mardi 29 novembre 2011

أحداث كلية الآداب منّوبة، وبعد؟؟

ما هذا الذي يحصل بالجامعة التونسية اليوم؟ وكيف نفهمه؟ وما هي استتباعاته؟

أحداث بدت معزولة في البداية وفي الظاهر، لكن تكرّرها بنفس السيناريو غدّة مرّات كشف أنّ وراءها أطرافا تعرف جيدا ما تريد وتخطط لأعمالها بروية وتقصّد. لا فائدة من استعراض الوقائع التي تناقلتها الأقلام موثقة بالصورة والصوت (كلية آداب سوسة، المدرسة العليا للتجارة بتونس، المطعم الجامعي بقابس، كلية الشريعة، معهد الفنون والحرف برقادة، الخ) لكن يهمّنا أن نشير إلى ما يجمع بينها من قواسم مشتركة:

مجموعة من الملتحين المتجلببين تعتصم أمام إدارة المؤسسة الجامعية لتعطل السير العادي للعمل مطالبة بالسماح للمنقبات بالدراسة دون تضييق وبفصل البنات عن الأولاد وبتخصيص فضاء للصلاة. يفعلون ذلك بنفس الأسلوب دائما: تكبيييييييييييييييير لشحذ العزائم، بعض الوجوه موجودة في كل التحركات متنقلة من مؤسسة إلى أخرى، وجوه لا تخفي عدم انتمائها إلى الجامعة، منقبة أو أكثر في الصفوف الخلفية، مستوى من النقاش لا يرقى إلى أبجديات الحجاج والجدل المنطقي، صلاة استعراضية، وقدرة عملية واضحة على التنفيذ الأعمى للأوامر والتعليمات...

ولو تأمّلنا مطالب هؤلاء لاكتشفنا أنّها كما يقول الزميل عبد السلام الككلي أهداف أكثر ممّا هي مطالب... أو هي مطالب تغلف أهدافا تتلخّص في أسلمة الجامعة على الصورة التي ترتضيها هذه الأطراف.

وأمام هذا الوضع غير المتوقّع بدا الجامعيون على مختلف مستوياتهم (هياكل إدارية وبيداغوجية ونقابية وبحثية وطلابية) مشدوهين فاقدين القدرة على الرد الفوري والحاسم ممّا شجع السلفيين على التمادي في أفعالهم وتكرارها. لكن يبدو أنّ ما حصل في كلية الآداب بمنوبة بعد اكتساح مقر العمادة بجميع أقسامه الإدارية من مجموعة تقارب الأربعين شخصا مدجّجين بالمؤونة والأغطية والمفروشات واحتجاز العميد في مكتبه سيؤدّي إلى صحوة لدى الجامعيين بمختلف مستوياتهم.. خصوصا وأنّ التنسيق مع أطراف خارجية قد اتخذ أبعادا أكبر حيث كنا نرى شيوخا يزورون المعتصمين بالليل لتقديم الدعم المادي والمعنوي...

إنّ ما يحصل بالجامعة التونسية اليوم، هذه التي كانت أحد مفاخر الشعب التونسي قبل مجيء بن علي (رغم ما كان يشوبها من مشاكل)، يطرح علينا بإلحاح الإجابة على الأسئلة التالية:

1. كيف وصلنا إلى هذا الدّرك الأسفل في التطاول على حرمة العلم والدوس على المعرفة وحرية الفكر كقيمة أولى فوق كل القيم داخل الجامعة؟ هل نظام بن علي وحده المسؤول على ذلك ؟ هل للجامعيين مسؤولية ما في ما وصلت إليه جامعتنا ؟ هل للمجتمع المدني والحركات السياسية والطلبة مسؤولية ما في ما يحدث؟

2. ما معنى هذه المطالب؟ وكيف الردّ عليها؟

3. ما مسؤولية السلطة الحالية في معالجة الوضع؟

4. من يحمي الجامعة؟ وكيف؟

لقد عمل نظام بن علي جاهدا على تعميم الجهل وتهميش الجامعة واستباحة قيمة الشهادات العلمية فحرص على مهننة التكوين حتى صار تكوينا مهنيا ولا جامعيا فالمهم أن يتعلم الطالب حرفة ولا أن يتعلم مناهج البحث والتفكير والتحليل النقدي وإنتاج الأفكار وضيق على البحث العلمي وقيّده وصارت الشهادات الجامعية تبعث وتسند خارج أي مرجعية قانونية ودون ربطها بأي شبكة برامج واضحة الأهداف، ومنع العمل الثقافي والنقابي والجمعياتي على الطلبة إلاّ ما كان منه تحت إإشراف منظمة الطلبة التجمعيين التي كانت الثقافة تعني عندها الاحتفال بالسابع من نوفمبر وتمييع وعي الطلبة وشراء هممهم بالهبات المالية والتدخلات للسكن والتنقل المجاني. خلق بن علي صحراء ثقافية وفكرية وجد الطلبة أنفسهم فيها تائهين بلا سند أو دليل.

ولم يكن نصيب الأساتذة الجامعيين من القبضة البنعليّة أقلّ وطأة. فقد ضربتهم الهشاشة الشغلية في الصميم عبر التركيز في الانتداب على المساعدين وعبر سياسة التعاقد والإلحاق من الثانوي وانتداب أساتذة السلك المشترك والمدرسين التكنولوجيين. وفي حين كان الأزهر بوعوني سيء الذكر يصرّّح بأنّ لتونس أكثر من 15 ألف أستاذ جامعي كان عددهم الفعلي لا يتجاوز ال5 أو ال6 آلاف في أفضل الأحوال. هذا بالإضافة إلى سياسة التفرقة بين الصنفين "أ" و"ب" والتحكّم في مصائر الجامعيين وكرامتهم من خلال حصر التمديد لمن بلغ سن التقاعد في المناشدين دون سواهم وحرمان المتنطعين من التأهيل وغض الطرف على "المقاولين" الجامعيين الذين يجمعون بين التدريس والعمل كخبراء في المحيط الاقتصادي والمؤسساتي الخارجي إذا كانوا موالين والتنكيل بالمستقلّين ممّن زلّت بهم القدم في العمل الموازي. ولا ننسى ملعقة الساعات الإضافية التي كان بوعوني يجبر الأساتذة على استجدائها منه شخصيا. ودعونا نعترف صراحة أنّ الجامعيين عموما لم يلمعوا بمواقفهم وخصوصا بمبادراتهم العملية للتصدّي للحيف والظلم الاجتماعيين المسلّطين على جماهير الشعب طيلة حكم بن علي. واعتقادي الشخصي أنّ الجامعيين خذلوا الشعب وأداروا له الظهر والحال أنّه بصفتهم نخبة الأمّة يفترض فيهم أن يكونوا ضميرها الحي وعقلها الراجح وطليعتها في الانتصار للحق والتصدّي للفساد والظلم. ففي حين كانت الجماهير تتظاهر في الشوارع، كان جزء كبير من الأساتذة يتغاضون عن نداءاتها ويتجنبون الحديث عن القمع بل ويهجرون حتى قاعات الأساتذة مخافة أن يحرجهم زميل نقابي بطلب الإمضاء على لائحة احتجاجية أو التعبير عن موقف تضامني.. كل ذلك حماية لمصالحهم الشخصية التي استدرجهم إليها وورّطهم في فتاتها جهاز بن علي الخبيث. كان كثير من الجامعيين مكبّلين بخوفهم على امتيازات هي في الأصل حقوق كمنح البحث والمهمات بالخارج والخطط الوظيفية... والطامة الكبرى أنّ نظام بن علي استقوى بفئة من الجامعيين على الشعب حيث يكفي أن نتأمّل كم من جامعي رضي أن يعمل وزيرا لدى بن علي لندرك حجم الخزي الذي ألحقه هؤلاء بصفة الجامعي.

أمّا عن مسؤولية الطّلبة فهي الأضعف رغم أنّها قائمة ما في ذلك جدال... فأنا لا أستطيع أن أتخيّل طالبا لا يطالب... لأنّ من طبيعة الطالب الجوهرية ومن شروط تكوّنه الذّاتي فكريا واتصاليا ومواطنيا... لكن كم كان ضعيفا عدد المطالبين والمحتجين، أي عدد المناضلين. بل إنّ هؤلاء أنفسهم انصرفوا إلى صراعات حزبية عقيمة وخارجة عن الجامعة أضعفت وحدة الصف الطلابي وأضرّت بالاتحاد العام لطلبة تونس وبإرثه النضالي ورأسماله الرّمزي.

واليوم، ها قد وقفت الزنقة بالهارب.... ولم يعد أمام الطلبة والأساتذة والإدارة والسلطة السياسية والمجتمع المدني من مجال للتفصّي من المسؤولية والبقاء على الحياد. علينا أن نتّخذ موقفا وبلا مواربة من مسألة النقاب والاختلاط وأفضية الصلاة والحريات الأكاديمية.

ما معنى أن يطالب السلفيون بحق المتنقبات في الدراسة غير منصتين ولا متفاعلين مع اعتراضات الأساتذة القانونية والبيداغوجية. هم يعرفون أنّ النقاب يعيق التواصل البيداغوجي ويفتح الباب لتسلل الغرباء إلى قاعات الدرس والامتحان. لكنهم بتمسّكهم بهذا المطلب يرفعون من ورائه مطلبهم الحقيقي وهو منع الاختلاط. بدليل اقتراحهم للفصل بين البنات والأولاد كحلّ وسط لتجاوز المأزق. إنّنا عندما نتساهل إزاءهم في مطالبتهم بمنع الاختلاط وأمرهم للسافرات بالاحتشام في لباسهن تجنّبا للإثارة ودرءا للوساوس الخبيثة، نفتح لهم الباب كي يحرّموا ويحلّوا على هواهم كما لو كانت تونس دولة دينية والحال أنّ الجميع متّفق على كونها دولة مدنية. وغدا سيخرجون علينا بمنع تدريس الفلسفة والفنون والعلوم التي تناقض الشرع (ألم يبلغ بهم الأمر إلى مطالبة أستاذة بإشهار الشهادتين على الملإ لإثبات إسلامها؟)... بعد هذا، لم يعد هناك مجال للتلكؤ والمواربة.

وعلى الجميع تحمّل مسؤولياتهم، بدءا بالجامعيين المطالبين في اعتقادي أن يلتفوا كتلة واحدة هياكل وإدارة وأساتذة وطلبة ليقولوها لا صريحة وحاسمة للنقاب. وذلك لأسباب ثلاثة لا تقبل المجادلة. أوّلها مبدئي وهو أنّ المرجع في الحياة الجامعية هو مقرّرات الهياكل البيداغوجية والعلمية المنتخبة وذلك في إطار ما ينصّ عليه دستور البلاد وقوانينها، وبالتالي لا مجال لطرف أجنبي عن الجامعة يفرض عليها قوانينه. ولمن يعتبر نفسه ضحية تجاوز ما أن يتظلّم لدى المحاكم المختصّة. والسبب الثاني أنّ الوجه هوية صاحبه بدليل أنّ المنقبة ذاتها لن تستطيع تقديم صورة منقبة لبطاقة هويتها. أمّا السبب الأخير فبيداغوجي لكون التواصل والتبليغ لا يستقيمان في حالة الوجه المحجوب.

لابدّ من تحييد الجامعة عن الصراعات العقائدية والحزبية والسياسية... ولتكن ساحة للحوار العلمي والفكري لا غير بين المنتمين إليها في تفاعل مع محيطهم ومجتمعهم. نقول هذا للتأكيد على أنّه إذا كان من مصلحة البلاد ومن واجب الجامعة أن تكون هذه الأخيرة منفتحة ورافضة للانكماش والانغلاق على نفسها، فإنّها تبقى سيدة نفسها في اختيار آليات ذلك الانفتاح ومستوياته. ولا يجوز أن تستباح من الغرباء عن البحث العلمي والفكر النقدي. لكن السؤال الحارق المطروح هو كيف نحمي الجامعة ممّن يعتدي عليها ويستبيحها؟ ألم نهلّل جميعا ونفرح بإلغاء البوليس الجامعي؟ فهل يعقل أن نطالب بعودته؟ هناك من يقول أنّ سلامة الجامعة هي في حصانتها ومناعتها الذاتيتين، ولكنّ حصانتها هي في الحقيقة من حصانة المجتمع ككل ضدّ الفوضى والانفلات... فما الحل؟ هناك من يعتبر أنّ التعامل مع هذه المسألة تشوبه المزايدات بفعل تراكمات الماضي. لأنّ المنطق يقول أنّ الجامعة شأنها ككل المرافق العمومية تحتاج أعوان حراسة يسهرون على سلامة العاملين بها والمتعاملين معها في الظروف العادية (كحراسة النزل والملاعب والمطارات والفضاءات التجارية وكل الفضاءات التي يؤمّها الجمهور) وقد كان البوليس الجامعي قد سطا على هذه المهمة ليتستّر عن وظيفته الفعلية المتمثلة في التجسس ومراقبة الناشطين النقابيين والسياسيين. هناك إذن فراغ حقيقي في مهمة حيوية. وعلى المؤسسة الجامعية تشكيل فرق من أعوانها تكون مهمّتها الحراسة على أن تؤمّن لهم التكوين والمعدات التي تسمح لهم بأداء عملهم. هذا عن الظروف العادية. أمّا في حالات الانفلات القصوى فهناك أمن مهمّته حفظ الأملاك والأرواح.

بقيت قضية المصلّى التي يصحّ أن ننعتها بكلمة حق يراد بها باطل. ومباشرة أقول، أنا مع وجود فضاء لائق للصلاة بالمركّب الجامعي. لكن بوصفه مرفقا عاما من جملة المرافق الأخرى التي تيسّر الإقامة والعمل بالفضاء الجامعي طيلة اليوم شأنه في ذلك كالمرافق الصحية والثقافية والنقل وغيرها. وعوض أن ننتزع من كلّ مؤسسة جامعية قاعة درس نحوّلها إلى مصلّى، فالأفضل بناء مسجد جامع لائق يتوسّط المركّب الجامعي يؤمّه المصلّون من الطلبة والأساتذة والإداريين والعملة. وفي هذا تكريم لأماكن العبادة ونأي بالمؤسسة الجامعية عمّا يشوّش على الدّرس أثناء إقامة الآذان أو التنقل لأداء الصلاة. وليس في هذا ما يثير التحفظ والاعتراض خصوصا وقد كان معمولا به في المركّب الجامعي بالمنار.

ختاما أقول أنّه على تحالف الأغلبية التي تتأهب لتشكيل الحكومة القادمة واستلام السلطة أن يتحمّل مسؤوليته في حماية الجامعة هذا المكسب الشعبي الذي ضحّى التونسيون جميعا من أجله من مثل هذه الاعتداءات المتكرّرة والاستباحة المنذرة بما هو أخطر في صورة التساهل معها. نعم ننتظر موقفا واضحا وصريحا من النهضة والتكتل والمؤتمر، ولكن أيضا من الأحزاب الأخرى والمجتمع المدني ومن المجلس التأسيسي ولم لا التنصيص على الحريات الأكاديمية وحرمة المؤسسات التربوية في نص الدستور ذاته؟

جلال الرويسي الكاتب العام للنقابة الأساسية لأساتذة المعهد العالي للتوثيق ومعهد الصحافة وعلوم الإخبار- جامعة منوبة

vendredi 25 novembre 2011

عندما كنت صغيرا، كنت أحبو الكلمات

"عنــدما كنت صغيرا كنت أحبو الكلمات
كنت طفلا ألعب الحرف وألهو الكلمات
كـــل مــا أعرفــــه أني ظلمــت الكلمات
ولقــــد مـــت مرارا في سبيــــل الكلمات
فصــدور النــاس قد كانــت قبور الكلمات
قل لمن همهم في الناس وخـاف الكلمات
أوتخشى الـــناس والحق سجين الكلمات؟
شاهــــــد أنت عليهــــم وعليــــك الكلمات"
(الشاعر منوّر صمادح)

لماذا يستخف الكثيرون باللغة ويتساهلون مع أنفسهم في التعامل معها وبها ؟ لماذا لا يتحرّون في اختيار الألفاظ الأدق تعبيرا عمّا يفكّرون به ويستعملون تعابير تقريبية معوّلين على الآخر في استقراء ما يجول في عقولهم؟ لماذا يبحثون عن بذل أقلّ ما يمكن من الجهد ويرون في التفكير مشقة وتنغيصا والحال أنّه متعة الإنسان ككائن مميّز ؟ لماذا يفتحون الباب لتعدّد التأويلات ويختبئون وراءها للتفصّي من مسؤولية أي فهم يثقل الكاهل أو لا يخدم المصلحة الشخصية؟ اعتقادي أنّ من أسباب ذلك الغربة تجاه اللّغة وغياب التذوّق اللغوي بل عدم الإقامة في اللغة أصلا.. 

هكذا كنت أعيش اللغة طفلا صغيرا... عبارة "دار الثقافة" نموذجا...
"دار الثقافة"، هذه التي تصدّع آذاننا بأغاني المزود، كانت تسمّى "دار الشعب"في الستينات. وكم ظلّت هذه التسمية تستوقفني وتثير فضولي طوال طفولتي. كنت أتساءل في سرّي عن معنى "دار الشعب". فهل تعني "هنا يسكن الشعب" باعتبار الدّار مكانا للإقامة؟ ، أم كانت تعني "إلى هنا يلجأ الشعب ويأوي" على طريقة الزّوجة الغاضبة التي تقول لزوجها "ماشية لدار بابا" ؟ وفي كل الأحوال، كنت أبحث عن الشعب في داره ولا أجده. اللهم إلاّ إذا كان المقصود بالشعب مدير الدّار الأعرج ومنظّفة الدّار التي تتحوّل إلى راقصة في فرقة الفنون الشعبية في الأعياد والزيارات الرّسميّة وحارس الدّار الذي يتحوّل هو أيضا إلى زكّار الفرقة في هذه المناسبات ؟ ولم تكن الدّار تأخذ معناها الحقيقي في نظري إلاّ بنا نحن أطفال الحي عندما نهجم عليها للّعب بألواحنا المتزحلقة في بهوها الفسيح الظليل فيطردنا لزهاري الزكّار أو حدّة الرّاقصة. وكنّا نتمسّك بحقنا في اللعب ولا نرى مبرّرا معقولا لطردنا من دار الشعب. ألسنا جزء من الشعب؟ .كما كانت الدّار تبدو لي جديرة باسمها صباح كل أحد عندما ينتصب بها مكتب صندوق الحيطة الاجتماعية المتنقل حيث يجيئنا من قفصة موظّف يستمدّ وقاره من ربطة عنق حمراء وفلسة الحزب المرشوقة على صدره، وذلك لتصريف الملفات الصحية والاجتماعية لمنخرطي الصندوق. يومها، يتجمّع المتقاعدون والأرامل والعجّز أمام الدّار فتراهم مقرفصين يتحادثون عن تفاصيل من حياتهم اليومية تسحر الأطفال مثلي.
وفي منتصف السبعينات، صارت دار الشعب دارا للثقافة. وكنت زمنها قد كبرت شيئا ما وتقدّمت في الدراسة بما يسمح لي بفهم المجازات اللغوية وتقديرها.. كنت قد يئست من البحث عن الشعب في الدّار وتوقفت عن ذلك بعدما فهمت أنّ الشعب محق في هجران داره لأنّه حدس أنّها ليست سوى فخّ لسجنه. وقدّرت أنّ الثقافة ليست عاقلا كالبشر الذي يرفض ويهرب ويقاطع. وأيقنت من ذلك أن المنتوجات الثقافية ستملأ مكاتب الدار وغرفها الفارغة من الشعب، وأنّ المسرحيين والفنانين سيصعدون على ذلك الرّكح المظلم الصامت ويبعثون من جوفه الحياة، وأنّ أطياف الشخصيات السينمائية ستسكن أرجاء الدّار، وأنّ جدران البهو الفسيح ستغلّف بالرسوم الزيتية... ولم أستغرب أنّ مدير الدار لم يتغير، لأنّني قدّرت في سرّي أنّ من استطاع إدارة الشعب لن تعسر عليه إدارة الثقافة، لكنّني تذكّرت أن مديرنا لم ينجح في إدارة الشعب. ثمّ انشغلت عن المسألة بتعابير وتسميات لمؤسسات أخرى كانت هي الأخرى تستفزّني وتثير تساؤلاتي مثل "قصر البلدية" وكنت لا أرى في مقرات البلدية ما يجعل منها قصورا، أو "مجلس الأمّة" وكنت أبحث عن الأمّة كبحثي عن الشعب فلا أعثر لها على أثر، أو "مجلّة الأحوال الشخصية"، أو "توجيهات الرّئيس"، أو "المجاهد الأكبر"... ثمّ عادت "دار الثقافة" تستوقفني من جديد بعدما تغيّرت تسميتها لتصير "دار الثقافة والشباب" فتساءلت إن كان المقصود من ربط الثقافة بالشباب أنّ الثقافة شأن شبابي صرف لا علاقة للأطفال والكهول والشيوخ به... واليوم، بعدما تجاوزت سنّ الوحي بعقد من الزمن، أسعفني العمر بأن أكون شاهدا على أكبر منازلة تكون أدواتها الكلمات، أقصد صياغة الدّستور. فجأة صارت حروف العطف والجرّ والمبتدأ المؤخّر والناعت والمنعوت قضايا تهمّ الشّعب في حياته ومصيره. وبقدر ما صار للشعب وجهة نظر في البلاغة والأسلوب الإنشائي والتكرار والاقتضاب والتعليل الخ... فإنّ نوّاب الشعب يصرّون على غوغائية نقاشاتهم داخل القبّة الخضراء جاعلين منها بورصة انتخابية لا تفهم من اللغة إلاّ "اشكون زاد" ؟
جلال الرّويسي    

samedi 19 novembre 2011

المكتبات العمومية زمن الحرب والثورة

مقدّمة

سنعتمد لمصطلحي الحرب والثورة تعريفا إجرائيا لا ندّعي له صلاحية نظرية عامّة. حيث نعني بالحرب حالة المواجهة بين بلد وقوّة خارجية بينما نعني بالثورة حالة التمرّد الشعبي الداخلي في وجه السلطة الدكتاتورية. وهكذا لا يشمل كلامنا حالات الحرب الأهلية وثورات التحرّر الوطني.
ففي حالات الحرب، غالبا ما تكون المكتبات ومراكز الأرشيف والمتاحف عرضة للتدمير. وذلك بهدف التطهير الثقافي والقضاء على مقوّمات الهوية والذّاكرة الجماعيتين وزعزعة معنويات الشعوب من خلال المساس برموزها، مثل ما حصل في مكتبة سراييفو بالبوسنة والهرسك أو ما يحصل في فلسطين. كما يمكن أن تكون الغاية نهب الكنوز الثقافية والفنّية. وهو ما دأبت عليه الإمبراطوريات الاستعمارية في القرون الماضية والجيشان الإسرائيلي في لبنان والأمريكي في العراق في السنوات الأخيرة.
أمّا في حالة الثورات الداخلية، فعادة ما تكون المكتبات في مأمن من الاعتداءات نظرا لقداسة الكتاب والمعرفة شأنها في ذلك كالمدارس والمعابد. حيث يركّز المعتدون في مثل هذه الظروف، على المراكز التجارية ومستودعات السلع التي تتوفّر على خيرات مادّية طالما كرّست الإحساس بالحرمان لدى أبناء الطبقات الثائرة من الفقراء والمهمّشين. وإذا ما حصل أن تعرّضت مراكز المعلومات وحفظ التراث إلى الاعتداء فإنّ ذلك يكون بتدبير عصابات مافياوية تستغلّ انفلات الأوضاع الأمنية لتهريب المخطوطات والقطع المتحفية ونهب مراكز الأرشيف وإتلاف وثائقها لطمس ما يدين المجرمين ومرتكبي الفساد.

وضع المكتبات العمومية التونسية عشية ثورة 14 جانفي

كان وضع الكتاب والمكتبات العمومية في بلادنا أقرب ما يكون إلى الدّور الديكوري طيلة الحكم السابق. حجّتنا في ما نقول حركة نشر فوضوية ومكتبات خاضعة لرقابة خانقة وتوظيف لأرصدتها في أغراض دعائية. هذا، فضلا عن تردّي حالة محلاّتها وافتقارها للإطار الكافي والمتخصّص وضعف مواردها وتكبيل فعلها بالمركزية المفرطة. فقد كانت وزارة الثقافة تشتري العناوين على قدر ولاء مؤلّفيها ومبايعتهم للنظام وتسحب من الأرصدة ما لا يوافق السياسة المعتمدة.[1] كما كانت تتجنّب اقتناء الدّوريات والمجلاّت الفكرية الأجنبية بتعلّة غلاء أثمانها وتحكم قبضتها الخانقة على الأنترنات وتسدّ الباب على بعث النوادي الفكرية وإشراك القرّاء في نشاط المؤسّسة المكتبية وديناميكيتها. كما تهمل المحافظة على التراث الوطني المكتوب بما في ذلك المخطوطات. بل ويصل الأمر إلى حدّ سرقة هذه المخطوطات الثمينة وتهريبها والمتاجرة بها[2]. أدّى هذا الوضع إلى هجران المكتبات العمومية من أغلب أصناف المطالعين في ما عدا التلاميذ. وهذا يعمّق تراجع عادة المطالعة في مقابل تفشي ثقافة استهلاكية وقيم رخيصة لا علاقة لها بالعقلانية. كان هذا يحصل في لحظة تاريخية من أبرز سماتها في مجال المعلومات :
· ثورة تكنولوجية واتصالية كونية جعلت المعلومات متدفقة بشكل سيّال وخلقت تداخلا في الأدوار بين الكاتب والقارئ والناشر إلى حدّ اختصار المسافة بين مختلف هؤلاء المتدخلين ودمجهم أحيانا (الشبكات الاجتماعية، التفاعلية والكتابة التعاونية)
· انفجار معلوماتي بلغ حدودا تجاوزت كل قدرة على التوثيق والمتابعة بشكل منفرد، ممّا ساعد على تطوّر الشبكات التعاونية
· أولويّة الصّورة على النّص
· تراجع المطالعة الرّصينة وطويلة النفس في مقابل انتشار ثقافة السندويتش

وفجأة اندلعت الثورة، تونسية لا شرقية ولا غربية

لن يتسنّى للمكتبات العمومية التعامل مع الثورة التونسية من موقع الفعل الإيجابي والانخراط في حركة التاريخ دون فهم خصائص هذه الثورة وهضمها بعمق. ومن موقعها كمراكز للمعلومات، فإنّ المكتبات العمومية لا تحتاج فقط أن تفهم من فعل ماذا؟ كيف ومتى وأين ولماذا؟ ولكنّها مطالبة بالمساهمة في بناء الإجابة على هذه الأسئلة الأساسية ونشرها في المجتمع بفضل ما تجمعه من وثائق ومعلومات وما توثقه من شهادات ووقائع. إنّ فهم المكتبات العمومية لخصوصيات الثورة التونسية ولمجرياتها هو شرط نجاحها في تحديد دورها والنهوض بالأنشطة التي تستوجبها المرحلة بما لها من خصائص. وفي هذا السياق، نسجّل أنّ من أبرز ما ميّز الثورة التونسية:
1. الطابع الفجائي للثورة التونسية. فرغم المؤشرات الدّالة على عمق الأزمة (انتفاضة الحوض المنجمي في 2008، ارتفاع نسبة البطالة، تفشّي الفساد والرّشوة في أجهزة الدّولة والمجتمع، التضييق على الحريات والجمعيات الحقوقية كنقابة الصحفيين وجمعية القضاة والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، الخ)، ما من أحد كان يتوقّع انفجار الثورة بذلك الشكل وفي ذلك التوقيت وتأججها بتلك الوتيرة وانهيار النظام القائم بتلك السّرعة.
2. انطلاق الشرارة الأولى من المناطق الدّاخلية وتأجّجها واتساع رقعتها في المناطق المحرومة قبل المدن الكبرى والمناطق الأقلّ فقرا، ممّا يفسّر أنّ أحد أبرز مطالب الثّورة كان العدالة في التنمية الجهوية.
3. اعتماد الثورة على سلاح ذي شحنة رمزية عالية وهو الانتحار حرقا. ولعلّ فعالية هذا السلاح متأتّية من كونه تخطّى عتبة التهديد بالموت التي تميّز إضراب الجوع كشكل من الاحتجاج والتضحية ظلّت الدكتاتورية وحماتها الإمبرياليين يستخفّون به إلى تنفيذ التهديد بالموت بما يترتّب عن ذلك من مسؤولية سياسية وأخلاقية للمتسبّب فيه وليس لمقترفه. وقد فشلت ترسانة بن علي القمعية في السيطرة عل هذا السلاح الذي تفشّى في مجتمعات كثيرة. وستظل صورة بن علي واقفا أمام البوعزيزي الملفوف كليا في الضمّادات رمزا يكثّف محاكمة الضحية لجلاّدها وانقلاب معادلة المنتصر والمهزوم.
4. الدور البارز الذي لعبته تكنولوجيا الاتصال، حيث تكفّلت كاميراهات الهواتف الجوّالة بتسجيل الوقائع والشبكات الاجتماعية بنقلها إلى العالم بشكل يكاد يكون فوريا.
5. عدم وجود قيادة سياسية لهذه الثورة فسح المجال للتفاعل الأفقي بين الفاعلين فيها بعيدا عن كل مركزية أو تراتبية عمودية.[3]
6. الدور البارز للشباب ليس في المظاهرات لأنّ ذلك من ثوابت الثورات ولكن في بلورة مطالب الثورة وأهدافها وأدبياتها وقيادتها.
7. المشاركة البارزة للنساء والمهمّشين[4]
8. سيطرة الصورة على الكلمة من خلال الكمّ الهائل للقطات الفيديو المنشورة على شبكة الفايسبوك. وكذلك، سيطرة الشعار ذي الوظيفة التعبوية والتحريضية على الخطاب التحليلي المطوّل، كما لو أنّ فداحة الظلم وصلت حدّا لم يعد يحتاج تحليلا لفهمه.
فكيف يمكن للمكتبة العمومية النهوض برسالتها في فترة الانتقال الديمقراطي؟ وهل من دور مخصوص بإمكانها لعبه في هذا الإطار؟

الأبعاد الثلاثة للمكتبة العمومية

سنتناول المكتبة العمومية وفق ثلاثة أبعاد يمثّل كل منها مبحثا قائما بذاته : أوّلا المكتبة العمومية بما هي رصيد وثائقي، ثانيا المكتبة العمومية بوصفها مبنى عموميا ينهض بدور الفضاء العام، وأخيرا المكتبة العمومية بما هي مؤسّسة ثقافية رسمية.

المكتبة كرصيد وثائقي

تتداخل في إطار هذا المبحث زوايا النّظر والمقاربات من الثقافي إلى الاجتماعي فالمعرفي ثمّ الاقتصادي والسياسي وكذلك الأخلاقي. فمن الناحية الاجتماعية، المعروف أنّ الكتاب يساهم في تشكيل الخارطة الاجتماعية لما له من دور في تكوّن الفئات الاجتماعية ورسم الحدود بينها (بين المتعلّمين والأمّيين، المثقّفين والجهلة، الوجهاء والعوام، الخ) وذلك إلى جانب عناصر أخرى كالثروة المادية. وممّا يدعم هذا الدور للكتاب في مجتمعنا تلك القيمة الرّمزية التي يحظى بها في مرجعيّتنا الحضارية باعتبارنا أمّة "إقرأ" أولى كلمات الكتاب المقدس. تفسّر هذه الاعتبارات لماذا تسبغ المكتبات وجاهة على الأماكن التي توجد بها (منازل، أحياء، مدن، مؤسسات، إلخ) حتى أنّ الرفوف المزدانة بالكتب الفاخرة صارت في كثير من البيوت والمكاتب عنصر ديكور لا محيد عنه. ومن الناحية المعرفية، فتعدّ العلاقة مع الكتاب من وسائل تأكيد الذات، حيث يتجسّد فعل المطالعة بانسحاب الفرد من الجماعة وانعزاله عنها للدّخول في علاقة حميمة مع الكتاب. وفي حين تصطبغ هذه العلاقة بالكتاب والمعرفة لدى الفئات المترفة بالمتعة والفردانية، تظلّ هذه العلاقة في الأوساط الشعبية مرتهنة بظروف السكن ممّا يجعلها متأثرة إلى حدّ بعيد بالتقاليد المدرسية، أي مقترنة بالنشاط ضمن مجموعات عكس ما تفترضه في العادة من فردية وحميمية. وهو ما يؤكّد الحاجة إلى الأرصدة العمومية التي لا تتوفّر إلاّ في المكتبات العمومية. أمّا صورة المكتبة المنزلية الشخصية التي يخلو إليها الفرد بانتظام ليغوص بمتعة في كنوزها فتكرّس لدى الفقراء الإحساس بالمهانة المسلّطة عليهم[5]. هذا دون أن ننسى أنّ العلاقة مع المكتبة بما هي رصيد تتجاوز عند فئات أخرى البعد الرّمزي والاستعراضي إلى بعد استعمالي. ومن هذه الفئات نذكر الكتّاب والصحفيين والباحثين وطلاّب المعرفة والمدرّسين والمتكوّنين.
أمّا من الناحية الاقتصادية، فيشكّل الكتاب قطاعا هامّا نظرا لقدرته التشغيلية الكبرى ورقم معاملات صناعة الكتاب من نشر وتوزيع. وللتّدليل على ذلك، يكفي أن نشير إلى أنّ شبكة المطالعة العمومية هي الحريف الأوّل للناشرين التونسيين باعتبار تخصيص وزارة الثقافة لأكثر من مليوني دينار سنويا لاقتناء الكتاب التونسي وذلك بنسب تتراوح بين 100 و600 نسخة للعنوان الواحد. هذا فضلا عمّا تشهده الأرصدة المكتبية من انفتاح على الوسائط غير الورقية حيث صار الكتاب مجاورا للصورة والتسجيل السمعي البصري والقرص المضغوط والموارد الافتراضية المتاحة عبر الأنترنات. وعلى تماس مباشر مع هذا البعد الاقتصادي للأرصدة المكتبية، تثار قضايا حسّاسة تتّصل بسياسة النشر ومسالك التوزيع والترجمة والرقابة والتحكم في التكنولوجيا.

المكتبة العمومية كفضاء عامّ

الفضاء العام هو فضاء المجموعة. وبصفته تلك، فهو فضاء مفتوح ومكشوف، في مقابل الفضاء الفردي المغلق (أو المنغلق) والغامض. فإذا كان الفضاء الخاص فضاء تأكيد الذّات وشخصنة العلاقات فإنّ الفضاء العام هو فضاء الهوية الجماعية التي تتبلور ضمن آليات الاتصال الجماهيري (غير المشخصن) ومخبر الحجاج والبرهنة كما يؤكّد على ذلك يورغان هابرماس. فالفضاء العام هو بالتالي فضاء التعايش والاختلاف، ميدانه الشارع والمقهى والحدائق والساحات العامّة والمؤسسات الثقافية ووسائل الإعلام. وحتّى يمكنه أن يكون كذلك، فهو فضاء يسوسه القانون بوجهيه الوضعي والعرفي. بهذا المعنى، يتجاوز الفضاء العام تمظهره المادّي ليتّخذ بعدا ثقافيا ورمزيا. فالطقوس والدين والتراث الشعبي والأعياد والعلم الوطني والنّشيد الرّسمي الخ، كلّها امتدادات وصور أخرى للفضاء العام.
لكنّ الملاحظ أنّ التطوّر التكنولوجي سمح للفرد بترويض الفضاء العام واستقدامه إلى فضائه الخاص. وقد بدأت هذه الظّاهرة مع انتشار الصحافة المكتوبة حيث حلّت قراءة الجريدة في عزلة الصالون الدافئ محلّ ارتياد المقهى لتطارح الشأن العام. وظلّت الظّاهرة تتأكّد كلّما اخترعت وسيلة اتصال جديدة (الرّاديو، أجهزة التسجيل والاستماع التي تسمح بسماع الموسيقى دون الاضطرار إلى حضور الحفلات العامّة، التلفزيون، قارئ الأفلام، الحاسوب والأنترنات). فهل بقيت من حاجة تدفعنا للخروج من البيت ليلا وتجشّم متاعب التنقّل والازدحام بعدما صارت منجزات التصغير اللانهائي للآلات وانتشارها الواسع تسمح بتركيز قاعة عرض سينمائي أو مكتبة موسوعية في البيت بما يغني عن ارتياد دور العرض والمكتبات؟ ما السّرّ والحالة تلك في كون النّاس مازالوا رغم ذلك يذهبون إلى المسارح وقاعات السينما والمكتبات؟ عمّا تراهم يبحثون من وراء ذلك؟
إنّ من مفارقات تكنولوجيا المعلومات والاتصال أنّها بقدر ما تؤدّي إلى تشبيك الكون وتتحدّى المسافات، فهي تشجّع السلوك الانعزالي لدى الأفراد حيث يطمئنّون للاتصال عن بعد وما يوفّره من وهم البقاء على صلة بالمحيط والعالم. وهكذا يحصل الانزياح من "مجتمع الاتّصال" نحو "مجتمع الانفصال". إذ ما فائدة أن تشاهد فلما أو تقرأ كتابا إذا لم يكن بإمكانك أن تتقاسم متعة ذلك مع الآخرين وتتناقش معهم بشأنه ؟؟ إنّ النّاس لمّا يرتادون الفضاءات الثقافية العامّة لا يطلبون المنتوج الثقافي لذاته طالما أنّه متاح في البيت، ولكنّهم يسعون بالتّأكيد إلى الاجتماع والإحساس بدفء الجماعة وتوسيع شبكة علاقاتهم وصداقاتهم وتقاسم المتعة الفنية واكتساب مهارات التحليل والنقاش وإبداء الرّأي وممارسة المواطنة من خلال الفعل الثقافي. وهذا ما يجعل من المكتبة فضاء عاما بامتياز بالمعنى الهابرماسي للكلمة. أي بالمعنى الذي يرى في المكتبات فضاءات لتكريس المواطنة وتجذيرها ليس فقط بعد نجاح الثورات بوصفها إطارا ملائما للتداول بشأن الخيارات المطروحة، وإنّما أيضا قبل الثورات وأثناءها بتوفيرها ما به تتفتّق القرائح وتلتمع الأفكار وتتفتّح الأذهان على الحقوق والقيم السامية والذّائقة السّليمة. يقول نوما مورار ودونيس مركلان في هذا السياق "أنّ من دوافع ارتياد مكتبة الحي، اعتبارها فضاء للتبادل والاجتماع والاطلاع على الأخبار والمستجدّات. كما تمثّل مكتبة الحي بالنّسبة للنّساء والفتيات فرصة لكسر طوق الرقابة الأسرية ووسيلة للإفلات من سلطوية الذكور."[6]

المكتبة العمومية كمؤسّسة عمومية

ينهض مفهوم المؤسسة على الاحتكام إلى القانون والحياد. لذلك لا يجوز الحديث عن مؤسسة في غياب ضوابط تنظم عملها. وبالنسبة للمكتبة العمومية، تتمثل أولى الضوابط في مبادئ المرفق العام. ثمّ تأتي القواعد المرتبطة بخصوصيات النشاط المكتبي. وهناك كذلك خصوصيات المؤسسة الثقافية التي لا تستطيع النجاح إلاّ بالانفتاح على محيطها (العمل الشبكي) وإدماج المستفيد والتفاعل مع الجمعيات.
فمن مبادئ المرفق العام الاستمرارية والإشراف العمومي والمجانية والمساواة في الانتفاع والتكيّف مع المحيط. بهذا المعنى للمؤسسة، تعتبر المكتبة العمومية مرفقا عامّا بامتياز حيث نلاحظ رسوخ ثقافة المرفق العام في قطاع المطالعة العمومية. ومن علامات ذلك، أنّ المكتبة العمومية غالبا ما تكون الفضاء العمومي الوحيد المفتوح للجميع كامل اليوم، وأنّها تكيّف يوم عطلتها الأسبوعية وفق أوقات فراغ جمهورها، حيث تغلق يوم الإثنين عوضا عن الأحد. وهي فضاء ثقافي يتيح الوصول الحر والمباشر للخدمة دون أي وساطة أو استجابة لشروط مسبقة ودون أي مقابل مادّي. ولكن رغم ذلك تظلّ هذه المؤسّسة الثقافية مهجورة بل مرفوضة أحيانا. ومن أسباب ذلك أنّ المكتبة العمومية بقدر ما تفتحه من إمكانات الاندماج الاجتماعي فهي كذلك تغلق أبوابا أخرى، حيث تلعب، على غرار المدرسة، أحيانا دور الحاجز أو أداة الإقصاء. هذا إضافة إلى أنّه للفئات الشعبية حاجات حيوية أكثر أولوية من المطالعة.[7]
وغني عن البيان أنّ ثقافة المرفق العام لا تكفي مهما تأصّلت لإضفاء صورة المؤسسة المحترمة على المكتبة العمومية. فهذه الأخيرة تحتاج كذلك نصوصا قانونية تضبط رسالتها والمهام المنوطة بها ونظامها الدّاخلي وهيكلتها وطرق تمويلها الخ. وهو ما يؤمّن لها الحماية والاستقرار والمصداقية. وهنا لابدّ من الإشارة إلى هزال المدوّنة القانونية والترتيبية لمكتباتنا العمومية. واعتقادنا أنّ ذلك كان من عوامل ترهّل الصورة المؤسّساتية للمكتبة العمومية وضعف آدائها وضبابية علاقتها بالمستفيد وبالسلطة المحلية والجهوية ومصادر تمويلها وغياب لجان استشارية وعلمية تقترح اقتناءاتها وبرامجها التنشيطية. فالمكتبة العمومية التونسية تستأنس في آداء دورها بالمبادئ العامّة للمهنة كما نصّت عليها بيانات الإفلا واليونسكو. ولكنّ هذا غير كاف على أهمّيته. لذلك نحتاج اليوم نصوصا قانونية وترتيبية وطنية تجيب على هذه المسائل وتضبطها بوضوح كالنظام الداخلي للمكتبة العمومية وكقانون المطالعة العمومية.
لقد كانت السلطة تبعث المكتبات في المدن والأحياء الشعبية والقرى ليس إيمانا بقيمة الثقافة وبواجب الدّولة في توفير غذاء العقول، وإنّما كانت تفعل ذلك بغرض تسجيل حضورها بينهم وتذكيرهم بوجود الدولة من خلال مؤسّساتها. فبقدر اللّغط الذي كنّا نسمعه عن دولة القانون والمؤسسات كنّا نشهد دوسا متواصلا لأبسط القواعد والشروط المؤسّساتية. حيث كان ممثّلو السّلطة والمسؤولون الحزبيون لا يتوانون عن التوظيف السياسي للمكتبات بتسخير مقرّاتها وتجهيزاتها لاجتماعات شعبة الحزب الحاكم أو بتنظيم محاضرات وأنشطة دعائية بمناسبة الاحتفالات الرّسمية. ولم يكن ممكنا الاعتراض على مثل هذه الممارسات دون التعرّض لأشنع العقوبات. وغير خاف مدى الضرر الذي ألحقته هذه الممارسات بمصداقية المكتبة كمؤسسة عمومية وما انجرّ عن ذلك من هجران القرّاء لها. وقد كانت السلطة تدرك جيّدا أنّ الناس لا يهتمّون بالمكتبة حتى أنّ أحد وزراء بن علي للثقافة في أواخر القرن الماضي هزأ من تهديد نقابة المكتبيين بالإضراب قائلا: "هل تظنون أنفسكم أعوان شركة النقل أو الصحة أو البريد؟ لن ينتبه إلى إضرابكم أحد حتى لو ظلّت المكتبات مغلقة أشهرا. لذلك أنا لا أخشى تهديدكم، وبإمكانكم أن تضربوا ما شئتم من الوقت فلن تخرج مظاهرة للمطالبة بفتح المكتبات"

دور المكتبة العمومية زمن الثورة وفي مرحلة الانتقال الديمقراطي

كيف يمكن أن تتفاعل المكتبة العمومية مع حدث سياسي يطال المجتمع بأسره كالثورة؟ إلى أي حدّ تؤثّر الثورة في عمل المكتبة العمومية؟ هل يمكن لهذه الأخيرة البقاء على الحياد؟ وإلى أي حدّ يعتبر الحياد موقفا سليما؟
إنّ مجرّد وجود المكتبة العمومية يعتبر حصانة ضد الدكتاتورية ودعامة للديمقراطية. ليس فقط لأنها توفّر الكتب والمعلومات فذلك صار متاحا بعدّة طرق وقنوات. ولكن لأنها تتيح المعرفة في أماكن نائية ومعزولة ولفئات اجتماعية هشة. وبالتالي فهي تساهم في تساوي الفرص وتنوير العقول الذي يساعد على الديمقراطية الاجتماعية. بهذا المعنى، يكون الموقع الطبيعي للمكتبة العمومية في صفّ الثورة. فبوصفها رصيدا لا تعيش ولا تنمو إلاّ بالحرية والتنوّع وبوصفها فضاء عموميا تحتاج بالضرورة مناخ الحرية والتعايش السلمي والحوار الديمقراطي. وحتّى بوصفها مؤسّسة عادة ما يرتبط مفهومها بدور تسلّطي فهي من أكثر المؤسسات مرونة لأنّها تقوم على التفاعل المفتوح والمباشر (نظام الرفوف المفتوحة، الإعارة المنزلية، مجانية الخدمة، اتّساع أوقات العمل، بساطة إجراءات الاستفادة، مرفق عمومي مفتوح وليس شباكا، احتضانها للجمعيات، قبولها لمبدأ التطوّع، الخ).
هذا من حيث طبيعة المكتبة العمومية ذاتها، أمّا من حيث المواقف العملية، فهناك من يلحّ على ضرورة أن يساهم المكتبيون وأخصائيو المعلومات في صنع التاريخ من موقع اختصاصهم وذلك من خلال تجنّدهم لحماية مراكز المعلومات وثرواتها الوثائقية وتوثيق ما يجدّ من وقائع بتجميع المعلومات والشواهد على الأحداث. ويعدّ ذلك مساهمة نشيطة في الأحداث لا تقلّ قيمة عن المشاركة في المظاهرات وحمل السلاح على غرار دور الصحفي الذي ينزل إلى ساحات المواجهة ليصوّر الأحداث وينقلها إلى العالم أو دور المسعفين الذين يسحبون الجرحى والقتلى من ساحات المواجهة.
وهناك شق آخر، يؤمن أنّ شأن الثورة كالحرب تماما. فهي تخلق واقعا جديدا يخلط الأوراق ويمحو الحدود بين ما هو مهني وما هو سياسي. وبالتالي، فالثورة لا تترك مجالا للحياد. ولا يرى أصحاب هذا الرّأي عيبا في أن تنحاز المكتبات إلى صف الثورة لتتحوّل إلى منابر سياسية وخلايا دعاية ومخازن أسلحة وورشات طباعة ونسخ للمناشير وقاعات اجتماعات. ويستند أنصار هذا الموقف على الحق اللاّمشروط في مقاومة الظلم الذي جاء في إعلان الثورة الفرنسية الخاص بحقوق الإنسان، حتّى أنّ هذا الحق يرقى في عيون البعض منهم إلى درجة الواجب. وما دام الحكم على الفعل الثوري يتحدّد دائما بشكل بعدي أي بعد انتهاء مجريات الثورة، فإنّ الجهة التي ستصدر الحكم هي دائما الجهة المنتصرة. وهذا معناه أنه، في حالة انهزام الثورة، سيتمّ تقديم جواب قانوني على سؤال سياسي (الثورة)، بينما سيتمّ تقديم جواب سياسي على سؤال قانوني في حالة انتصار الثورة. ذلك أنّه في حال فشلت الثورة، سيعتبر ما أتاه الثائرون جريمة واعتداء على مكاسب الشعب وتآمرا على نظامه ويكون جزاء الثائرين العقاب بالسجن والقتل بوصفهم مجرمين في نظر القانون. وفي حال انتصرت الثورة سيصنّف نفس ذلك الفعل فعلا نضاليا وبطوليا يستحق من قاموا به التمجيد والإكبار وتخليد ذكر من مات منهم بوصفه شهيدا. [8] وفي جانب آخر، يثير هذا الموقف إشكالا من وجهة نظر أخلاقيات المهنة المكتبية، حيث يتضارب مع مبدأ الحياد. كما قد يؤدّي تطبيقه في ظروف الحماسة الثورية إلى مصادرة وثائق وإقصائها من الأرصدة بل وحتّى إتلافها بدعوى مقاومة أعداء الثورة.
أمّا عن موقف المكتبي ذاته، فالواضح أنّه لا يستطيع أن يكون مجرّد موظّف مؤتمن على الوثائق أو تكنوقراطي متخصّص في معالجة المعلومات. ذلك لأنّّ احتكاكه المستمر بالمعلومات والمعارف يؤهّله لاكتساب ثقافة واسعة تجعله في طليعة المثقفين.[9] ولأنّه على المثقف الحقيقي أن يتموقع في السّلطة المضادّة باعتباره سلطة تعديل وقوّة ضغط تنبّه إلى التجاوزات والأشكال الجديدة التي تتخذها الرّقابة على الفكر والإبداع، لا يستطيع المكتبي/ المثقف التعاطي مع عمله كواجب إداري عليه أداؤه بحياد بقطع النظر عن تفاعلات الأحداث.
وفي مستوى أخير، هناك من يؤكّد على أهمية دور المستفيد من المرفق العام في مثل هذه الأوضاع. إذ يتراجع دور المهني أمام دور المواطن. فمثلما يحمي الطّلبة جامعاتهم والمسافرون قطارهم فعلى القرّاء والمشتركين حماية مكتباتهم، تكريسا لمبدأ المواطنة الكاملة وسيادة الشعب على مقدّراته. وهذا يفترض توفّر الإحساس لدى القرّاء بأنّ المكتبة مكتبتهم. وهو أمر منعدم في البلدان التي تحكمها دكتاتوريات تهمّش الكتاب وتستهدف المكتبات لأنّها تجد في الجهل نصيرا وترى في التنوير عدوّا. والمعروف أنّ فترات الحراك الثّوري تتميّز بارتفاع نسبة تسيّس المواطنين وبالأخص منهم روّاد المكتبات المتعوّدين على المطالعة ومتابعة الأخبار وتحليل الأحداث. ولكن، قد لا يتّفق الجميع في النّظر بعين الرّضى إلى اكتساح السياسة للمؤسّسة المكتبية وسيطرتها على سائر المواضيع بما يخرج بالمكتبة كمؤسّسة عمومية عن حيادها ويضرّ بتوازنها في آداء مهامّها. فالسياسة بالنسبة للكثيرين ليست سوى موضوع كسائر المواضيع الأخرى. [10]
وقد مثّلت الاعتداءات على المكتبات العمومية أيّام الثورة صدمة للكثيرين ممّن كانوا يتصوّرون المكتبات محصّنة ضدّ الاعتداء. لكن يبدو أنّ تموقع بعض المكتبات بالقرب من المباني العمومية التي ترتبط في ذهن المتظاهرين بالنظام الدكتاتوري وبآلته القمعية جعلها عرضة للاعتداء. ويستنتج من التقرير الذي أعدّته إدارة المطالعة العمومية حول الموضوع أنّ أعمال النهب والحرق طالت أربعين مكتبة بما تحتويه من تجهيزات وحواسيب. وقد اقتصرت الاعتداءات على الرّصيد على تسع حالات فقط. أمّا عن حجم الأضرار، فيقدّرها التقرير بما يناهز أربع مائة ألف دينارا تونسيا.[11]
وهنا نشير إلى أنّ الخطوة الأولى على طريق إعادة تأهيل المكتبات المتضرّرة تتمثّل في تقصّي الوقائع وتحديد الأضرار. لذلك ينصح بالتحرّي والموضوعية في وضع التقارير والأرقام. وفي هذا الإطار، يمكن الاستفادة من تقارير الخبراء الخاصّة بوضع المكتبات والمتاحف في أوقات الحروب كما هو الحال بالنسبة لتقرير إدوارد ميتينياي حول وضع المكتبات العراقية إبان الغزو الأمريكي سنة 2003. [12] كما يمكن أيضا الاستئناس بتوجيهات المنظمات المختصة في تقصّي الحقائق والتحقيق في الكوارث والاعتداءات[13].
واعتبارا لما كانت تعانيه المكتبات العمومية التونسية من تهميش وتجاهل، يصحّ أن نقول بشأن ما تعرّضت له من اعتداءات "ربّ ضارّة نافعة". ذلك أنّه بالإمكان استغلال الاعتداءات المسجّلة لإطلاق حملات تطوّعية بغاية ترميم المباني وجمع التبرّعات العينية من تجهيزات وكتب. وحظوظ نجاح مثل هذه الحملات وافرة نظرا لما يضفيه التبرّع لفائدة المكتبات على القائمين به من وجاهة اعتبارية مصدرها القيمة الرّمزية للمكتبات والكتب. وتخلق هذه الحملات التطوّعية فرصة لمصالحة المكتبة العمومية مع جمهورها وتمتين الصلات الناشئة معه من خلال تشجيع اندماجه في أسرة المكتبة عبر عضوية الهيئات المنتخبة والفرق التطوّعية ولجان التقصّي في الاعتداءات وتنشيط النوادي وبرامج الترغيب في المطالعة.
كما تتيح الثورة للمكتبة العمومية فرصة ثمينة جدّا حتى تقدّم خدمة متميّزة من خلال توثيق وقائع الثورة ومجرياتها على المستوى المحلّي. وتختلف المكتبة العمومية في ذلك عمّا تقوم به المؤسسات الوطنية نظرا للطابع المحلّي لنشاطها هذا. وكفكرة عمّا يمكن أن توثقه المكتبات العمومية نذكر إعادة تشكيل مسلسل الوقائع المحلّية والندوات ومنابر الحوار والحملات الانتخابية ومناشير الأحزاب والجمعيات وصور والشهداء والضحايا والأحداث والمظاهرات المحلية والشعارات والكتابات الحائطية والشهادات، الخ.
هذا فضلا عن التظاهرات التنشيطية التي اعتادت المكتبة تنظيمها كمسابقة الصور الفوتوغرافية التي يمكن توسيعها لتشمل اللقطات الحية في إطار مسابقة أرشيف الثورة. وهنا نلاحظ "تثويرا" لعلاقة المستفيد بالمكتبة حيث يتحوّل من مجرّد مستهلك للمعلومات إلى مشارك في إنتاجها من خلال مشاركته في إثراء رصيد المكتبة بما يوفّره من لقطات فيديو ومن صور وشهادات، الخ. وهذا كفيل بجعل المستفيد يتملّك المكتبة ويغار عليها ويدافع عنها. ومن الأنشطة الأخرى نذكر تنظيم معرض للكتب والوثائق التي كانت ممنوعة، وكذلك عقد لقاءات فكرية حول محتوياتها وأسباب منعها ومنابر الحوار التي تتناول بالدّرس استحقاقات مرحلة الانتقال الديمقراطي وآلياتها (العدالة الانتقالية، الثقافة الانتخابية، العمل الجمعياتي، المجلس التأسيسي والدستور، الخ).
التحصّن بأخلاقيات المهنة
من المفيد التّأكيد على عدم تناقض أخلاقيات العمل المكتبي مع مبادئ الثورة ومطالبها. فعلى المكتبي أن يتّخذ من هذه الأخلاقيات راية له يرفعها عاليا لأنّها في انسجام تام مع أهداف ثورة الحرية والكرامة. ولكن عليه أن يكرّس هذه الأخلاقيات على أرض الواقع بما يخدم الثورة والمهنة. وليس هذا بالشيء اليسير دائما. فالطفرة الثورية غالبا ما تدفع إلى الحماسة المفرطة التي قد تنسي الناس أخلاقيات التعامل. وإذا كان من المفهوم ما قد يصدر عن الجماهير من انفلاتات، فإنّه لا عذر للمكتبي في ممارسة الإقصاء والتّعتيم والتنكيل والتشفي وذلك لأنّه مؤتمن على ذاكرة البلاد والعباد. وممّا يجدر التّأكيد عليه في هذا الإطار المبادئ الأخلاقية التّالية:
· لا تغيّر الأحداث دور المكتبات في شيء، ولكنّها تخلق ظروفا جديدة لأدائه.
· تعمل المكتبة في استقلال عن الأحزاب السياسية ولا ترتهن فكريا ولا ماديا لأي جهة سياسية. بل وتؤسّس تعاملاتها مع سلطة الإشراف على أساس المبادئ المهنية التي تضمن استقلاليتها. وذلك حتّى نضمن ألاّ يتحوّل 14 جانفي إلى 07 نوفمبر جديد.
· لا فقط تحترم المكتبة العمومية حرّية الرّأي والتعبير والحق في الاختلاف وإنّما تتصدّى للرقابة والمنع وتحمي التدفق الحر للمعلومات وحق الفرد في الوصول إليها بحرية مع الامتناع الذاتي عن تداول ما من شأنه تأجيج العنصرية والتناحر الطائفي والتباغض والإباحيّة.
· عدم أخذ مكان العدالة بالمنع والتحريم والترخيص وإصدار الأحكام وعدم الانسياق وراء مغريات التطهير الوثائقي الأهوج بفعل الطفرة الثورية ممّا قد يطمس كلّ شاهد وثائقي على النظام المكنوس.[14]
· معاملة جميع القرّاء على قدم المساواة بصرف النظر عن الجنس والجنسية والوضع الاجتماعي والملبس والمعتقد
· احترام حميمية المستفيد وعدم التدخل في ما يطالعه لتوجيه أفكاره وعدم الحكم عليه من خلال مطالعاته
· حماية المعطيات الشخصية والامتناع عن استعمال بيانات السجلات الشخصية لغير الأغراض التي سلمت من اجلها
· احترام استقلالية القارئ إذا ما رغب في الاستغناء عن مساعدة المكتبي وسعى إلى الوصول الذّاتي للمعلومات
· ترويج صورة لدى القارئ للمكتبة بوصفها فضاء للتعايش الفكري والتنوّع الثقافي من خلال دعم دورها كبوّابة مشرعة على إبداعات الإنسانية والتراث الكوني
· تعمل المكتبة في علاقة مفتوحة مع المؤسّسات المحلية والجمعيات المدنية.
· ضمان مصداقية المعلومات وجودتها ومجاراتها لنسق تجدّد المعارف
· احترام الحقوق الأدبية والمعنوية للمؤلّفين والتصدّي للسرقات العلمية والانتحال الأدبي من خلال فضح هذه الممارسات.
· من واجب المكتبة أن تضع على ذمّة القارئ كلّ ما يساعده على فهم الأحداث وما يتطارح في محيطه المباشر من أفكار وجدل فكري وثقافي وفني وفلسفي وسياسي
· التعريف بالرّصيد الوثائقي وتثمين ما يضمّه من مخزون وثروات

خاتمة

إنّ الوضع الثوري يفتح إمكانات جديدة لم تكن متاحة قبله. نقول هذا بعيدا عن منطق الغنيمة وانتهاز الفرص وإنّما في ارتباط بما رفعته الثورة ذاتها من مطالب. فكيف ننزّل مطالب الديمقراطية داخل الوسط المكتبي إن لم يكن يعني في أحد أبعاده حسم المعادلة بين المركزية واللامركزية وفسح المجال أمام المكتبة للانفتاح على نسيج الجمعيات الفكرية والثقافية الناشطة في المجتمع المدني بعيدا عن الرّقابة والإملاء واحترام للحق النقابي ؟ وكيف نفهم في مجالنا مطلب الكرامة والعدالة الاجتماعية إن لم يكن يعني النهوض بالعنصر البشري وتحسين البنية التحتية للمكتبات وتحويل المكتبات العمومية إلى مراكز معلومات متعدّدة وسائط ومؤسسات ثقافية مندمجة؟



[1] - كلّفت وزارة الثقافة في بداية التسعينات من القرن الماضي، موظفا حاصلا على أستاذية الشريعة وعلوم الدين بمراقبة أرصدة المكتبات العمومية وتنقيتها من كتب التطرف الديني. وأوكلت له كامل الصلاحيات لزيارة شبكة المكتبات دون أدنى تنسيق مع إدارة المطالعة العمومية و"تطهير" الأرصدة من الكتب غير المرغوب فيها. وقد كنت شاهدا على سحب هذا الموظف لتفسير ابن كثير من رصيد المكتبة العمومية بالمرسى. كما كنت شاهدا على سحب معتمد توزر مجلة الفكر من مكتبة الشابي أثناء احتفالية ستينية هذا الشاعر بداعي أنّ مؤسس المجلة هو محمّد مزالي.
[2] - اعترفت المصالح المختصة بوزارة الثقافة والمحافظة على التراث بتعرض مركز المخطوطات بالمعهد الوطني للتراث إلى سرقة قرابة 53 صفحة من المخطوطات سنة 2009 ومن أهمها القران الأزرق.
[3] - يقول كمال الزغباني في مقال بعنوان "الثورة التونسية، الثورة المبدعة" منشور على مدوّنته الشخصية Transversalités "الثورة التونسية قد انبثقت وامتدّت على نحو أفقي مكّنها من تسفيه حسابات السلطة القمعية وينبغي أن يمكّنها في المستقبل من حماية منجزاتها الكبرى من مخاطر الثورة المضادة التي تتربّص بها" http://kzaghbani.over-blog.com/article-68199010.html
[4] - يقول كمال الزغباني في نفس المقال "كما ظهر أيضا نوع آخر من الشباب الذي كان الجميع يحاول تجاهل وجوده. إنهم المهمّشون و"المنحرفون" من أبناء الأحياء الشعبيّة المفقّرة والمنسية والذين هاجموا بعنف رموز الثراء التي كانت تذكّرهم دوما بفقرهم وحرمانهم من بنوك وفضاءات تجارية كبرى كانت الأحاديث تتداول دوما عن فساد أصحابها وعن إثرائهم الفاحش والسريع. ولكنهم أحرقوا أيضا الرموز السياسية للنظام الديكتاتوري من لجان تنسيق وشعب وخلايا حزبية كانوا يدركون فسادها الكلي ومحسوبيتها ونهبها لأموالهم القليلة أصلا لصالح الطغمة العائلية الحاكمة. كما "انتقموا" على طريقتهم من مراكز البوليس التي كان ينكّل بهم فيها أثناء الإيقاف بعد معركة في حيّ أو انفلات بسبب "سكرة" أو مقابلة في كرة القدم." http://kzaghbani.over-blog.com/article-68199010.html
[5]- MURARD, Numa & MERKLEN, Denis. – « Pourquoi brûle-t-on des bibliothèques ? : Violences sociales et culture de l’écrit », In : La Vie des idées, 7 janvier 2008. ISSN : 2105-3030, URL : http://www.laviedesidees.fr/Pourquoi-brule-t-on-des.html [Site consulté le 09-05-2011],
[6] - نفس المرجع السابق
[7] - يستشهد نوما مورار ودونيس مركلان بردود بعض شباب ضواحي باريس الساخنة عندما يسألانهما عن سبب رفضهم للمكتبة، حيث يجيبون "نحتاج خبزا لا كتبا تتحدّث عن الخبز" و"لاشيء سوى العمل بإمكانه المساعدة على التعلّم والتثقّف" (المرجع السابق)
[8]. GOLDSTEIN, Emmanuel. – « Ce qu’est la Révolution », in : http://www.agoravox.fr/actualites/citoyennete/article/ce-qu-est-la-revolution-44939 [consulté le 20 juin 2011]
[9] - والأمثلة كثيرة على مكتبيين كانوا من كبار المفكّرين والكتّاب والسياسيين اللامعين وعلى سبيل الذكر لا الحصر نذكر جورج باتاي، رولان بارت، خورخي بورخس، آناتول فرونس، غوته، كارل لايبنيتز، ماو تسي تونغ، ملفال ديوي، شيالي رانغاناتان، وغيرهم كثير.
[10] Poulain, Martine, « Moscou, le putsch et les bibliothécaires », BBF, 1991, n° 6, p. 564-572
[en ligne] Consulté le 10 mai 2011]
[11] - انظر تقرير إدارة المطالعة العمومية الخاص بالاعتداءات التي تعرّضت لها المكتبات العمومية في فترة الثورة (غير منشور) Bibliothèques publiques tunisiennes sinistrées suite au soulèvement du peuple tunisien
[12] - انظر مثلا التقرير المتعلّق بالاعتداءات على المكتبات العراقية إبّان الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003:
METENIER, Edouard. - APERCU SUR L’ETAT DES BIBLIOTHEQUES ET DEPOTS D’ARCHIVES IRAKIENS AU TERME DE LA GUERRE D’AVRIL 2003, In : http://www.sub.uni-goettingen.de/ebene_1/orient/Bibliotheques_irakiennes.htm
[13] - من ذلك مثلا التركيبات المعيارية التي وضعتها منظمّة هيريدوكس لمساعدة المنظمات غير الحكومية في العالم على تسجيل المعلومات المتعلّقة بانتهاكات حقوق الإنسان www.huridocs.org/wp-content/.../07/HURIDOCS_ESF_French.pdf
[14] - انظر كيف أنّ الجماهير المهتاجة تمزّق صور المخلوع والمنشورات الدعائية وكتب الخطب مكرّرة بذلك ما حصل إثر 7 نوفمبر 1987 حتّى أصبحنا نكاد لا نعثر على نسخة واحدة من خطب بورقيبة التي كانت تئوء بثقلها رفوف مكتباتنا.