jeudi 13 novembre 2014

دار الكاتب

تستيقظ في زاوية ما من الذاكرة الوديعة الساكنة ودون سبب ظاهر ولا استدعاء أو نبش في خباياها، تستيقظ مناخات دار الكاتب بنهج شارل ديغول وأجواءها. فتبدو لي تلك الفترة كما لو أنّها مجرّد حلم، لا لكونها فترة حلوة وزاهية، ولكن لأنّ كل ما فيها يشبه الحلم... لا أستطيع استحضارها بكامل تفاصيلها، ولا أظفر منها بأكثر من نتف وشذارات متناثرة. وهي إلى ذلك صور غائمة بدخان السجائر والضوء الخافت والضوضاء كما لو كانت صورا لحان نواسي في دولة بني العبّاس. شخصيات غريبة وطريفة في غالبها، منها المبدع الحقيقي ومنها المجنون وكذلك المتشاعر، وهناك المتزلّفون والقوّادون والعتّالون والجزّارون والنقابيون والمثليون والأشاعبة...
درج معتّم يصعد بك إلى ردهة المتر المربّع في الطّابق الأوّل حيث يستوقفك باب صقيل ثبّت عليه جرس وكوّة صغيرة كفتحة الزنزانة يطلّ من وراءها النوادل أو القائم على المحل. 

اختلفت الآراء عند افتتاح الدّار وتوزّعت المواقف بين من اعتبرها شركا نصبته السلطة السياسية للمبدعين حتّى تعزلهم عن عمقهم الاجتماعي الذي منه يستلهمون إبداعهم، ومن دافع عنها بوصفها مكسبا يوفّر فضاء للنقاش وتلاقح القرائح بعيدا عن اعتداءات البلطجية، ومن رحّب بها شريطة أن تظلّ مفتوحة لأصدقاء الكتّاب وضيوفهم حتّى لا تتحوّل إلى سجن. 
هناك المبجّلون وأصحاب الحظوة يدخلون ويتدخّلون لإدخال من يشاؤون، وهناك المتمسّحون على الأعتاب مرحّب بهم مقابل خدمات مختلفة يقدمونها لصاحب المحلّ وللحرفاء، وهناك الصّادقون في حبّهم للأدب والخمريات دون أن يكونوا أدباء وإن كانوا على غاية من التأدّب، منبوذون لأنّه ما من فائدة ترجى من تردّدهم على المحل، وكثيرا ما يكون نصيبهم الصدّ والطّرد، إلاّ إذا شفع لهم شاعر عربيد يقدّر معادن النّاس. بهو استقبال مربّع وضيق انتصب في أحد جوانبه مقصف لا يتّسع لأكثر من حريف واحد، تعوّد روّاد الدّار على اعتباره محجوزا لمسرحي مصاب باكتئاب مزمن يشرب بيرّته هناك واقفا في صمت ومحتكرا جهاز بث الموسيقى ليفرض من خلاله الكلثوميات على الجميع. في الناحية المقابلة للمقصف، تقع قاعة ضيوف الشرف التي يستأثر بها أعضاء الهيئة المديرة لاتحاد الكتّاب مساء بينما يستغلّها مدير الدّار القميء، ذو الكرش الضخمة والنظارات السميكة للاختلاء بالشاعرة البائدة بنت البائد صباحا حتى موعد الغداء. تفضي الناحية الثالثة المواجهة للمبولة إلى القاعة الرئيسية، وهي عبارة عن صالة مستطيلة غارقة الزّوايا حدّ العتمة لا تتبيّن فيها إلاّ أطياف الجماجم المتحلّقة حول طاولات تغطيها مناديل حمراء داكنة تكسوها بقع الزيت وحروق السجائر، وترى الأيادي تتحرّك كشخصيات مسرح الظلّ في السحابة الخزامية التي ينفثها المدخّنون... في فناء الصالة يقع المطبخ الذي يقدّم المعكرونة بغلال البحر والعجّة والمشويات. تفتح بلكونات الصّالة على مركز الشرطة في الجادّة المقابلة حيث يتحلّق الأعوان ماسكين أجهزة اللاسلكي المخشخشة، شاغلين وقتهم بفرز ما يصلهم من نقاشات الأدباء السّكارى الذين تتنازعهم إغراءات شتّى لنشر غسيلهم على مسامع البوليس. يستقبل الأعوان المغادرين الثملين بالمشاكسات وأحيانا بالنهر والشتم، وقد يصل الأمر حدّ إيقاف المتصعلكين وتأديبهم. وكثيرا ما يتناوب الأعوان على القيام بإطلالة إلى الدار التي هي في مقام دار الجيران لإطفاء الظمإ والاطمئنان على الأحوال. 
في آخر اللّيل، تشيّع رائحة الشواء والزيوت المحروقة شراذم السكارى المتجمّعين في حلقات مترنّحة في الساحة الخلفية قبالة محطة الأرتال وهم يتبارزون شعرا وأدبا ويتلاكمون بقبضات تنطلق قوية ولا تصل إلاّ طريّة أمام أنظار القطط التي تجلبها رائحة الشواء ... مات كثير من هؤلاء. رحل عبد الحفيظ المختومي ورضا الجلاّلي ومصباح بوحبيل ورضوان الكوني والميداني بن صالح  ومحمّد عبد اللاّوي وعبد الوهاب الجمني وسنان العزّابي وعاطف بلعربي... ولا يزال الكثير منهم يعيش اليوم بائسا مشرّدا بعدما أغلقت دار الأيتام إلى غير رجعة.
يصادفك الواحد منهم في بعض الحانات الشعبية وقد اشتعلت منه الرّاس شيبا ودرد حتى انطبق الفكّان وغار الفم، وهزل الجسم ولم يترك فيه السّهر غير جلدة تشد العظام، ورشحت عليه أعراض السكّري والرّبو والروماتيزم، فيحييك بحرارة الغريب في بلاد العجم وقد شعّ في عينيه بريق الحنين وانحبست
في حلقه الكلمات... تكتفيان برفع الأنخاب وقرع الكؤوس وأنتما تداريان الدّمع وتحتميان بحديث العامّة عن الثورة هربا من الأدب والشعر والفن
هذا النص مهدى إلى الصديق الروائي الجزائري الحبيب السائح