samedi 14 décembre 2013

كلام عن المقابر



في المقبرة تأخذ الوجوه سحنة تعبّر عن مستوى علاقتها بالميت. هناك أوّلا أقارب الميّت الذّين من السّهل التعرّف عليهم من خلال التصاقهم بالجثمان وصمتهم وقلّة حركتهم وعمق تأثرهم الذي يجعل نظراتهم شاردة ووجوههم داكنة، فمثلما الخوف يصفّر البشرة، فإنّ الحزن يكحّلها. وهناك الأقارب من العائلة الموسّعة الذين عادة ما تجدهم ناشطين في إتمام مراسم الدّفن منذ وصول الموكب إلى المقبرة. يتحرّكون في كلّ الاتجاهات: يدفعون الأوراق ويستخرجونها، ويدعون إلى صلاة الجنازة، وينظّمون طابور تقبّل التعازي. وقد يلتحق بهم بعض من أصدقاء الميّت الخلّص أو زملائه في الدّراسة أو العمل. ثمّ نجد سائر المعزّين من الزملاء والأصدقاء والمعارف والجيران. يسبق هؤلاء الموكب إلى المقبرة وهناك ينتظرون وصوله. يتجمّعون في حلقات صغيرة يستحضرون مناقب الفقيد، ويتحدّثون عن ظروف موته. بعضهم حزين ومتأثر بصدق. وبعضهم يتصنّع ذلك. ليس نفاقا، وإنّما أخذا بالخاطر وتضامنا مع أهل الميّت. وبعضهم يمزح ويضحك مغالبة للحزن وانتصارا للحياة. وهذا من العادات الحميدة، وفنّ لا يتقنه إلاّ قلّة من الناس النبيهين الذين يعرفون كيف لا يسقطون في التهريج، حتى يحافظوا على مهابة الجنازة.

وهناك من جهة ثانية موظّفو المقبرة والدّأئرون في فلكها. أوّلهم سائق سيّارة الدّفن. يصل في الوقت إلى بيت الميّت، يقدّم التّعازي على عجل كما تؤدّى التحية العسكرية، ثمّ يطلب رفع الجثمان سائلا عمّن سيرافقه في السيّارة ومشترطا في صرامة أن لا يتجاوز العدد الثلاثة. يسوق بهدوء وخشوع لست تدري إن كان حقيقيا أم مصطنعا. فربّما جعل منه تكرار الحالة فيلسوفا للموت من فرط التأمّل. وهناك موظّف مكتب الدّفن، الذّي يشبه طبيب التشريح في بروده. هذا الشخص يترك مشاعره في البيت قبل أن يخرج إلى العمل. حياده لافت وهو يطبع شهادات الوفيات ويوزّع القبور على الأموات الجدد ويحيّن المعطيات على جدول الدفن في سبّورة الوفيات ببهو المقبرة. إذا لم يكن بين أهل الميّت شخص رصين وهادئ ينتبه إلى ضرورة استرضاء موظّف الدّفن، فقد يلحق بالميت ضرر لا يمكن إصلاحه لاحقا. فمن القبور ما كان على حافة الطريق عرضة للعفس والرفس والانجراف، ومنها ما كان تحت شجرة وارفة تظلّله صيفا وتحميه من المطر شتاء. إذا غضب موظف الدّفن نفى الميّت في أعلى التلّة فيصحّ عليه القول "ملّلي دفنوه ما زاروه". ولموظّف الدّفن غصّة وحسرة لا تشفىـ لأنّه يغار من زملائه موظّفي البلدية المعيّنين بأقسام الثقافة أو الرّياضة، الأمر الذي يسمح لهم بملاقاة الوزراء والوجهاء في أوقات البهجة فيأخذون معهم الصور التذكارية ويطلبون منهم الخدمات والامتيازات فتقضى. أمّا هو فلا يلاقي أصحاب النفوذ والأعيان إلاّ في أوقات حزنهم، فكيف له أن يفاتحهم في أمر. وهناك المتمعّشون من الموت وأغلبهم يسكن المقبرة، كالقبّار المجتهد في حفر قبر يليق ولا يضيق، وقارئ القرآن على الميّت بمقابل يكفي لشراء قارورتين ومستلزماتهما من التّبغ والأكل لتأثيث السهرة.

vendredi 13 décembre 2013

نقطة انخرام النّظام


  نص مهدى إلى سيّد البهجة وملك الإيثار، الشامخ أبدا سنان العزّابي
يغرينا تخييب الظنّ فينا
ويكفينا تنسيب الحق دينا
نعم، نحبّ المفاجآت 
نعم، ندهش للمفارقات، 
لا نخشى الموت، 
ولكنّنا لا نكره الحياة
إلاّ متى صارت عادة، أيّها السّادة
في كلّ مرّة نحتاج دقيقة إضافية... 
فقط دقيقة
قد يهدرها أحمق في تعديل ربطة العنق
لكنّها للمحكوم بالإعدام، فرصة أخرى للحياة في الوقت الإضافي
لم نتعوّد التخطيط لحياتنا
ولم نحدّد بعد موعدا للافتراق
وهذا العمر لا يكفينا
كي نصرف كلّ ما فينا 
فقط دقيقة
قد لا تكفي لقول الحقيقة
لكنها تكفيك لتفجير نواة الحقيقة
كم صهريجا شربنا، وما سكرنا؟
كم ميعادا أخلفنا، وما ندمنا، وما اعتذرنا؟
كم برميلا من الدمع سكبنا؟
وكم قصيدا كتبنا؟
على صهوة الهواء، على صفحة الماء... 
بالمواء وبالعواء
وعلى السماء، في المساء وفي العراء
يشهد، تمثالُ الرّئيس المخضّب بالخراء
ويشهد، إسفلتُ الرّصيف المضمّخ بالدّماء
تشهد أيضا
مرآةُ نرسيس المكسورة
ومقصورةُ البوليس المهجورة
وكذلك تشهد
آلاتُ العازف النّازف 
وأصواتُ آلاف الأطياف
ممّن رحلوا إلى الأبد، دون إذن من البلد...
بالليل يأتون المدينة، دون إذن من أحد
للتسكّع والتذكّر...
نلقاهم في الأزقة المظلمة، حيث نبول...  
نهديهم الفول والتبغ والكحول...
وبعض أبيات تقول ما لا تقول...
لنا فيهم أصدقاء كثر وخلاّن

نردّ الزيارة، بنفس الجسارة
دون إذن من أحد
مؤنس ليل المقابر، لولا أحياء عديمو الحياء...
الموتى لا يفكّرون، لا يتألّمون، لا يتكلّمون
فقط يسمعون، ولا يعلّقون 
كم عمرا يلزمنا، حتى نطمئنّ على مصير البلاد؟
وكم حلما يلزمنا حتى نغيّر طبع العباد؟
وكم موتا يلزمنا حتّى نكفّ عن العناد؟
ليس من عاداتك أن تموت(1)
 وليس من عاداتي أن أرثيك(1)
فقط، في كلّ مرّة أضف دقيقة
قد لا تطيل حياتك، 
ولكنّك بها تثري لنا الحياة
فلا عادات لي سوى لقاك
ولا شرفات لي أطلّ منها على البلد في هذا البلد
لا بريد، ولا نبيذ، ولا شتاء 
سوى ثقب الفايسبوك الوقح...
كم من العمر وهبت، وما حسبت؟
وكم من الحَُبّ نشرت، فهل حصدت؟
أراهم يرتّبون الرّحيل في ارتجال  
يتفاوضون في الزّوايا على باقة الزّهور
كم زهرة يضعون؟ من أيّ لون؟ وأيّ نوع؟
ويدقّقون عبارات خطبة التكريم
الإيجاز، رجاء الإيجاز... لا استعارة ولا مجاز، 
فقط فواصل...
فالرجل يقاتل، الرجل مواصل، الرجل مناضل
يتشبّثون بجرعة الأمل، 
كالعاطلين عن العمل(2)
وأرى الإيثار يدفعك إلى قبول الدّور الموكول إليك
فمن يا ترى يكرّم من ؟ 
تمسك الميكروفون، وأنت لا تدري أيّ الجرعتين تغلّب: 
جرعة القلب أم جرعة العقل؟
ولكنّك تتخلّى عن جرعة البهجة
يا سيّد البهجة
أراك تخفي ابتسامة هازئة... أعرف، أعرف، ليس منّا...
ولكن من شيء لم يدركه سواك
وأراك تبحث عنّي بين الحضور
تتطلّع إلى الباب، تتحسّس جيبك 
علّي أطلّ في رنّة الجوّال
أو أطلع من حجر الجدار
أو ربّما فاجئتك من وراء الستار
لكنّك تعرف كم أكره هذا البخور وتلك العطور
وبعض الشمع وبعض السمع
وهذا الغمز وذاك الهمز
بالأمس، وقف هناك الكنعاني المغدور،
نفس الحضور، نفس الزهور، نفس الشعور
رجوتني أن نهرب، لنشرب، احتراما له
هكذا نحن
وجوهنا مطلية بماء الفرق
تهرّأ الأقنعة وتكشف الفرق
لن أبوح لك بحزني
ولكنّني لا أخفيك أملي
في أن تفاجئني كلّ مرّة
بفقط دقيقة
عند انتهاء الدقيقة...
(1) العبارة للمنصف الوهايبي  في رثاء والده
(2) العبارة لمحمود درويش
جلال الرويسي 
مسقط في 12 ديسمبر 2013