dimanche 26 mars 2017

زيارة أولــــى إلى دمشــق

سنة 2006، حضرنا مؤتمر الفرع الإقليمي العربي للمجلس الدّولي للأرشيف ببيروت، وقد خصّص لموضوع برامج التأهيل الأكاديمي لمهن الوثائق والأرشيف بالبلاد العربية. بعد انتهاء المؤتمر، قلنا لا يعقل أن نصل إلى مشارف أرض الشام، ولا نزور دمشق. وكان أن استقلّينا سيارة أجرة وقصدنا الشام (وتعني في لغة أهل لبنان وسوريا دمشق تحديدا)... المسافة بين العاصمتين لا تتجاوز الساعتين... سلكنا في البداية طريقا جبلية تغطيها الأشجار والثلوج. استراحة في مقهى بلّوري رائع بمدينة زحلة. مقهى يغلّفه الدفء وبخار المأكولات اللبنانية اللذيذة، يقع في تلّة عالية تشرف على سهل شاسع لا يحدّه البصر. استعجلنا سائق سيّارة الأجرة وهو يترشّف قهوته، وقال مشيرا باتجاه السهل: "هذا هو سهل البقاع، نقطعه لنجد أنفسنا عند البوّابة الحدودية. نعبر بعد ذلك سلسلة جبلية قصيرة تختبئ وراءها مدينة الشام...
وخلال عبورنا للسّهل سيطر على ذهني سؤال واحد: "هنا إذن كانت تدور رحى المعارك الطاحنة بين مقاتلي أمل وحزب الكتائب؟ كيف يستطيع طرف ما حسم المعركة لصالحه في ساحة مكشوفة كهذه لا تسمح بأيّ مناورة تكتيكية؟ لا تحتاج أن تكون خبيرا عسكريا كي تجيب ب "لا شيء غير التفوّق في العتاد والغطاء الجوّي"... فكّرت أنّ من يتورّط في مثل هذا السهل/المستنقع ويكون ضعيف العتاد وعاري الظهر والرّأس يتعرّض إلى إبادة شنيعة. ومن ثمّة وجدت نفسي أتساءل عمّا ستحتفظ به ذاكرتي من صور لبيروت بعد اسبوع من الإقامة فيها. هل هي الروشة؟ بالتأكيد لا، فذلك كليشي سياحي لا يختلف في شيء عن صخرة رفراف عندنا... هل هو شارع الحمراء الذي كم جبته جيئة وذهابا باحثا عن علامات تدلّ على مجده الآفل فلم أظفر بشيء من مناخاته التي كم قرأت عنها في الروايات وسمعت النجوم والفنّانين يتحدّثون عنها...  
ما رسخ في الذهن هو بالتأكيد ذلك التنافر الصارخ بين بيروت الجديدة المسمّاة سوليدير التي شيّدها الحريري في أقل من خمسة عشر سنة بعد اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية في 1989، وبين بقايا العمارات التي خرّبها القصف ووشّم جدرانها الرصاص فبقيت واقفة فاغرة شبابيكها وأبوابها التي فقدت دفاتها وأخشابها كأفواه درداء سقطت منها أسنانها. بقيت واقفة رغم مرور أكثر من خمسة عشر عاما على انتهاء الحرب. ربّما أرادوا أن يظلّ بعضها قائما كشاهد إدانة على فظاعة الحرب كي يكون درسا حيا للأجيال القادمة. 
في مقابل تلك الأطلال الخربة التي تتجاور مع عمارات مرمّمة، نبتت سوليدير، مدينة حديثة مذهلة في فخامتها وعظمة بنيانها على أنقاض بيروت القديمة التي محتها الجرّافات... ولكنّها للأسف مدينة بلا روح، مطاعمها نظيفة بالتأكيد ولكنّ مأكولاتها بلا نكهة ولا رائحة...
لم أنتبه إلاّ وسائق سيارة الأجرة يسألنا أين سننزل، فأجبت أنا ومرافقي كما لو كنّا قد اتفقنا على ذلك مسبقا "في السونتر فيل"
ساحة المرجة (وينطقها أهل الشام المرجي)، التي يمرّ تحتها نهر بردة... في المقاهي الشعبية المحيطة بالساحة حيث يكثر باعة المكسّرات والبن والهيل والتوابل، يجلس الشاميون يدخنون النرجيلة ويلعبون الطاولة ويضحكون بأصوات عالية لا تفلح في إخفاء مسحة الكدر التي ترشح من النظرات... يحدّثونك عن نهر بردة الذي يسقي المروج المحيطة بدمشق القديمة. تضع ربّات البيوت الدمشقيات غداء أزواجهن في مواعين مقفلة ويرسلنها إلى المروج (المزارع) على ظهر النهر، فتطفو على الماء حتى تصل إلى وجهتها، حيث ينتظرها الفلاّح في مزرعته. لا تختلط المواعين، لأن لكلّ مزارع ماعونه المميّز . يسترسل الحديث مراوحة بين الترحيب بك وأحاديث الفخر بالشام والحسرة على أيّامها الخوالي والتعبير عن التوجّس من الحروب... الدمشقي مبتسم دائما، كلمنجي، وكثير التنهّد...
شارع يوسف العظمة، سوق الصالحية، سوق الحامدية، جامع الأمويين بدمشق وأسواره التي تنتصب تحتها عربات باعة الفول الساخن. الدمشقي والسوري عموما تاجر بالسليقة. رائحة القهوى المخلوطة مع الهيل تعبق في كلّ الأسواق والركوة لا تغيب عن أي محل تجاري. تدخل المحل مستفسرا عن أسعار البضائع المعروضة، فيرحّب بك صاحبه ويدعوك إلى شرب القهوة، قائلا القهوى أوّلا وبعدين نحكي في البيع والشراء. فلا تغادر المحلّ إلاّ وقد اشتريت منه إن لم يكن الكثير فالقليل.
زيارة إلى المقهى الذي شهد تأسيس الحزب الشيوعي السوري... وهناك، تجد نفسك أمام هرم طالما سمعت عنه وسمعته. تذهل لما يميّزه من بساطة. للوهلة الأولى، تفكّر في مصافحته وتحيّته. لكنّ هالة الوقار والحزن التي تحيط به تجعلك تتجمّد مكانك... لا تجرؤ على انتهاك عزلته فتكتفي بتأمّله من بعيد احتراما لحزنه. شيخ توغّل الهرم في جسده حتّى أرخى كتفيه. غارق في صمته وعزلته وغائب في تأمّلاته. إنّه الشاعر العراقي مظفر نوّاب... تغادر إلى النزل وأنت مثقل بهموم الشاعر الكبير.
في اليوم الثاني كنّا على موعد مع جهاد الأطرش مدير الأرشيف الوطني السوري الذي كنّا قد تعرّفنا عليه أثناء مؤتمر بيروت. لمّا علم بزيارتنا دعانا إلى زيارة الأرشيف الوطني ومكتبة الأسد الوطنية. وصلنا إلى مكتبه باكرا، فوجدناه بانتظارنا. بناية قديمة جدّا وهرمة تكاد تسقط على من فيها... تشبه في شكلها ومعمارها المكتبة الوطنية التونسية بسوق العطّارين... بعد زيارة قصيرة، أهدانا مضيّفنا كتابا تراثيا في ثلاثة أجزاء عن تاريخ دمشق كان قد حقّقه بنفسه... ثمّ دعانا إلى اكتشاف الصباح الدمشقي... قال محدّثنا أنّ الدمشقي يبدأ يومه متفائلا ومقبلا على الحياة. وهذا كاف لتعليق قاعدة الحياء التي تحكم علاقته بالمرأة. فالتغزّل بالمرأة وجمالها على عيون الملأ مباح في الصباح ومستهجن في بقية اليوم. ذلك جزء من التفاؤل والإقبال على الحياة. يتنافس أصحاب المحلاّت وهم يفتحون أبواب محلاّتهم على إيجاد أعذب الكلام وأرقّ العبارات لإلقائها على مسامع العابرات اللواتي يتلقّين عبارات الغزل كما لو كانت ياسمينا يرشّهن به الرجال فيبتسمن في حياء. سمعت بعضا من هذا الغزل الذي يشبه الشعر المرتجل، فتذكّرت عبارات "لتبزنيس"  التي يتلفّظ بها تجّار نهج جامع الزيتونة ونهج القصبة على شاكلة “نعمل أثناش و مانبطاش”، “شعندك ملوطة يا حوتة”. “تركحلي نهزك للنّحلي”... أووووه يا للفجاجة والقبح....
الفطور الدمشقي مخلّلات وسلطات أو مرق الحمّص الشبيه جدا باللبلابي عندنا لولا غياب الهريسة العربي... يتقدّم الصباح شوطا وتبلغ حركة الأسواق والشوارع ذروتها، فيسيطر مشهد النساء الإيرانيات في عباياتهنّ السوداء وهن مقرفصات أو يجررن حزم القماش والملابس التي اشترينها من الأسواق، حتى يخيّل لك أنّ أسواق دمشق ستفرغ من بضائعها عند المساء... في المساء، تتلألأ أضواء جبل قسيون فتكتشف مدينة عمودية معلّقة في الهواء كجدارية عملاقة...
يومان في دمشق غير كافيين لاكتشاف المدينة وثرائها الثقافي والمعماري... هل تعمّدت ذلك كي أجد لنفسي مبرّرا للعودة مرّة أخرى وأطول... ربّما...
لا رغبة لي في زيارة بيروت ثانية، ولكنّني أتحرّق شوقا إلى زيارة دمشق. ولكن هل سيرحّب بي الدمشقي البسيط كما فعل رجال مقاهي المرجة سنة 2006، بعدما انتشر القتلة التونسيون في بلادهم وعاثوا فيها فسادا وتدميرا؟؟

mercredi 22 mars 2017

الزَّنْدْيَانِي

على تلك الأيّام وما كان يميّزها من عمليات إرهابية يؤتيها المتشدّدون الدينيون، ما كان يجوز أن يظهر في تلك القرية الواقعة على الحدود الجبلية غريب ويقيم بين الناس فجأة، دون أن يعرفوا له لا أصلا ولا فصلا...
ليس معنى هذا أنّ أهل القرية يرفضون الغرباء بينهم. فقد تعوّدوا منذ أيّام الاستعمار أن يستقبلوا أشخاصا لا صلة لهم بالقرية. وكانوا يكرمونهم ويقدّمون لهم الإحاطة والمساعدة. هذا مدرّس فرنسي، وهذا طبيب بلغاري، وذاك باحث سويدي في علم المناخ، والآخر مهندس أمريكي. وحتّى حكاية المهندس الرّوسي الذي تبيّن فيما بعد أنّه مهرّب آثار لم تثنهم عن حسن استقبال الوافدين من الغرباء. بل وقد مرّ على القرية في بدايات الاستقلال الدعاة والمبشّرون... شرط وحيد كان لابدّ من الاستجابة له: أن يعرف النّاس من يكون ذلك الشخص، حتى لو اختلق لهم رواية كاذبة. كانوا في حاجة إلى تنشيط خيالهم ومن ثمّة الاجتهاد في نسج المبرّرات والاحتمالات ليؤثّثوا بها سمرهم.
أمّا أن يظهر بينهم واحد من الهنود الحمر بجلدته البنّية المائلة إلى حمرة الطين، وشعره الأسود الطويل المظفورعلى كتفيه، وبوشمه على الوجه، فهذا ما لم يجدوا له تفسيرا... أطلقوا عليه اسم "الزندياني" وهي في عرفهم مفرد عبارة les indiens الذين عرفوهم في أفلام رعاة البقر عند بدايات التلفزيون من ستينات القرن الماضي... ولكنّ ما أجّج فضولهم إلى أقصاه أنّ العمدة كان لمّا يسأل يهمهم بكلام ملغز لا يشفي الغليل. كاد النّاس يصدّقونه لمّا قال لهم في البداية أنّه باحث في النباتات الجبلية، خصوصا وأنّه كان يتوغّل كثيرا في الجبل ناحية الحدود الجزائرية. ويحدث أن يغيب يومين في بطن الجبل قبل أن يعود إلى الظهور. يكون غائبا ثمّ يطلع على النّاس من بيته عند الضحى... متى عاد؟؟ في الفجر؟ بالليل؟ لا أحد يعلم ذلك.
الثابت أنّ وجوده غير خاف على عيون الأمن والجيش. لكن كيف يسمحون له بالتوغّل في جبل قريب من المنطقة العسكرية المحظورة؟ هل يكون جاسوسا؟ ولكن لمصلحة من؟ جزم شاب من أنصار الجبهة الشعبية أنّه لا يمكن أن يكون إلاّ خبيرا في حرب العصابات من كولومبيا أو البيرو أو غواتيمالا... "لكن، لماذا يقيم بين الناس ولا يكون مع الجيش في وضع أكثر أمانا؟" ردّ مناصر لتيّار المحبّة، قبل أن يضيف: "ربّما كان لاجئا سياسيا"...
تقفّى أثره يوما الراعي مبروك وأخوه إبراهيم، لكنّ الهندي الأحمر نجح في مراوغتهما والاختفاء. ولمّا عادا إلى القرية، كان هو قد سبقهما إليها بأكثر من ساعتين. كان يعنّ له أحيانا أن يجلس أمام بيته متربّعا ومحدّقا في قمّة الجبل، يدخّن غليونا طويلا وينفخ في قصبة طويلة ليخرج منها أنغاما عذبة كأغاني الغجر...
انتهى الأمر بكثير من الناس إلى قبول الأمر الواقع وتجنّب الخوض في الموضوع. وقد زاد هذا الموقف الأغلبي من هالة الغموض حول الهندي الأحمر. فتحوّل إلى لغز مسكوت عنه. بل وصار من يتجرّا على إثارة موضوعه كمن يقترب من النّار... والحقيقة أنّ ذلك أراح العمدة الذي لحق صورته ضرر كبير من عجزه على فكّ لغز الهندي الأحمر وإفادة الناس بجواب شاف حول حقيقته. وقد سمح هذا الوضع الجديد للعمدة بحسم الموضوع لصالحه بترديد جملة كان قد سمعها في نقاش سياسي تلفزي: "ليس كلّ ما يُعْرَفُ يمكن أن يقال. افهموا يا ناس، هناك شيء اسمه la raison d'Etat" علّق مناضل الجبهة الشعبية، وهو ابن العيّاشي صاحب الحانوت" هناك شيء اسمه la raison de tirmtek أراهن على أنّك لا تعرف عن الهندي شيئا أكثر منّا"
فما كان من العيّاشي إلاّ أن رمى ابنه بعلبة من معجون الطماطم وهو يبصق ويسبّ مهدّدا فأصاب بها العمدة على صدره بدل ابنه.
لمّا علم المعتمد بما حصل للعمدة في حانوت العيّاشي، استدعاه وشكره على شجاعته وحسّه السياسي العالي وأثنى على كفاءته في إدارة الشأن العام وقال له: "كلّ ما أستطيع تأكيده لك هو أنّ هذا الغريب في وضع قانوني لا لبس فيه. ليس كلّ ما يُعْرَفُ يمكن أن يقال. هناك شيء اسمه la raison d'Etat"
تمنّى العمدة لو كان بإمكانه أن يردّ على المعتمد بمثل كلام ابن العيّاشي...
أنهى المعتمد لقاءه بالعمدة بأن وعده برفع قضية في الثلب والاعتداء على موظّف أثناء أدائه لوظيفه، ضدّ فتى اليسار المنفلت.
.
.
.

برّى يا زمان وإيجى يا زمان
ثمّاشي بنية من دوّار الحوامدية مشات هاك العام تقرى تروازيام سيكل في كندا...
يتبع...

jeudi 16 mars 2017

رموش في مهبّ الريح

قلت أتّخذ من كنيتي حافزا كي أتحدّاهم جميعا وأبيّن لهم من يكون بولرماش وما الذي يستطيع فعله. لكن علىّ أن أعترف بأنّني سعيت قدر استطاعتي إلى تغيير هذه الكنية، حتّى أنّني فاتحت أستاذ مادّة العربية في الأمر ورجوته أن يساعدني في ذلك. لمّا أعلمته بأنّني أكنّى ب"بولرماش" لم يكن هناك من حاجة إلى أن أشرح له أنّ تلك الكنية تعني بالضبط عكس منطوقها اللفظي. فقد كان كغيره من الناس يدرك بالعين المجرّدة أنّه لا رموش عندي... كنت كلّما نوديت بتلك الكنية المزيج من السخرية والشماتة، أحسّ بذلك الشرخ في شخصيّتي يزداد اتّساعا. كأنّه كان عليّ أن لا أنسى أبدا أنّني أعشى ولا رموش لي.
يعود ذلك إلى طفولتي المبكّرة لمّا هبّت ريح صرصر مفاجئة في سوق القرية الأسبوعي، وكنت أساعد والدي في بيع التوابل. كانت الريح من المفاجأة والقوّة بأن ذرت في وجهي كيس الفلفل الأحمر المطحون. أحسست باللهب يشتعل في مقلتيّ، وجعلت أتمرّغ في الأرض صارخا وأفرك عينيّ بكل قوّة، والألم يحتد أكثر فأكثر. أخذوني إلى البيت وغسلوا عينيّ بماء كثير ووضعوا عليها طبقة من العسل ثم غطّوها بضمّادات لمدّة أسبوع لم أر فيه النّور حتّى خلت نفسي قد فقدت البصر.... لمّا أزاحوا الضمّادت كانت أشفاري قد اختفت تماما والعشى قد غشى نظري... ومن يومها، صرت أنادى "بولرماش". 
ظللت أتألّم من تلك الكنية في صمت، لا أقوى على صدّها حتّى درسنا شخصيّة شاعر عربي قديم فذّ اسمه الأعشى. فخطر ببالي أن أطلب من أستاذي أن يناديني باسمه، تشبّها به ودفعا لتلك الكنية المذلّة. أبدى أستاذي تضامنه الكامل معي ووعدني بالاستجابة لي لكن بشرط أن أكون عبقريا في الأدب كالأعشى. كان فرحي لا يوصف واستعدادي لرفع التحدّي بحجم الدنيا وما فيها. وقد أوفى أستاذي بوعده وصار يصرّ على مناداتي بالأعشى حتّى تبعه في ذلك التلاميذ. وشيئا فشيئا، تلاشت كنية بولرماش وحلّت محلّها كنية الأعشى التي كنت أرى فيها لقبا شرفيا يغمرني بالسعادة والفخر.
ساعدني الحرص على الوفاء بالتزامي لأستاذي أن أصبح قارئا نهما، ولكنّني فشلت في أن أصير كاتبا ناجحا حيث توقّفتُ عند نشر مجموعة شعرية يتيمة لم تلفت انتباه أحد، اخترت لها من العناوين "رموش في مهب الريح" ووقّعتها باسم مستعار "الأعشى الصغير".
لكنّني استمرّيت في المطالعة حتّى صارت لي عاداتي وطقوسي التي اشتهرت بها بين العائلة والأصدقاء... من ذلك أنّني تعوّدت أن أتّخذ من جلستي في الحمّام فرصة للقراءة، حتّى أنّني ركّزت في الحمّام رفّين وضعت عليهما مجموعة من الكتب كنت أغيّرها كلّما فرغت من قراءتها. وقد ساعد ذلك زوجتي وبناتي على أن يتحوّلن إلى قارئات منتظمات. وصار دخول كلّ فرد من العائلة إلى الحمّام يستغرق وقتا طويلا، ففكّرنا في تحسين مستوى رفاهية الحمّام، بوضع عطورات راقية وجهاز لبث موسيقى خافتة، وتركيز إطار معدني لكأس القهوة كما في السيارات. ولتخفيف عناء الانتظار على المتعجّلين في قضاء حوائجهم، بنيت حمّاما ثانيا لا يوجد فيه سوى الحد الأدنى من التجهيزات والخدمات.
يومها، جلست على كرسي الحمّام بعد أن أنزلت البنطال ووضعت كأس القهوة في الإطار المعدني ثمّ تناولت كتابا أعارني إيّاه زميل بالعمل. ومنذ السطر الأوّل أدركت بحاسّة القارئ الخبير أنّ هذا الكتاب سيشدّني بقوّة...
لم أستفق من غيبتي إلاّ على زوجتي تطرق الباب بقوّة وتذكّرني بأنّ وقت العمل قد فات. انتفضت كالملسوع ورفعت سروالي دون أن أتوضّأ لأغادر الحمّام مسرعا إلى السيارة ورأسي مغروسة في الكتاب المفتوح في يدي. كنت أستغلّ كل تعطّل في حركة المرور لأسترق بعض السطور من هذا الكتاب الذي شدّ أنفاسي، ولا أضغط على دوّاسة السرعة إلاّ لمّا تضجّ منبهات السيارات خلفي. وفي أحد المفترقات أشار عليّ شرطي مرور بالتوقّف وحرّر ضدّي مخالفة كلّفتني خطية مالية...
وصلت متأخرا إلى الكلية فأشار عليّ رئيس مركز الامتحان بالالتحاق بإحدى القاعات لمعاضدة زميل في عملية المراقبة. توجّهت إلى الحمّام لأتوضّأ، ولكنّ متابعة قراءة الكتاب شغلتني عن ذلك، فظللت مقرفصا والكتاب بين يديّ، إلى أن انتفضت تحت وقع رنّة الهاتف... كانت ابنتي ذات الأربع سنوات على الطرف الآخر تعاتبني على عدم تشغيل طرّادة الماء وترك خرائي مكدّسا في الحمّام... وكان ذلك كافيا لأتذكّر ضرورة الالتحاق بقاعة المراقبة... فتحت بابها بهدوء واكتفيت بتحية يدوية عن بعد للزميل وإيماءة بالرّأس للاعتذار على التأخير. ثمّ توجّهت إلى آخر القاعة وجلست أتابع قراءة الكتاب غير عابئ بما يحصل حولي.
لم أنتبه إلى العميد الذي دخل القاعة في جولة تفقّد. قال لي زميلي أنّ العميد ظلّ واقفا إلى جانبي برهة وأنا غارق في كتابي، وأنّ نحنحته لم تفد في جلب انتباهي، حتّى اضطرّ إلى الانصراف غاضبا.

وها أنا لا أعرف كيف أجيب على استجواب السيد العميد الذي وصلني حول إخلالي بقواعد المراقبة داخل قاعات الامتحان...

samedi 17 décembre 2016

نهود الثورة

لمّا رنّ منبّه الآيفون، كانت الأمّ تغطّ في نومة عميقة وحلمة ثديها في فم البنيّة التي كانت ترضع وتخرخر بصوتها كقط وتخدش بأظافرها الحادّة صدر أمّها. لعنت الأمّ في سرّها هذا الجهاز الذي رنّ في يوم عيد الثورة فحرمها من النوم على راحتها ومدّت نحوه يدها لتخرسه وعيناها لا تزالان مغمضتين. ثمّ ناولت الجهاز للبنيّة كي تلهيها عن الرضاعة وتكفّ عن خدشها بأظافرها واسترسلت في النوم باستمتاع على غير عادتها وهي المجبرة على الاستيقاظ باكرا كلّ يوم لتجهيز البنيّة واصطحابها إلى محضنة الأطفال قبل التوجّه إلى مقرّ الوزارة حيث تعمل... لم يكن ذلك حال زوجها الذي كان مضطرّا يومها إلى الاستيقاظ باكرا للمشاركة في موكب الاحتفال الرّسمي بعيد الثورة باعتباره عضوا في البرلمان.
لمّا شبعت الزّوجة نوما، غادرت فراشها وأعدّت قهوة جعلت تترشّفها باستمتاع وهي تتابع النقل التلفزيوني الحي لموكب الاحتفال عساها تتبيّن زوجها من بين الحاضرين. ثم شغلت نفسها بقضاء بعض الشؤون المنزلية في انتظار عودة زوجها الذي وعدها بخرجة إلى الشارع الرئيسي بالعاصمة للمشاركة في الاحتفالات الشعبية بالثورة...
من الغد، ولمّا كان الزملاء يهنّؤون بعضهم البعض بعيد الثورة، انحنى زميلها ناحيتها ليوشوش لها في أذنها: "صدق من قال إنّها ثورة النهود". لم تدر كيف صفعته صفعة جعلت جميع من في القاعة يلتفت نحوهما. ثمّ صاحت في وجهه "أنت وقح، فادية حمدي أشرف منك أيّها النّذل" ثمّ خاطبت زملاءها لتعيد على مسامعهم جهرا ما قاله لها همسا، وتوجّهت إلى زميلها الذي كانت تبدو عليه علامات الصّدمة والذهول وهو لا يزال واضعا كفّه على خدّه المصفوع ثمّ قالت له "ستدفع غاليا ثمن تطاولك عليّ وعلى الثورة يا كلب..." 

وأمام موجة الاستنكار والسخط التي عمّت الحاضرين، صدح الموظّف بهدوء: "زملائي الكرام، لن أحرق نفسي لأنّني  تلقّيت صفعة من امرأة مثلما فعل محمّد البوعزيزي. لا يغرّنكم هذا الدّور الذي تلعبه أمامكم زميلتكم... كيف تريدون منّي أن أتصرّف مع من أرسلت لي صورة  تكشف عن نهدها وهي ملقاة على السرير في ملابس النوم، صباح عيد الثورة !؟" ثمّ لوّح بجهاز هاتفه مبديا استعداده أن يطلعهم على الصّورة مع بيانات الإرسالية من مصدر وتاريخ وتوقيت...

lundi 12 décembre 2016

جاش الخاطر جاش: انتفاضة الخبز، 3 جانفي 1984

يومها، وصلت إلى معهد الصحافة قرابة التاسعة صباحا متأخّرا بسبب تعطّل حركة الحافلات. وجدت المعهد مقفرا إلاّ من بعض العملة الذين كانت علاقتنا بهم تحسن وتسوء بحسب التوتّرات الحاصلة مع الإدارة. كان بعضهم يتفانى في تنفيذ التعليمات طمعا في رضاء سي المنصف الشنوفي مدير المعهد، فيرصد حركاتنا ويشي بنا لدى الإدارة. وكان بعضهم الآخر متعاطفا معنا إلى حد التواطؤ. لكن يومها بدا لي جميع من وجدتهم هناك ودودين وقريبين منّي. كان النزق لمين يمازح كعادته الخالة زهرة بفاحش القول لتردّ عليه بأفحش منه. لكنّها بدت يومها صارمة وجادّة على غير المعتاد. أخبرتني أنّ الطلبة عقدوا اجتماعا عامّا خاطفا ودعوا إلى الالتحام بالمظاهرات الشعبية في أحياء الملاّسين وحي هلال والسيّدة المنوبية. غادرت المعهد لا أعرف كيف ألتحق برفاقي في تلك الأحياء. فعلى تلك الأيام، لم يكن لدينا الهاتف الخلوي المنتشر الآن. وفي شارع علي طراد بمونفلوري التقيت قائدا طلاّبيا يساريا من فصيل النقابيين الثوريين بدار المعلّمين العليا للتعليم التقني المجاورة لمعهدنا، وكنّا نعرف بعضا في سياق المناكفات بين الوطد والنقثَوْ، فأخبرني بلهجة آمرة أنّ أمرا (un mot d’ordre قالها بالفرنسية) قد صدر للالتحاق بالمظاهرات الشعبية في ساحة برشلونة، وأضاف مشاكسا "المعركة الحقيقية في قلب العاصمة حيث مقرّات السلطة وليست في الأحياء الشعبية حيث أحضان الأمهات". كانت جملته تلك كافية لتنتشلني من تردّدي وضياعي وتجعلني أتبعه إلى ساحة برشلونة فيما كان هو يسبقني بأمتار كما لو أنّه يتبرّأ منّي. شغلت نفسي عنه بالتفكير في من يكون مصدر هذه المودوردورات ces mots d'ordre التي كثيرا ما كانت تنزل على رؤوسنا نحن القواعد الطلاّبية قاطعة حاسمة كحدّ السيف لا تقبل النقاش ولا التشكيك... تكون رائحا في حال سبيلك بعدما شاركت في مسيرة، فيعترضك شخص تعرفه بالكاد ويوشوش لك "يا رفيق ثمّة مو دوردر متاع مسيرة ثانية من ساحة الباسّاج في ماضي ساعتين." ويغيب في الزحام تاركا إيّاك في حيرة. هل تنقل المودوردر إلى من ستلتقيهم أم لا؟ وهل تلتحق بالمسيرة الثانية أم لا؟...     
في ساحة برشلونة كانت المواجهات لا تزال في بداياتها، ولم تحتدّ بعد. ولكنّنا لاحظنا أعمدة الدّخان تتصاعد من وراء المباني ناحية السوق المركزية وشارع فرحات حشّاد. كانت هناك مجموعات منظّمة من شباب الأحياء الملثّمين يحاولون سدّ الطريق على سيّارات فرق النظام العام بأيّ شيء تطاله أيديهم: بالحافلات الرّابضة في المحطّة بحجارة الرصيف وبأخشاب صناديق ماسحي الأحذية. وكان بعضهم قد بدأ يحطّم واجهات المحلاّت التجارية في أنهج إسبانيا وجمال عبد النّاصر وشارل ديغول، غير بعيد عن سفارة فرنسا التي تطوّقها قوات البوليس والمدرّعات. ووجدت نفسي في دوّامة من الحيرة، لا أدري ماذا أفعل. فأنا لا أستطيع أن أحرق أو أحطّم الواجهات وأنهب المغازات، ولكنّني في نفس الوقت كنت مجبرا على البقاء معهم لأنّ سيارات النظام العام والشرطة كانت تعبر الشوارع المقفرة في كل الاتجاهات. كنت أدور في مربّع مغلق كالسمكة العالقة في شباك صيّاد. أجرّب التقدّم قليلا من ساحة المنجي بالي باتجاه باب الجزيرة من ناحية نهج الجزائر فتعترضني جموع الشباب الفارّ من لست أدري ماذا، لتجبرني على التراجع معها. أمشي قليلا في شارع جمال عبد الناصر باتجاه شارع بورقيبة فيلوح أمامي دخان القنابل المسيلة للدموع عند سفارة فرنسا. أعود إلى ساحة برشلونة مستطلعا فأرى الدخان ينبعث كثيفا من محطّة قطارات تونس. يا إلهي، هل أحرقوا المحطّة؟ مستحيل، هذه كارثة... أبحث عن القائد الطلاّبي اليساري الذي جرّني إلى هذا المستنقع، فلا أجد له أثرا... مع الحادية عشر تقريبا، بدأنا نسمع صوت الرّصاص يلعلع غير بعيد عناّ. اشتدّ خوفي وإحساسي بالعجز والهامشية وبالغربة عن هؤلاء الثوّار الملثّمين. قرّرت الابتعاد عنهم وتوغّلت في نهج اليونان متّجها نحو شارع بورقيبة. وما كدت أبلغه في مستوى المسرح البلدي حتّى هبّت عليّ موجة بشرية كعاصفة خلعت دفّتي نافذة وحملتني معها لأنتهي وسط كتلة من الأجساد البشرية المكوّمة فوق أدراج المسرح. ومن موقعي هناك تحت الأجساد، رأيت سيّارات مدنية بيضاء تعبر بسرعة، ومن أبوابها المشرعة تظهر كائنات بشرية أشبه بوحوش عملاقة رافعة أسلحة رشّاشة تزخّ الرصاص في الهواء وهي تصرخ بأقذع السباب والشتائم آمرة إيّانا بملازمة مكاننا. الغريب أنّ إحساسي بالخوف وأنا مع أولئك المتكوّمين فوقي وحولي وتحتي كان أقلّ بكثير ممّا كان عليه لمّا كنت مع ملثّمي ساحة برشلونة. وفيما كنت أتساءل عمّن يكون هؤلاء الذين وجدت نفسي معهم، شعرت كما لو أنّهم سرب من الطيّور رفرفت فجأة ودفعة واحدة تريد التحليق هربا من خطر داهم. وفعلا فقد كانت فرق النظام العام بأزيائها السوداء الداكنة وخوذاتها المخيفة وأحذيتها الثقيلة، قد حلّت بالمكان تهوي بهراواتها المطّاطية علينا وتوقف من يقع بين أيديها. طرت مع الطائرين وجريت فوق الرّصيف على غير هدى، لكنّ هراوة مطاطية أدركتني بين الكتفين في مستوى شارع قرطاج... أحسست بها ثقيلة ولكنّها غير مؤلمة كثيرا. ولم أتوقّف لاسترجاع أنفاسي إلاّ عند نهاية شارع قرطاج المطلّ على ساحة باب عليوة. في ذلك الوقت أحسست دبيبا كالنّمل يسري في مستوى ضربة الهراوة مخلّفا لديّ رغبة قويّة في حكّه دون أن أطاله وظلّ يعتمل مع إحساس بالسخونة والتورّم جعل ينمو حتى صارت البقعة حارقة مؤلمة لا أكاد أحتمل أن يلمسها القميص كما لو أنّ أحدهم صبّ عليّ هناك زيتا ساخنا.
كانت أعمدة الدخان تتصاعد من كل الاتجاهات، ورائحة الحرائق والقنابل المسيلة للدّموع تغلّف الجوّ. فكّرت في اللجوء إلى مقبرة الجلاّز للاستراحة، لكنّني عدلت عن ذلك مخافة  أن يصيبني مكروه هناك. وجعلت أمشي وأمشي دون توقّف باتجاه بن عروس حيث المبيت الجامعي. عندما بلغت منطقة فتح الله، أخبرني بعض النّاس أنّ حضرا للجولان قد تقرّر انطلاقا من الخامسة مساءا.
عند وصولي إلى الحيّ الجامعي، أعلمني حارس البوّابة الخارجية أنّ المبيت مغلق إلى أجل غير مسمّى، ولم يسمح لي حتّى بالصعود إلى غرفتي لتغيير ملابسي. كان لي رفاق يسكنون فيلاّ على وجه الكراء في حي الياسمينات ببئر القصعة غير بعيد عن المبيت. وكنت قد زرتهم هناك أكثر من مرّة في سياق حلقات المتعاطفين. ولم يكن أمامي من خيار آخر غير طرق باب بيتهم أمام زحف الساعة الخامسة.
هناك وجدت ما لا يقلّ عن ثلاثين شخصا من الرفاق بينهم ثلاث رفيقات. وفي تلك الفيلا عشت أيّاما لا أذكر عددها كانت كافية لأنتمي عاطفيا ووجدانيا إلى الوطنيين الديمقراطيين بشكل لا رجعة فيه حتّى وإن لم أنشط حركيا في هياكلهم. كان سكّان البيت الأصليون ثلاثة يعمل أحدهم مهندسا بوكالة التهذيب العمراني والآخر فنيّا ساميا بشركة خاصة والثالث أرشيفيا بصندوق التأمين على الشيخوخة. وكان ضيوفهم طلبة من معهد الصحافة ودار المعلّمين العليا للتعليم التقني وكلية الآداب وكلية الحقوق. لم ألحظ طوال إقامتي في ذلك البيت من أصحابه تأفّفا أو ضيقا بضيوفهم. كانوا يخرجون كلّ يوم بقفة السعف الكبيرة ويعودون بها مثقلة بالخضر والدجاج والخبز لنشارك في إعداد الطعام. وكنّا ننام في الليل ملتصقين ببعضنا البعض حتى نقاوم برد جانفي القاسي. كانت الرفيقات الثلاث في ذلك الحشد من الرجال يلقين كلّ التقدير والاحترام. فقد كانت الأولى مرتبطة بعلاقة حب مع أحد متسوّغي البيت منذ فترة، وقد تزوّجا بعد ذلك ولا يزالان إلى اليوم. والثانية خرجت من هناك بقصّة حب مع أحد الرفاق لم يتفطّن إليها أحد وقتها، وانتهت بزواج لا يزال قائما إلى اليوم. أمّا الثالثة، فقد كانت واقعة في حب أحد الرفاق الوسيمين جدا ولكنّه كان منشغلا عنها بحب غيرها. وقد حرّك فيها ذلك غيرة شديدة، كانت تصل بها إلى نوبات هستيرية في عزّ الليل. نكون نياما فنفاجأ بها تصرخ بأعلى صوتها وتبكي وتمزّق ثيابها وتريد الخروج إلى الشارع مولولة نافشة شعرها. انزعج أصحاب البيت من صراخها الذي يوشك أن يجلب أنظار الجيران وربّما البوليس بعد ذلك. وقد شكّل ذلك النقطة التي أفاضت كأس أصحاب البيت. لأنّهم كانوا في الحقيقة صابرين على كثير من التجاوزات والسلوكات الانتهازية الغريبة عن قناعات اليساريين التقدّميين. فقد كان لأحد المهندسين قارورة عطر ثمين نفذت في اليوم الأوّل لقدومنا. ولا يزال عطرها إلى اليوم حيّا في أنفي لأنّني ممّن ساهموا في الإجهاز عليها. وكان هناك من يتعمّد الاستيقاظ باكرا ليلبس أحذية أو جمّازات غيره وينزل بها إلى العاصمة متأنّقا. كما كان بيننا رفاق لا ضرورة لوجودهم في البيت، لأنّهم من أبناء العاصمة. وفي جانب آخر، لم يكن الجميع يحترم قواعد النظافة والعيش المشترك. أذكر أنّ أحد الرفاق من القادة قد طلب من رفيق مبتدئ أن يغسل ساقيه قبل النوم، فامتثل هذا الأخير ولكنّه عاد من عند الحنفية حافي القدمين. فما كان من الرّفيق القائد إلاّ أن ثار في وجهه مؤنّبا: "أو تظنّ أنّني قائد عسكري يتلذّذ بتسليط العقوبة على جنوده؟ ألا ترى أنّك جمعت بساقيك المبلولتين من الأوساخ أكثر ممّا كان عالقا بهما قبل غسلهما؟"
دعا الرّفاق إلى عقد اجتماع لتدارس وضعية المنزل والتفكير في حلّ جماعي يقبل به الكلّ. وتمثّلت القرارات الصادرة عن الاجتماع في ترحيل الرّفيقة "المهسترة" إلى أهلها، ودعوة الرفاق الذين بإمكانهم الذهاب إلى مكان آخر إلى تخفيف العبء على البيت، وكذلك دعوة من لا ضرورة نضالية لبقائهم في العاصمة إلى العودة إلى مدنهم وقراهم. هكذا أمكنت المحافظة على أمن البيت وساكنيه من رفاقنا، فلم يبق فيه إلاّ الرّفاق الذين لهم التزامات نضالية مثل الاتصال بالحقوقيين للدفاع عن الموقوفين من رفاقنا والتنسيق مع الأطراف السياسية والنقابية للاستحقاقات النضالية القادمة.
كنت من الصنف الذي بإمكانه اللجوء إلى مكان آخر، لأنّ رفيقي وابن بلدي ما انفكّ يلحّ عليّ في النزول ضيفا على عمّه في بيته بضيعة كريتيفيل في ضاحية مرناق. العم عبد السلام، عامل لدى شركة إنشاء وتعمير يسكن بيتا هو في الأصل أحد المرافق الملحقة بضيعة معمّر فرنسي تعرف ب"فيرمة كريتيفيل"، ليس بعيدا عن سجن مرناق.
بيت متواضع وصغير، لكنّه دافئ بطيبة أهله وواسع بكرمهم. غمرنا أقارب صديقي بحفاوة وعفوية لم أصادف لهما مثيلا إلى اليوم. كنّا نتسامر خارج البيت مع الشباب من جيران العم عبد السلام متحلّقين حول نار عملاقة من الحطب، فلا نشعر ببرد الليل مطلقا. ولمّا نأوي إلى البيت في آخر اللّيل، نجده دافئا بالكوانين وأنفاس النائمين. كان العم عبد السلام قد كرّمنا بالتنازل لنا عن غرفة نومه وفراش الزوجية. وأصرّ على الأمر إلى حدّ الغضب منّي عندما اعتذرت عن قبول ذلك. عندما نستيقظ في الصباح، يكون العم عبد السلام قد غادر البيت إلى العمل وترك لنا علبتي سجائر كريستال ودينارا كمصروف يوم. وتكون زوجته قد أوقدت نارا جديدة نجلس حولها لنشرب القهوة ونأكل خبز الطابونة الساخن منقوعا في زيت الزيتون. بعد الفطور، كنّا أنا ورفيقي نتمشّى في ضيعات الكروم الممتدّة على مدى البصر، ونحن نتناقش عن الثورة الوطنية الديمقراطية وعن طبيعة المجتمع وطبيعة المرحلة وموازين القوى وتحالف العمّال والفلاّحين ودور الشبيبة التقدّمية في الثورة، إلى غير ذلك من المواضيع التي تشغل بالنا وتأسر عقولنا. ونمرّ جنب أسوار سجن مرناق العالية، فيسرح فكري إلى من يقبعون وراء تلك الأسوار. ويصوّر لي خيالي حتّى أكاد أصدّقه أنّهم جميعا من المناضلين الأبرياء الذين ضحّوا بحرّيتهم من أجل مبادئهم. كنت أرفض أن أعتبر السجناء مجرمين مهما فعلوا، لأنّ المجرم ضحيّة التهميش والفقر والظلم. ولا نعود إلى البيت إلاّ لنتغدّى ونشرب الشاي. نستريح قليلا ثم نخرج مع زوجة عمّه من جديد لنجمع الحطب من التلال المحيطة بسفح جبل بوقرنين تحت شمس تبعث في ظهورنا الدفء.
بعد أيّام قال لي رفيقي: "إلى متى سنظلّ هكذا قابعين في البيت كالصبايا؟ غدا، نذهب إلى العاصمة لاستطلاع المستجدّات ومعرفة الأخبار". أذكر أنّنا كنّا نصرف دينار العم عبد السلام في تذاكر الحافلة ذهابا وإيابا وربّما وفّرنا منه ما يسمح لنا بتقاسم "كابوسّان". أمّا بالنسبة للغداء، فأذكر أنّني كنت أذهب إلى مطعم المونوبري الكائن بنهج شارل ديغول في الطابق الأوّل، وهو مطعم "شيك" يقدّم وجبات لموظّفي البنوك والشركات وتجار الحي، فأرصد طبقا تبدو على صاحبه علامات النظافة لأثب على بقاياه وألتهمها، حتى تفطّن إليّ عامل النظافة المكلّف بجمع الأطباق ومسح الطاولات فتعاطف معي وصار يجلب لي من هذا الطبق تفاحة ومن ذاك نصف قطعة مرطبات ومن آخر بقايا فخذ دجاج مصلي.
كنت أغادر المطعم، بعدما أسكت جوعي، فأمسح فمي بظهر يدي وأردّد مخاطبا ديوان الخدمات الجامعية: "يا أولاد القـ......، هكذا شرّدتم نخبة البلاد ومثقّفيها وحوّلتموهم إلى متسوّلين!" نعم، كنت أرى في نفسي عنصرا من نخبة البلاد ومثقّفيها...
جلال الرويسي - مسقط في 12 ديسمبر 2016

vendredi 9 décembre 2016

فيض خاطر

(1)

كيف صرت وطنيا ديمقراطيا؟

في بداية الثمانينات كنت طالبا بمعهد الصحافة أنتمي إلى خط الوطنيين الديمقراطيين. وكان هناك زعيم طلابي ينشط في الهياكل النقابية المؤقتة التي كانت وقتذاك تقوم مقام المكتب التنفيذي للاتحاد العام لطلبة تونس الممنوع. كان هذا الزعيم الطلاّبي من تيّار يسمّي نفسه طلبة وطنيون ديمقراطيون دون صيغة التعريف. وهو أحد شقّي العائلة الوطنية الديمقراطية التي ستستمرّ في التفتّت والتشقق لتعطي المود والشود والوطج والوطد وغيرهم. وتلك حكاية أخرى تشكّل في حدّ ذاتها ظاهرة جديرة بالتحليل ولكن ليس هذا مجاله...
لم أختر أن أكون في الوطد (وتحديدا في مجموعة كلية الآداب التي تختلف مع الوطد مجموعة كلية الحقوق في مسألة هل نحن متعاطفون أم متبنّون لفكر الطبقة العاملة؟؟) ففيما كان رضا العتروس (رضا لينين) مدعوما بجماعة الإيكول نورمال يرى في النخب المثقّفة مجرّد متعاطفين مع فكر الطبقة العاملة بحكم تصنيفهم كبرجوازية صغيرة، كان شق كلية الآداب الذين يتزعّمهم طالب من كلية الحقوق (محمّد الهادفي) يرى أنّ النخبة الثورية منسلخة طبقيا ومتبلترة (prolitarisée) وبالتالي فهي تتبنّى فكر الطبقة العاملة وليست مجرّد متعاطفة معه، فهي طليعة الحزب الثوري ورأس حربته. ولهذا الطّرح انعكاساته التنظيمية والهيكلية على مستوى الحزب الثوري المنشود. كان رضا لينين ينادي بالعمل في الجبهة الثالثة أي جبهة العمل الثقافي، بينما كنّا في الطرف المقابل نسخر من شطحاته البرجوازية الصغيرة وتنظيره للميوعة وندافع عن أولوية العمل في الجبهتين السياسية والنقابية.
كان جماعة وطنيون ديمقراطيون بصيغة النكرة الذين سيصيرون لاحقا حزب العمل الوطني الديمقراطي بزعامة الراحل عبدالرزاق الهمامي، يدافعون عن مطلب الحريات السياسية والعفو التشريعي العام الذي كان في نظر فرعي الوطد (حقوق وآداب) مطلبا برجوازيا طوباويا، وبالتالي كان هؤلاء يدافعون على أولوية المسألة الوطنية بالقياس للمسألة الديمقراطية. ومن نتائج هذا الاختلاف أن كان الزعيم النقابي لمعهدنا ينادي بانتخاب الهياكل النقابية بعدما تخرّج أغلب مناضليها، بينما كنّا نحن ننادي بالتعزيز على قاعدة النضالية دون انتخابات حتّى لا نقدّم المناضلين على طبق لبوليس بورقيبة.

طبعا، كان هناك في الجامعة تيارات سياسية أخرى أبرزها النقابيون الثوريون وهم امتداد جماعة العامل التونسي التي يتزعّمها حمّة الهمّامي ومحمّد الكيلاني، والطليعة الطلابية العربية بزعامة خير الدين الصوابني (البعث العراقي) والطلبة العرب التقدميون الوحدويون الأحرار (الذين لم أستطع يوما فهمهم ولا تصنيفهم في خارطة التيارات الإيديولوجية، فهم ناصريون على قذافيون على عصمتيّون، على لست أدري ماذا؟ كان انطباعي عنهم أنّهم غوغائيون رغّاؤون بُصَاقِيُونَ شتّامون عصابيون حقودون مزايدون ... يلتقون مع الإسلاميين في المناداة بمؤتمر تأسيسي لمنظمة طلابية جديدة لا علاقة لها بالاتحاد العام لطلبة تونس ذي الأصول والتاريخ الدستوري)

وكان هناك أيضا الاتّجاه الإسلامي الصاعد بقوّة والمستفيد من تناحرات اليسار، ومن غضّ السلطة نظرها لخلق قوّة مضادّة تكبح سيطرة اليسار الذي طهّر الجامعة من الدساترة.
وكانت هناك أقليات أخرى من نوع الطلبة التروتسكيين والمجالسيين وطلبة الحزب الشيوعي الذين كنّا ننعتهم بالإصلاحيين ونمنعهم من الكلمة في الاجتماعات والتجمّعات، وجماعة نظرية العوالم الثلاث (علي المهذبي)، وغيرهم من النقاط الصغيرة المتناثرة هناك وهناك في اللوحة الفسيفسائية الكبيرة دونما تمثيلية تذكر.

قلت لم أختر أن أكون في الوطد، بل كنت أقرب ما أكون بحكم العاطفة إلى الفكر القومي. فقد عقدت العزم في قرارة نفسي، منذ حصلت على الباكالوريا وصرت أرى في نفسي شخصا مثقّفا ينتمي إلى النخبة، على أن أنشط سياسيا شرط أن لا أكون شيوعيا ملحدا مثل جماعة نادي السينما بقريتنا ولا إسلاميا مثل أولئك الذين نفّروني من الصلاة في مبيت المعهد. كنت أميل إلى ما كنت أعتبره منزلة بين المنزلتين: عاطفة عروبية في علاقة بمجد عبد النّاصر وبالجرح الفلسطيني النازف وبالحماسة والخطابة الشعرية (التي سأمقتها لاحقا)، وكفى الله المؤمنين شر التطرّف. وأمام اللاءات الثلاث التي وضعتها لنفسي "التخونيج لا، الإلحاد لا، التدستر لا"، لم يبق أمامي إلاّ الحِجْرُ أو الحضن العروبي أرتمي فيه، خصوصا وأنّني جنوبي أستبطن الإحساس بالضيم ووهم التفوّق في الشجاعة والبطولة على كل الجهات الأخرى. (أحنا الجود، أحنا الكرم، أحنا الشجاعة، أحنا الهمم... الكدّ في المناجم والمال في العواصم، إلخ.)

واليوم أحمد اللّه صبحة وعشيّا كلّما فكّرت في مآلي الفكري والسياسي لو اعترضني قائد قومي يوم وطأت قدماي الجامعة... كنت سأكون رفيقا لسالم لبيض وشبيها له لا قدّر اللّه...
من حظّي أن اعترضني ذلك القائد الطلاّبي من الهياكل النقابية المؤقّتة وانتبه بحسّه السياسي المتطوّر إلى جمّازة العمّال الزرقاء التي كنت أرتديها mon bleu de travail كعلامة انتماء إلى الحوض المنجمي واعتزاز بأصلي العمّالي.

كان هذا القائد يلعب على نرجسيتي ويعرف كيف يعزّز فيّ مناطق فخري. لكنّ جماعة الوطد من شق كلية الآداب الذين كانوا مسيطرين على معهد الصحافة كانوا قد فتحوا الحوار بنفس أساليب القائد الطلاّبي مع صديق لي قادم من نفس المعهد (وهو اليوم عضو بالمكتب السياسي لحزب الوطد الموحّد). كان صديقي هذا يختلف عنّي في كونه ريفيا طيّبا شديد البأس وقويّ البنية. صفات مثالية جعلت الوطد يركّزون عليه ويستقطبونه ثم يطلبون منه استمالتي. وقد وجدت أولى محاولاته استجابة منّي لما لمسته من انصراف الزعيم الطلاّبي عنّي بحكم مسؤولياته الطلابية الوطنية وعدم وجوده باستمرار في معهد الصحافة. قلت في نفسي "محسوب شنوّة الفرق؟ جات على الألف واللام؟ وطد ولاّ الوطد، كيف كيف... وبعد هذا ودونو لم أكن أستسيغ صيغة النكرة في اسمهم... فقد كان إدراكي وذائقتي اللّغوية يتلقيّانها كأنّما تعني أنّهم لقطاء (نكرة) بينما الأخرون معرّفون ومعروفزن... االحاصيلو، ما نطوّلش عليكم طلعت هبطت، لقيت روحي في الوطد، ندافع على أطروحات ماني فاهم منها ولا كعبة بحماس من له أقدمية سنوات في التيار... وبصراحة، الجماعة لقيت فيهم حضن دافئ لغربتي، متضامنين مع بعضهم رغم الفقر والميزيرية، وعلى كلّ حال الواحد عمرو ما يطيح مونك تيكيات راستورون ولا سواقر ولا كابوسانات. من غير ما ننسى القدر والهيبة قدّام الطلبة الأخرين.

وكانوا هاك السناقر متاع قيادات الوطد في ليبسي (l'IPSI) كلّ مرّة يمشّيولي كتاب من أساسيات الفكر الشيوعي: "البيان الشيوعي" (ماركس)، "المبادئ الأساسية في الفلسفة" (جورج بوليتزار)، "في التناقض (ماو تسي تونغ)، كتاب أزرق هو في الأصل محاضرة مترجمة لستالين يحكي فيها على مقومات الأمّة، نقد الفكر الديني (صادق جلال العظم)، المرأة والجنس (سلسلة كتب لنوال السعداوي)، الثالوث المحرم (بوعلي ياسين)، المادية الجدلية والمادية التاريخية (جورج طرابيشي)، آش باش نحكيلكم، قصف إيديولوجي مركّز... ماذا كنت أفعل بتلك الكتب؟ كيف كنت أجدها ؟ هل كنت أقرأها؟ هل كنت أفهمها؟

(2)

لماذا فشلت في الارتقاء إلى حلقة المناضلين؟

شهران أو ثلاثة كانت كافية كي أندمج في مناخ الجامعة ولكن ليس إلى درجة أن آخذ الكلمة في الاجتماعات العامّة باسم الخطّ. فذاك شرف يناله المناضل بعد إثبات سعة معارفه الإيديولوجية وقدرته على التحليل والحجاج وعلوّ كعبه في تعبئة الجماهير. وممّا ساعدني على الاندماج أن وجدت نفسي أتقاسم إقامة مشتركة مع أربعة زملاء بالمبيت الجامعي بضاحية بن عروس. مجموعة عمارات سكنية شعبية تسوّغها ديوان الخدمات الجامعية وحوّلها إلى حي جامعي يحيط به سياج وله باب رئيسي محروس. كل شقّة من غرفتين وحمّام ومطبخ تحوّلت إلى إقامة لخمسة طلاّب. أمّا الأدواش فقد جمّعت في مكان مركزي من المبيت حتّى يسهل التحكّم في استهلاك الماء وخصوص الساخن منه. بالإضافة إلى صديقي ورفيقي الذي جاء معي من المعهد الثّانوي وجدت نفسي أقيم مع طالب من صفاقس وآخر من المكناسي (جهة سيدي بوزيد) وآخر من جربة. وكانت تلك بالنسبة لي أولى دروس الحياة الجامعية ومكاسبها. أن تنفتح على غيرك وتتعايش معهم. كان الصفاقسي ميكانيكيا في عقلانيته وكالتاجر في براغماتيته. وكان للجربي بما يختزنه من ثقافة أهل الجزر وطبائعهم مكرُ الأقليات في إخفاء أوراقها وحذرها من أجل الحفاظ على البقاء. أمّا البوزيدي، فكان ألمعيّا في ذكائه ولكنّه أرعن لا يتحكّم في انفلاتاته السلوكية والانفعالية. من ذلك النّوع الذي يمكن أن يبيع ما يملك ويهمل عياله ويهجر الناس بسبب قصّة حب فاجأته في كهولته فلم يقو على ردّها. أمّا رفيقي ابن جهتي فكان طيّبا شجاعا ومخلصا لمبادئه، لا أكاد أجد له عيبا سوى نكرانه لذاته أكثر ممّا يجب وتسرّعه في الحكم والاستنتاج وثباته على المبدإ إلى حدّ المحافظة والأخلاقوية. أمّا أنا فكنت أعيش حياتي لحظة بلحظة، لم تكن لديّ قناعات ثابتة ونهائية. أجد لذّة في الملاحظة والمراقبة. وكم أطلت في ذلك حتّى فاتني اتّخاذ الموقف المناسب في الوقت المناسب. لم أكن من دعاة ردّ الفعل الفوري وأنصار المواقف الحدسية. آخذ وقتي في كلّ شيء حتّى يوقعني الوقت في مأزق أو يتصرّم في نعومة كحبّات الرّمل من بين الأصابع... كيف انتهى خمستنا اليوم، بعد خمس وثلاثين سنة ؟ الصفاقسي مدير عام بوكالة الاستثمارات الصناعية، والجربي صاحب أوّل إذاعة خاصّة وقد ورثها عن الطرابلسية، والبوزيدي صاحب معمل لمواد التنظيف تارة في صعود وتارة في هبوط، والقفصي ولد بلادي معلّم وعضو في المكتب السياسي لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد. وأنا مدرّس جامعي تزوّج بعد الخمسين ومعار في دولة خليجية من أجل شراء شقّة بتونس عجز عن امتلاكها بعد ثلاثين سنة من العمل.

كانت الجامعة تعيش زخما مثيرا من النشاط السياسي والحراك الثقافي. يتمثّل النشاط السياسي في تعليق نصوص حائطية وتوزيع بيانات وعقد حلقات تكوينية للمنتمين إلى الخط على مستويين (حلقات متعاطفين وحلقة مناضلين) وتوزيع الكتب الإيديولوجية، وعقد الاجتماعات العامّة والتجمّعات الكبرى meeting وتنظيم حلقات نقاش هي عبارة عن آغورا للمطارحات الفكرية والمنازلات النظرية وتنظيم الإضرابات الطلاّبية والمشاركة في المسيرات الطلاّبية أو الشعبية وخوض انتخابات المجالس العلمية.

أمّا الحراك الثقافي فكانت واجهته الكبرى عروض الموسيقى الملتزمة التي يتخلّلها إلقاء قصائد لشعراء معروفين بالتزامهم السياسي وبتقدّميتهم. وكان الطلبة أيّامها ينشطون بكثافة في نوادي السينما، فيتجمّعون عشية كلّ سبت بشكل لافت أمام دار الثقافة ابن رشيق. كان نجوم النشاط الثقافي لتلك المرحلة هم الشيخ إمام وفؤاد نجم (بأشرطة الكاسيت التي كنّا نحفظها ونردّدها في مرحلة أولى وبالحضور إلى تونس في مرحلة لاحقة)، فرقة البحث الموسيقي، فرقة أولاد المناجم، فرقة الكرامة، بلقاسم اليعقوبي، آدم فتحي، محمّد الصغيّر أولاد أحمد، كمال غالي، كمال بوعجيلة، عبد الجبّار العش (فرقة الحمائم البيض ظهرت في وقت لاحق).

كنت لا أتخلّف عن حضور الاجتماعات والتجمّعات العامّة وأتابع بانتباه حلقات النقاش وأقرأ بتركيز المعلّقات الحائطية الطويلة جدّا. لكنّني كنت تائها بين ماركس وأنجلز وكاوتسكي وفيورباخ ولينين وزينوفياف وستالين وتروتسكي وبليخانوف وجدانوف وماو تسي تونغ وشان كاي تشاك وهو شي منه وروزا ليكسمبورغ وجورج ديمتروف وأنور خوجة، وميشيل عفلق، وعصمت سيف الدّولة، وجورج طرابيشي وفيصل درّاج، ومنير شفيق، وسمير أمين، إلخ.

لم يسعفني إصراري على قراءة الكتب الإيديولوجية المترجمة ولا تركيزي أثناء حلقات النقاش وجدّيتي في قراءة النصوص الحائطية، لم يسعفني كلّ ذلك بما يساعدني على الفهم والاستيعاب بل كان على عكس ذلك يعمّق المتاهة ويزيد من تشابكها. لم يدم شكّي في حقيقة قدراتي الذهنية على الفهم والاستيعاب طويلا. فقد كانت ترجمات تلك الكتب التي يسلّمني إيّاها الرّفاق من الرّداءة في التركيب والتعبير وغياب التنقيط بما ينفّر أيّ قارئ ذي حسّ لغوي سليم من قراءتها. جمل بحجم فقرات لا تعرف لها بداية ولا نهاية، أخطاء مطبعية، مصطلحات غريبة وملغزة. أشرع في القراءة لكنّني سرعان ما أفقد التركيز وأتوه فتواصل عيناي ملاحقة الأسطر ولكن لاشيء ينفذ إلى الدّماغ. أكرّر العملية أكثر من مرّة دون جدوى، ويحصل أحيانا أن أجرّب القراءة بصوت مسموع عساي أنجح في التركيز، ولكن دون فائدة. وكنت أعاني من نفس الشيء في النصوص الحائطية التي كانت تمتاز عن الكتب بنبرتها التحريضية الواضحة وبلغتها الخشبية المحنّطة، فلا يذكر النظام إلاّ متبوعا بالكمبرادوري الرجعي العميل ولا تذكر السياسة التعليمية إلاّ منعوتة بالانتقائية ولا تذكر تونس دون ربطها بمصطلح القطر. وكنت أستغرب اهتمام بروفسور العلاقات الدولية الذي سيصير لاحقا أحد أبرز وزراء بن علي بتلك النصوص الحائطية. فقد كان كلّما حضر إلى المشربة ووجد بالصّدفة نصّا حائطيا إلاّ وقرأه من الأوّل إلى الآخر وناقش أصحابه فيه مثيرا فضول الطلبة ومتسبّبا في تجمهرهم حوله. هل كان يريد أن يفهم كيف يفكّر الطلاّب؟ أم هل كان يتجسّس عليهم؟ ربّما كان كلّ همّه معاكسة الفتيات لا غير... كنت أتحدّث عن الأستاذ عبد الوهاب عبداللّه.

أمّا الاجتماعات العامّة A.G.، فكانت فضاء للمناورة بأتمّ معنى الكلمة. يقتضي العرف أن يترأّس الاجتماعَ الطّرفُ الدّاعي إليه. ولكنّ ترتيبات الاجتماع من تحديد للرّئيس والموضوع وتوزيع للكلمة وأوقات التدخّل بل وتحديد لأماكن الجلوس. تذكّرني دائما بحنّة العروس، ينظّمها ليجمع الرشوق (الرّمو) فهو الذي (عن طريق أقاربه) يوجّه الدعوات ويترأّس الحفل ويوزّع المأكولات والمشروبات ويراقب حلبة الرّقص ويقصي الدخلاء والمتطفّلين. وككلّ سهرات الحنّة، يكون هناك دائما متطفّلون عربيدون يحضرون دون دعوة ويتظاهرون بالفرح للعروس وينزلون إلى حلبة الرّقص ف"يبردلونها" ويفسدون العرس. وتنفضّ السهرة بضارب ومضروب وبشنعة.


كنت أواجه مشاكل يبدو أنّها لم تكن تزعج غيري إلى حدّ جعلني أتساءل عمّا إذا كنت حالة شاذّة تُحْفَظُ ولا يقاس عليها. مشاكل كان رفاقي في البداية يعزونها إلى عدم نضجي السياسي والتكتيكي وإلى ضعف تكويني النظري. كانوا يبدون تفهّمهم لي ولكن لا أحد كان يقاسمني مشاكلي. كنت مثلا عاجزا على تلخيص كتاب لم أنجح في تجاوز صفحته الأولى والحال أنّني مطالب بعرضه أمام حلقة المتعاطفين يوم الأحد بالمبيت الجامعي... كنت كذلك لا أحتمل أن أغضّ النظر عن تجاهل رفيقي رئيس الاجتماع العام، لطالب بعثي ظلّ رافعا يده وقتا طويلا حتّى يسجّل اسمه في قائمة المتدخّلين أو عن تغيير ترتيب المتدخّلين بتقديم طالب إسلامي وتأخير رفيق يساري حتّى يسمع ما يقوله الإسلامي ويردّ عليه... كنت أعترض على هكذا سلوكيات علنا وأثناء الاجتماعات العامّة، ممّا جعل رفاقي يضيقون ذرعا بشطحاتي ويدعونني إلى الكفّ عن هذه الطيبة المسيحية البلهاء وينبّهونني إلى ضرورة الانضباط والتضامن الحزبيين...

فإذا أضفنا إلى كلّ ذلك أنّني من أنصار النّادي الإفريقي وأرغب في حضور مقابلاته بملعب المنزه يوم الأحد، وأنّني كنت واقعا في شراك تلميذة محجّبة عرفتها في مشربة المعهد، فهمنا حجم ورطتي تجاه رفاقي وأسباب تخاذلي في الوفاء بما أُلزِمْتُ به.

كيف وقعت في شراك تلك المحجّبة؟؟ كان معهد الصحافة يقع في تلّة مونفلوري قريبا من عدّة معاهد ثانوية كمعهد محسن العياري لترشيح المعلّمات الذي كانت قاعاته تطلّ على ساحة معهدنا ومعهد العلوية ومعهد أبو القاسم الشابي. وكان لاختصاص المعهد بريقا جذّابا للمراهقين والمراهقات من تلاميذ تلك المعاهد الذين كانوا يتقاطرون على معهد الصحافة في ساعات فراغهم كلّ لغرض في نفسه. هذه تأتي لتدخين سيجارة في فضاء من الحرية وذاك يأتي لحضور الاجتماعات وسماع الزعماء وتلك يهمّها أن ترى بعض الوجوه التلفزية المعروفة. وكان حضور التلاميذ يلاقي استحسانا لدى طلبة المعهد، كلّ لغرض في نفسه أيضا. فهؤلاء لمعاكسة المراهقات وربط علاقات بهنّ، وأولئك لاستقطاب قواعد جديدة...
قالت لي في جلسة بوح بعد سنوات من تخرّجي، وقد تخلّت عن حجابها: "كان إحساسي نحوك أقرب ما يكون إلى الشفقة منه إلى اي شيء آخر. فقد كانت جمّازتك الزرقاء
ton bleu de travail التي لا تفارقك أبدا، وأسنانك الصفراء وبشرتك المحروقة وشعرك الأشعث كلّها تنبئ عن انحدارك من وسط شعبي وفقير." داريت الجرح الذي سبّبته لي بحديثها عن مظهري، ورددت عليها: "أمّا أنا فأكثر ما كان يشدّني إليك، هو تدخينك وأنت متحجّبة، ولمعة الجرأة في نظرتك التي لا تنسجم مع مظهرك المتديّن. كنت واثقا أنّ شخصية وتجربة فريدة تختبئان وراء ذلك الحجاب. سامحك اللّه فقد شتّتت تركيزي وجعلت رفاقي يرتابون في أمري ويحتاطون منّي"

وقد زاد من ارتياب الرّفاق في أمري أنّني لم أكن أساوم في حبّي للنّادي الإفريقي ولا أخفيه. بل تجرّأت مرة على الاعتذار صراحة عن حضور الحلقة التكوينية الإيديولوجية لأنّني ذاهب إلى مشاهدة مباراة الدّربي. كنت أذهب إلى حديقة النادي الإفريقي لمتابعة التمارين وأتأمّل عضلات اللاّعبين وهو يجرون وأصغي لأنفاسهم لمّا يقتربون من السياج السلكي الذي أقف وراءة لالتقاط كرة تائهة. كان هؤلاء يسمّون الخلصي والعبدلّي ورضا بوصحيح والهادي البيّاري ولطفي الرويسي... ومنها أنتقل إلى حديقة الترجّي الرياضي غير بعيد، لأتلصّص على تمارين الفريق المنافس وأقارن بين سرعة حسن فدّو ونبيل معلول وعادل لطرش وخالد بن يحي من ناحية والأولاد من ناحية أخرى. ولكنّني أبدا ما كنت أستسيغ أغاني الجمهور وأمتنع عن ترديدها لما ألمسه فيها من تملّق للّه الذي لا يمكن أن يكون إلاّ محايدا في مثل هذه المسائل (يا ربّي يا عالي، انصر الإفريقي) وبذاءة لغوية وذوقية ومزايدة في الفخريات...
أحمد اللّه أنّني شفيت من هوسي بالنّادي الإفريقي الذي لا يستحق أيّ إعجاب. ولكنّ ذلك تمّ بشكل متأخّر بعدما حسم الرّفاق في أمري ونزّلوا تصنيفي الإئتماني إلى درجات دنيا. ولكن ما حيلتي؟ فقد كان يجب أن أشفى من حبّ النّادي الإفريقي ليس بأمر حزبي، ولكن بقناعة ذاتية تدرك العقم الرياضي لهذه الفرق وأنّها فقّاعة عملاقة لإلهاء النّاس.
نفض منّي أغلب قادة الخطّ أيديهم، إلاّ رفيقي ابن بلدي، أو لعلّهم كلّفوه بمتابعة تأطيري معتمدا على قربه منّي... أذكر كيف أعلمني مرّة أنّه تقرّرت دعوتي إلى حضور حلقة المناضلين بكلية الآداب منّوبة، على بعد عشرة كيلومترات من وسط العاصمة. رأيت في ذلك تشريفا لي وأحسست بقيمتي لدى رفاقي واستجبت إلى الدّعوة كذلك بدافع الفضول. وجدنا حال وصولنا حلقة نقاش تضم جمعا غفيرا من الطلاّب المتحلّقين على العشب. فانضممنا إلى الحلقة في انتظار أن يتصرّف أحد رفاقنا من كلية الآداب ليوفّر لنا قاعة آمنة وسرّية للاجتماع فيها. ورغم أنّ مستوى المداخلات كان أرفع بكثير ممّا عهدته في معهد الصحافة، إلاّ انّ الحلقة بُرْدِلَتْ كالعادة وتحوّلت إلى حلبة كاراتيه بين الإسلاميين والوطد سطع فيها بالخصوص نجم أحد رفاقي من الساحل التونسي حيث وجّه ضربة رشيقة بخلف قدمه إلى متديّن مهتاج في مستوى الرّقبة طرحته أرضا. التحقنا بقاعة الاجتماع التي كانت في قسم التاريخ على دفعات صغيرة حتى لا نجلب الانتباه تحت حراسة عم الفاهم منظّف المبنى الذي اشتراه الرفاق بعلبة سجائر كريستال فسلّمنا مفتاح القاعة وأمّن وصولنا إليها. خرجت من تلك الحلقة وأنا على قناعة تامّة بأنّه لا مكان لي فيها. فأنا لم أقرأ حرفا واحدا حول القضايا التي ناقشها الرفاق. أحسست بالخزي والحنق على نفسي بأن وضعت نفسي في ذلك الموقف المحرج. وقرّرت أن أعرف قدري مستقبلا...

وجدت نفسي نتيجة لذلك أميل إلى الأنشطة الثقافية خصوصا بعدما حصلت على وظيفة مكتبي مساعد بالمعهد العالي للموسيقى في قلب العاصمة. وصرت أقضي أغلب وقتي في ما يسمّيه أصدقائي اليوم بمثلّث برمودا، يعلق فيه كلّ من يدخله. مثلّث مقهى الأونيفار ومقهى تونس ومقهى الزنوج والروتوندة وستوديو 38 ودار الثقافة ابن رشيق ودار الثقافة ابن خلدون والمسرح البلدي ومقهى باريس...


جلال الرويسي - مسقط في 09 ديسمبر 2016

يتبع...