lundi 28 janvier 2013

الزردة مدرسة الفقراء

تشكّل الرّياضة والألعاب الفكرية أدوات ناجعة لتعلّم أصول التكتيك والاستراتيجيا. ومن أكثر الألعاب جدوى في هذا المجال لعبة الشطرنج التي تعلّمنا كيف نستدرج الخصم بطعم لنوقعه في الفخّ ونجهز على ملكه. هناك أيضا الرّياضات الجماعية التي تدرّبنا على توزيع الأدوار في تكامل من أجل تحقيق هدف جماعي. وتشترك الرياضات البدنية والفكرية في كون التكتيك يعني محطّات الطريق التي يسلكها اللاعب نحو الهدف النهائي بما يتضمّنه ذلك من مناورات وإيهام بالضعف (تنويم الخصم) وتقديم التنازلات (وهذا هو التكتيك) أثناء التقدّم نحو الهدف النهائي، بينما تقتضي الاستراتيجيا بقاء الذّهن مركّزا على الهدف النهائي، مهما كانت عوارض الطريق.

لست من القائلين بأنّ الطّريق تتشكّل أثناء المسير، أي أنّه لا وجود لطريق مسطّرة سلفا، حتّى أن غلاة هذا الرّأي يؤمنون بأنّ الطّريق إلى البيت أهمّ من البيت ذاته. هذه فلسفة جميلة لمّا تكون الطّريق آمنة وليس فيها قطّاع طرق. أمّا وأنت تعلم أنّ هناك خصما يتربّص بك للإيقاع بك، فعليك أن تقرأ له حسابا وتعدّ مسالك متعدّدة لرحلتك تختار أنسبها أثناء المسير. قد تلائم هذه الفلسفة البنيوية قائدا كشفيا يعدّ أشباله لجولة استطلاعية جبلية على الأقدام، لكن لا يمكن قبول هذا الخطاب من قائد عسكري يوجّه جنوده على ساحة المعركة.

لا يكوّن أبناء الفقراء خبراتهم الشخصية في التكتيك والاستراتيجيا من لعب الشطرنج ولا من متابعة تحاليل كرة القدم ولا من مطالعة كتب لينين أو البنيويين أو تاريخ المعارك والخطط الحربية. إنّما يتعلّمونها في تفاصيل معاركهم اليومية الصغيرة من أجل لقمة العيش. أذكر كيف كنّا نتناول طعامنا ونحن صغارا في قصعة مشتركة نتحلّق حولها ستة إخوة كالقطط تتجاذب جلدة دجاج خلف السوق البلدية. وقد شحذنا أسلحتنا في فن المناورة الغذائية حول قصاع الكسكسي باللحم بمناسبة زيارات الأولياء والأعراس. يضحكني أمر المترفين وهم يتناولون طعامهم في صحون شخصية بالسكين والشوكة دون لهفة، يمضغون لقمتهم بهدوء وأدب ويتوقّفون عن الأكل من حين لآخر للتّحادث ثمّ يستأنفون الأكل في اطمئنان تام على مناباتهم. هؤلاء يمكنهم أن يكونوا بنيويين في علاقتهم بالطّعام، أمّا الفقراء أمثالنا فلا مجال عندهم للمضغ المتأنّي والالتفات أو التوقّف للتّحادث... البلع هو القاعدة، ولنا فيما بعد أن نجترّ كالبقر إذا اقتضى الحال. يغطس الواحد برأسه في القصعة وينهمك في الحفر على الجوانب بأسرع ما يمكن ليخلق جبّا تتدحرج فيه اللحمة فينقضّ عليها وقد صارت من نصيبه بعدما جاءته بنفسها دون أن يسعى إليها. وقد يحصل أن ينهار جدار الكسكسي القائم بين حفرتين فتقع اللحمة في منطقة محايدة لتنغرس فيها مخالب خصمين كاشفة عن نواياهما بصراحة. وفي الأثناء يكون جميع من حول القصعة يتنفّس بمناخيره لانشغال الفم بالبلع، محدثين صوتا يذكّر بشخير الخنازير الصغيرة... وما هي إلاّ لحظة حتّى يتفرّق الجمع معرضين عن حبات الكسكسي وقد تبخّر اللحم، تاركين القصعة كرأس الأقرع. وكم مرّة رأف لحالي أخي الأكبر فسحب من جيبه لحمة مشحّمة ناولني إيّاها بعد المغادرة منبّها إيّاي إلى ضرورة الفوز بنصيبي في المرّة القادمة.

واليوم يريد الوهابيون هدم زوايا الأولياء الصالحين ومقاماتهم الزكيّة الآمنة ليحرموا أبناء الفقراء من شبعة اللحم والشحم....  

dimanche 20 janvier 2013

قابيل وهابيل


كنت جالسا مع جمع من أبناء جيلي في رواق مقهى السوق أثناء زيارتي لقريتي بعد سنين طويلة من الغياب، لمّا عبر إلى الدّاخل شخص يشوّه خدّه الأيسر أثر غائر لجرح قديم، كان كهلا أشيب ينتعل حذاء رياضيا أمريكي العلامة ويرتدي جلبابا أفغانيا أشخم تحت جاكيتة سوداء وترتسم على جبينه كدمة السجود السوداء. حيّاه أحد الجالسين "صباح الخير عم بشير؟" قبل أن يلتفت نحوي سائلا "ألم تعرفه؟". وقبل أن أجيب، اقترح عليّ صديق آخر أن أتحدّاه كأيام زمان في لعبة ورق، فاعتذرت بـأنّني أفضّل الاكتفاء بدور المتفرّج. والحقيقة أنّ الحنين كان قد اكتسحني وصور الماضي صارت تتدافع مستيقظة في الذّاكرة. 
سرحت أتأمّل حياة السّوق وحركة الناس في بطحائه التي لم يتغيّر منها شيء يذكر. رأيتني طفلا في العاشرة متطلّعا إلى المجلاّت البديعة المعروضة على باب كشك الشيخ إبراهيم بالليل، ماسكا بمقبضي البرويطة المحمّلة باحتياجات الأسرة من قضية الشهر (السبيسة). كان والدي يحرص على ترصيف المشتريات بشكل فيه جمالية ونظام يستعرض من خلاله للآخرين تنوّع ووفرة ما اشتراه لعائلته. كنت منغمسا في قراءة العناوين، لمّا استرعى انتباهي صراخ وجلبة قادمين من بطحاء السّوق أين تجمهر الناس يتدافعون حول حلقة يلفّها غبار كثيف. وبدافع الفضول، وجدت نفسي ألتحق بالجمع محاولا أن أشق لي منفذا أطلّ من خلاله على وسط الحلقة. لمّا نجحت في ذلك، فوجئت بحلبة مصارعة رومانية كان بطلاها شابّين أعرفهما جيّدا. أحدهما فرشيشي حديث العهد بالقرية، اسمه بشير وهو جار لنا، يقيم في البرّاكات القصديرية التي أقامتها شركة الفسفاط لإسكان العزّاب المنتدبين حديثا. أمّا الثّاني، فكان الطّاهر لوصيف. شاب أسمر ووسيم، هادئ الطبع ورومنسي. صار نجما معروفا ومحبوبا لدى أهل القرية منذ مشاركته المتميّزة في البرنامج التلفزي "نجوم الغد" حيث أدّى أغنية لعبد الحليم حافظ. يقال واللّه أعلم أنّ له ميولا مثلية. قدّرت في خاطري، ربّما كي لا ينغّص عليّ ضميري لذّة الفرجة، أنّه لا يمكن أن يلتزم كلّ ذلك الجمع بالحياد والاكتفاء بالفرجة دون سبب وجيه يجعلهم يطلقون هذين الرجلين  أحدهما على الآخر. فلابدّ أنّ أمرا جللا حصل بين الرّجلين. كان بشير يتفوّق بوضوح على خصمه في البنية الجسدية والعضلية. وكان متعرّقا يبتسم ويدور حول الطّاهر الملقى أرضا، ممهلا إيّاه كي ينهض دون أن يفارقه بعينيه المتّقدتين كالجمر. كان يبدو منتشيا بسيطرته على خصمه ويتصرّف كما لو كان يؤدّبه. نهض الطّاهر الرّومانسي المسالم مدمى ومترنّحا واستعان بصرخة استلّها من أعماق أعماقه وأطلقها كالجمل الهدّار وعلى فمه مزيج من رغوة بيضاء ودم ساخن، ليفاجأ بشيرا بلكمة جعلت فكّاه يصطكّان ووقفته الثابتة ترتج. أحدث ارتطام قبضة الطّاهر الرومانسي المسالم بشدق بشير صوتا مكتوما وحادّا. ومواصلا صرختة الهادرة التي كان صداها يجلجل في أرجاء سوق القرية، انقضّ الطّاهر الرومانسي المسالم بأسنانه على وجه بشير لينتش منه قطعة لحم حي جعلتني رؤياها أغمض عيني من فرط الفضاعة وأنسحب من الحلقة راكضا نحو منزلنا. 
في العشية، كانت والدتي لا تزال تكمّد لحمي المزرقّ بفعل سياط حزام والدي الجلدي عقابا لي على فقدان برويطة القضية، لمّا دخلت الخالة تركية العوراء لتخبرنا بمقتل الطّاهر الرّومانسي المسالم على يد بشير الفرشيشي... كان سبب المعركة إصرار بشير على الفوز بقلب عائشة راقصة الفنون الشعبية ومنظفة دار الشعب التي كانت ممزّقة بين رومانسية الطّاهر وفحولة بشير. نال البشير حكما بالسجن لعشرين سنة، كبرت خلالها وغادرت القرية للدراسة الجامعية ثم الشغل الذي اقتصر علاقتي بالقرية إلى زيارات خاطفة... لكنّني أبدا ما نسيت مشاهد تلك المعركة الدامية بلكماتها وبلحمة خد البشير الحيّة وبدماء الطاهر الرومانسي. ظللت طوال السنين أتساءل في ثورة "لماذا لم يتدخّل المتفرّجون من سكّان القرية لفض المعركة؟؟ لماذا اختاروا الفرجة وتلذّذوا بها؟؟ كان يمكن لبشير أن لا يصير قاتلا، كان يمكن للطّاهر الرومانسي المسالم أن لا يموت مقتولا..."
أحسست من نظرة عم بشير إليّ وهو يدخل المقهى، كما لو أنّه قد عرفني. 

جلال الرويسي- منّوبة جانفي 2013 

samedi 12 janvier 2013

حارس المكتبة

الأمينة والحارس
لم تختر عفاف مهنتها كأمينة للمكتبة العمومية بمسقط رأسها، ولكنّ الحاسوب المتحكّم في نظام التوجيه الجامعي هو الذي شاء لها أن تدرس علم المكتبات. وبعد التخرّج فرضت عليها أسرتها العمل بقريتها الواقعة في غرب شمال تونس. هكذا، وجدت عفاف نفسها في هذه المهنة رغم إرادتها وهي التي كم تمنّت أن تعمل مضيّفة طيران تقضي حياتها معلّقة في الجوّ تتنقّل بين مدن العالم وتتعرّف على الأثرياء ونجوم الفن الذين يسافرون بالطائرة، عسى السعد يسعفها بالزّواج من أحدهم.

ورغم تبخّر حلمها ظلّت نافرة من هذه المهنة التي لا تليق، في نظرها، لا بجمالها ولا بطموحها. يثير حنقها بعض زملائها الذين يردّدون كلاما "غبيّا" عن نبل هذه المهنة وسحرها. فهي تكره الكتب ورائحتها ولا تطيق الاختلاط بالقرّاء في قاعة المطالعة.

حال وصولها إلى مركز عملها، تنزوي عفاف بمكتبها الذي علّقت على بابه صفيحة معدنية لمّاعة تحمل عبارة "مديرة المكتبة" بدلا عن صفيحة "أمينة المكتبة" البلاستيكية البالية التي أرسلتها الإدارة، ثمّ أضافت معلّقة أخرى تحمل عبارة "ممنوع الدّخول دون موجب عمل". وتقضّي عفاف كامل وقت العمل منعزلة في مكتبها تهاتف أختها أو تقرأ حظّها على صفحات الجرائد، لا تخرج إلى قاعة المطالعة إلاّ لماما أو في آخر حصة العمل لتتعمّد إزعاج من بقي في قاعة المطالعة من القرّاء حتّى تدفعهم إلى المغادرة قبل نهاية التوقيت. وحالما ينصرف آخر قارئ تسارع إلى الضغط على الزرّ المركزي للعدّاد الكهربائي فتطفأ الأضواء وتغادر مركز عملها تاركة الكتب على الطّاولات دون إعادة ترتيبها على الرّفوف، مادامت موقنة أنّ الحارس الليلي سيتكفّل بذلك.

بعدما يصلّي المغرب في الجامع المجاور، يقصد عم حمّادي مقرّ عمله كحارس ليلي للمكتبة العمومية بهذه القرية الصغيرة الآمنة التي ترصّع رأس جبل مكسو بأشجار البلّوط والفرنان. ولكنّ جمال موقعها لم يحم القرية من التجاهل ولا دفع عن أهلها الفقر والغبن. فلولا ما تركه المعمّرون الفرنسيون الذين سكنوها من مرافق لبقيت جزء من تلك الغابة الكثيفة المسكونة بالخنازير والذئاب. وها هي اليوم نثار من بقايا بنايات هرمة ذات سطوح قرمودية قرمزية مالت مع الوقت والإهمال إلى الرّمادي، ومنها المدرسة ومركز البريد ومحطّة القطار المهجورة ونادي الصيادين الذي تحوّل إلى مركز لحرس الغابات والكنيسة التي صارت مكتبة عمومية. والحقيقة أنّ هذه البناية المتميّزة بزخرف واجهتها وبلّور شبابيكها العملاقة الملوّن وعلوّ سقفها الذي تعشّش فيه طيور الخطاف أضفت على المكتبة وجاهة لافتة. وأعطاها وقارا موقعها في أعلى نقطة من القرية بين الأشجار وبجانب عين طبيعية يتبرّك الناس بمائها العذب الذي لا يشربون سواه.

حال وصوله إلى المكتبة، يبادر عمّ حمّادي بإشعال الأضواء ثم يفتح الشبابيك لتغيير الهواء وطرد الروائح الكريهة، وكلّه حنق على عفاف وعلى عاملة التّنظيف لتقصيرهما في العناية بالكتب والقاعة والأثاث. وينشغل بعد ذلك بمسح الخزائن وإعادة الكتب إلى الرّفوف بعدما ينفض عنها الغبار برفق متأمّلا عناوينها ورسومها وهو يتمنّى لو كان يتقن القراءة ليؤنس وحشة ليله بما فيها من معلومات وحكايات ومعارف... بعدها، يغلق عم حمّادي الشبابيك ويشعل عود الندّ لتعطير المكان. ويشغّل في حركة آلية جهاز الرّاديو على الإذاعة الوطنية لسماع نشرة أنباء الثامنة. وفي الأثناء تراه شاخصا ببصره في الرفوف المرصوصة كتبا. وللمرّة الألف، يمرّر بصره ببطء على الرفوف في خط أفقي دائري كحركة الكاميرا عبر أرجاء القاعة الفسيحة الساكنة فيتعرّف على الكتب العائدة من الإعارة ويفتقد الكتب التي استعيرت كما لو كان راعيا يتفقّد قطيع أغنامه قبل إدخالها إلى الزريبة. ثمّ يردّد في سرّه بإصرار "مثلما تعلّمت الغوص في البحر لصيد المرجان، سأنجح يوما في فكّ ألغازك والغوص في أعماقك أيتها الكتب العصيّة"... هكذا نشأت ألفة بين عم حمّادي والوثائق حتّى غدت لا تستطيع الاستغناء عن مداعبات أنامله الرّقيقة التي كانت تغمرها حبا وأمانا.
 
عالم عم حمّادي 
يوم بلغ عم حمّادي سنّ التقاعد، أصرّ على مقابلة المدير العام للمكتبات حتّى كان له ما أراد. شرح له أنّه يرفض التقاعد لأنّ المكتبة لم تكن بالنسبة إليه مجرّد مقرّ عمل، بل هي كلّ شيء في حياته. عاش فيها أربعين سنة حفظ أثناءها وجه كل كتاب وحجمه ورائحته وجروحه ولطخاته... فكيف له أن يتخلّى عن رفاقه بعد هذه الرّحلة التي أهدته أفضل ما كسب وهو القدرة على القراءة ؟ وأي غرفة نوم أدفأ من قاعة المكتبة؟ وأين سيذهب وهو الذي لم يفكّر يوما في امتلاك منزل أو في الزواج والإنجاب؟ مازال لديه كتب كثيرة لم يفتحها بعد، ويا ليت العمر يمهله كي يقرأ كتب الدنيا جميعا.  
فالمكتبة منزله والكتّاب آباؤه وشخصيات الكتب إخوته وأصدقاؤه والكتب أسرته والقصائد حدائقه والروايات رحلاته، وشهرزاد وأفروديت وفينوس حبيباته. لم يرج المدير العام أن يبقيه في حالة مباشرة، وإنّما أعلمه بقراره البقاء في حالة مباشرة. "سأستمرّ في عملي بالمكتبة على وجه التطوّع" هكذا لفظها في وجه المدير العام، قبل أن يضيف "ولتعتبرني الوزارة حارسا بمقابل، ولكن أنا الذي سأدفع، وليست الوزارة". ضحك المدير العام وقد أعيته الحيلة، ثمّ أجاب "يا عم حمّادي، القانون يمنعني أن أبقيك ولكنّ قلبي يمنعني أن أقصيك. ليبق الأمر سرّا بيننا". وهكذا واصل عم حمّادي حياته في المكتبة. حياة بسيطة لا شيء فيها ممّا تعوّد النّاس تأثيث حياتهم به.  لا تلفزيون ولا صالون ولا غرف ولا مطبخ ولا حمّام، ولا صلة رحم ولا برّاد شاي ولا حيوانات أهلية. 


ولكنّ عم حمّادي كان سعيدا بحياته تلك. فهي رغم فقرها الظاهري غنية جدّا، فيها السمر والسفر والنقاشات والحكايات والاكتشافات والمغامرات والمفاجآت والأشعار والفنون والمعارف المتنوّعة... يجد عم حمّادي كلّ ذلك في عوالم الكتب والجرائد والمجلاّت. وقد تعوّد أن يفترش طبقة سميكة من الجرائد يغلّفها بخريطة بلاستيكية عملاقة للعالم فيحصل على حشيّة وثيرة. ثم ينهمك في مطالعة كتب الحكايات الساحرة مثل "ألف ليلة وليلة" متقلّبا فوق الخريطة في وضعيات عدّة، فتراه يدوس أدغال أستراليا بقدمه ويداعب إفريقيا بأرنبة أنفه ويلطم أوروبا بكفّه ويعطس على أمريكا ويضرط على الجزيرة العربية إلى أن يأخذه النعاس فيتداخل عنده خيال القصص مع خيال الأحلام التي تؤثّث نومه ولا يقطع حبلها إلاّ آذان الفجر.  

 

لمّا يوقظه آذان الفجر، من طقوسه أن يتوضّأ بحنفية المكتبة التي لا يرضى عنها بديلا. وبعدما يعود من الجامع، يجمع حشية الجرائد ثمّ يشعل سخّان البنزين دون أن ينسى وضع ركوة القهوة التركية على صفيحته المعدنية. يفتح جهاز الرّاديو بصوت خفيض ليستمتع بتراتيل الشيخ علي البرّاق والمدائح والأذكار، إلى حدود نشرة أخبار السّابعة التي يصدح إثرها المذياع بصوت السيّدة فيروز وكأنّه إشارة للرّكوة حتّى تفيض فتغمر المكان برائحة القهوة المنعشة.
وما هي إلاّ دقائق حتّى يسمع عمّ حمّادي منبّه سيارة الأجرة القادمة من العاصمة فيخرج لتسلّم لفافة الجرائد اليومية من السّائق. ولا ينغّص صفو صباحه إلاّ قدوم المنظّفة التي تشرع في التبرّم والتذمّر حال وصولها. 

استرجاع المسروق 
كان جميع أهل الرّواية من مؤلّف وشخصيات وكلمات وصور يغطّون في نوم عميق، ليس فقط لأنّ الوقت ليل، فقد تعوّدوا النّوم حتّى أثناء فتح المكتبة للعموم لأنّ القرّاء لا يتصفّحون هذه الرواية ولا يقبلون على مطالعتها... ليلتها، فوجئ الجميع بطرقات حادّة أيقظتهم فزعين متسائلين عمّن يكون هذا الزّائر الثقيل في هذا الوقت المتأخّر... وحده مؤلّف الكتاب ابتهج لهذه الزيارة التي طالما انتظرها ومنّى النفس أن تكون طالع خير يطرد النحس عن كتابه ويكسر طوق عزلته... 
هدّأ الكاتب من روع مخلوقاته ودعاها أن تلزم أماكنها وتنهض بأدوارها كما حدّدها لها حتّى تنجح في شدّ انتباه هذا الزّائر. وقبل أن يطلّ متطلّعا إلى معرفة الطّارق همس للجماعة "ألم أقل لكم أنّ لحظة السعد لا ميقات لها؟ تأتي متى شاءت، وها قد حلّت جالبة معها القرّاء والشّهرة والمجد... قولوا معي وداعا للوحدة والكآبة"... ظلّت بعض الفقرات والشخصيات المتنطّعة مرابطة وراء دفّة الغلاف مصيخة السمع للحوار بين ربّ الكتاب وزائره. لكنّ الحوار جاء حادّا من بدايته، فقد قدّم الطّارق نفسه بوصفه كاتبا سطا مؤلّف الرّواية على أفكاره وسرق شخصياته. وقال أنّه يقيم في الرّف المقابل بنفس هذه المكتبة في كتب ثلاث هي من بنات أفكاره. وقد علم بأمر السرقة عن طريق كتاب في النقد الأدبي تعرّف عليه فوق طاولة أحد القرّاء.. 
وسرعان ما تصاعدت الأصوات من داخل الكتاب كزقزقة الفراخ في الأعشاش "أبي، أبي، أين أنت؟؟ جئت لتحرّرنا من الأسر... ياللرّوعة... مرحى بالحرّية، تحيى الحرّية". ثمّ اصطفقت دفّتا الكتاب وأوراقه اصطفاق الشبابيك والستائر في العواصف الهوجاء لتنطّ من داخلها الحروف خارج الكتاب وتتناثر كحبّات القمح المرشوش أمام دهشة الكاتب المتحيّل وبهجة مؤلّفها الحقيقي. بقيت الرواية مرتجفة كصندوق خشبي فارغ لفظه البحر على شاطئ مهجور وقد نخره الملح فانتشرت على صفحاتها الثقوب كما لو كانت زخّات رصاص... وضجّت المكتبة بالضحكات السّاخرة المنبعثة من الكتب المصطفّة على الرفوف وردّد صداها سقف القاعة العالي حتى أيقظ عم حمّادي وطيور الخطاف التي راحت تحلّق فزعا في أرجاء القاعة.
  
رحلة "البؤساء"
اعتاد عم حمّادي كلّما أصابه أرق أن يسمع ما يدور بين سكّان المكتبة من حوارات. وفي تلك الليلة طيّر الجوّ الساكن والحارّ النوم عن عيني عم حمّادي، حتّى سمع رواية "العطر" لباتريك سوسكيند التي عادت يومها من رحلة إعارات متتالية جعلتها تغيب عن المكتبة شهورا، سمعها تسأل جارتها الجديدة عمّن تكون فأجابتها "أنا "في انتظار الحياة" للتونسي كمال الزغباني، وصلت المكتبة منذ أسبوع ومازلت أنتظر أوّل من يطلب ودّي لأكشف له سحري وأبوح له بمكنوني." ثمّ أومأت لها بأنّ جارتها التي عادت إلى الرّفوف هذا الصباح تشارف على الموت من فرط الإنهاك. وقد زارها عم حمّادي واعدا إيّاها بالعلاج السّريع وطمأنها بأنّ الأدب لا يموت. قطعت الرّواية المنهكة الكلمة عن "في انتظار الحياة" لتكمل الحديث بنفسها " أنا "البؤساء" لفيكتور هيغو، ولدت في جزيرة غارنازاي بشمال فرنسا، وترجمني إلى العربية منير البعلبكي وجئت تونس سنة 1980 من بيروت عبر البحر رفقة ثلاثمائة أخت أخرى توزّعن في مكتبات البلاد التونسية. وكنت من نصيب مكتبة هذه القرية الرّائعة. ومنها انطلقت رحلاتي الطويلة مع القرّاء. من مكاني هذا تداولني أكثر من ألفي قارئ جعلوني أسافر إلى أماكن عديدة وأدخل بيوتا كثيرة وأتنقّل بين أيدي لا تحصى من أقربائهم وأنام في أسرّتهم وأفتح في مقاه وحدائق وقطارات وطائرات وبواخر وبيوت حمّام تحت ضوء الشموع ونور الشمس الساطع وفي فيء الغابات. آنست وحشة ليل الكثيرين وخفّفت من آلام المرضى بالمستشفيات وقصّرت من طول نهارات السجن لعديد المحكومين وأثّثت عطل التلاميذ... واليوم أصابني الوهن وصرت عجوزا هرمة مترهّلة. تعبت من التصفّح والفتح والغلق والضم، لكنّني لم أفقد شيئا من جمالي وسحري... أريد فقط أن أعالج من هذه الجراثيم التي تنهش لحمي فتثقب أوراقي وتفتّتها ومن هذا الغبار الذي يسدّ مسامّ جلدي ويمنعني من التنفّس. آه لو يفكّروا في إخضاعي لعملية تجميل فيجلّدونني ويسفّرونني، ثم ينقلونني قبالة النافذة الشرقية. فصفحاتي التي عشّشت فيها الرّطوبة ونبت في بعضها الخزّ تحتاج قليلا من نور الشمس الصباحي الناعم يجفّفها دون أن يحرقها فتسترجع بياضها دون أن تصفرّ. وسأكون شاكرة فضلهم لو فكّروا في تمريري على الماسح الضوئي أفرغ عبره جعبتي في ذاكرة الحاسوب فيصير بإمكان القرّاء مطالعتي عن بعد ويخفّ عن جسدي المنهك عبء التصفّح والتنقّل خارج المكتبة." ألقت "العطر" نظرة داخل رفّ الروايات متفقّدة جاراتها لتتعرّف عن الغائبات والعائدات والوافدات الجديدات... فافتقدت "الدقلة في عراجينها" و"زهرة الصبّار" و"الياطر" و"موسم الهجرة إلى الشمال" و"الغريب"... 


ورغم حالة الغيرة لدى البائرات من الرّواج الذي تلقاه "العطر" عند القرّاء، إلاّ أنّهنّ ابتهجن تلك الليلة لعودتها بعد طول غياب وتجمّعن حولها لتروي لهنّ ما عاشته من مغامرات ومفاجآت مع قرّائها. حدّثتهنّ كيف أنّها كادت تفقد بطلها "جون بابتيست غرونوي" بعد أن عشق قارئة سحرته بعطرها فهام بحبّها وراح يغازلها ويناجيها حتى استمالها فحرّك غيرة خطيبها الذي ثار ذات مرّة ودلق كامل زجاجة العطر على الرّواية فذاب حبر العديد من صفحاتها وتبخّر منها ذكر البطل حتّى لم يعد ممكنا معرفة مصيره بعد أن ورد ذكره في آخر صفحة سليمة وقد أخذ منه الجوع والحمّى في غار جبل معزول..."راحت القارئة كالمجنونة تنطّ بين فقراتي وتقفز عبر صفحاتي باحثة عن إشارة تطمئنها على مصير حبيبها، ولمّا أعيتها الحيلة ها قد أعادتني اليوم إلى المكتبة". تنهّدت "العطر" قائلة أنّ التنقّل أنهكها هي الأخرى وأنّها رجت عمّ حمّادي أن يتدخّل لدى المديرة كي ترسلها إلى مصحّة الكتب حتّى تخضع لعملية زرع للصفحات المتلفة.   
      


الحاشية والمتن

توقّف صفي الدّين عند تعليق على هامش فقرة أثارته، حيث دوّن صاحب التعليق "رائع، رائع، رائع". ولم يتمالك صفي الدّين نفسه عن التعليق على ذلك التعليق "ما الرّائع في الأمر؟ ما جاء في هذه الفقرة إسقاط على الواقع بل وفيه مسّ من المقدّسات." ثمّ أغلق الكتاب وأرجعه إلى مكانه في الرّف وغادر المكتبة. لكنّ الخصام ظلّ محتدما بين فقرة الحاشية التي دوّنها صفي الدّين معلّقا على عدم واقعية الموقف الذي قرأه وبين فقرة القصّة موضوع التعليق، وفيها يصف الكاتب كيف هرّب طفل الخروف خارج البيت ليلة العيد لإنقاذه من الذّبح صبيحة يوم العيد. وقد دفعه إلى تلك الفعلة الصداقة والعشرة اللتان توطّدتا بينهما منذ أن اشترى والد الطّفل الخروف وجاء به إلى المنزل. فقد تلازم الصديقان قرابة الشهر يلعبان في بطحاء الحي ويربحان سويا معارك النطح. قالت فقرة المتن لتعليق صفي الدّين على الحاشية "صاحبك لم يفهم عمق الحكاية التي تتحدّث عن شدّة تعلّق الطّفل بالحيوان ولا علاقة لها بانتقاد المعتقدات والعادات". لكنّ الحاشية تمسّكت بأنّه كان بإمكان الكاتب أن يختار لأحداث قصّته زمانا ومكانا آخرين غير عيد الإضحى في بلادنا.  

الطّوفان

كلّ المؤشّرات كانت تنذر بحصول المكروه ذات يوم. ولكنّ الإدارة لم تحرّك ساكنا لإصلاح الوضع واتّقاء الخطر الدّاهم. ليلتها، لم يصمد ذلك الكرتون المقوّى، الذي ثبّته عم حمّادي مكان مربّعات الزّجاج المكسورة، طويلا أمام عاصفة المطر التي كانت تصوّب سياط غاراتها المتتالية على الناّفذة العالية مسنودة بريح هوجاء. ولم تمهل قوّة العاصفة عم حمّادي حتّى ينقل كتب الرفوف المواجهة للنافذة ففرقعت دفّتي النافذة المسدودة بالكرتون لينهمر المطر الغزير على الكتب وتعبث قوّة الرّيح بساقي الرّف العجوز فيترنّح قبل أن يتهاوى بما فيه من الكتب على الأرض المغمورة بالماء. تملّك الذعر عمّ حمّادي وراح يجمع الكتب بين أحضانه ويكدّسها فوق الرّفوف البعيدة عن الخطر. ولكنّ الماء كان قد غمر الكثير من الكتب التي راحت تسبح فوق الماء وقد سال من صفحاتها حبر كثير واختلطت فقرات وشخصيات وأفكار هذا الكتاب بذاك... لمّا توقّفت العاصفة كنس عمّ حمّادي الماء خارج القاعة باتجاه الحديقة، وشغّل المروحة الكهربائية عساها تجفّف بهوائها الكتب المبلولة. وقضّى ما تبقّى من ليلته يطوف بين الكتب المتضرّرة يتفقّد حالتها ويجفّف البعض منها بخرق القماش ويعرّض بعضها للهواء وبعضها الآخر لسخان البنزين.

بعد أسبوعين من تلك الحادثة، لاحظ عم حمّادي أنّ نباتات غريبة الشكل بدأت تظهر في أرض الحديقة ودون أن ينبّه أحدا لما يحدث، راح يراقب نموّ هذه النباتات حتى استوت شجيرات صغيرة لأوراقها شكل الحروف. عندها حدّث عفاف التي لم تصدّق الأمر في البداية. ولكنّها لمّا عاينت الأمر بنفسها قامت بتحرير تقرير إداري إلى سلطة الإشراف طالبة إرسال جنّان لتطهير الحديقة من هذه الأعشاب الطفيلية. ولولا أنّ جمعية أحبّاء المكتبة والكتاب سارعت إلى إشهار الأمر وتحويله إلى حدث ثقافي وبيئي جلب الصحافة والسياح لكان مصير هذه الحديقة الاندثار. وهاهي حديقة الكلمات والأفكار اليوم تتوّج بوصفها الأعجوبة الثامنة التي تنضاف إلى عجائب الكون السبع. حديقة كل شجرة فيها تمثّل كتابا وكل غصن منها هو فقرة من الكتاب وكلّ فرع في الغصن هو كلمة وكلّ ورقة في الفرع هي حرف. ومن الأوراق الساقطة تنبت كتب أخرى تثري الحديقة.   




الرافل
حدّث "عباس يفقد الصواب"، قال: مرّ على مكتبات هذي البلاد زمن كانت الكتب تفاجأ فيه بحملات تمشيط تستهدف إيقاف بعضها وسحبها من الرّصيد كي تحبس في دهاليز وزارة الثقافة. كانت وزارة الثقافة قد أوكلت هذه المهمّة لموظّف زاد من عنده على ما أوصوه به من الجدّية. يحلّ بالمكتبات دون سابق إعلام وكأنّه كومندوس مكلّف بمداهمة مكان يتحصّن داخله مجرم خطير. تارة يأتي لابسا جبّة وعمامة لينفّذ مجازره في كتب الفلسفة والفن والأدب. وتارة يلبس تاج ملك ويشنّ حملة تطهير واسعة في كتب السياسة والدّين وعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع. أدهى ما فيه أنّه يستطيع التخفّي إلى درجة التسلّل إلى أدمغة الكتّاب والنّاشرين والتعشيش فيها فيوحي إليهم بشكل استباقي للفضائح وإحراج المنظمات الحقوقية بما لا يجوز نشره وتداوله. ورغم بطشه بنا ككتب، إلاّ أنّنا كنّا نتسلى بحمقه وغبائه فقد يصادف أن يحجز بعضنا لأسباب تافهة ومضحكة ككتب السياحة أو كتب المجازات. وقد تشرّفت مكتبتنا بزيارة مفتّش الكتب هذا مرّتين. كان في كلّ مرّة يختلي بمديرة المكتبة التي تسارع إلى تعليق معلّقة خاصّة كتب عليها "ممنوع الدّخول، اجتماع مغلق" مكان معلّقة "ممنوع الدّخول دون موجب عمل". يحدس عم حمّادي الذّي يكون وقتها موجودا بقاعة المطالعة بصفته مواطنا مشتركا بالمكتبة ما يحصل. يغمز باتجاه المطلوبين موشوشا "رافل، رافل" قبل أن يقوم بجولة عبر الرّفوف. في الأثناء يكون الرّقيب قد سحب من محفظته الرّسمية جدّا قائمة المفتّش عنهم ثم شرع في التثبّت إن كانت العناوين المضمّنة بقائمته موجودة في قاعدة بيانات المكتبة. وكلّما عثر على عنوان محلّ تفتيش دوّن رقمه ورمزه للقبض عليه وتنفيذ بطاقة الجلب الصادرة بشأنه. وما هي إلاّ ساعة حتّى يخرج مفتّش الكتب مصحوبا بمديرة المكتبة شاهرا قائمته بيده وينطلق في البحث عن المطلوبين. لكنّ عم حمّادي يكون قد هرّبهم جميعا. وفيما ينشغل المفتّش الأحمق بتحرير تقرير يؤكّد سلامة الرّصيد ونقاوته من أيّة شوائب تنخرط بقية الكتب في ضحكات هستيرية لا يسمعها سوى عم حمّادي. ومن الغد تسترجع الكتب مكانها على الرّفوف دون علم المديرة المغفّلة. يوجد بيننا مساجين قدامى استرجعوا حريتهم وممنوعون سابقون عانوا من المطاردة والتضييق في القرون الخوالي. كما يقيم معنا لاجئون فكريون ممنوعون في بلدان الشرق العربي. وقد اهتدى هذا الجمع منذ عام إلى فكرة تحمي أفراده من المطاردة وتعرّف بمعاناتهم السّابقة والحالية في تونس وخارجها. وتتمثّل فكرتهم في تأسيس جمعية أطلقوا عليها اسم "اتحاد الكتب الممنوعة". وتتكوّن الهيئة التأسيسية من الكتب التالية: "الإنسان الصّفر" (لعز الدين المدني)، " الشمس طلعت كالخبزة" (للطّاهر الهمّامي)، "مولد بطل" (لفاتح والي)، "نشيد الأيام الست" '(لمحمّد الصغير أولاد أحمد)، "عباس يفقد الصواب" (لحسن بن عثمان)، "نشيد النقابي الفصيح" (لآدم فتحي)، "النسر والحدود" (لهشام القروي)، "لبنات" (لعبد المجيد الشرفي) "مذكّرات رجل أعمال ناجح" (لحبيب الحمدوني).






الأستاذ حامل
كان ضوء الصّباح لم ينبلج بعد لمّا سمع عمّ حمّادي هدير محرّك سيّارة الأجرة القادمة لتوّها من العاصمة جالبة لفافة الصحف اليومية. ولم يمنعه غبش النافذة حيث كان الثّلج قطنا ناعما وخفيفا يتساقط بحنوّ على بلّورها، من أن يتبيّن في بهرتي ضوء السيّارة طيف رجلين عرف منهما السائق بينما كان الثاني لرجل غريب يمسك مطرية بيمناه وحقيبة سفر بيسراه. لمّا فتح عمّ حمّادي الباب حيّاه صديقه السائق بمودّة ظاهرة بينما سلّم الغريب بأدب لفت انتباه عم حمّادي. قال السائق "يسعدني أن أعرّفك بأستاذ الأدب الذي عيّن للعمل بمعهد قريتنا. لم يطلب منّي مساعدته في العثور على منزل للكراء بل سألني إن كان لدينا مكتبة عمومية بالقرية، فجئتك به." فرح عم حمّادي بالأستاذ كما لو كان ضيفه الشخصي ودعاه إلى الدخول لشرب قهوة والاحتماء من البرد. ولمّا لاحظ عم حمّادي أنّ الأستاذ صموت احترم انطوائيته وتعفّف عن إزعاجه بالأسئلة. لكنّ تلك القهوة الصباحية كانت كافية لتنشأ بين الرّجلين مودّة عميقة في صمت. كان للأستاذ عادات وطقوس غريبة. فقد كان يأتي إلى المكتبة كلّ صباح شارد الذهن، يمشي الهوينى يكاد لا يحرّك رقبته كأنّ رأسه كأس مملوءة يخاف أن يدلق ما تحتويه، وينزوي في مكان بفناء القاعة قبالة نافذة بلّورية عملاقة. ويظلّ ثابتا في مكانه لا يغادره مولّيا ظهره لجميع من في القاعة ومراوحا بين الكتابة وتكميش الأوراق ورفسها والتأمّل في ما وراء النافذة حيث تطلّ رؤوس الأشجار النابتة في منحدر الجبل كتيجان من أكاليل الزهور.
ولم يلبث حدس عمّ حمّادي أن صدق، عندما قطعت موسوعة "أونيفارساليس" (دائرة المعارف الكونية) ذات ليلة لعبة الشطرنج مع منافسها الحكيم "لسان العرب" لتعلمه بأنّ الأستاذ حامل في سنته الثانية وأنّها تراقب يوميّا مخاضه العسير. ابتسم شيخ المكتبة الوقور "لسان العرب" قبل أن يحرّك الفيل على رقعة الشطرنج ثمّ أومأ لها بوقاره المعهود أنّه على علم بالأمر.  
أشفق عمّ حمّادي على صديقه وقدّر معاناته مع هذا الحمل الذي لا يشبه في شيء الحمل الآدمي المعتاد. فهو مفتوح للجنسين وليس حكرا على الإناث ولا يتمّ في الرّحم أسفل البطن وإنّما في الدّماغ، وغالبا ما تتداخل فيه فترتا الحمل والولادة اللتان تستغرقان شهورا قد تتجاوز السنين... وقد أدركته هو الآخر رياح التكنولوجيا الحديثة، حيث بدأت القابلة التقليدية المعروفة بالقلم تفسح المجال شيئا فشيئا لمصحّات عصرية تسمّى الحواسيب تتولّى عملية الولادة وتساعد أثناء الحمل. لذلك، طلب عمّ حمّادي من مديرة المكتبة تسهيل الأمر على الأستاذ بتمكينه من العمل على الحاسوب الوحيد الموضوع على ذمّة القرّاء خصوصا وهو موصول بالانترنيت. وقد شكر الأستاذ لعم حمّادي هذه المساعدة التي خفّفت عنه الأعباء كثيرا. ولكن لا أحد كان يتوقّع تلك النهاية الأليمة التي جعلت جميع من في المكتبة يبكي بحرقة لما حلّ بالأستاذ وبجنينه. فقد صادف ذات يوم أن كان الأستاذ بصدد ولادة قسم جديد من روايته وإذا بناقوس إنذار حاد يصدر عن الحاسوب، وما لبث السّواد أن لفّ شاشة الحاسوب. وقد فهمت عفاف عند سماعها الصّوت أنّ فيروسا خطيرا قد أصاب ذاكرة الحاسوب فخرجت تستطلع الأمر. كان الحرج باديا على وجه الأستاذ الذي طفق يعتذر ويشرح لها أنّه فوجئ بما حصل طالبا منها التدخّل لتشغيل الجهاز ثانية. لكنّها أخبرته بلامبالاة أنّ ذاكرة الحاسوب أتلفت بالكامل ولن يكون بالإمكان استرجاع ما تحتويه... أطرق الأستاذ لحظة ممسكا رأسه بين يديه وانخرط في نشيج مكتوم. وما هي إلاّ لحظات حتّى كانت جميع الكتب المفتوحة على الطاولات تنغلق من تلقاء نفسها وتطير لتتحلّق حول الأستاذ في موكب عزاء خاشع. غادر جميع القرّاء المكتبة بسرعة، بينما ظلّ الأستاذ مسمّرا في مكانه لا يقوى على المغادرة ممّا أجبر عفاف على عدم الانصراف وانتظار وصول عم حمّادي. ولمّا علم بما حصل، صفّق عمّ حمّادي بيديه أسفا وصاح "أنا السبب، أنا السبب، كان المسكين سعيدا بحمله، لم يشتك من شيء ولا طلب شيئا، ولكنّني صاحب فكرة الحاسوب...اللعنة على التكنولوجيا"


 
مدينة الكلمات
منذ أن أرغم الشباب الثائر الدكتاتور الأمّي، الذي حكمهم ونهبهم وكمّم أفواههم طيلة ثلاث وعشرين سنة على الهرب، تفشّت بين الناس أمراض جديدة لم يألفوها من قبل، ومن بينها حمّى الكلمات والغثيان اللفظي والإسهال الخطابي واستسهال التعبير، حتّى صاروا يتحدّثون في كلّ شيء دون ضابط ويكتبون على كلّ المساحات الصّالحة للكتابة والمعروضة لملاحظة الآخرين كالبشرة (الوشم) والملابس والمحافظ والجدران والأبواب وغيرها، حتّى لم يبق في الفضاء البصري مساحة إلاّ وغطّتها الخربشات... وصار عم حمّادي لا يقطع طريقه من المكتبة إلى الجامع إلاّ وقد غدت رأسه تغلي كالقدر من فرط ما يتملّكه من قنوط وكدر بسبب ما يقرأه على الجدران وعلى الأكفّ والسراويل والأقمصة. 

ولم يكن ما يسوء عم حمّادي فحش في القول أو بساطة المضمون المكتوب، بقدر ما كان كثرة الأخطاء اللغوية ورداءة الخط وقبح المنظر بشكل عام. وذات يوم، وهو يهمّ بدخول المكتبة لاحظ على سياجها الخارجي كتابة جعلته يستشيط غضبا. ولأنّ الأمر وصل إلى عقر داره، فقد نام عمّ حمّادي مشوّش البال... لمعت في ذهنه فكرة أن يضع موهبته في فنون الخط العربي في خدمة القرية وشبابها. فقد كان عمّ حمّادي قد سهر الليالي الطّوال بالمكتبة وهو منكبّ على كتب الخط يتأمّل مختلف أنواع الخطوط ويتدرّب على كتابتها حتّى صار خبيرا بأسرارها وقواعدها جميعا. ولأنّه تعوّد على ردود فعل عفاف أمينة المكتبة التي ستعرقل بدهاء مفضوح مسعاه من خلال الثناء على الفكرة أوّلا ومن ثمّة الاستدراك بسلسلة من التحفّظات والتخوّفات تحبط بها العزائم وتئد الفكرة في المهد، فقد مرّ إلى التنفيذ مباشرة. وحال عودته من صلاة الفحر، اتّجه إلى القسم السابع المخصّص للفنون داخل الرّصيد وسحب جانبا جميع الكتب التي تتناول فنون الخط العربي. وحال طلوع النّهار، توجّه إلى صديقه ياسر أستاذ الفنون التشكيلية بالمعهد الثانوي وعرض عليه الفكرة بحماس شاطره فيه ياسر. وسرعان ما اتّفق الصديقان على مراسلة مكاتب منظّمتي الألكسو واليونسكو لطلب تمويل المشروع.
أطلق عمّ حمّادي على مشروعه عنوان "كتب ع الحيط"، واقترح ياسر عنوانا موازيا بالفرنسية
  "fresques livresques
وتتمثّل الفكرة في تكوين ناد للخط العربي بالمكتبة يتمثّل نشاطه في دعوة الأعضاء إلى اختيار مقتطفات من كتب يرشّحونها كي تكتب ببنط كبير على جدران منازل القرية. وللمشارك حرّية اختيار النص الذي سيكتبه نثرا كان أو شعرا أو حكمة أو مثلا شعبيا دارجا، أو غير ذلك من فنون الأدب... على أن يتوّج سكّان القرية فيما بعد سياج المنزل الذي يحمل أفضل نص شكلا ومضمونا... لم يكن عمّ حمّادي يتوقّع ذلك النّجاح الباهر الذي لاقته فكرته، فسرعان ما انخرط فيها الشباب وأقبل عليها السكّان عارضين جدران منازلهم وما لبثت الفكرة أن حظيت بدعم أشهر الفنّانين التشكيليين الذين جاؤوا إلى القرية مساندين ولم يفت ذلك وسائل الإعلام التي غطّت تلك الزيارات وبثّت تحقيقات مصوّرة تعرّف بما تحوّل مع الأيّام إلى ظاهرة ثقافية واجتماعية وسياحية واقتصادية. فقد غدت القرية قبلة الزائرين من سكّان البلد ومن السيّاح الأجانب. فانتصبت مقاه قبالة الجدران المكتوبة راح يجلس إليها الزائرون يقرؤِون ويستهلكون المشروبات ويتناقشون. ثمّ تأسّس مهرجان فنّي صار فيه الرسّامون يقترحون على السكّان تصميم أبواب منازلهم في شكل صفحات عناوين الكتب التي منها استخرجت نصوص الجدران. وهكذا صار في القرية بيوت تسمّى "الأم" و"الأيادي الوسخة" و"أزهار الشر" و"فصل في الجحيم" و"كتاب الضحك والنسيان" و"الإخوة الأعداء" و"الدّار الكبيرة" و"مولد النسيان" و"القيلولة" و"السجن" ووو. ثمّ ازدهرت مهن أخرى تدور في فلك القراءة والكتابة، من ذلك الخطّاطون الذين صارت القرية تصدّر خدماتهم في فنّ كتابة اللافتات والواجهات وأسماء العشّاق على الأساور ومنهم الحكواتيون والقوّالون الذين فيهم من جاء القرية من ساحة جامع الفناء بمدينة مرّاكش المغربية ومن صعيد مصر... ولأنّ كلّ حي اختصّ بلون أدبي فقد جرى ذلك اللون اسما للحي وهكذا ظهر حي الشّعر وحي الأمثال وحي الألغاز وحي الحكمة وحي الطرائف، الخ. وصار البريد يصل المنازل على عناوين لا تحمل أرقاما بل عناوين كتب ومؤلّفين كبار. وقد يتّفق أن يقرأ ساعي البريد على باب منزل محلّى بصورة عنوان كتاب "نجل الفقير" ملاحظة في الأسفل تقول "انظر "الدّار الكبيرة", وذلك معناه أنّ صاحب البيت انتقل للإقامة من العنوان الأوّل إلى العنوان الثاني...


 
 احتدّ الطّرق على الباب حتّى انتفض عمّ حمّادي فوق حشيّة الجرائد التي كان يفترشها، ثمّ جاءه صوت سائق سيارة الأجرة "قم تسلّم الجرائد يا عم حمّادي، لقد وصلت اليوم قبل آذان الفجر، أعدّ لنا القهوى وهيّا نصلّي الفجر سويا".

الدّاء والدّواء

تفشّت في القرية أمراض جديدة لم يألفها الناس من قبل حتى حاروا في علاجها. ومن أبرز هذه الأمراض طول اللسان حيث يأخذ هذا العضو فجأة في التمطّط والتمدّد حتّى يفيض عن فم صاحبه. وينشأ عن سعي المريض المتواصل إلى احتواء لسانه في فمه حالة من المدّ والجزر تجعل اللسان في عصبيّة وهيجان ظاهرين فتراه يضرب ذات اليمين وذات الشمال كذيل التمساح ملحقا الأذى بكلّ من يقترب منه. أمّا المرض الثاني، فهو إسهال الفم الذي من علاماته الأولى عجز المصاب عن الإمساك عن الكلام، فترى فمه مشرعا طوال الوقت حتّى يصير عرضة لابتلاع الذباب وغيره من الحشرات. ومن ثمّة تضطرب قدرة المريض على الكلام السوي فيستعيض عن نطق الحروف بتصويتات مبهمة هي أقرب إلى أصوات الحيوانات من قبيل النباح والعواء والنهيق والنعيق. وبقدر ما يلاحظ المصاب استهجان المحيطين به لما يصدر عنه أو إشفاقهم عليه، بقدر ما يزداد عناده وإصراره على الاستمرار في ما يؤتيه فتسوء حالته أكثر. ثمّ لا يلبث الأمر أن يتطوّر إلى ظهور سيلان أصفر مائل إلى الخضرة كلون الطحالب النابتة في الأماكن الرطبة التي لا يصلها نور الشمس. ويكون لذلك السيلان رائحة حادّة تسيل الدّموع وتسبّب الصداع النصفي. أمّا المرض الثالث فقد سمّاه عم حمّادي "تلحّم الرؤوس". ومن أعراضه تضخّم الرّأس على مستوى الصدغين والرقبة وما أسفل الجمجمة والذقن حتى تضيق العينان في محجريهما وتغرق الأذنان في اللحم والشحم، وينتهي الأمر إلى انسداد هذه الأعضاء وتحوّل التنفس إلى ما يشبه شخير الخنازير. 
كان عم حمّادي أوّل من انتبه إلى تفشي هذه الأعراض لدى مدمنيّ التشمّس وهم متكوّرون في برانيسهم وقشاشيبهم تحت جدار محطّة القطار. وانطلق من ذلك ليجمع ما أمكنه من القواسم المشتركة عساه يفهم سرّ هذه الأمراض، فلاحظ أنّ المتكوّرين في برانيسهم عادة ما يؤثّثون وقتهم باجترار الأقراص التلفزية المنوّمة وذات الصلاحية المنتهية. ومن هذه الأقراص "المسلسلات المعلّبة" المشبّعة بالبهارات العاطفية المحوّرة جينيا، وبرامج نشر الغسيل التي تسبّب السيلان الدّمعي الحادّ، وبرامج طمأنة الضمير التي يقدّمها شيوخ الفضائيات. كما كانوا يقطعون نشاطهم ذاك بقراءة صحيفة صفراء يستهلكونها كلمجة سريعة أو بالتعليق على العابرين أمامهم.
ومن خلال تحليله لهذه الأعراض، توصّل عم حمّادي إلى وضع علاجات فكّر في تجريبها على مريضين تربطه بهما مودّة. لكنّه اشترط للانتفاع المجاني أن يتمّ العلاج في المكتبة التي حوّلها عم حمّأدي إلى مستشفى. 
كان المريض الأوّل الذي توجّه إلى عم حمّأدي مصابا بطول اللسان، حتى غدا يتدلّى أمامه وأجبره على خياطة كيس قماشي يجمع فيه هذه اللحمة الزائدة. ارتأى عم حمّادي أن يبدأ في مرحلة أولى بتثقيف لسان المريض، فنصح صاحبه بالسماع عشرة أضعاف ما يتكلّم. واقترح على صديقه الانضمام إلى نادي الأمثال الشعبية المقارنة الذي ينشطه بنفسه، حيث يعقد هذا النادي جلساته كلّما زارت القرية حافلة سياحية. تنطلق الحصّة بأن يقترح منشّط النادي مثلا شعبيا تونسيا على المشاركين ويفسح المجال للضيوف الأجانب كي يقترحوا ما يوازي ذلك المثل في ثقافات شعوبهم. هكذا يقارن الحاضرون ثقافات بعضهم البعض. وتنتهي الحصّة بوضع ترجمة للمثل التونسي إلى اللغات الأخرى وبترجمة الأمثال الأخرى إلى اللغة العربية، مع تدوين كلّ ذلك على دفتر خاص. ومنذ الحصّة الثانية أسرّ المريض لعم حمّادي بأنّ لسانه أخذ في الضمور بشكل جلي، فنصحه بالمرور إلى المرحلة الثانية من العلاج وتتمثّل في قراءة قصيدة أجنبية مترجمة إلى العربية لا تقل عن صفحتين، وذلك كلّ يوم قبل النوم. على أن يبادر المريض بتدوين ما يتذكّره من أحلام ليلته عند الاستيقاظ صباحا. وما هو إلاّ شهر حتّى أحجم المريض عن الكلام الزّائد، وصار بإمكانه التحكّم في لسانه الذي عاد إلى حجمه الطبيعي.
أمّا المريض الثاني فشخّص لديه عم حمّادي إصابة بتلحّم الرّأس حتّى اختفت رقبته وصارت رأسه متّصلة مباشرة بصدره. وهو المرض الأوسع انتشارا والأسهل تشخيصا ولكنه الأعسر معالجة. ذلك أنّه لا شفاء من دون الإقلاع الفوري عن استهلاك الأقراص التلفزية المنوّمة. ولمساعدة المريض على التخلّص من الشحوم الدماغية، نصحه عم حمّادي بالمشي في الغابة مدّة ساعة كلّ صباح لأنّ ذلك يشغّل خلايا الدماغ في التأمّل الصامت، كما نصحه بممارسة الألعاب الفكرية كالشطرنج والخربقة والتسلّي بالألغاز. هذا في مرحلة أولى. ولمّا عاودت رقبته الظهور وتراجع الشخير الخنزيري، وصف له كوكتالا شعريا تتخلّله موسيقى سمفونية هادئة من اختيار عم حمّادي. يتناول المريض هذا الكوكتال في جرعة واحدة على الرّيق أثناء حصّة المشي الصباحية مستعملا سمّاعة صغيرة تثبّت في الأذن. ويمكنه أن يمرّ بالمكتبة متى شاء لاستعارة كوكتال جديد
 

"ديقاج يا خمّاج"
بعد 14 جانفي 2011، صار سكّان المكتبة وعلى رأسهم الطّاهر الحدّاد وعبد الوهاب البياتي وناظم حكمت وطه حسين وآرثير رامبو وجاك بريفار وأندريه مالرو وماكسيم غوركي ومنوّر صمادح يعتصمون كلّ ليلة أمام جناح العلوم الاجتماعية حيث صنّفت كتب الدعاية للحزب المنحلّ وخطب الدكتاتور المخلوع وهم يصرخون "ديقاج يا خمّاج"... ممّا دفع عم حمّادي إلى مفاتحة مديرة المكتبة في الموضوع وقد أفلح في إقناعها بوجاهة سحب تلك الوثائق التي لا مكان لها في مكتبة مطالعة عمومية، بعدما شرح لها أنّه من الأفضل إحالتها على مكتبات البحث المختصّة. وأمام تعلّل أمينة المكتبة بنقص الأعوان، تطوّع عم حمّادي للقيام بالمهمّة بنفسه... ولم يركن ليلتها إلى حشيّة جرائده إلاّ وقد كدّس الكتب بجانبه على رفّ خشبي كان ينوء بثقل المجلدات المسحوبة... ورغم ما أصابه من إنهاك أصرّ عم حمّادي على الوفاء لعادته في استدعاء النّوم وهو مستغرق في القراءة. لكنّه ما كاد يقرأ بعض الجمل من كتاب "جولة حول حانات البحر الأبيض المتوسط" لصديقه علي الدوعاجي، حتّى داهمه النّوم دون أن ينتبه إلى ذلك الصّرير الصّادر عن الرّفّ كالأنين. وما هي إلاّ لحظات حتى ترنّح الرّف يمينا ويسارا قبل أن تتهاوى المجلّدات على رأس عم حمّادي.
صاح الدوعاجي "النجدة، كتب التجمع الدستوري الديمقراطي تعتدي على عم حمّادي" وكان أوّل من هبّ للنّجدة الطّاهر الحدّاد شاهرا "العمّال التونسيون وظهور الحركة النقابية" والفاضل بن عاشور ملوّحا ب"تفسير التحرير والتنوير". لكنّ عمّ حمّادي كان قد فارق الحياة لأنّ الإصابات تركّزت على الرّأس. تحامل الأصدقاء الثلاثة على بعضهم وتبادلوا التعازي ثم فتحوا "جولة بين حانات البحر الأبيض المتوسّط" في منتصفه وسجّوا جثة عم حمّادي داخله.
 


الحريق

سرى خبر وفاة عم حمّادي بين سكّان المكتبة بسرعة الضوء وأحدث ضجّة ظلّت تتفاقم حتى قرّروا الاجتماع على وجه السّرعة لتحديد مصير الجثة. كان عم حمّادي قد أوصى بدفنه في المكتبة رغم أنّ القانون يمنع ذلك. وفي نفس الوقت، لم يكن من المقبول ترك الجثة حتى تكتشفها المنظفة صباحا فتعلم أمينة المكتبة التي تعلم إدارة المكتبات التي تعلم وزارة الثقافة التي تعلم الأمن الذي يعاين الجثة ويستدعي الطبيب الشرعي الذّي يشرّح الجثّة قصد تحديد أسباب الوفاة. وفي الأخير تقام جنازة في موكب لن يحضره أحد ويدفن عم حمّادي في قبر مجهول لن يزوره أحد...لكلّ ذلك، اتّفق الحاضرون على عدم التفريط في عمّ حمّادي وأجمعوا على معاملته كواحد منهم وإن لم يكن كاتبا أو كتابا أو مكتوبا عنه... ألا يشترك معهم في كثير من الأشياء، من بينها أنّه من سكّان المكتبة وأنّه يعرفهم واحدا واحدا وأنّه صديق الكتب يحميها من الرّقيب ومن الأمراض والجرذان والغبار والرطوبة والماء؟ وبينما هم في حيرة لا يعرفون طريقا للمحافظة على عم حمّادي بينهم، سمعوا صوتا متهدّجا مكتوما ينبعث من داخل صندوق كرتوني يحوي وثائق: "نحن كتب هرمة كنّا سنلقى في فم آلة إتلاف الوثائق لتقطّع أحشاءنا قبل أن يعاد عجننا في مصنع الورق. لم لا نطلب الموت الرّحيم ونشتعل فوق جثّة عم حمّادي فنستحيل رمادا يسمّد أرض الحديقة ويغذّي نباتاتها بالأفكار؟. وإيّاكم ثمّ إيّاكم أن تندسّ بيننا كتب التجمّع المنحل أو خطب المخلوع طلبا للتّطهّر بالنار. فهذا سيلوّث السماد الذي يسمّم عشب الحديقة وأزهارها وهواءها وماء العين الصافية التي يشرب منها الجميع.
 

كانت الكتب وهي تسحب جثة عم حمّادي خارج قاعة المطالعة أشبه ما تكون بخليّة نمل تجرّ بانضباط وتكامل حبّة تمر عملاقة. ولمّا أوصلتها إلى المكان المقصود، دارت حولها في صمت طقوسي في انتظار أن يفرغ شارل بودلير من تدخين غليونه وينفخ فيه لينفث جمرته الأخيرة فوق كتابه "أزهار الشر". وينشد: 

بَيْنَ أَبْنَاءِ آوَى، وَالْفُهُودِ، وَكِلاَبِ الصَّيْدِ،
وَالْقُرُودِ، وَالْعَقَارِبِ، وَالْعُقَابِ، وَالأَفَاعِي،
وَالْوُحُوشِ العَاوِيَةِ، وَالنَّابِحَةِ، وَالْمُزَمْجِرَةِ وَالزَّاحِفَة،
فِي مَعْرَضِ الْوُحُوشِ الشَّائِنِ لِخَطَايَانَا،

هُنَاكَ مَا هُوَ أَكْثَرُ بَشَاعَةً، وَفَظَاظَةً، وَقَذَارَة!
رغْمَ أَنَّهُ لاَ يُصْدِرُ حَرَكَاتٍ وَاضِحَةً وَلاَ صَرَخَاتٍ فَادِحَة،
وَيُمْكِنُهُ أَنْ يُحِيلَ الأَرْضَ إِلَى أَطْلاَل
وَيَبْتَلِعَ فِي إِحْدَى تَثَاؤُبَاتِهِ الْعَالَم؛

إِنَّه الضَّجَر!- تِلْكَ الْعَيْنُ الْمَغْرَوْرِقَةُ بِدَمْعٍ لاَ إِرَادِي،
تَحْلُمُ بِالْمَشَانِقِ وَهيَ تُدَخِّنُ النَّارجِيلَة.
تَعْرِفُه، أَيُّهَا الْقَارِئُ، هَذَا الْوَحْشَ الرَّهِيف،
-
أَيُّهَا الْقَارِئُ الْمُنَافِقُ،- يَا شَبِيهِي،- يَا شَقِيقِي!

إِلَى السَّمَاءِ، حَيْثُ تَرَى عَيْنُه عَرْشًا رَائِعًا،
يَرْفَعُ الشَّاعِرُ الْوَادِع ذِرَاعَيْهِ فِي وَرَع،
وَالْبُرُوقُ الشَّاسِعَةُ لِرُوحِهِ الصَّافِيَة
تَحْجُبُ عَنْهُ مَرْأَى الْحُشُودِ الْهَائِجَة:

- ' مُبَارَكٌ أَنْتَ، يَا رَبُّ، يَا مَنْ تَمْنَحُ الأَلَم
كَتِريَاقٍ سَمَاوِيٍّ لِقَذَارَاتِنَا
وَكَالْجَوْهَرِ الأَنْقَى وَالأَرْقَى
الَّذِي يُهَيِّئُ الأَقْوِيَاءَ لِلْمَلَذَّاتِ الْقُدْسِيَّة!

' أَعْرِفُ أَنَّكَ تَحْتَفِظُ بِمَكَانٍ لِلشَّاعِر
فِي صُفُوفِ الأَبْرَارِ مِنَ الأَفْوَاجِ الْمُقَدَّسَة،
وَأَنَّكَ تَدعُوه إِلَى الْحَفْلِ الأَبَدِي
لِلْمَلاَئِكَة، وَالْفضَائِلِ، وَالسِّيَادَة.

' أَعْرِفُ أَنَّ الْعَذَابَ هُوَ النُّبْلُ الْفَرِيد
الَّذِي لَنْ يَأكُلَه أَبَدًا التُّرَابُ وَلاَ الْجَحِيم،
وَلِكَي أَضْفُرَ إِكْلِيلِيَ الرُّوحِي
لاَ بُدَّ مِنْ تَغْرِيمِ الأَزْمَانِ وَالأَكْوَان.

' لَكِنَّ الْمُجَوْهَرَاتِ الضَّائِعَةَ لِبَالمِيرَا الْقَدِيمَة،
وَالْمَعَادِنَ الْمَجْهُولَةَ، وَلآلِئَ الْبِحَار،
الَّتِي أَعَدَّتْهَا يَدُك، لَنْ تَسْتَطِيعَ الْوَفَاء
بِهَذَا التَّاجِ الْجَمِيلِ، الْبَاهِرِ الْوَهَّاج؛
' لأَنَّه لَنْ يُصْنَعَ إِلاَّ مِنْ نُورٍ صَافٍ،
مُسْتَقًى مِنْ نَارٍ مُقَدَّسًَةٍ لِلأَشِعَّةِ الأُولَى،
وَإِزَاءَهَا لَن تَكُونَ الْعُيُونُ الْفَانِيَةُ، عَلَى رَوْعَتِهَا الْكَامِلَة،
سِوَى مَرَايَا مُعْتِمَةٍ نَائِحَة[1]!'

حالما فرغ بودلير من إلقائه هبّت نسائم الفجر على الجمرة فأشعلت اللّهب في كومة الكتب والجثة.

تتشبّث صفحة الغلاف بجوانب الصندوق الكرتوني وتشرع في تسلّقه زاحفة كأوراق نبتة كسولة أيقظها شعاع الشمس فراحت تدفع سقف الصندوق وتطلّ على الخارج. لمّا تغادر الصندوق تتمطّى قليلا ساحبة خلفها بقية الصفحات حتّى يجمع الكتاب الهرم أطرافه وينتصب مرتعشا على حافة الصندوق كما لو كان على حافة مسبح. يستجمع الكتاب ما تبقّى لديه من قوّة ليطير بصعوبة كدجاجة مذعورة لا تقوى على التحليق عاليا ويهوي في اللهب فيؤجّجه ويغذيه. ومثله تفعل بقية الكتب المتتابعة كصف النّمل في خروجها من الصندوق الكرتوني ملهية نفسها عمّا هي فيه باستعراض محتوياتها بأصوات عالية فتحدث ضجّة تبعث فيها النّشوة وتصرفها عن التفكير في الألم الدّاهم كما لو كانت جنودا يقرعون طبول الحرب في طريقهم إلى ساحة النّزال. يصهد اللهب الأوراق فيسري السّواد على وجهها كالغيمة الدّاهمة وتتلوّى الورقة ثم تنكمش وينبلج من بعضها لهب خاطف سرعان ما ينطفئ مخلّفا خيوطا من رماد تتلاشى في الهواء فيما يتفحّم بعضها الآخر قبل أن يتكسّر دون أن يغمره اللهب الساطع ويرسل دخانا أسود كثيفا. ترقص ألسنة اللهب راسمة حروفا وكلمات وأشكالا متبخّرة في الهواء والظلام. تراقص الحروف والكلمات بعضها البعض في تباعد وانخفاض وانتفاض وتمدّد وتقلّص مصدرة في احتراقها طقطقة بين الفينة والأخرى هي كالعزف الموقّع. وتفوح في الجوّ رائحة الشواء الآدمي المنبعثة من لحم عم حمّادي. على شفتيه المنفرجتين يرتسم تعبير أشبه بالابتسامة ومن عينيه نصف المغمضتين تنبعث نظرة هي كغمزة التواطؤ. وفي الجوّ تتردّد أصداء القراءات الأخيرة للكتب المحترقة بأصوات شخصياتها وكتّابها فتتداخل مع آذان الفجر المنبعث من المآذن ويتحوّل إلى ما يشبه أناشيد رهبان في دير كنيسة غريغورية تردّد صداها جبال كورسيكا.
هكذا ظهرت أسطورة تفوّق أبناء هذه القرية في الذكاء والثقافة والفن وحب الكتاب. فهم يتنفّسون هواء مثقفا ويأكلون خضارا مثقّفا ويشربون ماء مثقفا وتردّد أشجارهم في الليل قصائد المتنبّي وطاغور وبودلير ودرويش. 
 


[1]  مختارات من بعض قصائد بودلير، ترجمة رفعت سلام، http://www.alimbaratur.com/index.php?option=com_content&view=article&id=362:2010-10-06-21-47-44&catid=9:2010-08-07-22-28-55