mercredi 31 août 2016

مناورة


فشلت كل مساعي الوساطة في إقناع أحد الطرفين بتغيير رأيه. وأمام رجال الحومة، ضرب سلومة كفّا بكف في ما فهم منه الحاضرون تسليما بفشله وقال" "يا عباد اللّه، ليست الحلول والمقترحات المعقولة هي التي تنقصنا، ولكنّه العناد والمكابرة لمّا يتمكنّان بالبشر. وإلاّ، كيف يصرّ كلاهما على نفس التاريخ والمكان مع أنّ في ذلك مضرّة للجميع؟!"
استرسل سلومة شارحا الوضع: "يقول الحاج عبد العزيز أنّه لا يستطيع تغيير مكان العرس ولا تاريخ السهرة، لأنّه وزّع الدعوات بتاريخ ليلة الأحد وفي بطحاء الحومة. بينما يصرّ مختار الوريمي أنّه لا يقبل بإقامة السهرة في مكان بعيد عن بيته وذويه. وأنتم تعلمون يا عباد اللّه أنّ القلوب لو صفيت لتوصّلنا إلى حل يرضي الجميع."
كان سلومة، بكلامه عن عدم صفاء القلوب، يلمّح إلى ما يعرفه الكلّ عن العداوة بين عزّوز والمخ. عداوة نشأت بعد الثورة وأنهت عشرة سنوات طويلة جمعتهما في اليابسة والبحر... كان السمك قد شحّ منذ ما قبل الثورة في خليج حلق الوادي-المرسى بفعل أحواض تربية الأسماك البحرية التي أقامها أصهار الرئيس، ولم يكن لهما مراكب تقوى على الصيد في المياه العالية. وما إن انفجرت الثورة حتّى قرّر الصديقان العمل في مجال "الحرقة إلى برّ الطليان". أغراهما المكسب الوفير على الاستمرار في المخاطرة إلى أن حصل ما كانا يخشيانه. حادثة غرق وموتى وبعض ناجين وأحكام بالسجن.
سنتان من السجن كانتا كافيتين ليغادره عزّوز والمخ كما لو أنّهما لم يعرفا بعضا أبدا. ففيما انقلب عزّوز إلى سلفي جهادي، ظلّ المخ على حاله. هكذا انتهت عشرة العمر الطويلة... أطلق عزّوز لحية دون شاربين وصار يرتدي القميص الطويل والسروال القصير وقبّعة سوداء تتخلّلها ثقوب، وفتح دكّانا في نهج بومنديل بمساعدة الإخوة وحجّ إلى بيت الله الحرام وغيّر اسمه إلى الحاج عبد العزيز. أمّا المخ فظلّ وفيّا لعادته في السّهر على صخور الشاطئ رفقة أولاد الحومة، يشرب الخمر ويدخّن الزّطلة ويبيعهما لمرتادي الشاطئ. وكان يؤكّد لجلاّسه أنّ ما يفعله عبد العزيز ليس سوى سينما خادعة للحصول على المال، وأنّه أدرى النّاس به ...
كان سلومة يشرح الموقف للجماعة في رأس النهج، لمّا وصلت شاحنة على متنها قماشة الخيمة العملاقة وأعمدتها الحديدية والكراسي ومستلزمات الإضاءة. اعترض سبيلها المخ مانعا السائق ومرافقه من إفراغ حمولتها. وكادت تشتعل بين الرّجلين لمّأ وصل الحاج عبد العزيز مهرولا ملوّحا بسيف. احتلّ أنصار المخ جانبا من البطحاء ووضعوا فيه أخشابا وكراسي وطاولات أخرجوها على عجل من المنزل. تأخّر المخ إلى الوراء قليلا وهو يشمّر على أكمام قميصه متعمّدا إظهار أوشام ذراعيه التي تشي بفتوّة وجبروت آفلين، وخاطب الجميع: "بإمكان الحاج عبد العزيز أن ينصب خيمته في الفضاء المتبفّي شرط أن لا يغلق الطريق على المدعوّين إلى فرحي".
واصل سلومة شرح الموقف للحاضرين على مسمع من الخصمين كأنّما ليخلي نفسه من أيّة مسؤولية: "وصلنا إلى حدّ اقتراح سهرة مشتركة تحت خيمة واحدة وبفرقة واحدة ومنصّتين منفصلتين. قلنا، هي فرصة لتنقية القلوب وصفاء السرائر. لكن لا فائدة..." والحقيقة أنّ سلومة امتنع عن إعلام الحاضرين بقبول الطرفين للحل في البداية غير أنّهما تراجعا فيما بعد لأنّ والدتي العروسين تخشيان المقارنة بين العروستين وجمالهما وفستانيهما ومكياجيهما. فعل سلومة ذلك تجنّبا لإحراج الرّجلين. وظلّ يرمقهما صامتا قبل أن يستأنف الكلام: "شوفوا يا رجال، وليكن الجميع شاهدا على ما أقول. لم يبق لي من حلّ إلاّ تقسيم السهرة إلى جزئين، تجنّبا لتداخل مضخّمات الصوت وتمكينا للمدعوّين من حضور الحفلين. تكون السهرة الأولى ما بين الثامنة والعاشرة ليلا، وتعقبها سهرة ثانية إلى حدود منتصف الليل".
صاح المخ "طيّب شرط أن تكون سهرتي أنا في الجزء الأوّل" ابتسم الحاج عبد العزيز ساخرا في سرّه من تهافت خصمه، وردّ "طيّب، رضيت بذلك"
استغرب الجميع موقف المخ الذي بدا لهم غير وجيه، حتّى أنّ ابنه العريس قد احتجّ على ذلك. ولكنّه نهره وأقفل باب النقاش.
انتصبت خيمة الحاج عبد العزيز في مدخل البطحاء سادّة الطريق على الفضاء الذي احتلّه أنصار المخ، ولم تترك لمدعوّيه غير ممشى لا يتجاوز عرضه المتر، سرعان ما علّق عليه المخ ساخرا في حنق "مرحبا بيكم في نهج عنّقني". كان واضحا أنّ الحاج عبد العزيز قد فرض كلمته وفعل ما يريد. أمّا مختار الوريمي فقد زمّ شفتيه واكتفى بالقول "طيّب، سنرى..." متظاهرا بقبول التقسيم مكانا وزمانا.
لمّا فرغ فتوّات المخّ من نصب المنصّة وإعداد الفضاء، اجتمع بهم ليشرح لهم الخطّة مؤكّدا على عدم المبادرة بالعدوان وعلى ضرورة الرّد الحازم في حالة مخالفة الحاج عبد العزيز للاتفاق، واعدا الجميع بأنهار من الجعة الممتازة. وأكّد على مسامع الجميع وهو يعلم أنّ من بينهم مندسّين زرعهم الحاج عبد العزيز: "لن نقبل أي اعتداء على حقّنا. وليكن في العلم أنّ منع المدعوّين من الوصول إلينا أو تحويل وجهتهم إلى الخيمة الأخرى يعدّ في نظرنا عدوانا يستوجب الرّدّ الحازم. ولن نتردّد في ذلك."
قهقه الحاج عبد العزيز لمّا أخبره أعوانه بكلام مختار الوريمي واكتفى بالقول "إذا كان يعتقد أنّه سيرهبني بفتوّاته، فإنّ معي كتيبة من الإخوة شباب حماية الثورة. وسنرى"
لمّا بلغت الساعة العاشرة ليلا أشار المخ إلى الفرقة بالاستمرار وإلى فتيانه باليقظة، وخرج يفاوض الحاج عبد العزيز للحصول على تمديد بساعة. قال له باختصار وصرامة: "يا حاج، فرحنا هو فرحكم، وفرحكم هو فرحنا. ليل الصيف معاش كلّه، ولا فرق بين أن تبدؤوا سهرتكم في العاشرة أو الحادية عشرة". قبل الحاج عبد العزيز بالأمر الواقع صاغرا، وقد صدمته رائحة الخمرة المنبعثة من خصمه. ولكن، ما لم يحسب له الحاج عبد العزيز حسابا هو أنّ مصدر الكهرباء يقع في آخر البطحاء ناحية بيت مختار الوريمي...
في الحادية عشر ليلا، انطفأت الأضواء جميعها دفعة واحدة، فغرقت خيمة الحاج عبد العزيز في الظلام، وغرق المخ وفتيته في الضحك.
سحب المخ نفسا طويلا من الجونتة التي مرّرها له أحد الفتية وقال وهو ينفث دخانها بتؤدة ومتعة: "لا تنفع مع هذه الرهوط التي لا عهد لها ولا ميثاق إلاّ المناورة. ياخي صدّقتوا اللي هذاكا سلفي بالرّسمي، لو كان بالحق راهو لا عمل لا سهرة لا تصديرة في منصّة. ها الراطسة هاذي ما يحبّوا كان الظلام، يعرّسوا فيه ويعيشوا فيه ويموتوا فيه..."

mercredi 24 août 2016

المعشعش

أمام استحالة إقناع والده صاحب المصنع، بفرز الورق قبل الإلقاء به في فوهة تلك الطاحونة العملاقة التي تعجنه لتعيد إخراجه ورقا صالحا للف البضائع، طلب كمال الإشراف على وردية اللّيل حتى يمكنه انتقاء بعض الحزم وفرزها حسب تقديره لأهميّة مصدر الورق. كانت فكرة تأسيس المصنع قد نبتت في ذهن والده صاحب الحس الاستثماري المتطوّر منذ بدأت شركة استغلال المنجم في تصفية نشاطها بقرى الجهة. حدس والده أنّ إدارات عديدة بقاؤها مرتبط بوجود الشركة المنجمية ستتوقّف عن النشاط وتتخلّص بدورها من أوراقها. فإذا أضفنا إلى ذلك الفواضل الورقية للمدارس والمعاهد والمستشفى والصيدليات ومحطّة القطار ومكتب البريد وقصر البلدية وغيرها من المؤسّسات فإنّ المادّة الأوّلية لاشتغال المصنع وضمان ربحيّة النشاط مؤمّنة لفترة لا تقل عن خمس سنوات.
لا يعود الحس الوثائقي لدى الابن كمال إلى مجرّد كونه خرّيج معهد الأرشيف بجامعة منّوبة، وإنّما أيضا إلى اندهاشه الطفولي بتلك الحروف مختلفة الألوان والأحجام والأوضاع التي يشاهدها على ظهر ورق لفّ اللحم والسكّر.. كان كلّما أمسك بقطعة من ذلك الورق الأشخم السميك وتأمّل الحروف المتناثرة في فوضى على مساحته، يسرح به خياله إلى مصدر كل حرف، وكيف تمزّقت الكلمات الأصلية أشلاءا لتختلط بكلمات أخرى، بعضها قادم من الجرائد أفكارا صحفية تافهة أو مهمّة وبعضها تقارير إدارية أو فواتير وبعضها الآخر صفحات من كراريس مدرسية أو كتب أدبية. فيبدو له خليط تلك الحروف أشبه ما يكون بتلك المرطّبات المصنوعة من فواضل المرطبات والتي يسمّونها "معشعش". هكذا اقترح على والده وأقنعه بأن يسمّي منتوج المصنع بورق المعشعش بدل تسمية "كاغط البوراج" التي كانت تطلق على تلك النوعية من الورق.
وفيما عدا الدفتر المدرسي للسيّد ع. ز. ابن القرية الذي صار وزيرا متنفّذا، فإنّه لم يعثر على وثائق ذات بال. لكنّ خيباته لم تفتّ من عزمه. فقد كان كالباحث عن الذهب في مجرى النهر، يلقي بغرباله ويرفعه متفحّصا ما يعلق به حصاة حصاة، ويكرّر العملية دون كلل أو ملل.
ليلتها، أعلمه والده بوجود أكياس جاءت بها شاحنة النظافة البلدية من محطّة القطارات التي تقرّر هدمها بعد توقّف الخط الحديدي نهائيا منذ سنوات.
وككلّ مرّة يتلقّى فيها المصنع تحويلا من هذا الحجم، دقّ قلبه للخبر وحدّثه بأنّ كنزا قد يكون مخبّأ في تلك الأكياس. ودون أن يحمله الحماس بعيدا نظرا لتعوّده بالخيبات، قرّر القيام بفرز سريع عسى أن...
فتح الصندوق الأوّل فوقع منذ الوهلة الأولى على:
  1. وصولات لشحن الخضر والغلال من القرية إلى مدن الوسط الغربي وبيان بكمياتها وأنواعها. وصولات تعود إلى الخمسينات القرن الماضي عرف من خلالها أنّ قريته الجدباء كانت في السابق "مصدّرا" للخضر والغلال
  2. وصولات استلام شحنات من الإسمنت والآجر
  3. أوقات السفرات ووجهاتها
  4. إحصاءات بالتذاكر المباعة وبالمداخيل اليومية للمحطّة عن نقل المسافرين ونقل البضائع
  5. تقارير أسبوعية عن تأخيرات القطارات ومددها وأسبابها
  6. تقرير عن أشغال صيانة الخط الغربي الرابط بين الجنوب الغربي وجبال صراورتان مرورا بالقصرين
  7. تقرير عن حادثة قطع للطريق وسلب للبضائع قام بها الثوّار الجزائريون
  8. صور للقطار ولفرق العمل مع تحديد لتاريخ التقاطها وذكر لأسماء الأشخاص على ظهر الصور
  9. صور للمحطّة وللمسافرين مع تعليقات عنصرية حرّرها رئيس المحطّة الفرنسي
  10. مراسلة تطلب رفع عربة معطّبة "تحوّلت إلى وكر للسكّيرين والشواذ" حسب عبارة محرّر الرّسالة
  11. تقارير عن مخالفات متنوعة مرتكبة على خط توزر صفاقس (عدم خلاص تذاكر، عنف، سفر في حالة سكر، نقل بضائع غير مرخّص فيها، حالات ضياع أمتعة وأطفال)
  12. تقرير عن حادث دهس القطار لقطيع إبل نتج عنه وفاة راكب، مع تحديد لاسم مالك القطيع وقبيلته


كان كمال كلّما فتح ملفا إلاّ وغرق فيه ساعة أو أكثر متخيّلا الحياة في تلك المحطّة التي ستمحوها الجرّافات غدا وتسوّيها بالأرض، فيكاد قلبه ينفطر لوعة وجزعا. وكان يتألّم كلّما عثر على وثيقة محتها الرّطوبة وأتلفتها، حتّى أدركه الصباح. كانت المحطّة قد استيقظت في ذهنه من رماد تلك الأوراق واستوت نابضة بالحياة في جلبتها ونشاطها وعرباتها وقاطراتها المصفّرة ووجوه موظّفيها بأزيائهم المهنية ومسافريها الذين كان يراهم في جلابيبهم وبرانيسهم الصوفية... قرّر أن يتوجّه رأسا إلى مكتب رئيس البلدية ويحدّثه في الأمر عساه يقنعه بالتراجع عن عملية الهدم وتحويل المحطّة إلى متحف. ركن الأكياس في زاوية بالمكتب وغادره قاصدا قصر البلدية دون أن ينتظر وصول والده .
عند الضحى، عاد إلى المصنع مستبشرا تعلو محيّاه ابتسامة المنتصر وهو يتخيّل كيف سيأتي باحثون في التاريخ المحلّي ليستنطقوا تلك الوثائق ويؤلّفوا منها كتبا ثمينة. لمّا دخل المكتب، كان الزّاوية خاوية وكانت طاحونة الورق قد عجنت أوراق المحطة لتخرج لفائف من المعشعش المزركش بالحروف

mardi 23 août 2016

تأبين


كان اهتمامه في السنوات الأولى التي تلت قدومه إلى العاصمة منصرفا إلى الاقتراب من المشاهير والتقاط الصّور معهم. ولم يكن ذلك بالأمر السّهل لذلك الطّالب الفتيّ القادم من الجنوب. فقد كان عليه أن يتحمّل الاحتقار والإذلال والصدّ وتعنيف الحرّاس الشخصيين والشرطة. كان يتدبّر أمره للفوز ببطاقة دعوى إلى مهرجان ويتردّد طيلة أسبوع على حديقة الرياضة أ كي يحصل على بطاقة دخول لمباراة فريقه المفضّل في نهاية الأسبوع. سعادته، كل سعادته هي في الفوز بصورة فوتوغرافية إلى جانب الطّاهر الشايبي أو أحمد حمزة. يحتفظ بكل صوره الثمينة في ألبوم خاص لا يفارقه في تنقلاته بين العاصمة وقريته بالجنوب التونسي. وحتّى يصدّق النّاس ما يرويه لهم من تفاصيل دقيقة عن حياة المشاهير كان عليه أن يقرأ كل الحوارات التي يتحدّثون فيها عن أكلتهم المفضّلة أو عن حكمتهم في الحياة. فينسج منها وقائع خيالية يحشر فيها نفسه ويرويها على أبناء قريته في المقهى أو على أفراد العائلة وهو يقلّب صفحات الألبوم. كأن يقول "ذات مرّة، كنت أتناول صحنا من الأرز الجربي مع "مجدة" عند بنت الباي..." فيقاطعه أحدهم "من يكون مجدة هذا؟" فيبتسم محرّكا رأسه كالمشفق على السائل ويواصل: "أقصد صديقي عبد المجيد بن مراد، لاعب الترجي، نحن أصدقاء رغم علمه بحبّي للإفريقي"...
بعد محاولات متعدّدة في مراسلة الصحف لنشر مقالات قصيرة عن مقابلات رياضية أو سهرات موسيقية، نجح في رؤية اسمه على صفحة جريدة حديثة التأسيس، بل وتلقّى منها عرضا للكتابة فيها كمتعاون بمقابل، وهو ما لم يكن يحلم به أبدا... والحقيقة أنّ أسلوبه في الكتابة كان أجود من كثير من الصحافيين المعروفين. فرح بالعرض لأنّه سيمنحه تلك البطاقة التي ستفتح له الأبواب كلّما استظهر بها أكثر من فرحه بالمقابل المادّي رغم حاجته الماسّة إلى لمال. كبرت أحلامه وصار يطمح إلى مرافقة الفرق الرياضية والفنّية في رحلاتها الخارجية لتغطية أنشطتها وإنجازاتها. لكنّه ما لبث أن اكتشف زيف أحلامه، لأنّ اقترابه أكثر من النجوم وإن كان قد سمح له بالتقاط المزيد من الصور معهم وهو ما حوّله إلى نجم محترم في قريته حيث صار يجالس المسؤولين المحليين ويجلس في الصفوف الأمامية في المناسبات العامة، إلاّ أنّه اكتشف أنانية وتكبّر أغلب النجوم.
انصرمت السنوات وهو يساير الوضع بانتظار فرص أفضل حتى صحا على فصله من الدراسة الجامعية نتيجة رسوبه المتكرّر وبلوغه سن الأربعين.
والحقيقة أنّه لم يخطّط أبدا للتخصّص في تأبين الأموات من المشاهير. لكنّ نجاح ما كتبه عن انتحار أديب معروف من جيله جعله يعيد التجربة ثانية وثالثة حتى تحوّل إلى مختص. كانت وصفة النجاح بسيطة، وبذرة التخصّص موجودة فيه من زمان بعيد. فطالما أنّ الشخص الذي سيكتب عنه ميّت، يمكنه أن يكتب عنه ما يريد دون أن يستطيع أحد تكذيبه. تأتي أغلب مقالاته على شاكلة "عرفت صديقي يوسف شاهين في حفل عشاء أقامه في بيته على شرف ضيوف مهرجان القاهرة السينمائي" أو "التقيت عبد الوهاب البياتي أوّل مرّة سنة 1976 في مهرجان المربد الشعري ببغداد، الذي تحوّل إلى موعد سنوي نضربه كي نلتقي على ضفاف دجلة والفرات في مطاعم شارع الرشيد" أو "لم أكن أعرف أنّ ذلك الرجل البدين الأسمر الضاحك الجالس في مكتب صديقي أنطوان خوري رئيس تحرير جريدة السفير البيروتية بالطابق الثامن من تلك البناية المشرفة على شاطئ الرّوشة، هو لطفي الخولي... لم نخرج من مكتب أنطوان إلاّ ونحن واضعين يدينا على كتفي بعض كما لو كنّا صديقين من سنوات طويلة"... هكذا يتحوّل المقال من حديث عن الفقيد إلى حديث عن الذات. فهو دائما محور المقال. أمّا المتوفّى فمجرّد ذريعة للحكي وتمجيد الذات وإبراز بطولاتها، مع التورية على ذلك بذكر مناقب الفقيد والأسف على الزمن الجميل. ولا ينسى طبعا تحلية المقال بصورة له مع المتوفّى.
عندما تأسّست الإذاعة الثقافية، قدّم مشروع برنامج إلى مديرها عنوانه "غادرونا هذا الأسبوع" شرح فيه فكرة البرنامج ومحاوره. وحرص على أن يوسّع دائرة المشمولين بالبرنامج لأنّه لا يضمن أن يموت كلّ أسبوع مثقّف، فجعل البرنامج مفتوحا على الصحفيين والرياضيين والسياسيين والنقابيين من التونسيين أوّلا ولكن لم لا العرب؟ وهكذا صار يتصيّد أخبار الوفيات في كلّ المصادر ويفرح للوفيات المهمّة ويحنق على كسل عزرائيل في بعض الأسابيع....

هذه بطاقة تأبينية لأحد معارفي اختص في تأبين الموتى، أردته أن يقرأها قبل وفاته حتى يعرف ما سيقال عنه بعد موته، وحتى لا يعاتبني أحد بعد وفاته بالقول "اذكروا موتاكم بخير"، أو ربّما متّ قبله فتضيع منّي فرصة تأبينه...

dimanche 7 août 2016

حلّوا عن سمايا

أمّا وقد فعلتها ومتّ في غيابي فإنّني لا أطلب منك معجزة... لتغفر لي أوّلا هذه المجاهرة بحميمياتنا أمام الفايسبوكيين، فقد أجبرتني عليها بموتك الفجائي والحال أنّنا تواعدنا قبله بأسبوع على اللقاء صيفا. طلبي بسيط... فقط، لو كان بإمكانك أن تقطع نومتك الأبدية لتحضر معي هذا الصّباح الطريّ بالجريد في ذلك الركن المحبّب لنا. مرّ أكثر من عام على زيارتي له للأسباب التي تعرف. قد تكون جئت إلى هنا في غيابي لختام سكرة مجنونة تكون قد بدأت في الرديّف لتتواصل في أم العرائس ومنها مباشرة إلى هنا في توزر. أتوقّع ذلك منك، فهو من الطقوس المألوفة لديك . لكنّك على أيّة حال، لم تحدّثني عن تغييرات أدخلت على المحل. لم يكن ذلك سيفوتك لو أنّك أدركت التغييرات. كنت ستصرف فيه بطاقة شحن هانقي بعشرين دينارا. 
يا صديقي بلقاسم، المكان غدا شيئا آخر، تماما كما حلمنا به ذات يوم لمّا دخل فريق تصوير سينمائي فتمنّيت أنا لو أنّ توزر وفّرت لأولئك الفنّانين ظروفا أفضل للعمل. لكنّك تحفّظت قائلا أنّ تلك هي حقيقة اليلاد والعباد. مرحبا بالجزائريين والهولنديين وضيوف مهرحان الشعر بتوزر كما هي بصعاليكها ومهمّشيها وفقرائها وقحابها. شعراؤها وفقهاؤها لا يساوون شيئا لوحدهم. ولكنّك كنت غيّرت رأيك لمّا دخل صبي العاشرة الذي يبيع الشاي، وبكينا سويّا على أطفال تونس. 
المكان غدا شيئا آخر تماما. إنارة مدروسة وموزّعة بحكمة مهندس متخصّص. أضواء هادئة ومتنوّعة. موسيقى شرقية تنبعث من لست أدري أين. وتضوع في الفضاء فتغلّف المكان بسحر الشرق الآسر. نوادل محترفون سمر من أبناء البلد أخذوا مكان تلكم الغواني المجلوبات من مدن الشمال الغربي واللواتي لا يتقنّن شيئا سوى تعرية أجسادهنّ المتهدّلة. أسعار المحل ارتفعت بشكل يسمح بغربلة الحرفاء واستبعاد المتطفّلين. البوّاب، ذات البوّاب القديم يبدو كما لو أنّه تلقّى دورة تدريبية في قواعد الحراسة والاستقبال، فصار أكثر كياسة وتهذيبا. ليس لي سواك أحدّثه عن سعادتي بهذا التغيير دون أن يرميني بتهم التبرجز والانسلاخ الطبقي والاجتماعي. اليوم قرأت جميع مجلاّتي التي اشتريتها من ذلك الكشك المحاذي للولاية دون إزعاج من أحد. أخبار الأدب، نزوى، لوموند ديبلوماتيك، الفكرية، أكاديميا، وبعض الصحف اليومية. الاختيارات الموسيقية نفسها تساعد على القراءة. لا دبكة لبنانية ولا مواويل معلّبة من جبل لبنان. 
أمّا وقد نفّذت تهديدك بالرحيل، فعليك أن ترتّب شؤون موتك بما يسمح لك بزيارتنا مرّة كلّ سنتين. تدبر امرك يا اخي. فهذا شانك مع موتك وانت ادرى به. زيارة لا تتعدّى يوما يكون برنامجها دسما لا مكان فيه سوى لهدر الوقت وتبذيره في تعميق المشاعر كما تعوّدنا كلّما التقينا. زيارة تنطلق فجرا بنهوضك من قبرك في جبّانة أم العرائس حيث أكون في استقبالك. تخرج عليّ محمّلا بما تحبّ وتحفظ من موسيقى الهادي قلّة وقصائد درويش وآتيك بما تيسّر من الجعة المثلّجة والمكسّرات. سنمشي لا شك في القرية النائمة نتفقّدها بعيدا عن أهلها. أعرف أعرف براعتك في التعرّف على النّاس من خلال أثارهم... في السابعة صباحا سنتوجّه إلى محل مصطفي الهرايسي لنتغذّى بمرق الحمّص المشبّع بتوابل الشرق وهناك نلتقي الكادحين ونسمعهم في صمت لنحفظ ما يقولون وبعد ذلك نستحضر على طاولة البار كلامهم ونغتابهم في حبّ. 
سينفلت الوقت منّا كما نتفلت حبّات الرمل بين الأصابع وسنهرب إلى توزر. سنزور تلك اللافتة التي غرستها بجانب تلك البئر المهجورة بجانب واحة "مراح الحوار"... هل تذكر تلك اللافتة التي وجدتها في صندوق سيارتي الخلفي من بقايا مظاهرة نسوية بالعاصمة مساندة للمساواة في الإرث بين الجنسين. قلت لي وأنت بصدد غرسها بجدّية في رمل الصحراء "قد تبدو لافتة بهذا المضمون سريالية في هذا المكان. لكنّ المساواة في الإرث مطروحة هنا أيضا لأنّ الرجال يسطون على نصيب النساء من مواريثهم في غابات النخيل"... سنشرب ونحن ندلّي سيقاننا في البئر تحت ظل الصفصافة... ثم ننطلق إلى بار الأمير الصغير لأريك توضيبه الجديد. وهناك سنتوغّل في الجزء الأخير من زيارتك كتوغّلنا في الهزيع الأخير من اللّيل. لن انغص عليك نشوتك بطلب الاوبة الى المنزل لما تكون المتعة في اوجها. سيعفيني قبرك من هذه العادة البائسة التي كم عكّرت صفو جلساتنا. سيكون قبرك في أم العرائس فاغرا فاه في انتظار عودتك متباهيا على القبور الأخرى باحتضانك. ستكون صحراء الجنوب مغلّفة برداء الفجر المخملي. وسأحترم رغبتك في عدم مرافقتي لك إلى غاية قبرك. سأصحبك إلى مشارف وادي القويفلة ومنها ستحلّق باتجاه الشمال فوق جبال الثالجة، مردّدا قولتك عند ختام كلّ سكرة "حلّوا عن سمايا"....