samedi 7 juillet 2018

لا فرق بين فساد كبير وفساد صغير... هناك فساد وكفـــى


الحرب على الفساد هي أمّ الحروب جميعا وأصعبها على الإطلاق. إنّها ليست فقط حربا على الرشوة واستغلال النفوذ وسرقة المال العام والتهريب. إنّها حرب شاملة ضدّ الخارجين عن القانون دون استثناء، تستخدم فيها الوسائل الأمنية والسياسية والأخلاقية والجمعياتية والصحفية، ذلك أنّ الفساد نفسه يستخدم نفس هذه الأسلحة. 
 للأسف يكاد الفساد في البلاد يكون عامّا لم يترك شريحة عمرية أو فئة مهنية أو طبقة اجتماعية أو جهة جغرافية...
يقول المستفيدون الصغار من الفساد: "ابدؤوا بالحيتان الكبيرة، لأنّهم أصل الداء، ولابأس أن يأتي الدّور علينا فيما بعد."
هذا الكلام ليس في الحقيقة سوى تعويم للموضوع وربح للوقت وبحث عن منافذ للمناورة. لأنّ الفساد شبكة مصالح متداخلـــة، تتوزّع فيها الأدوار بين الكبار والصغار. الكبار يشغّلون الصغار ويحمونهم، والصغار يخدمون الكبار ويدينون لهم بالولاء والطاعة...
ليس هناك فساد صغير وفساد كبير... هناك فساد وكفــــى.
عندما تفكّكت شبكات الطرابلسية والدائرين في فلكهم، وتعرّت ظهور الفاسدين الصغار فتاهوا كاليتامى، كان لابدّ من إيجاد حلول ثورية للفئات الشعبية المهمّشة قبل أن يعيد الفاسدون ترتيب أوضاعهم وتوزيع الأوراق والأدوار ثمّ يستقطبونهم من جديد.
هذه هي اللحظـــة التاريخية المفصلية التي أهدرناها فنفخنا الرّوح في الفساد ليعود أكثر قوّة وانتعاشا ممّا كان عليه قبل 14 جانفي 2011. فبــدل الاستفادة من زخم الأمـــل الذي حمل حشود المتظاهرين وشجّع الشباب المعطّل على حراسة الأحياء والموظّفين على مواصلة العمل، كي نطـــرح الحلول الاقتصادية والاجتماعية الضرورية، كان هناك أغبياء ينادون بمجلس تأسيسي، وملتحون ينظّمون الخيمات الدعوية وجلاّدون ينتظمون في نقابات أمنية وسجناء سابقون يقبضون مئات الملايين مكافئة لهم على الثبات على المبدأ.
هكذا نزل الضغط في عجلات الثورة وبركت عربتها وتعطّلت عن السير... وصار كثير من باعة الرّصيف يتحسّرون على أيّام الطرابلسية... يقولون أنّ الرزق كان وفيرا أيام عماد وبلحسن وجليلة الطرابلسي ... ويروّجون الأساطير عن سخاء وشهامة ومواقف نبيلة لهذا الفاسد المافيوزي أو ذاك...
انظــــر كيف كشفت عديـــد الوقائــع عن ارتباط المهرّبين بضبّاط كبار في الديوانة... انظـــر كيف يديـــر بعض ضباط الشرطة شبكات من محترفي النشل وبيع الخمور وبيوت الدعارة...
هذا هو المدخـــل إلى مجتمــــع المافيا، الذي تتفتّت فيه الدولة ومؤسّساتها حتّى تصير جثّة متعفّنة تنهشها الضباع وتنخرها الديدان. مجتمع يكون فيه لكلّ حـــوت كبيـــر جنود صغار من الباعة والمخبريـــن والعســس والقوّادين والشرطة والجمارك والقضاة والصحفيين والنقابيين. بلغة أخرى، لكلّ حوت كبير دولة داخل الدّولة.
انظـــر كيف يحتمي كلّ حوت كبير بجيش الخدم المنتفعين منه والموالين له. كلّما حاولت الدولة المساس بأحدهم دفع جيش مرتزقته إلى الشارع ينعقون ويبكون حالهم لأنّهم مهدّدون في قوت عيالهم، فيعتصمون في الطرقات ويقطعونها .انظر كيف يدفع ذلك النائب بالبرلمان عن جهة قفصة الذي يملك شركات لنقل الفسفاط بالشاحنات متظاهرين إلى سد الطريق كلّما قرّرت شركة فسفاط قفصة أن تتعامل مع الشركة الوطنية للسكك الحديدية. هل من الصدفة أن تتعدّد حوادث قطارات نقل الفسفاط التي كانت نادرة في السابق؟؟. هذا مثال حي عن الضباع الضارية التي تنهش جسم الدولة... انظر كيف أطلق نبيل القروي عنان قناته ضدّ الدّولة، لأنّ الحكومة طالبته بدفع مليارات متخلّدة بذمّته كمخالفات جبائية... انظر ماذا فعلت نقابة مستشفى الهادي شاكر عندما عيّن وزير الصحّة سعيد العايدي عسكريا لإدارة المستشفى المنهار تحت وطأة الفساد... والأمثلة كثيرة لا تحصى في جميع القطاعات والجهات...
تخضع العلاقة بين الحيتان الكبيرة لقانون توازن الرعب. "شد كلابك توّا نشد كلابي" أمّا مع جيش الخدم والمنتفعين فيسود قانون الصمت Omertà (من يفكّر في فتح فمه يموت قبل أن يفعل). قانون الصّمت كوكتال مركّب من قوانين الخوف والانتهازية والفردانية. وكي يستريح الجميع يردّدون مع بعض في جوقة متناغمة "من كان منكم بدون خطيئة فليرمها بحجـــر"...
لا يخدعنّك خطاب المزايدة بالوطنية وبالديمقراطية وبالمبادئ النقابية... كلّه رماد يــذرّ على العيون، لا ينطلي إلاّ على السذّج والعاجزين الذين لم ييئسوا من انتظار معجزة تتجسّد في بطـــل أسطوري مخلّص ممّا هم فيه.
ما الحـــلّ أمام مثل هذه الورطـــة؟
هل نشكّ في كلّ صحفي ونرتاب في كلّ نقابي ونحذر كلّ شرطي ولا نثق بأيّ قاض ونسفّه كلّ إمام؟
قبل الإجابة على هذه التساؤلات، علينا أن نعي أمرين. أوّلهما أنّ هؤلاء الذين ذكرتهم هم منّا يعيشون بيننا، فيهم إخوة لنا وأصدقاء وأقارب، نتعامل معهم في جميع وجوه الحياة... إنّهم نحن. أمّا الأمر الثّاني فدعونا نقف أمام مرآة الوطن لنسائل أنفسنا: "من منّا لم يستفــد يوما من الفساد ولم يمارسه؟" من الذي اشترى مكيّفا أو تلفزيونا مهرّبا من الجزائــر إلى الذي دسّ في جيب الشرطي عشرة دنانير كي يغض النظر عن مخالفة مرورية إلى الذي تدبّر أمره للحصول على شهادة طبّية كي يغيب أسبوعا عن العمل، إلى الذي صرّح بدخل منخفض كي يدفع ضريبة منخفضة (هذا إن صرّح) إلى غير ذلك من هذه الممارسات. تلك هي بذور الفساد التي نقزقزها يوميا كعبّاد الشمس فنتلذّذ بملوحتها التي تسيل لعابنا، ونتباهي بها أمام أطفالنا فنربّيهم عليها.
عندما نعي هذه الحقائق ونقرّ بها، سندرك هول الكارثة وضخامة بقعة الزيت التي لطّخت ثوب الوطن ولا تزال تتّسع. وهذه هي الخطــوة الأولى على طريق الحلّ.
لا حلّ إلاّ في العمل الدؤوب كلّ من موقعه، والكفّ عن المطالبات الغبية، فليس هناك أصلا دولة لنطالبها بشيء ما... لابــدّ من تفعيل شبكات مواطنية، تعاونية، مستقلّــــة، ذاتية التمويل، تنشط في الاقتصاد التضامني (تعاضديات) والسياسة المحلية والعمل الثقافي. شبكات تعوّض الهياكل المهترئة والجمعيات المشبوهة والمخترقة التي فاحت منها رائحة الجيفة والتي ما عادت تصلح لشيء. ولكن شرط أن لا نعود إلى شبكات بالية تجاوزها التاريخ مثل القبائل والطوائف الدينية... لا أحزاب ولا نقابات بما في ذلك الاتحاد العام التونسي للشغل ولا رجال ديـــن، ولا جمعيات باستثناء القليل النادر الذي تنشط فيه شبيبة العولمة البديلة والتي لها حضور فعلي على الميدان ولا شبهة في مصادر تمويلها...
أمّا بخصوص ما تبقـــى من هذه الدّولة المنحلّة فلا تجهزوا عليها بحق تونس وماضيها.. فكّروا في ما ينتظـــر أطفالها فيما لو انهارت الدولة وتمكّن منها الخونة والظلاميون... دعوها وشأنها واكتفوا بمراقبتها، لعلّ مناعتها الذاتية تشتغل من جديد وتنقذها. فلها إدارة عريقة ولها منظومة قانونية ولها موظّفون هم نحن. اكتفوا بالعمل، وانشطوا مجتمعيا خارج مراكـــزالعمل. لا تخلطوا بين دوركم الاجتماعي الذي هو أساس مواطنتكم وبين عملكم الذي يجب أن يكون في الظروف الحالية مثل الخدمـــة العسكرية. دعوا الدولة وشأنها واكتفوا بطرد هذه الضباع التي تنهش جسدها الواهن، عسى جهازها المناعي يعود إلى العمل من جديد ويعيد إليها عافيتها.
لا فرق عندي بين فساد كبير وفساد صغير. هناك فساد وكفــــى...

mercredi 13 juin 2018

بيت الحكمة

أتقدّم حافيا فوق الأرضية الرخامية اللمّاعة الباردة فأحسّ بانتعاشة تسري في جسدي صاعدة من أخمص قدمي حتى فروة رأسي... سلسلة لا تنتهي من القاعات الفسيحة، أغادر الواحدة لتستلمني الأخرى... الجدران جميعها مغلّفة بمرايا جدارية عملاقة... في كلّ قاعة أكثر من باب واحد جميعها مشرعة... وعلى الشبابيك المفتوحة تنسدل ستائر شفافة تلامس الأرضية وتتمايل مع النسمات الرقيقة فتبدو كأنّها ترقص على صوت فيولنسال قادم من إحدى القاعات... تكشف الستائر في حركتها عن شرفات رحبة تطلّ على شاطئ قريب تتكسّر عنده أمواج خفيفة، تلعق رمله الذهبي بألسنتها قبل أن تلفظ أنفاسها مخلّفة رغوة لا تلبث أن تنطفئ...
أمشي في القاعات الفسيحة النظيفة، العالية الأسقف والفارغة من الأثاث إلاّ من بيانو أسود لمّاع كبير يجثم في إحدى زواياها، فأرى نفسي جمهورا بفعل التعدّد في المرايا المتقابلة... هنا أتقدّم، وهناك ألتفت شمالا، وفي المرآة المقابلة ألتفت يمينا... في واحدة أخرى أرى وجهي، وفي غيرها يتراءى لي ظهري... أغمض عينيّ هربا من هذا الفخ... وأواصل التقدّم نحو صوت الفيولنسال الحزين... أحيانا أتخيّل العازف فتاة عارية بالكامل، لا يغطيها سوى شعرها المتطاير، جسدها يشبه الآلة التي تعزف عليها، تقف في شرفة قبالة البحر وتجرّ القوس على الأوتار فتئنّ الآلة كجريح وتتحدّث إلى البحر... وأحيانا أخرى يصوّر لي خيالي أنّ العازف عجوز أعمى يرتدي بدلة أنيقة ويضع نظارتين سوداوين ويجلس على كرسي من الخيزران في القاعة الأخيرة وهو يعزف بانتظاري ويرسم على فمه ابتسامة العميان... ينتابني الإحساس أنّ هناك شخصا آخر في هذا القصر المهجور يراقبني ويبتسم... شخص لا يريد بي شرّا، ولكنّ مجرّد أنّني لا أراه يجعلني أحسّ بالخوف منه... نغمات الفيولنسال تنساب كدموع ساخنة ومدرارة على خدّي فتاة صمّاء... حزينة نعم، ولكنّها عذبة ورقيقة...
يرهقني اللهث وراء سراب الفيولنسال...لا يبدو لهذا القصر نهاية... إنّها متاهة المرايا والأبواب المتعدّدة.
هذا القصر اسمه بيت الحكمة...

mercredi 23 mai 2018

شظايا حياة


(1)
كنت يومها جالسا بعد صلاة العصر في مقهى جاب اللّه أترشّف قهوتي المرّة وأنتـظــر ككلّ خميس وصول أخواتي إلى المقبرة قبالة المقهـــى. تعوّدنا منذ وفاة المرحوم قبل ثلاث سنوات، أن نزوره كل خميس بعد العصر للترحّم على روحه ومناجاته اعترافا واعتذارا وتخفّفا ممّا علق في نفوسنا من أدران وهموم وضعف، فنخرج من زيارتنا تلك مرتاحي البال وأكثر قدرة على مواجهة مصاعب الحياة. كنت أترشّف قهوتي وأتابع أخبار فريق الشعب في الصحيفة الأسبوعية الصادرة يومها، لمّا لمحت طيف شخص يقف إلى طاولتي ويستأذنني في الجلوس. بادر بتقديم نفسه بعد التحية، فقال أنّه صحفي أوروبي يريد التحدّث إليّ في شأن يهمّني.
ودون أن ينتظر دعوتي إيّاه إلى الجلوس، سحب كرسيا واسترسل: لاشكّ أنّك تتساءل ما عسى أن تكون حاجة هذا الأوروبي الغريب إليك؟ ومن دلّه عليك؟
فاجأه ردّي بهدوء: "ألست مارسال غونزاليس الصحفي في برنامج مبعوث خاص الذي تبثه القناة الفرنسية الثانية؟" تراجع إلى الخلف قليلا وقد بدا كمن جرّدوه من سلاحه فاستسلم... طلبت له شايا أخضر بالنعناع وماء معدنيا دون أن أستشيره. وقبل أن يردّ على سؤالي، واصلت: "ما الذي يمكن أن يشدّ برنامجكم الناجح عالميا إلى أهل هذه القرية المنسية؟ هل جئتم لإنجاز تحقيق حول زحف الرمال والجراد؟"
"من قال لك أنّنا هنا من أجل تحقيق تلفزي... لم لا نكون هنا للسياحة والاكتشاف فقط... قريتكم ليست منسية بالقدر الذي تتخيّله... نحن فعلا هنا من أجل تحقيق تلفزي مثير. ولا أظنّك تشك في احترافيتنا. فقد حصلنا على كل التراخيص الضرورية من السلط المختصّة. ولكنّني أودّ أن نتحادث في هذا الأمر في مكان بعيد عن الفضوليين. تكفيني الآن موافقتك المبدئية وتحديد موعد للقاء في مكان آخر."
أثنى على مذاق الشاي وعلى عذوبة أغنية أم كلثوم التي يبثها المقهى. وقال أنّ ذلك يعطي لهذا المكان المقابل للمقبرة مع اقتراب ألأصيل مناخا فريدا يمزج بين الرومنسية والروحانيات. وقد تزامن ذلك مع وصول أخواتي إلى باب المقبرة فلوّحت باتجاههن أنّني قادم. أربكني تعليقه وهو يصافحني مغادرا: "ها قد حان وقت زيارة قبر المرحوم. أتركك للقاء الوالد"...
"أهذا صحفي أم جاسوس؟" خمّنت في سرّي وأنا أنزل عتبات المقهى متلعثم الخطو ومشوّش الذهن.
التحق بي قبل أن أعبر الشارع نحو المقبرة: "لم نحدّد موعدا للقاء. هذا رقم النزل الذي أقيم به في مدينة توزر. يسعدني كثيرا لو تقبل دعوتي إلى شرب كأس هذا المساء..." صافحني مجدّدا وهو يدسّ في يدي ورقة صغيرة دوّن عليها رقم التلفون، ثمّ ركب سيّارة مستأجرة وغادر باتجاه توزر.
(2)
فوجئت بأنّ موظّف الاستقبال كان الناصر زميل الدراسة في الثانوية. لمّا شرحت له لماذا أنا هناك، خاطب مارسيل غونزاليس في غرفته ليعلمه بوصولي فطلب منه أن يدعوني إلى الالتحاق به في الغرفة 534. داخلتني الوساوس بخصوص نوايا مارسال ، وزاد من عدم ارتياحي ابتسامة النّاصر المتواطئة التي عجزت عن تفسير مغزاها. هل أساء الظنّ بي؟ وحسبني ممّن يطاردون المثليين الأوروبيين؟ ولكنّ شيئا ما بداخلي كان أقوى من ريبة الناصر وخوفي على سمعتي دفعني إلى الاستجابة إلى دعوة مارسيل للالتحاق به في غرفته.
وجدته بانتظاري في ردهة الطابق الخامس أمام باب المصعد مرتديا روبا من الساتان البنفسجي اللّمّاع. بدا لي في مشيته منتشيا بقدومي وهو يمشي أمامي كغانية. طردت هذه الوساوس التي كادت تجبرني على العودة من حيث أتيت. وقد لاحظ مارسيل عليّ ذلك.
"طلبت تغيير غرفتي من الطابق الأوّل إلى الطابق الخامس، حتّى يمكنني تصوير لحظة الغروب عندما تتسامق الخيالات وتتمدّد فوق كثبان الرمل التي تتحوّل من الأصفر إلى الأحمر. إنّها لحظة رائعة تنقلك إلى عوالم أخرى. دعنا نتأمّل الغروب سويا ونصوّره، وبعد ذلك نتحدّث. هل تشرب الكحول؟"
وفيما انشغل مارسيل غونزاليس بتضبيط عدسته وزوايا التصوير من تلك الشرفة العالية، جلست إلى جانبه على أريكة متأرجحة أسرّح نظري في الأفق مستمتعا بكأس الأنيزات وبالموسيقى الكنسية التي كان يبثّها من حاسوبه. بدا لي هذا التوليف التلقائي بين المشهد الممتد أمامي والموسيقى المصاحبة، موفّقا إلى حدّ جعلني أرى في طيف ذلك الرجل العائد إلى بيته يقود جمله بعد يوم من التجوال بالسياح على ظهر دابّته، مبشّرا مسيحيا يضرب بعصاه في الأرض داعيا إلى دينه.
كنت على وشك البكاء كعادتي أمام الجمال السّاحر، لمّا أعادني مارسيل إلى الواقع وهو يدعوني إلى تأمّل نتيجة عمله. ولكنّه سرعان ما أرجعني إلى حيث كنت لمّا شاهدت ما جادت به الكاميرا... ولبرهة ظل فمي مفتوحا وعيناي شاخصتين في تلك الصور... كنت أتساءل كيف أمكن لهذه العين الأجنبية أن تلتقط جمال بيئتنا وتفاصيلها بسرعة وبعمق أكبر ممّا يمكن لأكثرنا نباهة وإحساسا أن يفعله. لعلّ السبب يكمن في أنّها عين أجنبية عذراء تنتبه لما تسهو عنه عين أبلاها التعوّد.
طلبت من مارسيل كأسا ثانية وغرقت في الصمت بعدما نسيت سبب وجودي هناك أصلا... قال مارسيل وهو يناولني كأس الأنيزات: "ربّما فكّرنا في استهلال تحقيقنا التلفزي ببعض من هذه اللقطات" أعجبتني لباقته في الانتقال والرّبط، فعقّبت: "وحبّذا لو وضعتم هذه الموسيقى الكنسية كخلفية صوتية للمشاهد"... استرسل مارسيل:"لاستهلال التحقيق، أنا متردّد بين تصويرك جالسا في بهو المقهـــى مسرّحا بصرك في القبور الترابية الممتدّة أمامك على خلفية أغنية لأم كلثوم وبين هذا المشهد للجمّال السائر خلف ناقته فوق كثبان الرمال في هدوء الأنبياء. كلاهما سيكون مدخلا مناسبا جدّا لبيان العدوان الصناعي والتكنولوجي على هذا النمط من الحياة" كان يتقدّم من خلال كلّ جملة ينطقها خطوة إضافية في الكشف عن مهمّته بنفس القدرة اللافتة على الرّبط والتخلّص. ورغم أنّني لم أتبيّن بعد علاقتي بمثل هذا الموضوع، إلاّ أنّ إحساسا بالطمأنينة والثقة بهذا الصحفي داخلني فجعلني أتخلّى نهائيا عن أيّ نوع من التحفّظ. مرّت بخاطري بشكل خاطف مقارنة بين حرفية هذا الصحفي وعربدات صحفيينا الذين ينكّلون بأعصابنا كلّ ليلة في مختلف القنوات التلفزية.
وفي الوقت الذي فكّرت فيه بطرد هذه الأفكار التي تشوّش عليّ متعة اللحظة، سمعت مارسيل يسألني: "بماذا تحس عندما تقف إلى قبر أبيك؟ بماذا تفكّـــر؟ هلاّ حدّثتني كيف مات؟"
كان موته فجائيا وبشكل غير مألوف. لم يمنعنا حزننا عليه من أن ندفنه. فنحن قوم نؤمن بالقضاء والقدر. ووالدي ليس أوّل من غدره الموت. وبالنهاية، فالموت بطبعه غدّار طالما أنّه لا أحد يختار ساعة موته ولا طريقته. هناك من الناس من يكون جالسا فيسقط عليه جدار ويدفنه حيا. وهناك من يجرفه وادي هادر فيضيع وهناك من تفترسه الذئاب وهناك من تصعقه البروق والرعود. مات في عاصفة رملية، وهو عائد من مزرعته في الواحة... لم تكن من أشدّ ما عرفناه من عواصف. فقد يحصل أن تكون هذه العواصف من الشدّة أن تجتثّ النخل من جذوره وتطرحه أرضا وتطيّر الجريد في السماء كأكياس البلاستيك... وجدوه مغطّى بالرمال والدم يكسو وجهه. الأرجح أنّ مات مصابا بجريدة نخل أو بصفيحة زنك طيّرتها الريّح... هذا كلّ ما في الأمر... الثابت أنّه مات ولاشيء سيعيده لنا. قدّر اللّه وما شاء فعل. هذا كلّ ما في الأمر...
كان مارسال صامتا وللحظة ساورني الشكّ بأنّه صوّرني بالكاميرا، لكنّي لم أجرؤ على سؤاله للتأكّد... ارتفع صوت الموسيقى السمفونية في جهاز الحاسوب وتناهت إلينا أصوات مآذن المدينة تعلن عن صلاة المغرب... اعتذر مارسال عن تحريكه لمواجعي، واقترح عليّ كأسا جديدة ثمّ دعاني إلى مشاهدة خبر تلفزي قديم مسجّل على حاسوبه الشخصي. كان الخبر يتحدّث عن دخول مركبة فضائية روسية في الغلاف الجوّي للكرة الأرضية بعدما فقد الرّوس السيطرة عليها، وإمكانية تفجّرها لتتلاشى شظاياها في الجو وتقع أرضا. وفيما تكتّم الرّوس عن موقع تفجّر المركبة، أفادت وكالة الفضاء الأوروبية وفقا للخبر الصحفي أنّ المكان المتوقّع لتفجّرها سيكون فوق شمال إفريقيا في التاسع من أكتوبر 2015 مع منتصف النهار تقريبا، لتدرك شظاياها الأرض بعد خمس إلى ست ساعات تقريبا من تفجّرها.
أوقفت التقرير الصحفي بدوسة متشنّجة من يدي، وأنا أردّد "لا، لا، هذا غير ممكن... لقد ذهبتم بعيدا جدّا في تخميناتكم... لا، لا، هذا مستحيل.. ما دخلنا نحن في غزو الفضاء والمركبات الفضائية والأغلفة الجوية... يا سيّد مارسيل، هذه قرية منسية حتى من الرب نفسه، يعيش فيها أناس بسطاء يعيشون حياة بسيطة ويموتون ميتة بسيطة... هي مجرّد صدفة أن يتزامن تاريخ وفاة والدي مع تاريخ هذه الواقعة...
وبهدوئه الذي بدأ يستفزّني، أردف مارسيل غونزاليس بسؤال: "طيّب، وهل هي مجرّد صدفة أن يتلقّــــى أخوك منحة دراسية لمواصلة تعليمه بجامعة موسكو بعد وفاة والدك بستّة أشهر؟؟"... بدأت رأسي تثقل وتغرق في طنين غلّف أذني أمام محاصرة مارسيل لي بأسئلته المسترسلة التي لا تترك لي مجالا لأخذ النفس... وربّما ساعد كأسا الأنيزات على جعلي أحس بالدوار... وكأنّ مارسيل حدس ما يدور في دماغي، فبادر إلى قول ما كنت أنوي قوله: "لنكتف اليوم بهذا، ولنا عودة إلى الموضوع لاحقا..." سارعت إلى المغادرة رافضا اقتراح مارسيل بإيصالي إلى قريتي التي تقع على بعد عشرة كيلومترات من مدينة توزر... لم يلحّ مارسيل واكتفي بمرافقتي إلى باب الغرفة ومصافحتي.
عند خروجي من المصعد، قابلني الناصر عون الاستقبال بنفس الغمزة والابتسامة المتواطئة التي تفيض خبثا. ولكنّني تجاوزته بسرعة حتى لا أنفجر في وجهه.

jeudi 5 avril 2018

من أجل سمعة الوطن

دعاني عميد الكلية على عجل إلى مكتبه ليعلمني بأنّ مراقب المصاريف العمومية رفض التأشير على طلبنا استضافة الوفد الأكاديمي المغربي للعشاء بأحد أفخر مطاعم العاصمة. قدم الوفد المغربي في إطار مؤتمر علمي دولي دوري ننظمه بالتناوب مرّة في المغرب ومرّة في تونس.... كان العميد في غاية الحرج خصوصا وأنّنا حضينا بكرم مغربي لا يوصف لمّا كنّا هناك، وقال أنّه خاطب الوزير ليشرح له أنّه لا يليق بنا وبدولتنا أن لا نردّ الجميل، فخيّب الوزير ظنّه واكتفى بالإشارة إلى ضروروة الالتزام بالقانون... اقترح رئيس القسم أن ندعو ضيوفنا على حسابنا، فالتفتّ إليه ساخرا من غباوته وعلّقت بصرامة: "لا قدرة لي على دفع نصف راتبي في عشاء ليلة" والتفتّ إلى العميد: "لا عليك يا حضرة العميد، سأتدبّر الأمر بنفسي... أعط تعليماتك للمسؤول المالي بحجز عشاء لخمسة عشر شخصا. واعتبر الأمر في حكم المقضي"...
قلب العميد شفته السفلى ورفع أحد حاجبيه مستغربا. ولكنّني غادرت مكتبه متعمّدا رسم ابتسامة لطمأنته...
حال وصولي إلى المكتب، هاتفني العميد ليخبرني أنّه من موقع المسؤولية الإدارية والأخلاق الأكاديمية لا يستطيع المجازفة بالذهاب في ما اقترحته عليه. أجبته بكلّ ثقة "لا عليك، سأتولّـــى الحجز بنفسي. المهمّ أن تكون حاضرا في المطعم مساء الغد، لأنّه لا يليق أن تعتذر."
كنت أوّل الواصلين إلى المطعم لأتفقّــد الطاولات المحجوزة، وأوصي ببعض الإجراءات الاحتياطية. وصل الزملاء مرفوقين بالوفد المغربي بعدما مرّوا إلى الفندق لاصطحابهم.
كانت علامات الإعجاب بجمال المكان وبرفعة الذوق في تزويقه بادية على وجوه الضيوف. أعطاهم رئيس النوادل بسطة خاطفة عن تاريخ هذا القصر التركي الذي يأوي المطعم. ووزّع عليهم كتيّبا باذخا يروي قصّة المبنى بالكلمة والصورة...
هاتفني العميد ليتأكّد من وجودنا في المطعم فأجبته بنعم وحتّى أقطع شكّه باليقين مرّرت له رئيس النوادل ليشرح له كيفية الوصول إلى المطعم الواقع في حواري المدينة العتيقة. فقال أنّه سيكون بيننا بعد عشرين دقيقة.
جلسنا في صحن الدّار المغطّى بحديد مشبّك تتمدّد فوقه شجرة ياسمين عملاقة، وحجزت مكانا للعميد إلى جانبي. كانت هناك نافورة ماء رخامية تتوسّط صحن الدار وتفصل طاولتينا عن موسيقيين مسنّين ارتدى كلاهما الجبّة والشاشية التونسيتين وراحا يعزفان سمّاعيات وبشارف من المالوف الأندلسي. تعرّفت في وجوه الحاضرين على وزير الزراعة الذي كان يبدو أنّه يستضيف وفدا رسميا رفيع المستوى. وفي زاوية أخرى كان هناك مخرج سينمائي مصري معروف مع مجموعة من الفنّانين من ذوي الشعور الطويلة المشدودة إلى الخلف.
لمّا وصل العميد وفرغ من اعتذاراته على التأخير، فتح رئيس النوادل بنفسه زجاجة النبيذ معطيا إشارة انطلاق المأدبة.
لم يتوقّف زملاؤنا المغاربة عن الثناء على الأكل وإجراء المقارنات مع أطباق شبيهة لديهم. وكنّا في كلّ مرّة نصل إلى أنّ المتشابه بيننا هو من أصل أندلسي، أمّا المختلف فهو من أصل تركي. وفي الأثناء كان العميد يرمقني بتوجّس ويدوس على قدمي دون أن أفهم قصده... وفي غفلة منه لمّا كان يتحادث مع الجالس على يساره سحبت من جيبي ورقة صغيرة مطوية بعناية وفتحتها دون أن أجلب اهتمام أحد...
عندما استدار العميد ناحية صحنه وهمّ بتناول آخر قطعة سمك لمح تلك الخنفساء السوداء الصغيرة في صحنه. تراجع إلى الخلف فزعا، ولكنّه سرعان ما تماسك وانحنى يوشوش في أذني. أشرت عليه أن يتظاهر بالذهاب إلى الحمّام، ومن ثمّة يتّصل برئيس المطعم ليعلمه بالأمر دون إثارة انتباه الضيوف، "لأنّ سمعة تونس في الميزان" أكّدت...
وسرعان ما حضر نادل ليسحب بهدوء صحن العميد وتتواصل المأدبة التي كانت قد شارفت على النهاية....
كان رئيس المطعم واقفا عند الباب يودّعنا واحدا واحدا. وفي الأخير استوقف العميد فحشرت نفسي معهما، وأخذ يشكر العميد على ضبطه لنفسه، ويعتذر عمّا حصل ويؤكّد أنّهم سيتحمّلون الفاتورة على حساب المطعم...
لمّا صرنا خارج المطعم، قال لي العميد مزهوا بنفسه: "ها قد أنقذتك خنفساء صحني من دفع راتبك لثلاثة أشهر يا أستاذ". شكرته بامتنان، وأكّدت له أنّ الدراسات العلمية تتنبّأ بأن تصير الصراصير والخنافس من الأغذية الأساسية للإنسان في السنوات القادمة خصوصا وأنّها غنية بالبروتينات ويبدو أنّها لذيذة المذاق  ...
من الغد، دعاني عميد الكلية على عجل إلى مكتبه ليعلمني بأنّه تلقّى ظرفا من المطعم فيه رسالة تشرح أنّ كاميرا المطعم سجّلت ما حصل وقرصا إلكترونيا يتضمّن نسخة ممّا سجّلته الكاميرا وفاتورة عشاء البارحة للخلاص...
قلت للعميد "لقد فعلت ما فعلت من أجل سمعة الوطن" فردّ مشاكسا: "من أجل سمعة الوطن، بإمكانك أن تتغذّى طيلة الشهور الثلاثة القادمة بالصراصير والخنافس فهي غنية بالبروتينات ويبدو أنّ مذاقها لذيـــذ."