vendredi 2 février 2018

مثلّث الطّبخ[1]

نص ل: كلود ليفي ستراوس[2]
ترجمة: جلال الرّويسي، أستاذ بالمعهد العالي للتّوثيق  
هناك في كل لغات العالم منظومات معقدة من التناقضات بين عناصرها، لا تفعل سوى كونها تؤلف منظومة أقلّ تعقيدا توحد بين كل تلك المنظومات. ونعني بها منظومة التضادّ بين الحروف والحركات .Les consonnes et les voyelles هذا التضادّ الذّي، من خلال لعبة التناقض المزدوج بين المرصوص (المكثّف) والمتفشّي من جهة، وبين القرار والجواب (بين الهادي والصّادي) من جهة أخرى، يفرز ما أمكننا تسميته ب"مثلّث الحركات" المتكوّن من الفتحة والضمّة والكسرة من ناحية، و"مثلّث" الحروف المتكوّن من الحروف الحلقية والحروف الشفوية والحروف اللسانية من ناحية أخرى.
غير أنّه يبدو أنّ القاعدة المنهجيّة التي تسمح بمثل هذا التمييز قابلة للتّطبيق في مجالات أخرى، ومنها المطبخ الذّي لم يقع التّأكيد بما فيه الكفاية على أنّه يمثّل، حقّا، شكلا من النّشاط الإنساني الكوني إلى جانب اللّغة [...]
وسننطلق من فرضيّة أنّ هذا النّشاط (الطبخ) يفترض نظاما يقع – وفق طرق تتنوّع بتنوّع الثقافات التي نريد أخذها بعين الاعتبار – في حقل دلالي ثلاثي الأبعاد، تمثّل زواياه النيئ والمطهوّ والمتعفّن. ومن الواضح أنّه، بالنّسبة للمطبخ، يمثّل النيّئ القطب غير المميّز عكس القطبين الآخرين المميّزين بشدّة ولكن في اتّجاهين متعارضين: ذلك أنّ المطهوّ يمثّل تحوّلا ثقافيا للنيّئ بينما يمثّل المتعفّن تحوّلا طبيعيا له. وخلف هذا المثلّث الأساسي، يكمن تعارض مزدوج بين الخامّ والمهيّأ من جهة، وبين الطبيعة والثقافة من الجهة الأخرى.
وممّا لاشكّ فيه أنّ هذه المقولات تظلّ صيغا جوفاء لا تضيف لنا شيئا في ما يخصّ مطبخ هذا المجتمع أو ذاك، باعتبار أنّ الملاحظة وحدها يمكنها أن تخبرنا ماذا يعني كلّ مجتمع بالنيّئ وبالمطهوّ وبالمتعفّن. وفي استطاعتنا التكهّن بأنّ الأمر سيختلف من مجتمع إلى آخر... فالمطبخ الإيطالي علّمنا حديثا أن نستهلك الخضر أكثر طازجة ممّا تعوّد عليه المطبخ الفرنسي التّقليدي، وهذا ما فسح المجال لتوسيع دائرة النيّئ. ونعلم من خلال بعض الوقائع إثر إنزال الحلفاء بمقاطعة النورماندي أنّ للجنود الأمريكان مفهوما أوسع للمتعفّن باعتبار ما أقدموا عليه من تدمير لمصانع الأجبان بسبب رائحتها التّي تشبه رائحة الجثث الجائفة [...]
ولنتأمّل الآن، مختلف طرق الطّهي المعتمدة لدى مطابخ مألوفة لدينا حيث نتبيّن بالتّأكيد طريقتين رئيسيّتين، كما تشهد على ذلك في مجتمعات كثيرة الأساطير والطّقوس التّي تدفع بالتعارض بين المصلي[3] والمسلوق إلى الواجهة. ففيم تتمثل الاختلافات بين النّظامين؟ إنّ الطّعام المصلي يعرّض بشكل مباشر للنّار، فيقيم معها علاقة مباشرة دونما وسيط، بينما ترتكز علاقة المسلوق بالنّار على وساطة مزدوجة: الماء والآنية التي تحوي كلآّ من الطّعام والماء.
مفارقة المصلي
من منطلقين اثنين بالتّالي، يمكن إدراج المصلي في خانة الطبيعة، بينما يمكن إلحاق المسلوق بمنظومة الثقافة . فعليّا، لأنّ السّلق (الطّهي بالماء المغلّى) يتطلّب استعمال الآنية، وهي أداة ثقافية باعتبار الثقافة هي فعل الوساطة الذي يؤسّس علاقات الإنسان بالكون، كما يتطلّب وساطة الماء بين الطّعام والنّار وهي وساطة غير موجودة غي حالة الصّلي.
إنّ السّكّان الأصليّين لكاليدونيا الجديدة، الذّين كانوا يجهلون صناعة الفخّار إلى حين وصول الفرنسيين في القرن الماضي، يشعرون بهذا التّضارب بحدّة واضحة. يبيّن ج. ج. بورّوا أنّه "لم يكن هناك في السّابق إلاّ الصّلي، أو الحرق بعبارة الأهليين les autochtones. إنّ استعمال القدر واستهلاك النّباتات الجذرية المسلوقة يوردان بافتخار كعلامة تحضّر" [...]
بقي أن نكتشف التّعارض الأساسيّ الآخر بين الخام والمهيّأ. ومن هذه الزّاوية، تكشف الملاحظة عن نوعين من العلاقة. يتمثّل الأوّل في علاقة المصلي بالنيّئ أو الخام. ويتمثّل الثاني في علاقة المسلوق بالمتعفّن أو المهيّأ. وتأتي علاقة المصلي بالنيّئ من كون هذا الأخير لا يتعرّض لنفس القدر من النّار سواء في ما يتّصل بمختلف نواحيه الخارجيّة أو في ما يتعلّق بالفرق بين داخل القطعة المصلية وخارجها. وهناك أسطورة متداولة لدى هنود "الوياندو" Wyandot  في أمريكا الشمالية تتحدّث بشكل جيّد عمّا يمكن أن نسمّيه مفارقة المصلي. فبعد أن قدح الربّ النّار، أمر الإنسان الأوّل برشق سفّود في قطعة لحم وصليها. لكنّ ذلك الإنسان كان على درجة من الجهل أن ترك قطعة اللّحم معرّضة للنّار من نفس الجهة دون تحريكها حتّى تفحّمت من تلك الجهة فيما بقيت نيّئة من الجهة المعاكسة. [...]
ويرى أرسطو أنّه إذا كان السّلق أرقى من الصّلي، فلأنّه ينزع عن اللّحم نيوئته، ذلك أنّ "اللّحوم المصليّة نيّئة أكثر وجافّة أكثر من اللّحوم المسلوقة." (ذكره راينباخ) [...]
أمّا عن علاقة المسلوق بالمتعفّن فقد أثبتتها عديد اللّغات الأوروبيّة من خلال مسمّيات ك"القدر المتعفّن"[4] و"أولاّ بودريدا"[5] والتي تطلق على أكلة مكوّنة من عدّة أصناف من اللّحوم المتبّلة والمطبوخة مع الخضار، وفي الألمانية يعني تعبير « zu Brei zerkochte Fleïch » "لحم متعفّن من فرط الطّبخ"  [...]
ولا تكفي هذه التّوضيحات لاستيفاء الثّراء والتشعّب اللّذين يميّزان التضادّ القائم بين المصلي والمسلوق. فباعتبار المسلوق يطهى داخل الإناء بينما المصلي خارجه، يمكن القول أنّ الأوّل يحيل إلى الجوّاني (المقعّر) والثّاني إلى البرّاني (المحدّب). وبلغة أخرى، ينتمي المسلوق إلى ما يمكن تسميته بالمطبخ الحميمي والمغلق أي ذلك الموجّه لاستهلاك مجموعة صغيرة بينما ينتمي المصلي إلى المطبخ الخارجي والمفتوح أي مآدب الضيافة. ففي فرنسا القديمة، تعدّ أكلة "الفرخ في القدر" (Poulet au pot) للعشاء العائلي، بينما يخصّص المصلي لحفلات الضيافة (حتّى أنّه يمثّل تتويجا لهذه الحفلات، حيث يقدّم وجوبا إثر لحوم الدّواجن المسلوقة والسَّلطات والخضروات وترافقه الثمار والغلال النّادرة كالبطّيخ والبرتقال والزّيتون والكبّار.)
ونجد نفس التعارض في المجتمعات المنغلقة التي حافظت على بدائيتها (exotiques) ولو أنّه يتّخذ شكلا مغايرا. فبدائيو الغواياكي les Guayaki بالباراغواي كانوا يستهلكون كلّ اللحوم التي يصطادونها مصليّة باستثناء لحم طقوس تسمية الجنين الذي يستهلكونه مسلوقا. أمّا قبائل الكاينغانغ les kaïngang في وسط البرازيل فتحرّم اللّحم المسلوق على الأرمل والأرملة وكذلك على قاتل العدوّ. والقاسم المشترك بين هذه الحالات هو أنّ المسلوق يرافق تمتّن العلاقات وتوطّد الوشائج بينما يرتبط المصلي بانفصام العلاقات الاجتماعيّة والأسريّة وتفكّكها.
وبتقصّي هذه المسألة، يمكن الاستنتاج أنّ أكل اللّحم البشري (الذّي ينضوي من حيث المفهوم تحت إطار المطبخ الحميمي) يتناسب مع طريقة المسلوق أكثر منه مع المصلي، وأنّ حالات صلي الجثث الآدميّة المثبتة في الدّراسات الإثنوغرافية[6] تتعلّق بلحوم العدوّ أكثر من لحوم الأقارب. ويظل من المفيد إجراء دراسات إحصائيّة حول هذه النّقطة.
للمحاربين
كذلك أحيانا، وكما يحصل غالبا في أمريكا وبالتّأكيد في أماكن أخرى، تكون للمصلي وللمسلوق صلات بالعيش المتنقّل في الأدغال والأحراش بالنّسبة للأوّل وبحياة الحضر والتمدّن بالنّسبة للثّاني. ممّا يسمح بتركيب علاقة فرعية بين المصلي والرّجال من ناحية وبين المسلوق والنساء من ناحية ثانية. وهو ما نلاحظه عند قبائل التروماي les Trumai والياغوا les Jivaro والجيفارو  les Yaguaفي أمريكا الجنوبيّة وفي أقصى شمال القارّة عند الإنغاليك les Ingalik. وفي حالات أخرى، تكون العلاقة معكوسة كما عند قبائل الآسينيبوان les Assiniboine المنتشرين في السّهول الشمالية لأمريكا الشمالية والذّين يخصّصون الطّعام المسلوق للرّجال الموفدين في مهمّات حربية، في حين تكتفي نساء القرية بصلي اللّحم ولا تستعملن الأواني بالمرّة. وهناك بعض المعلومات تفيد بوجود نفس العلاقة المعكوسة للمصلي والمسلوق بجنسي النّساء والرّجال في بعض بلدان أوروبا الشّرقية. إنّ وجود مثل هذه النّظم المعكوسة يطرح مشكلا ويؤدّي إلى الاعتقاد بأنّ محاور التّناقض هي أكثر ممّا تصوّرناه بكثير، وأنّ الشعوب التّي تسجّل لديها هذه العلاقات المعكوسة تتّخذ كمرجع لها محاور أخرى غير التّي شخّصناها. فعلى سبيل المثال، يوفّر المسلوق طريقة حفظ تام للّلحم ولنسغه. بينما يترافق المصلي بالتحلّل والتلاشي. وهكذا، يكون المسلوق رمزا للاقتصاد والمصلي كناية عن التبذير. فالمسلوق أرستقراطي للنّخبة والمصلي شعبي للعامّة. ويتجلّى ذلك بوضوح لدى الشعوب التّي تقيم فوارق بين الأفراد أو بين المجموعات. فعند الماوري القدامى les anciens Maori، كما يشير إلى ذلك جوهانسون، يستطيع أحد النّبلاء صلي طعامه بنفسه، ولكنّه يحرص على عدم لمس أواني الطّبخ التّي يوكل أمرها للعبيد والنّساء ذوات الأصول الوضيعة. وعندما أدخل البيض القدور والطّناجر، كان ينظر إليها بوصفها أواني عفنة وقذرة. وهو موقف لافت لتناقضه التّام مع موقف سكّان كاليدونيا الجديدة الذي تحدّثنا عنه سابقا.
تدخين الطّعام
إنّ هذه الفوارق في النّظرة إلى المسلوق والمصلي، وفق ما إذا كان الفرد شعبيا أو أرستقراطيا، تلاحظ كذلك في التّقاليد الغربية. فالموسوعة التي وضعها ديدرو وآلمبار تنخرط في مدح واضح للمسلوق على النّحو التّالي: "المسلوق هو أحد ألذّ الأطعمة وأرفعها قيمة غذائية للإنسان... ويمكن القول أنّ المسلوق بالنّسبة للأطعمة الأخرى بمثابة الخبز لسائر أنواع الغذاء." (من مقالة المسلوق) وقد عارض هذه الحجج بعد نصف قرن بريّا-سافاران ذلك الغندور المتأنّق الذّي أكّد "المعلّمون لا يأكلون المسلوق أبدا، احتراما منهم للقواعد، ولأنّهم طالما ردّدوا على منابر الدّرس تلك الحقيقة غير القابلة للتّشكيك والقائلة بأنّ المسلوق هو اللّحم منقوص من نسغه... وقد بدأت هذه الحقيقة في فرض نفسها، واختفى المسلوق من موائد العشاء الفاخرة، لتقع الاستعاضة عنه بهبرة اللّحم المصليّة أو بسمك التّرس أو بكوكتال الأسماك." (من فيزيولوجيا المذاق – المجلّد الرّابع – القسم الثّاني) [...]
لقد أدرجنا داخل مثلّث الطّبخ الأساسي والمكوّن من النيّئ والمطهوّ والمتعفّن عبارتين تتموقع إحداهما بجوار النيّئ وهي المصلي بينما تتّخذ الثّانية موقعا لها حذو المتعفّن وهي المسلوق. وتنقصنا عبارة ثالثة تجسّد الشّكل الملموس لطهي الأطعمة والذّي يقيم، بأقصى ما يمكن من الدقّة، صلة مع المطهو كصنف مجرّد. ويبدو لنا أنّ هذا الشّكل هو المدخّن، الذّي يشترك مع المصلي في الاستغناء عن وساطة الآنية والماء. ولكن يختلف معه، ليشترك هذه المرّة مع المسلوق، في كونه طريقة طهي بطيئة وبالتّالي عميقة ومتوازنة في الآن ذاته [...]
المحوران
ولنعد، ختاما، إلى مثلّث الطّبخ. فقد رسمنا داخل هذا الأخير مثلّثا ثانيا يهتمّ بوصفات المأكولات، أو على الأقل بالأساسيّة منها، باعتبار أنّنا قصرنا اهتمامنا على ثلاثة أنواع من الطّهي هي المصلي والمسلوق والمدخّن. فالمدخّن والمسلوق يتعارضان بخصوص طبيعة عنصر الوساطة بين النّار والطّعام وهو إمّا الماء أو الهواء. أمّا المدخّن والمصلي فيتعارضان حول القيمة النسبية لعنصر الهواء التّي تكبر أو تصغر حسب هذه الحالة أو تلك. في حين يتعارض المصلي والمسلوق في ما يتعلّق بعنصر الماء الذّي بقدر ما يغيب في الحالة الأولى يكون حاضرا في الحالة الثّانية. وهكذا فالحدّ الفاصل بين الطّبيعة والثقافة، الذّي نتصوّره في خطّ مواز إمّا لمحور الهواء أو لمحور الماء، يضع كلاّ من المصلي والمدخّن في خانة الطّبيعة ويضع المسلوق في خانة الثقافة، إذا اعتمدنا عنصر الوساطة (الأواني والماء) مقياسا للتّصنيف. بينما يفضي إلى إدراج المدخّن في خانة الثقافة وكلاّ من المصلي والمسلوق في خانة الطّبيعة إذا اعتمدنا نتيجة عملية الطّهي مقياسا للتّصنيف.

ستكون القيمة الإجرائيّة لهذا الرّسم محدودة جدّا إذا لم يكن قادرا على استيعاب جميع التعديلات الضّروريّة من أجل إدراج أساليب طهي أخرى. إنّ نّظام الطّبخ، الذي يتفرّع فيه عن المصلي أسلوب طهي ثان هو المشوي، يبوّأ هذا الأسلوب الأخير (الذي يفترض أقلّ ما يمكن من المسافة بين اللّحم والنّار) مركز القمّة في مثلّث الوصفات المطبخيّة. وفيه يحتفظ المصلي بموقعه  على محور الهواء في منتصف المسافة بين المدخّن والمشوي. ويمكن النّسج على نفس المنوال، إذا ما أقام نظام الطّبخ الذّي نهتمّ بدراسته، تمييزا بين الطّهي بالماء والطّهي بالبخار، حيث سيحتلّ هذا الأسلوب الأخير، الذّي يتميّز بفصل الطّعام عن الماء، موقعا له في نصف المسافة بين المسلوق والمدخّن.
شبكة الطّبخ
وسنحتاج تعديلا أكثر تعقيدا لإدراج أسلوب الطّهي بالقلي. ومن نتائج ذلك الاستعاضة عن مثلّث الوصفات بهرم يسمح بإقامة محور ثالث هو محور الزّيت الذّي ينضاف إلى محوري الماء والهواء. وسيحافظ المشوي على مركز القمّة. ولكن، على الضّلع الواصل بين المدخّن والمقلي سيكون بإمكاننا إدراج المصلي في الفرن (بإضافة مادّة دسمة) الذي يتعارض مع المصلي بالسّفّود (دون إضافة مادّة دسمة). وعلى نفس النّحو، يتّسع الضّلع الواصل بين المقلي والمسلوق لطريقة طهي أخرى هي المضغوط أو المقفول (في خليط من الماء والمواد الدّسمة) الذي يتعارض مع الطّهي بالبخار (دون مادّة دسمة وعلى مسافة من الماء) وكذلك مع المصلي في الفرن (بإضافة مادّة دسمة ولكن دون الماء). ويمكن تطوير هذه الشّبكة أكثر، عند الاقتضاء، بإضافة تعارض بين الطّعام النّباتي والطّعام الحيواني (إذا كان هذا الطّعام أو ذاك يحيل على طرق طهي متباينة)، وبإضافة تعارض آخر داخل الطّعام النّباتي بين الحبوب والخضار، باعتبار هذه الأخيرة تحتاج، في طهيها، إلى الماء أو إلى مادّة دسمة أو إلى كليهما، على خلاف الحبوب التّي يمكن تحميرها بصهدها (القلي الجاف)، إلاّ إذا اخترنا تخميرها ممّا يتطلّب الماء عوض النّار لعمليّة التّخمير. وفي الأخير ستحتلّ المتبّلات مكانا لها داخل المنظومة حسب التّقاطعات المعتمدة أو المبعدة مع هذا الصّنف أو ذاك من الغذاء.
وبعد الفراغ من بلورة الخارطة على النّحو الذّي يسمح بإدراج كلّ الخصوصيات لمنظومة طبخ معيّنة (وممّا لاشك فيه أنّ هناك منظومات أخرى تتعلّق بالتّسلسل الزّمني وليس بالانتشار المتزامن عبر المكان، على غرار تلك المتعلّقة بطرق عرض الأطعمة وبآداب المائدة)، سيتعيّن البحث عن الطّريقة الأخفّ لصياغتها وتوجيهها كشبكة من أجل جعلها قابلة للتّراكب والتّمفصل مع تعارضات أخرى ذات طبيعة سوسيولوجيّة واقتصاديّة وجمالية ودينيّة: النّساء والرّجال، الأسرة والمجتمع، الحاضرة والبادية، الاقتصاد والتّبذير، الوجاهة والوضاعة، المقدّس والمدنّس، الخ. وهكذا بالإمكان أن نصبو، بالنّسبة لكلّ حالة مخصوصة، إلى تبيّن كيف أنّ المطبخ الخاصّ بمجتمع ما هو لغة تترجم بشكل غير واع تركيبة ذلك المجتمع، إلاّ إذا ما انصاع هذا الأخير، بشكل غير واع دائما، إلى الكشف عن تناقضاته من خلال مطبخه.


[1] - نشر النّص الفرنسي الأصلي في مجلّة  Le Nouvel Observateur, mars 1965, pp. 24-26 وأعيد نشره في عدد خاص Le Nouvel Observateur, Hors série, n° 74, Spécial Claude Lévi-Strauss, Nov.-Déc. 2009, pp. 14-17 وهو الذّي اعتمدناه في هذه التّرجمة.
[2] -  كلّ الهوامش في أسفل الصّفحات من إضافة المترجم
[3] - ترجمنا عبارة Le rôti بالمصلي وسترد لاحقا عبارة المشوي كترجمة لعبارة Le grillé
[4] - وهي ترجمة حرفيّة لعبارةPot pourri »      «وهي أكلة معروفة في المطبخ الفرنسي التقليدي
[5] - Olla podrida أكلة تقليدية من أصل إسباني
[6] - الإثنوغرافيا Ethnographie هي علم خصائص الشّعوب

lundi 29 janvier 2018

بوليسية...

(1)
كان يحب الرياضات الميكانيكية، معروف بمهارته في قيادة السيارات والدرّاجات النارية... فرح عند تعيينه بشرطة المرور، وكان يريد أن يضع مهاراته تلك في خدمة الشرطة... سألته بفضول: "ولكن لماذا استقلت من وظيفتك إذن؟"... ردّ باشمئزاز: "لأنّني لم أجد فيها ما كنت أتوقّعه من إثارة... تخيّل أنّ كلّ من تشير عليه بالتوقّف يتوقّف فورا، حتّى مهرّبو البنزين... إنّهم يغافلون القانون لأنّهم لا يقدرون على مخالفته. هكذا يحرمونني من متعة المطاردة وبدل ذلك يقرفونني بعرض رشاوي تافهة لا تسمن ولا تغني من جوع... خفت أن أتحوّل إلى راعي بقر يفرغ مسدّسه في رؤوسهم، فاستقلت..." 
(2)
عند توظيفه في جهاز الشرطة تمّ تعيينه في فرقة الخيّالة. ورغم أنّه لم يكن قد ركب حصانا قبل ذلك ولا فكّر في الأمر، إلاّ أنّه فرح بذلك التعيين، لأنّه كان معجبا بالفروسية التي طالما حضر عروضها في زيارة سيدي تليل السنوية...وسرعان ما ألف الفرس التي أسندت له، ودخل معها في تواصل خفي وقوي. صار يحسّ عصبية الحصان تنتقل إلى جسده كتيار كهربائي كلّما ركبه... كأنّما كان يجري في شرايينهما دم واحد... كان الحصان يحييّه بشخير مميّز كلّما أطلّ عليه في الصباح، فيردّ عليه بالمثل مبتسما، ثمّ يمرّر كفّه على رقبته الملساء فتهتزّ جلدة الحصان وتتقلّص ثم ترتخي كامرأة غلبتها الشهوة... لكنّه كان يتألّم لأمرين. أن يترك حصانه كلّ ليلة في ذلك القفص المعدني ويغادر العمل، وأن يراه حبيس ذلك القفص أغلب الوقت. ففيما عدا الهرولة وراء جماهير الكرة يوم الأحد، لم يكن يستمتع بركوب الحصان... كان يرأف لحاله ويحسّ بألمه بسبب أرجله المعطّلة عن مهامّها الطبيعية... أفاق الناس ذات يوم على خبر أنّه باع حصان الشرطة وتجاوز الحدود إلى إيطاليا حاملا معه المسدّس 
.
(3)
طويل كسارية، عريض الكتفين، مفتول العضلات، غليظ الرقبة كثور وحشي... تكاد والدته تزغرد كلّما رأت صورته في نشرة الأنباء وهو يقف وراء رئيس الدّولة بنظارته السوداء مديرا عنقه كرادار ذات اليمين وذات الشمال ليغطّـــي زاوية محدّدة... يناديه أولاد الحومــة البوديغارد، ويتقرّبون منه... لكنّه لا يحدّثهم عن شغله أبــدا... ملّ رتابة هذا العمل الذي حوّله إلى إنسان آلي صامت... كان العرض مغريا جدّا فاستقال من شغله ليلتحق بعمله الجديد... ربّما ستتاح له الفرصــة مع رجل الأعمال كي يثبت كفاءته المهنية...

(4)
متقاعد من جهاز أمن الدّولة...مرتاح الضمير، ولكنّـــه خائف... خائف؟؟ ممّ؟ ولماذا؟ نعم، نعم خائف من سوء الفهم... كيف يفهمهم أنّ كلّ ما فعله كان في نطاق العمـــل. كيف تريدونه أن يستنطق الموقوفين؟؟ هل تراه سيقدّم لهم القهوة والسجائر ويتجاذب أطراف الحديث معهم؟! كان لمّا يفرغ من عمله في أقبية وزارة الداخلية ومركز القرجاني، يعود إلى البيت فيستحم ويتغدّى وينام.... ثم يستيقـــظ في العشية ليشرب قهوة ويزور أصدقاءه وأقاربه، فيواسي المرضى ويهنّئ الناجحين والمتزوّجين وقد يحصل أن تفلت منه دمعة وهو يشاهد لقطـــة مؤثّرة في مسلسل السهرة... لكنّه من الغد، يذهب إلى مكتبه ويستأنف العمل بكلّ تفان وإخلاص...

samedi 13 janvier 2018

يوسف العزري



مهداة إلى مجانين قريتي وما أكثرهم...

ككلّ غريب في تلك الديار، ومن منّا لم يكن فيها من الغرباء، لم نكن نعرف عنه الشيء الكثير. كنّا قد أقمنا هناك قبله بسنوات، بالضبط سنة بعد خروج فرانصا من تراب تونس. كان الناس يتقاطرون في السنين الأولى للاستقلال على القرى المنجمية بحثا عن الشغل القار. نأتي من بين فقراء الجريد والفراشيش وماجر والزغالمة وأولاد عيّار فنسكن القرابى (les gourbis) المحيطة بالفيلاج من ناحيتي الشرق والغرب. وسرعان ما يقبل بعضنا ببعض فنتعارف ونتزاور ونتصادق ونتعاشر.
في المينة، يزول الحذر من الآخر بمجرّد أن تزول الكلفة. وتزول الكلفة أوّلا بين الرّجال تحت الدّاموس في سياق العمل. يحتاج العمّال إلى المزاح والتشاكس والتآزر ليتغلّبوا على الخوف وعلى قساوة العمل عشرات الأمتار تحت الأرض. يذهبون إلى الدّاموس مع بعض فيالقَ مترجّلة ويؤوبون منه كذلك. يمرّون وراء بيتنا وأسمع وقع خطاهم وصدى أحاديثهم فأتطلّع من وراء النافذة المطلّة على سكّة القطار لأراهم يمشون في أزيائهم الزرقاء الموحّدة وخوذاتهم على رؤوسهم وهم يتحادثون رافعين أدوات عملهم فوق أكتافهم فيبدون لي كجنود عائدين أو ذاهبين إلى الجبهة حاملين بنادقهم. يتحلّقون داخل الدّاموس حول الطعام ليتقاسموا ما جلبوه من ديارهم. زوجة فلان أمهر النساء في الطبيخ، وزوجة علاّن تخبط خبط عشواء. لا ينتظر الأطفال وأمّهاتهم أن تنتقل إليهم عدوى الألفة التي تنشأ بين الرجال في المنجم. فغالبا ما يكون الأطفال قد تعارفوا أثناء اللعب في بطحاء الحي، والنساء قد تبادلن الزيارات.
ولأنّه كان أعزب، فقد أقام يوسف العزري عند حلوله بالمينة في تلك البيوت القصديرية التي أقامتها شركة الفسفاط في سفح الهضبة الفاصلة بين الحي العمّالي والمنجم، وخصّصتها لإسكان العمّال العزّاب الذين كانت تستقدمهم من شمال البلاد الغربي. كانت هناك سكّة حديد هرمة تفصل بين بيوت العزّاب القصديرية ومنازل أسر العمّال. وعلى تلك السكّة كان يعبر القطار بطيئا محمّلا بالتراب الأسود الناعم الذي يتساقط على جنبات العربات المتهادية كطابور من فرسان البحر. كان القطار يطلق صفّارته المبحوحة لتنبيهنا نحن الأطفال فيبدو كتمساح عجوز يتثاءب. تتزلزل لمروره جدران البيوت وأرضياتها. ولكنّنا كنّا نواصل اللعب حذو سكتّه غير مبالين بالخطر الدّاهم. كان بعضنا يضع تحت عجلات القطار ملاعق صغيرة ليحوّلها بعد مروره فوقها إلى ما يشبه آلات البناء اليدوية، وكان الأشقياء منّا يضعون في طريق القطار مكعبات حديدية أو حجارة صوّانية لمحاولة قلبه أو إخراجه عن السكّة، ويختفون وراء كثبان الفسفاط كالفلاّقة يراقبون ما سيحصل. وقد نجحوا في قلب القطار أكثر من مرّة، فتمايلت عرباته قبل أن تتهاوى كفيل هرم أصابه رصاص قنّاص وهم يتصايحون هاربين كالهنود الحمر.

كنا ونحن نلعب بجانب سكة الحديد، نرى العزارى يغسلون ثيابهم وينشرونها على صفائح الزنك التي تشكّل جدران بيوتهم القصديرية. ولم تكن تفوتنا تلك الإشارات والتحيات التي يتبادلونها مع بعض صبايا الحي العمّالي. 
لم يكن يحرّكنا في التصدّي لتلك العلاقات الناشئة بين صبايانا والعزارى الحرص على شرف بناتنا. كنّا نريدهم أن يدركوا فقط أنّنا فطنون ولا يمكن استغفالنا... يوسف هو الوحيد الذي نجح في اختراقنا لأنّه كان يعيد لنا الكرة لمّا تتخطّـــى حاجز السكّة باتجاه البيوت القصديرية بمهارة لافتــة. ولست أدري كيف استقرّت لدينا فكرة أنّه كان لاعبا مشهورا بنادي الدّهماني قريته  في الشمال الغربي. كان يوسف يقترب من حاجز السكّة كلّ يوم خطوة إضافية، حتّى دعوناه إلى تحكيم مقابلاتنا، ثمّ صار يأخذ مكانه للّعب معنا كلّما كان عددنا عند القسمة فرديا فنضطر إلى إلحاقه بالفريق الناقص.
"يوسف العزري جن، يوسف العزري جن" هذا ما تبيّناه من الجلبة الواصلة إلينا أصداؤها من وراء نافذة القاعة المشرعة بمدرسة الحي العمّالي. لزمت مكاني وظللت أمدّ عنقي القصيرة متطلّعا من وراء النافذة. لكن فتحي وعامر هرولا خارج القاعة غير عابئين بصراخ سي الطرابلسي الذي كان يدعوهما إلى ملازمة القاعة. وقد شجّع ذلك البقية كي تلتحق بالجموع الماشية وراء يوسف وهو يتقدّمها بمترين وسط الشارع  شاقّا ثيابه على مستوى الصدر، نافشا شعره، مردّدا كلاما غير مفهوم والزبد يتطاير من شفتيه وفي عينيه الحمراوين استقرّ شرر منذر بارتكاب أبشع الأعمال...   
كان يمشي باتجاه ثمّ يعود القهقرى، ونحن وراءه نفرّ ثمّ نعيد التجمهر في موكب ضاج، بعضنا يرميه بالحجارة أحيانا أو يجذب سترته الزرقاء حينا آخر... كان الكبار يحاولون صرفنا عنه وثنيه باحتشام وحذر عن الاستمرار في تمزيق ثيابه مخافة أن ينتهي به الأمر إلى خلع كامل ملابسه، وكان بعضهم يطالب بإخطار مركز الحرس الوطني...
ظللنا على تلك الحال ساعة أو يزيد، حتّى رأينا أحد زملائه من العزارى يرمي عليه حبلا ويلفه حوله حتى أوقعه أرضا وهو يحرّك ساقيه مثيرا الغبار كالثور المذبوح.
ماذا حصل ليوسف العزري الوسيم الوديع حتى يحصل له فجأة ما حصل؟ روايات كثيرة ومتضاربة شاعت بين الناس حول أسباب جنونه حتّى تاهوا بينها واحتاروا أيّها يصدّقون...
بعد ثلاثين سنة، أجدني جالسا إلى طاولة في بهو مقهى بديع يطلّ على ساحة فسيحة بسوق قرية الدهماني بعدما قدّمت محاضرة عن الترغيب في المطالعة بالمكتبة العمومية... يقف أمامي رجل حافي القدمين، يرتدي قشّابية بالية، أشعث الشعر، كثيف اللحية، متّسخ الأظافر ويتمتم طالبا سيغارو.... أنتفض في مكاني مذعورا كمن أفاق من كابوس مزعج. ذات الكلام غير المفهوم، ذات الزبد المتطاير من شفتي يوسف العزري يوم جنّ، ذات الشرر في العينين الحمراوين المنذر بارتكاب أبشع الأعمال... إنّه يوسف العزري. يثبّت علي نظراته وأبادله نفس النظرة... أنا متأكّد أنّه تعرّف علي. ولكنّه لا يرغب في الحديث إليّ....