jeudi 5 avril 2018

من أجل سمعة الوطن

دعاني عميد الكلية على عجل إلى مكتبه ليعلمني بأنّ مراقب المصاريف العمومية رفض التأشير على طلبنا استضافة الوفد الأكاديمي المغربي للعشاء بأحد أفخر مطاعم العاصمة. قدم الوفد المغربي في إطار مؤتمر علمي دولي دوري ننظمه بالتناوب مرّة في المغرب ومرّة في تونس.... كان العميد في غاية الحرج خصوصا وأنّنا حضينا بكرم مغربي لا يوصف لمّا كنّا هناك، وقال أنّه خاطب الوزير ليشرح له أنّه لا يليق بنا وبدولتنا أن لا نردّ الجميل، فخيّب الوزير ظنّه واكتفى بالإشارة إلى ضروروة الالتزام بالقانون... اقترح رئيس القسم أن ندعو ضيوفنا على حسابنا، فالتفتّ إليه ساخرا من غباوته وعلّقت بصرامة: "لا قدرة لي على دفع نصف راتبي في عشاء ليلة" والتفتّ إلى العميد: "لا عليك يا حضرة العميد، سأتدبّر الأمر بنفسي... أعط تعليماتك للمسؤول المالي بحجز عشاء لخمسة عشر شخصا. واعتبر الأمر في حكم المقضي"...
قلب العميد شفته السفلى ورفع أحد حاجبيه مستغربا. ولكنّني غادرت مكتبه متعمّدا رسم ابتسامة لطمأنته...
حال وصولي إلى المكتب، هاتفني العميد ليخبرني أنّه من موقع المسؤولية الإدارية والأخلاق الأكاديمية لا يستطيع المجازفة بالذهاب في ما اقترحته عليه. أجبته بكلّ ثقة "لا عليك، سأتولّـــى الحجز بنفسي. المهمّ أن تكون حاضرا في المطعم مساء الغد، لأنّه لا يليق أن تعتذر."
كنت أوّل الواصلين إلى المطعم لأتفقّــد الطاولات المحجوزة، وأوصي ببعض الإجراءات الاحتياطية. وصل الزملاء مرفوقين بالوفد المغربي بعدما مرّوا إلى الفندق لاصطحابهم.
كانت علامات الإعجاب بجمال المكان وبرفعة الذوق في تزويقه بادية على وجوه الضيوف. أعطاهم رئيس النوادل بسطة خاطفة عن تاريخ هذا القصر التركي الذي يأوي المطعم. ووزّع عليهم كتيّبا باذخا يروي قصّة المبنى بالكلمة والصورة...
هاتفني العميد ليتأكّد من وجودنا في المطعم فأجبته بنعم وحتّى أقطع شكّه باليقين مرّرت له رئيس النوادل ليشرح له كيفية الوصول إلى المطعم الواقع في حواري المدينة العتيقة. فقال أنّه سيكون بيننا بعد عشرين دقيقة.
جلسنا في صحن الدّار المغطّى بحديد مشبّك تتمدّد فوقه شجرة ياسمين عملاقة، وحجزت مكانا للعميد إلى جانبي. كانت هناك نافورة ماء رخامية تتوسّط صحن الدار وتفصل طاولتينا عن موسيقيين مسنّين ارتدى كلاهما الجبّة والشاشية التونسيتين وراحا يعزفان سمّاعيات وبشارف من المالوف الأندلسي. تعرّفت في وجوه الحاضرين على وزير الزراعة الذي كان يبدو أنّه يستضيف وفدا رسميا رفيع المستوى. وفي زاوية أخرى كان هناك مخرج سينمائي مصري معروف مع مجموعة من الفنّانين من ذوي الشعور الطويلة المشدودة إلى الخلف.
لمّا وصل العميد وفرغ من اعتذاراته على التأخير، فتح رئيس النوادل بنفسه زجاجة النبيذ معطيا إشارة انطلاق المأدبة.
لم يتوقّف زملاؤنا المغاربة عن الثناء على الأكل وإجراء المقارنات مع أطباق شبيهة لديهم. وكنّا في كلّ مرّة نصل إلى أنّ المتشابه بيننا هو من أصل أندلسي، أمّا المختلف فهو من أصل تركي. وفي الأثناء كان العميد يرمقني بتوجّس ويدوس على قدمي دون أن أفهم قصده... وفي غفلة منه لمّا كان يتحادث مع الجالس على يساره سحبت من جيبي ورقة صغيرة مطوية بعناية وفتحتها دون أن أجلب اهتمام أحد...
عندما استدار العميد ناحية صحنه وهمّ بتناول آخر قطعة سمك لمح تلك الخنفساء السوداء الصغيرة في صحنه. تراجع إلى الخلف فزعا، ولكنّه سرعان ما تماسك وانحنى يوشوش في أذني. أشرت عليه أن يتظاهر بالذهاب إلى الحمّام، ومن ثمّة يتّصل برئيس المطعم ليعلمه بالأمر دون إثارة انتباه الضيوف، "لأنّ سمعة تونس في الميزان" أكّدت...
وسرعان ما حضر نادل ليسحب بهدوء صحن العميد وتتواصل المأدبة التي كانت قد شارفت على النهاية....
كان رئيس المطعم واقفا عند الباب يودّعنا واحدا واحدا. وفي الأخير استوقف العميد فحشرت نفسي معهما، وأخذ يشكر العميد على ضبطه لنفسه، ويعتذر عمّا حصل ويؤكّد أنّهم سيتحمّلون الفاتورة على حساب المطعم...
لمّا صرنا خارج المطعم، قال لي العميد مزهوا بنفسه: "ها قد أنقذتك خنفساء صحني من دفع راتبك لثلاثة أشهر يا أستاذ". شكرته بامتنان، وأكّدت له أنّ الدراسات العلمية تتنبّأ بأن تصير الصراصير والخنافس من الأغذية الأساسية للإنسان في السنوات القادمة خصوصا وأنّها غنية بالبروتينات ويبدو أنّها لذيذة المذاق  ...
من الغد، دعاني عميد الكلية على عجل إلى مكتبه ليعلمني بأنّه تلقّى ظرفا من المطعم فيه رسالة تشرح أنّ كاميرا المطعم سجّلت ما حصل وقرصا إلكترونيا يتضمّن نسخة ممّا سجّلته الكاميرا وفاتورة عشاء البارحة للخلاص...
قلت للعميد "لقد فعلت ما فعلت من أجل سمعة الوطن" فردّ مشاكسا: "من أجل سمعة الوطن، بإمكانك أن تتغذّى طيلة الشهور الثلاثة القادمة بالصراصير والخنافس فهي غنية بالبروتينات ويبدو أنّ مذاقها لذيـــذ."

vendredi 2 mars 2018

الشاهق



  • فرحان بروحك وتحكيلنا على بطولاتك؟ شفتك وأنت تجبد في الفوسكة ويدك ترعش، قريب تبول على روحك. وتسخايل البروف ما شافكش؟ أما هاو لواش سكت عبيك... على خاطر السؤال ما يطلّبش حفيظة... وأنت نازل كيف المدك تكتب وتميّل في راسك.
  • شبيك يا صاحبي داخل فيّ فركة وعود حطب؟ لاباس في مخك؟
  • ندخل فيك ونص... أنا كنت انّجم نفرشك في القسم. أمّا قلت لا.. ما هياش رجولية... وما كنتش باش نجبدلك الهدرة. أمّا كيف تجي تبهبر علينا ولاعب فيها بطل. يولّي ياسر...
  • شنوّة اللي ياسر وموش ياسر؟؟ يا أولادي شبيه هذا؟ نورمال ياخي؟ قولولو يفوتني خلّيني رايض ها الصباح... ترا هات سيقارو يا زياد... يعجبكشي زادة. الله يلهّينا بحوايجنا.
  • نفوتك؟... شبيني في دارك وما في باليش؟ إنت اللي قوم خبّي وجهك... ماعادش لاموضة جوّك راهو.
باف، باف، شطاف أعطيه، سيّب، تي سيّب من غادي، نيــ... أمّك... لا عاد يا الأولاد... تي حزّوهم يعيّشكم... ووووووه... شفّــــرو... ملاّ مشطة...

تابعت هذا الذي حصل وراء مكتبي بالطابق الأوّل حيث كانت أصواتهم تتناهى إلى سمعي عبر النافذة التي تفتح على الساحة الخلفية للمعهد حيث تعوّد الطلبة أن يستظلّوا تحت الأشجار ومرابض السيارات، يترشّفون القهوة ويأكلون سندويتشاتهم ويدخّنون ويتعاشقون ويلعبون الورق. لم يكن يهمّني أن أعرف هوية الطالبين ولم تشدّني الخصومة في ذاتها ولا الكلام النابي. فقد تعوّت سماع ذلك من الطلبة. ولكن أن يساند أغلب الحاضرين زميلهم المعترض على الغش، ويثنون على حسن اختياره لمكان وتوقيت الإدانة، فهذا ما بدا لي مؤشّرا على تحوّل عميق ونوعي في عقلية الطلبة.
غادرت مكتبي وقبل أن أتوجّه إلى قاعة الدّرس وقفت كعادتي في البهو العالي والعاري للطابق الأوّل، مسرّحا نظري على مدى تلك الحقول الخضراء المحيطة بالمعهد والمقسّمة بأشجار السّرو، في مواجهة لفعات البرد الشديد الذي يدمع عينيّ. عبّأت رئتيّ بذلك الهواء النقي المنعش واستمتعت بما كان يبثّه فيّ من طاقة وحيوية. في ذلك الصباح كان إحساس بالسعادة والارتياح يغمرني. لمّا دخلت قاعة الدّرس، كنت أنظر إلى طلبتي بعين أخرى، تفيض تقديرا واحتراما.
بدأت إلقاء درسي بتعثّر واضح. فقد كان تركيزي مشتّتا إلى درجة أنّني قطعت الدّرس فجأة، لأقول للطلبة دون سابق تمهيد أنّه بفضلهم لا خوف على تونس. كنت أريد أن أستفيض في الكلام ولكنّ فيض الأحاسيس سدّ حلقي وحال دون خروج الكلمات... بعدها أخذتني غصّة لم تلبث أن تحوّلت إلى شهقات مسترسلة لم أستطع السيطرة عليها، فغادرت القاعة.

من يومها، لازمتني هذه الشهقة التي تحوّلت إلى عاهة مزمنة تمنعني من الكلام باسترسال ووضوح، حتّى أحالتني الجامعة على العمـــل الإداري.

علمت بعد وفاتي أنّ اتحاد الطلبة وضع رخامة في ذلك المكان من الطابق الأوّل حيث كنت أقف كل صباح قبل الالتحاق بالدّرس كربّان سفينة، رخامة كتبوا عليها "مرصـــد الشاهق"

vendredi 2 février 2018

مثلّث الطّبخ[1]

نص ل: كلود ليفي ستراوس[2]
ترجمة: جلال الرّويسي، أستاذ بالمعهد العالي للتّوثيق  
هناك في كل لغات العالم منظومات معقدة من التناقضات بين عناصرها، لا تفعل سوى كونها تؤلف منظومة أقلّ تعقيدا توحد بين كل تلك المنظومات. ونعني بها منظومة التضادّ بين الحروف والحركات .Les consonnes et les voyelles هذا التضادّ الذّي، من خلال لعبة التناقض المزدوج بين المرصوص (المكثّف) والمتفشّي من جهة، وبين القرار والجواب (بين الهادي والصّادي) من جهة أخرى، يفرز ما أمكننا تسميته ب"مثلّث الحركات" المتكوّن من الفتحة والضمّة والكسرة من ناحية، و"مثلّث" الحروف المتكوّن من الحروف الحلقية والحروف الشفوية والحروف اللسانية من ناحية أخرى.
غير أنّه يبدو أنّ القاعدة المنهجيّة التي تسمح بمثل هذا التمييز قابلة للتّطبيق في مجالات أخرى، ومنها المطبخ الذّي لم يقع التّأكيد بما فيه الكفاية على أنّه يمثّل، حقّا، شكلا من النّشاط الإنساني الكوني إلى جانب اللّغة [...]
وسننطلق من فرضيّة أنّ هذا النّشاط (الطبخ) يفترض نظاما يقع – وفق طرق تتنوّع بتنوّع الثقافات التي نريد أخذها بعين الاعتبار – في حقل دلالي ثلاثي الأبعاد، تمثّل زواياه النيئ والمطهوّ والمتعفّن. ومن الواضح أنّه، بالنّسبة للمطبخ، يمثّل النيّئ القطب غير المميّز عكس القطبين الآخرين المميّزين بشدّة ولكن في اتّجاهين متعارضين: ذلك أنّ المطهوّ يمثّل تحوّلا ثقافيا للنيّئ بينما يمثّل المتعفّن تحوّلا طبيعيا له. وخلف هذا المثلّث الأساسي، يكمن تعارض مزدوج بين الخامّ والمهيّأ من جهة، وبين الطبيعة والثقافة من الجهة الأخرى.
وممّا لاشكّ فيه أنّ هذه المقولات تظلّ صيغا جوفاء لا تضيف لنا شيئا في ما يخصّ مطبخ هذا المجتمع أو ذاك، باعتبار أنّ الملاحظة وحدها يمكنها أن تخبرنا ماذا يعني كلّ مجتمع بالنيّئ وبالمطهوّ وبالمتعفّن. وفي استطاعتنا التكهّن بأنّ الأمر سيختلف من مجتمع إلى آخر... فالمطبخ الإيطالي علّمنا حديثا أن نستهلك الخضر أكثر طازجة ممّا تعوّد عليه المطبخ الفرنسي التّقليدي، وهذا ما فسح المجال لتوسيع دائرة النيّئ. ونعلم من خلال بعض الوقائع إثر إنزال الحلفاء بمقاطعة النورماندي أنّ للجنود الأمريكان مفهوما أوسع للمتعفّن باعتبار ما أقدموا عليه من تدمير لمصانع الأجبان بسبب رائحتها التّي تشبه رائحة الجثث الجائفة [...]
ولنتأمّل الآن، مختلف طرق الطّهي المعتمدة لدى مطابخ مألوفة لدينا حيث نتبيّن بالتّأكيد طريقتين رئيسيّتين، كما تشهد على ذلك في مجتمعات كثيرة الأساطير والطّقوس التّي تدفع بالتعارض بين المصلي[3] والمسلوق إلى الواجهة. ففيم تتمثل الاختلافات بين النّظامين؟ إنّ الطّعام المصلي يعرّض بشكل مباشر للنّار، فيقيم معها علاقة مباشرة دونما وسيط، بينما ترتكز علاقة المسلوق بالنّار على وساطة مزدوجة: الماء والآنية التي تحوي كلآّ من الطّعام والماء.
مفارقة المصلي
من منطلقين اثنين بالتّالي، يمكن إدراج المصلي في خانة الطبيعة، بينما يمكن إلحاق المسلوق بمنظومة الثقافة . فعليّا، لأنّ السّلق (الطّهي بالماء المغلّى) يتطلّب استعمال الآنية، وهي أداة ثقافية باعتبار الثقافة هي فعل الوساطة الذي يؤسّس علاقات الإنسان بالكون، كما يتطلّب وساطة الماء بين الطّعام والنّار وهي وساطة غير موجودة غي حالة الصّلي.
إنّ السّكّان الأصليّين لكاليدونيا الجديدة، الذّين كانوا يجهلون صناعة الفخّار إلى حين وصول الفرنسيين في القرن الماضي، يشعرون بهذا التّضارب بحدّة واضحة. يبيّن ج. ج. بورّوا أنّه "لم يكن هناك في السّابق إلاّ الصّلي، أو الحرق بعبارة الأهليين les autochtones. إنّ استعمال القدر واستهلاك النّباتات الجذرية المسلوقة يوردان بافتخار كعلامة تحضّر" [...]
بقي أن نكتشف التّعارض الأساسيّ الآخر بين الخام والمهيّأ. ومن هذه الزّاوية، تكشف الملاحظة عن نوعين من العلاقة. يتمثّل الأوّل في علاقة المصلي بالنيّئ أو الخام. ويتمثّل الثاني في علاقة المسلوق بالمتعفّن أو المهيّأ. وتأتي علاقة المصلي بالنيّئ من كون هذا الأخير لا يتعرّض لنفس القدر من النّار سواء في ما يتّصل بمختلف نواحيه الخارجيّة أو في ما يتعلّق بالفرق بين داخل القطعة المصلية وخارجها. وهناك أسطورة متداولة لدى هنود "الوياندو" Wyandot  في أمريكا الشمالية تتحدّث بشكل جيّد عمّا يمكن أن نسمّيه مفارقة المصلي. فبعد أن قدح الربّ النّار، أمر الإنسان الأوّل برشق سفّود في قطعة لحم وصليها. لكنّ ذلك الإنسان كان على درجة من الجهل أن ترك قطعة اللّحم معرّضة للنّار من نفس الجهة دون تحريكها حتّى تفحّمت من تلك الجهة فيما بقيت نيّئة من الجهة المعاكسة. [...]
ويرى أرسطو أنّه إذا كان السّلق أرقى من الصّلي، فلأنّه ينزع عن اللّحم نيوئته، ذلك أنّ "اللّحوم المصليّة نيّئة أكثر وجافّة أكثر من اللّحوم المسلوقة." (ذكره راينباخ) [...]
أمّا عن علاقة المسلوق بالمتعفّن فقد أثبتتها عديد اللّغات الأوروبيّة من خلال مسمّيات ك"القدر المتعفّن"[4] و"أولاّ بودريدا"[5] والتي تطلق على أكلة مكوّنة من عدّة أصناف من اللّحوم المتبّلة والمطبوخة مع الخضار، وفي الألمانية يعني تعبير « zu Brei zerkochte Fleïch » "لحم متعفّن من فرط الطّبخ"  [...]
ولا تكفي هذه التّوضيحات لاستيفاء الثّراء والتشعّب اللّذين يميّزان التضادّ القائم بين المصلي والمسلوق. فباعتبار المسلوق يطهى داخل الإناء بينما المصلي خارجه، يمكن القول أنّ الأوّل يحيل إلى الجوّاني (المقعّر) والثّاني إلى البرّاني (المحدّب). وبلغة أخرى، ينتمي المسلوق إلى ما يمكن تسميته بالمطبخ الحميمي والمغلق أي ذلك الموجّه لاستهلاك مجموعة صغيرة بينما ينتمي المصلي إلى المطبخ الخارجي والمفتوح أي مآدب الضيافة. ففي فرنسا القديمة، تعدّ أكلة "الفرخ في القدر" (Poulet au pot) للعشاء العائلي، بينما يخصّص المصلي لحفلات الضيافة (حتّى أنّه يمثّل تتويجا لهذه الحفلات، حيث يقدّم وجوبا إثر لحوم الدّواجن المسلوقة والسَّلطات والخضروات وترافقه الثمار والغلال النّادرة كالبطّيخ والبرتقال والزّيتون والكبّار.)
ونجد نفس التعارض في المجتمعات المنغلقة التي حافظت على بدائيتها (exotiques) ولو أنّه يتّخذ شكلا مغايرا. فبدائيو الغواياكي les Guayaki بالباراغواي كانوا يستهلكون كلّ اللحوم التي يصطادونها مصليّة باستثناء لحم طقوس تسمية الجنين الذي يستهلكونه مسلوقا. أمّا قبائل الكاينغانغ les kaïngang في وسط البرازيل فتحرّم اللّحم المسلوق على الأرمل والأرملة وكذلك على قاتل العدوّ. والقاسم المشترك بين هذه الحالات هو أنّ المسلوق يرافق تمتّن العلاقات وتوطّد الوشائج بينما يرتبط المصلي بانفصام العلاقات الاجتماعيّة والأسريّة وتفكّكها.
وبتقصّي هذه المسألة، يمكن الاستنتاج أنّ أكل اللّحم البشري (الذّي ينضوي من حيث المفهوم تحت إطار المطبخ الحميمي) يتناسب مع طريقة المسلوق أكثر منه مع المصلي، وأنّ حالات صلي الجثث الآدميّة المثبتة في الدّراسات الإثنوغرافية[6] تتعلّق بلحوم العدوّ أكثر من لحوم الأقارب. ويظل من المفيد إجراء دراسات إحصائيّة حول هذه النّقطة.
للمحاربين
كذلك أحيانا، وكما يحصل غالبا في أمريكا وبالتّأكيد في أماكن أخرى، تكون للمصلي وللمسلوق صلات بالعيش المتنقّل في الأدغال والأحراش بالنّسبة للأوّل وبحياة الحضر والتمدّن بالنّسبة للثّاني. ممّا يسمح بتركيب علاقة فرعية بين المصلي والرّجال من ناحية وبين المسلوق والنساء من ناحية ثانية. وهو ما نلاحظه عند قبائل التروماي les Trumai والياغوا les Jivaro والجيفارو  les Yaguaفي أمريكا الجنوبيّة وفي أقصى شمال القارّة عند الإنغاليك les Ingalik. وفي حالات أخرى، تكون العلاقة معكوسة كما عند قبائل الآسينيبوان les Assiniboine المنتشرين في السّهول الشمالية لأمريكا الشمالية والذّين يخصّصون الطّعام المسلوق للرّجال الموفدين في مهمّات حربية، في حين تكتفي نساء القرية بصلي اللّحم ولا تستعملن الأواني بالمرّة. وهناك بعض المعلومات تفيد بوجود نفس العلاقة المعكوسة للمصلي والمسلوق بجنسي النّساء والرّجال في بعض بلدان أوروبا الشّرقية. إنّ وجود مثل هذه النّظم المعكوسة يطرح مشكلا ويؤدّي إلى الاعتقاد بأنّ محاور التّناقض هي أكثر ممّا تصوّرناه بكثير، وأنّ الشعوب التّي تسجّل لديها هذه العلاقات المعكوسة تتّخذ كمرجع لها محاور أخرى غير التّي شخّصناها. فعلى سبيل المثال، يوفّر المسلوق طريقة حفظ تام للّلحم ولنسغه. بينما يترافق المصلي بالتحلّل والتلاشي. وهكذا، يكون المسلوق رمزا للاقتصاد والمصلي كناية عن التبذير. فالمسلوق أرستقراطي للنّخبة والمصلي شعبي للعامّة. ويتجلّى ذلك بوضوح لدى الشعوب التّي تقيم فوارق بين الأفراد أو بين المجموعات. فعند الماوري القدامى les anciens Maori، كما يشير إلى ذلك جوهانسون، يستطيع أحد النّبلاء صلي طعامه بنفسه، ولكنّه يحرص على عدم لمس أواني الطّبخ التّي يوكل أمرها للعبيد والنّساء ذوات الأصول الوضيعة. وعندما أدخل البيض القدور والطّناجر، كان ينظر إليها بوصفها أواني عفنة وقذرة. وهو موقف لافت لتناقضه التّام مع موقف سكّان كاليدونيا الجديدة الذي تحدّثنا عنه سابقا.
تدخين الطّعام
إنّ هذه الفوارق في النّظرة إلى المسلوق والمصلي، وفق ما إذا كان الفرد شعبيا أو أرستقراطيا، تلاحظ كذلك في التّقاليد الغربية. فالموسوعة التي وضعها ديدرو وآلمبار تنخرط في مدح واضح للمسلوق على النّحو التّالي: "المسلوق هو أحد ألذّ الأطعمة وأرفعها قيمة غذائية للإنسان... ويمكن القول أنّ المسلوق بالنّسبة للأطعمة الأخرى بمثابة الخبز لسائر أنواع الغذاء." (من مقالة المسلوق) وقد عارض هذه الحجج بعد نصف قرن بريّا-سافاران ذلك الغندور المتأنّق الذّي أكّد "المعلّمون لا يأكلون المسلوق أبدا، احتراما منهم للقواعد، ولأنّهم طالما ردّدوا على منابر الدّرس تلك الحقيقة غير القابلة للتّشكيك والقائلة بأنّ المسلوق هو اللّحم منقوص من نسغه... وقد بدأت هذه الحقيقة في فرض نفسها، واختفى المسلوق من موائد العشاء الفاخرة، لتقع الاستعاضة عنه بهبرة اللّحم المصليّة أو بسمك التّرس أو بكوكتال الأسماك." (من فيزيولوجيا المذاق – المجلّد الرّابع – القسم الثّاني) [...]
لقد أدرجنا داخل مثلّث الطّبخ الأساسي والمكوّن من النيّئ والمطهوّ والمتعفّن عبارتين تتموقع إحداهما بجوار النيّئ وهي المصلي بينما تتّخذ الثّانية موقعا لها حذو المتعفّن وهي المسلوق. وتنقصنا عبارة ثالثة تجسّد الشّكل الملموس لطهي الأطعمة والذّي يقيم، بأقصى ما يمكن من الدقّة، صلة مع المطهو كصنف مجرّد. ويبدو لنا أنّ هذا الشّكل هو المدخّن، الذّي يشترك مع المصلي في الاستغناء عن وساطة الآنية والماء. ولكن يختلف معه، ليشترك هذه المرّة مع المسلوق، في كونه طريقة طهي بطيئة وبالتّالي عميقة ومتوازنة في الآن ذاته [...]
المحوران
ولنعد، ختاما، إلى مثلّث الطّبخ. فقد رسمنا داخل هذا الأخير مثلّثا ثانيا يهتمّ بوصفات المأكولات، أو على الأقل بالأساسيّة منها، باعتبار أنّنا قصرنا اهتمامنا على ثلاثة أنواع من الطّهي هي المصلي والمسلوق والمدخّن. فالمدخّن والمسلوق يتعارضان بخصوص طبيعة عنصر الوساطة بين النّار والطّعام وهو إمّا الماء أو الهواء. أمّا المدخّن والمصلي فيتعارضان حول القيمة النسبية لعنصر الهواء التّي تكبر أو تصغر حسب هذه الحالة أو تلك. في حين يتعارض المصلي والمسلوق في ما يتعلّق بعنصر الماء الذّي بقدر ما يغيب في الحالة الأولى يكون حاضرا في الحالة الثّانية. وهكذا فالحدّ الفاصل بين الطّبيعة والثقافة، الذّي نتصوّره في خطّ مواز إمّا لمحور الهواء أو لمحور الماء، يضع كلاّ من المصلي والمدخّن في خانة الطّبيعة ويضع المسلوق في خانة الثقافة، إذا اعتمدنا عنصر الوساطة (الأواني والماء) مقياسا للتّصنيف. بينما يفضي إلى إدراج المدخّن في خانة الثقافة وكلاّ من المصلي والمسلوق في خانة الطّبيعة إذا اعتمدنا نتيجة عملية الطّهي مقياسا للتّصنيف.

ستكون القيمة الإجرائيّة لهذا الرّسم محدودة جدّا إذا لم يكن قادرا على استيعاب جميع التعديلات الضّروريّة من أجل إدراج أساليب طهي أخرى. إنّ نّظام الطّبخ، الذي يتفرّع فيه عن المصلي أسلوب طهي ثان هو المشوي، يبوّأ هذا الأسلوب الأخير (الذي يفترض أقلّ ما يمكن من المسافة بين اللّحم والنّار) مركز القمّة في مثلّث الوصفات المطبخيّة. وفيه يحتفظ المصلي بموقعه  على محور الهواء في منتصف المسافة بين المدخّن والمشوي. ويمكن النّسج على نفس المنوال، إذا ما أقام نظام الطّبخ الذّي نهتمّ بدراسته، تمييزا بين الطّهي بالماء والطّهي بالبخار، حيث سيحتلّ هذا الأسلوب الأخير، الذّي يتميّز بفصل الطّعام عن الماء، موقعا له في نصف المسافة بين المسلوق والمدخّن.
شبكة الطّبخ
وسنحتاج تعديلا أكثر تعقيدا لإدراج أسلوب الطّهي بالقلي. ومن نتائج ذلك الاستعاضة عن مثلّث الوصفات بهرم يسمح بإقامة محور ثالث هو محور الزّيت الذّي ينضاف إلى محوري الماء والهواء. وسيحافظ المشوي على مركز القمّة. ولكن، على الضّلع الواصل بين المدخّن والمقلي سيكون بإمكاننا إدراج المصلي في الفرن (بإضافة مادّة دسمة) الذي يتعارض مع المصلي بالسّفّود (دون إضافة مادّة دسمة). وعلى نفس النّحو، يتّسع الضّلع الواصل بين المقلي والمسلوق لطريقة طهي أخرى هي المضغوط أو المقفول (في خليط من الماء والمواد الدّسمة) الذي يتعارض مع الطّهي بالبخار (دون مادّة دسمة وعلى مسافة من الماء) وكذلك مع المصلي في الفرن (بإضافة مادّة دسمة ولكن دون الماء). ويمكن تطوير هذه الشّبكة أكثر، عند الاقتضاء، بإضافة تعارض بين الطّعام النّباتي والطّعام الحيواني (إذا كان هذا الطّعام أو ذاك يحيل على طرق طهي متباينة)، وبإضافة تعارض آخر داخل الطّعام النّباتي بين الحبوب والخضار، باعتبار هذه الأخيرة تحتاج، في طهيها، إلى الماء أو إلى مادّة دسمة أو إلى كليهما، على خلاف الحبوب التّي يمكن تحميرها بصهدها (القلي الجاف)، إلاّ إذا اخترنا تخميرها ممّا يتطلّب الماء عوض النّار لعمليّة التّخمير. وفي الأخير ستحتلّ المتبّلات مكانا لها داخل المنظومة حسب التّقاطعات المعتمدة أو المبعدة مع هذا الصّنف أو ذاك من الغذاء.
وبعد الفراغ من بلورة الخارطة على النّحو الذّي يسمح بإدراج كلّ الخصوصيات لمنظومة طبخ معيّنة (وممّا لاشك فيه أنّ هناك منظومات أخرى تتعلّق بالتّسلسل الزّمني وليس بالانتشار المتزامن عبر المكان، على غرار تلك المتعلّقة بطرق عرض الأطعمة وبآداب المائدة)، سيتعيّن البحث عن الطّريقة الأخفّ لصياغتها وتوجيهها كشبكة من أجل جعلها قابلة للتّراكب والتّمفصل مع تعارضات أخرى ذات طبيعة سوسيولوجيّة واقتصاديّة وجمالية ودينيّة: النّساء والرّجال، الأسرة والمجتمع، الحاضرة والبادية، الاقتصاد والتّبذير، الوجاهة والوضاعة، المقدّس والمدنّس، الخ. وهكذا بالإمكان أن نصبو، بالنّسبة لكلّ حالة مخصوصة، إلى تبيّن كيف أنّ المطبخ الخاصّ بمجتمع ما هو لغة تترجم بشكل غير واع تركيبة ذلك المجتمع، إلاّ إذا ما انصاع هذا الأخير، بشكل غير واع دائما، إلى الكشف عن تناقضاته من خلال مطبخه.


[1] - نشر النّص الفرنسي الأصلي في مجلّة  Le Nouvel Observateur, mars 1965, pp. 24-26 وأعيد نشره في عدد خاص Le Nouvel Observateur, Hors série, n° 74, Spécial Claude Lévi-Strauss, Nov.-Déc. 2009, pp. 14-17 وهو الذّي اعتمدناه في هذه التّرجمة.
[2] -  كلّ الهوامش في أسفل الصّفحات من إضافة المترجم
[3] - ترجمنا عبارة Le rôti بالمصلي وسترد لاحقا عبارة المشوي كترجمة لعبارة Le grillé
[4] - وهي ترجمة حرفيّة لعبارةPot pourri »      «وهي أكلة معروفة في المطبخ الفرنسي التقليدي
[5] - Olla podrida أكلة تقليدية من أصل إسباني
[6] - الإثنوغرافيا Ethnographie هي علم خصائص الشّعوب