samedi 27 septembre 2014

عبد الملك البوليس

وأنا أغادر مقهى "دعبس"، اعترضني سي عبد الملك البوليس فبادرني بتحية حارّة وأصرّ على دعوتي إلى شرب قهوة لم يدفع ثمنها للفتى النادل. سألني كيف سأقضي عيد الإضحى وهل اشتريت خروفا وإن كنت سأعمل يوم العيد أم سأستريح؟ كنت أجيبه بكامل العفوية في شيء من الزّهو بالظهور صحبته في مكان عام. لمّا جمع منّي كلّ البيانات، فاجأني بطلب غريب لم أكن أتوقّعه، حيث سألني أن أعيره سيّارتي ليسافر بها إلى قريته بالشمال الغربي لقضاء عطلة العيد.
وبكثير من الحرج، اعتذرت له عن عدم تلبية طلبه معوّما رفضي في قالب مزحة "شيئان لا يمكن إعارتهما: الزّوجة والسيّارة". بدا واضحا أن سي عبد الملك لم يستسغ جوابي فتصنّع ابتسامة وغادرني متوتّرا، فيما بقيت مكاني بالمقهى مستغربا كيف تجرّأ على طلب كهذا؟ كنت أعرف أنّه طمّاع، لكنّني لم أتصوّر أن يصل به الأمر إلى حدّ تجريدي من سيّارتي ثلاثة أيام كاملة. ألم يقدّر أنّني قد أحتاجها لقضاء شؤون خاصة أو لزيارة الأهل يوم العيد؟ ثمّ إنّ علاقتي به ليست من المتانة حتى تسمح له بطلب كهذا. فقد فرضت عليّ صداقته منذ صار حاجزا مكانا له بالمجّان على متن سيّارتي التي أستغلّها لنقل المسافرين دون رخصة بين أم العرائس وقفصة. كان سي عبد الملك قد انتقل إلى العمل بقفصة ولكنّه ظلّ متمسّكا بالإقامة في أم العرائس حيث يستفيد من السكن المجاني لدى شركة فسفاط قفصة ومن العديد من الامتيازات الأخرى التي تتوفّر لكلّ من يعمل بوليسا بهذه القرية البائسة والقاسية. فكم من بوليس دخلها باكيا لعدم قبوله بتعيينه للعمل بها وخرج منها باكيا تحسّرا على نعمها وكرم أهلها.
والحقيقة أنّني كنت مستفيدا من تلك الخدمة التي أقدّمها لسي عبد الملك البوليس باعتبارها توفّر غطاء أمنيا لنشاطي غير القانوني الذي أكسب منه قوت عيالي منذ عودتي من ليبيا أين قضيت خمس سنوات من الغربة لم أغنم منها سوى هذه السيّارة وآلة تسجيل ومروحة كهربائية. 
كنت أعتقد أنّ المعادلة مناسبة لكلينا. فقد كان سي عبد الملك يسافر بالمجّان يوميا علاوة على توفّر السجائر والقهوة والماء المعدني، وفي المقابل ينعم عبدكم الحقير بالأمان من إزعاج الحاكم. نسيت ما حصل مع سي عبد الملك حال مغادرتي المقهى حتّى أنني لم أحدّث زوجتي عنه وأنا الذي اعتدت أن أمدّها بتقرير مفصّل عمّا عشته طوال يومي فتنصت لي بانتباه وتبدي الرّأي بالنصيحة أو التحذير أو المباركة. 
ومن الغد ذهبت كالعادة إلى المحطّة فحملت المسافرين وانعطفت أمام دار الثقافة حيث اعتاد سي عبد الملك أن ينتظرني. وجدته كالعادة بزيّه النظامي ماسكا قبّعته في يده. سلّم وفتح الباب الأمامي ليستقلّ مكانه إلى جانبي ثم انطلقنا. وعند مخرج المدينة، أطلقت كالعادة التحيّة بالمنبّه على عوني الشرطة المنتصبين بنقطة المراقبة. لكنّهما، على غير العادة، أشارا عليّ بالتوقّف. وبسرعة فهمت الكمين الذي وقعت فيه، فقد نزل سي عبد الملك غير عابئ بي واستقلّ سيّارة أخرى، تاركا إيّاي في مواجهة خاسرة مع القانون. حيث تكفّل زميلاه بتحرير محضر ضدّي وحجزا السيّارة.
في مساء نفس اليوم، وجدت نفسي أطرق باب سي عبد الملك، متوسّلا له أن يتدخّل لإبطال المحضر واستلام السيّارة وإبقائها لديه إلى ما بعد العيد. قال لي سي عبد الملك "الله يهديك يا سيد علي، ستحرجني مع السيّد رئيس المركز، لكنّ طلبك عزيز عليّ." ثم غمز ممازحا "ها قد بقي الآن شيء واحد لا يعار، والله يحسن العاقبة"
من يومها، صار سي عبد الملك تقريبا شريكا لي في السيّارة. فعلاوة على حجزها في العطل والأعياد لفائدته، غدوت أتعلّل أحيانا بكوني مرهقا لأتنازل له عن السيّارة حتّى يسافر بها إلى قفصة وينقل معه المسافرين ويستأثر بالمداخيل.
ظلّ الأمر كذلك لأكثر من ثلاث سنين وسي عبد الملك مستكثرا خيري وممنونا لي على شهامتي ورجولتي، إلى أن ارتكب سي عبد الملك ذات يوم حادث مرور، انقلبت على إثره السيّارة دون أن يموت أحد. يومها، اكتشفت الشرطة أثناء المعاينة قطع الزطلة التي كنت أدسّها في السيّارة كلّما تنازلت عنها لسي عبد الملك حتى ينقلها إلى قفصة حيث يستلمها الحارس المكلّف بتنظيف السيّارة.
تشبّثت بأقوالي أمام باحث البداية مصرّا على تتبّع سي عبد الملك البوليس الذي استغلّ طيبتي ليستعمل سيارتي في تجارة المخدّرات. وعبثا حاول سي عبد الملك التفصّي من المسؤولية وتلبيسي الجريمة لكنّه لم يفلح في شراء ذمم المسافرين كي يشهدوا معه. لم يكن مع المسكين من المال والجاه ما يسمح له بالصمود أمام قدرتي على شراء من أشاء وإسكاته بالمال.
جلال الرويسي 
توزر 27 سبتمبر 2014 

jeudi 4 septembre 2014

تسونامي

أسبوع واحد كان كافيا لتنشأ لي مع روّاد ذلك المقهى وشائج غير معلنة. مقهى يقع في تلّة غابية خارج ضوضاء المدينة "متعاليا" عن البحر وزحمته، مكتفيا منه بإطلالة على خيط أزرق يشعّ بلمعات فضية تحلّي الأخضر الغابي المسيطر على المكان. مبنى بسيط من الخشب البُنِّيّ ذو سقف قرمودي واطئ يظلّل رواقا غير فسيح ولكنّه يفتح على مساحة كبيرة يغطّيها عشب مشذّب بعناية تناثرت فوقه أشجار زيتون مسنّة. يحضن الفضاءَ سياجٌ من أشجار السرو والصنوبر تنشر في الجو هواء يبهج النفس ويفتح العقل. تحت كل زيتونة نبتت طاولة خشبية كأنّما هي امتداد لأغصان الزيتونة. يتوزّع الحرفاء على الطّاولات في هدوء يجعل الناظر إليهم يحسبهم من أهل الفكر والفن... حتّى النّوادل يتحرّكون في هدوء ويتكلّمون بأصوات خفيضة... صوت واحد يخترق تلك السكينة التي تغلّف المكان دون أن يزعج في الظّاهر أحدا، هو صوت ضابط الشرطة الذي يقع المقهى في نطاق خدمته. يسلّم حال وصوله على الجميع بصوت عال كأنّما يريد أن يوقظهم من خدرهم الجميل. ويحرص على مصافحة البعض والتوقّف عند طاولاتهم متلصّصا في صفاقة على صفحات جرائدهم وشاشات كمبيوتراتهم. ولا ينسى أن يرسل إشارات إلى الذين لم يسعفه بعد الظرف حتى يتعرّف عليهم مباشرة، إشارات يفهمهم من خلالها أنّه يعلم عنهم كلّ شيء وأنّه هنا لحمايتهم. ولكن من الواضح أنّ نبرة صوته وحركاته المتهافتة تكشف مركّبات نقصه تجاه من يعتبرهم مثقّفين.
أصل إلى المقهى كل صباح عند الثامنة فأجد طاولتي غير مشغولة، كأنّها محجوزة باسمي. تبادرني العجوز المدخّنة بابتسامة خاطفة وتعود إلى روايتها الفرنسية الضخمة (علمت فيما بعد أنّها صاحبة المحل، وهي من أصل فرنسي). أجتازها بزيتونتين وقبل أن أجلس إلى مكاني يكون النادل قد وصل بالقهوة وقارورة الماء والكرواسّون. يسعدني أنّ القهوة دون سكّر ولا رغوة تماما كما أريدها. هذا يعفيني من تلك المفاوضات التّافهة التي تنغّص عليّ صفاء ذهني الصباحي الذي أحرص على حمايته من الشوائب. وهو إلى ذلك من الأسباب الرّئيسية التي جعلتني أفضّل هذا المقهى. أسوّي موقع الكرسي من الطاولة دون خشية من إحداث قرقعة تزعج الآخرين فيزيد ذلك الاطمئنان من سعادتي. أتحرّك محاذرا على فكرتي أن تنقلب من دماغي فتسيل على سطح الطّاولة أو العشب الطّري. أتأمّل المشهد دون نظّارات، أتملّى حقيقة الألوان، أقيس منسوب الضوء. ألقي نظرة على عناوين الجريدة لا رغبة منّي في القراءة، ولكنّه طقس قديم يرافق قهوة الصباح.

يقع هذا المقهى على مشارف قرية ساحلية سحرية وسياحية لم تشارك في إسقاط الدكتاتور لأنّها لم تكن يوما معنيّة به ولا بنظامه. فقد أهملها ذلك الحاكم الفاسد وأقصاها من برامجه التنموية كما لو كانت تابعة لإيطاليا التي لا تفصلها عنها سوى رفرفات فراشة هشّة. وقد بادلت هذه المدينة الدكتاتور تجاهلا بتجاهل، فلم يكن أهلها يتحمّسون للانخراط في حزبه ولا للترشّح لمناصبه. كانت قرية متعفّفة في كبرياء، قانعة بما حبتها به الطبيعة من منتوج سمكي ومزارع ومواشي وبحر وصناعات تقليدية وسياحة بيئية. كانت مكتفية بذاتها ومستقلّة تربّى أهلها على عدم مطالبة الحاكم بشيء.
لمّا عمّت الفوضى بعد 14 جانفي، غزاها أناس لا تعرفهم لينتصبوا على كرنيشها بأكشاك تبيع السندويتشات المتعفّنة وعبابيد الذرة المشوية والمثلّجات والجلابيب واللّوز والحمّص والماء ومستلزمات السباحة، وبعضهم يفرضون أنفسهم حرّاسا لمواقف السيارات فارضين إتاوات على كلّ من يرتاد شارع الكرنيش.
فقدت القرية الساحلية السحرية والسياحية الكثير من بهائها الذي تستمدّه من هدوءها ونظافتها وبساطتها. وكان أهلها يتألّمون في صمت لما حلّ بقريتهم ويلعنون الثورة والثوّار. ولكنّهم كانوا مغلوبين على أمرهم أمام قوّة ذلك الزّحف، لا يرون أفقا واضحا يخلّص قريتهم ممّا حلّ بها.
لم يكن أحد يتصوّر ما حصل عشيّة ذلك الأحد من بداية الصّيف. فمن كان يصدّق أنّ الطبيعة بإمكانها أن تحمي نفسها بنفسها عندما يعجز البشر عن ذلك؟
كانت الحركة كالمعتاد على رصيف الكرنيش الذي غصّ بالأكشاك والباعة الفوضويين حتى نزل المشاة إلى الطريق وصاروا يزاحمون السيارات معرّضين أنفسهم وأطفالهم للخطر. سمع الناس ما يشبه الرّعد قادما من جهة البحر ورأوا الأمواج ترتفع إلى مستويات غير معهودة وتهرول باتجاه الكرنيش. وبالكاد وجد غزاة الكرنيش الوقت كي يفرّوا بجلودهم، تاركين وراءهم أكشاكهم وبضاعتهم.
كانت نصف ساعة كافية لتكنس الأمواج الزّاحفة كلّ مظاهر ما بعد 14 جانفي ويبلع البحر الغاضب فقاقيع الكرنيش بما تحويه من بضائع، بل ويجتثّ الرصيف نفسه ويخلّف مكانه أخاديد غائرة في الأرض، كأنّما ليضمن عدم عودة الغزاة.
لم يحزن أهل القرية الساحلية الساحرة على ما حلّ بكرنيشهم فقد هرعوا فوق سطوح المنازل يرقبون في ابتهاج ما أتاه البحر وما عجزوا هم عنه. ولكنّ ما أحزنهم هو مشهد مجنون القرية المهتاج وهو يقدّم نفسه قربانا للبحر ويصيح "هاهاها، فسّخ وعاود من جديد"