبسها في أدراج المكتبات. ومن يومها احتميت وراء فكرة قدّرت أنّها ترضي كلينا وصرت أرى في كل كتاب يغادر المكتبة مشروع شهيد يغادر بيت الأسرة ليحرّر أبناء الوطن، وغدوت أودّع الكتب المغادرة للمكتبة بشعور يمزج بين الأسى والفخر.
في غمرة تلك الزيارات المتواترة، اختفت الحقيبة وقيل لي لمّا سألت عنها أنّها نقلت إلى مكان أكثر أمنا بعدما غدت الشقّة تجلب الأنظار خصوصا أنّها تقع قبالة أخطر مراكز بوليس العاصمة، مركز نهج كولونيا وما أدراك.
اليوم تستيقظ في دماغي ذكرى تلك الحقيبة بروائح الورق والحبر المنبعثة منها. لذلك، أوجّه نداء إلى رفاق الخطّ وغيرهم ممّن قد تكون لديهم فكرة عن مآل الحقيبة. من رأى منكم حقيبة جلدية صفراء طريّة وسمينة بها حزامان سميكان ينتهي كلّ منهما بصفيحة معدنية بيضاء، حقيبة تضم معلّقات جدارية متفاوتة الأحجام، عليه بإيداعها لدى مؤسّسة الأرشيف الوطني، والله لا يضيع أجر المحسنين.
مسقط في 12 ديسمبر 2014