dimanche 29 mai 2016

20 شارع باريس

20 شارع باريس، تونس... قد يبدو في الظاهر مجرّد عنوان بريدي، لكنّه في الحقيقة عنوان جنّة تأوي حياة داخل قصر بديع مزدحم بالرموز والمعاني. متى بني هذا القصر؟ وماذا كان عند افتتاحه ؟ أسئلة لا أعرف لها جوابا ولكنّني أسوقها آملا في جواب ضمن تفاعلاتكم.

انطلقت علاقتي مع هذه البناية في أفريل 1984، ثلاثة أشهر بعد انتفاضة الخبز. كنت لا أزال طالبا بمعهد الصحافة في سنتي الثالثة وكنت أترصّد عرض شغل يناسب شهادة المرحلة الأولى للدراسات الجامعية التي كنت تحصّلت عليها في السنة السابقة. وأنا في الحافلة رقم 8 التي تربط مونفلوري بوسط العاصمة، سمعت أستاذي المرحوم عبد الحميد العجمي يحدّث جمعا من الطلبة المتحلّقين حوله عن حاجة المعهد العالي للموسيقى حديث النشأة إلى مكتبي، فما كان منّي إلاّ أن نزلت من الحافلة لأتوجّه رأسا إلى 20 شارع باريس حيث قابلت الكاتب العام سي محمّد الصالح الرصّاع صاحب دار سحر للنّشر حاليا، وقدّمت مطلبا للتشغيل بصفة مكتبي مساعد دعّمته بنسخة من شهادتي. تأمّلني سي محمّد الصّالح ويبدو أنّه أشفق لحالي من خلال بؤس مظهري، فهاتف سي المنصف بن عمارة مسؤول الموارد البشرية بوزارة الثقافة ليعلمه بأنّه عثر على الموظّف المناسب للخطّة، وأضاف بلغة فرنسية أنيقة c'est un jeune nécessiteux et brave. On l'engage et il complètera son dossier plus tard

كنت قد شرحت له أنّ مقرّ بلدية قريتنا تعرّض للحرق أيّام الانتفاضة ولم يكن ممكنا استخراج وثائق الحالة المدنية الضرورية للملف، فقبلوني.

بابان حديديان ضخمان يتوسّطان سورا رخاميا عريضا في نصفه الأسفل ومزركشا بنقوش حديدية في نصفه الأعلى. من الوهلة الأولى، يسيطر عليك المبنى بهيبة معماره الذي يحيل إلى قصور البايات الحسينيين. يفتح البابان على حديقة صغيرة ولكنّها ساحرة بتلك النخلة السامقة التي تلولبت على جذعها شجرة متسلّقة فكستها وتداخلت معها حتّى التحمتا فاختلطت على الأرجح جيناتهما وتحوّلتا إلى شجرة فريدة. في الزاوية اليمنى يوجد حوض ماء منقوش في الرّخام على طراز أحواض الحمّامات الرومانية يسند محلاّ يفتح على الشارع حوّلوه إلى كشك لبيع الصحف والتبغ. تحلّي واجهة المبنى جدارية فسيفسائية صامدة رغم التجاهل والإهمال، بل قل صامدة بفضل التجاهل والنسيان. يحتل القصر، المكوّن من دور أرضي وطابقين، الجانب الأيسر من المساحة فيما يستخدم الشق الأيمن كموقف للسيارات الإدارية وحديقة تتوسّطها نخلة تأوي تحتها تمثالا نصفيا لرأس الزعيم بورقيبة. والفضل كل الفضل لتلك النخلة في بقاء التمثال قائما طوال سنوات حكم بن علي لأنّها كانت تحجبه وتصرف الأنظار عنه .


لو كان للكرة الأرضية باب، لا يمكن أن يكون أفخم وأئمن من باب الكونسرفتوار. باب خشبي صقيل أخضر كبّاري وأملس تحلّيه خوخة ورزّتان معدنيتان. تنفتح دفّتاه التي تزن الواحدة منهما مئات الكيلوغرامات بيسر يثير العجب. تدفعها برفق فتتحرّك بسلاسة دون صرير. تدلف في بطن البناية فيستقبلك بهو من الرّخام والخشب بهواء نديّ منعش. يفضي البهو إلى قاعة فسيحة تفتح على قاعتين أخريين بذات المساحة. أسقف القاعات الثلاث عالية جدّا وجدرانها مغلّفة بالمرايا، فيما يحيط بها حزام خشبي على ارتفاع أقل من متر. في زاوية كل قاعة بيانو ضخم. بعض مقاصر لتغيير الملابس وبيوت راحة وأدواش في فناء القاعة الدّاخلية. تلك هي قاعات الرّقص الكلاسيكي والشعبي. على يسار البهو يوجد مخزن أزياء الرّاقصين والرّاقصات وورشة للحياكة والرّتق والكي. وإلى جانبها مكتب مدير الفرقة الوطنية للفنون الشعبية. أمّا على يمين البهو فينتصب مصعد كهربائي معطّب في شكل قفص حديدي أسود يرى من وراءه صندوق المصعد معلّقا في حبال معدنية. وعلى المصعد يلتفّ كثعبان درج يؤدّي إلى الطابقين تكسوه مربّعات زرقاء خزامية لمّاعة من الجليز الأندلسي. وأنت تصعد الدرج بعنق مشرئبّة تستعجل اكتشاف الآتي، تستقبلك رائحة البنّ محمولة على هسهسة كلارينات أو نقرات بيانو. في بهو الطّابق الأوّل، يسود صمت رهيب أقرب إلى مناخ الأديرة، فتستردّ أنفاسك وأنت تقرأ صفيحة مثبّتة على أحد الأبواب مكتوب عليها "الأوركستر السمفوني التونسي"... تخيّر مواصلة الصعود على إزعاج سكّان المعبد.

لا تصل الطّابق الثاني إلاّ وقد استرحت أكثر من مرّة...

هناك يقع المعهد العالي للموسيقى الفتي بدفعتيه الأولى والثانية من الطلبة: زهير قوجة، ونّاس خليجان، كمال الفرجاني، لسعد قريعة، مراد سيالة، لسعد الزواري، نجوى بن عرفة، شفيق الحكيمي، عادل حمدي، مراد الصكلي، سميحة بن سعيد، سليم البكّوش، حافظ اللجمي، وغيرهم... بضع قاعات قليلة ولكن على الأخص قاعة أحمد الوافي وقاعة المكتبة، حيث باشرت العمل. في بهو المكتبة، توجد لوحة زيتية عملاقة وقّعها رسّام فرنسي من زمن الاستعمار تصوّر متسوّلا شابا أعمى مقرفصا في برنس أخضر بال يمدّ يده للمارّة. وزاد من بؤس موضوع اللّوحة بؤس اللّوحة ذاتها بتركها مهملة في تلك السقيفة المظلمة فتعرّضت إلى ركلة مزّقت قماشتها وبدت كجرح دام عمّق موضوع اللّوحة... لست أذكر من الذي أخبرني أنّ المكتب الذي أشغله كان في نهاية الستينات مكتب محمّد مزالي لمّا كانت البناية تأوي كتابة الدولة للرياضة، وبعدها تحوّلت إلى كتابة الدولة للصحّة. على جدران القاعة حفرت خزائن مغلّفة بخشب الأبنوس النبيل، تحفظ فيها كتب ونوطات موسيقية تحمل أختام إدارة الاستعمار الفرنسي. وأنا أكشّف الكتب وأفهرسها، تعرّفت على كلود ديبوسي، وفاقنار وفيفالدي وسيبستيان باخ وموتسارت (كما يحلو لدرويش أن ينطقها) وبيتهوفن وغيرهم. كتب عن سير حياتهم واسطوانات...

أمّا قاعة أحمد الوافي، فكانت تحفة فنّية رائعة بسقفها المزركش بنمنمات النقش حديدة، وجدرانها المغلّفة بقماش عازل للصّوت ومانع لارتداد الصّدى وأرضيّتها الخشبية. قيّض لتلك القاعة التي تعبق فيها رائحة القداسة الفنّية المطهّرة للرّوح أن تحتضن على مدى سنة كاملة الحفل الشهري لفرقة الرشيدية، بسبب أشغال الصيانة في المسرح البلدي الذي كان يحتضن الحفل عادة. سمح للعازفين والمنشدين والمنشدات أن يتّخذوا من قاعة المكتبة غرفة لتغيير ملابسهم. وكان عليّ أن أتواجد هناك لحراسة الكتب. هكذا وأنا أتلصّص على المنشدات، وقعت في غرام واحدة منهنّ. لكنّها كانت مهتمّة بمصوّر تلفزي يظّل طوال الحفل مثبّتا عليها الكاميرا، حتّى يفوز باختيار المخرج للقطاته...  كنت أمام تجاهلها لي أتماهى مع شخصية قناوي بطل فيلم باب الحديد ليوسف شاهين، قناوي ذلك الفتى الأعرج البائس، بائع الصحف في محطّة القطار وعاشق هنّومة (هند رستم) بائعة المشروبات في نفس المحطّة... كانت قاعة أحمد الوافي يوم الحفل الشهري للرشيدية تعجّ بسمّيعة المالوف ومتذوّقيه من بَلْدِيَّةِ تونس العاصمة الذين يرتدون أبهى الأزياء التقليدية من حايك وجبّة وشاشية وبلاغي وسفاسر حرير وهو يلوّحون بالمراوح طلبا للهواء وروائح العطور الباريسية تغمر المكان كلّه بشذاها وعبقها.

كانت طوابق المبنى الثلاثة عبارة عن قطعة مرطبات "ميلفوي" (ألف ورقة). في الطابق السفلي صباحا يعترضك الكوريغراف الشهير حمّادي اللغبابي ورضا العتروس وحمّادي دبلون وباقندة عازف الطبلة الأسمر ومليكة دبلون وخيرة لمبوبة وعم خميّس الحنّافي وعازف الناي الأنيق والوسيم جلّول عصمان وغيرهم من راقصي وراقصات الفرقة التي طافت أرجاء المعمورة بلوحاتها الرّاقصة، حيث ما كان ينتظم أسبوع ثقافي تونسي بالخارج تغيب عنه هذه الفرقة وما كان رئيس يزور تونس إلاّ وتتحفه هذه الفرقة بعرض في قصر قرطاج. في الحصّة المسائية، يتحوّل الدّور الأرضي إلى كونسرفتوار لتعليم رقص الباليه والرّقص البدوي. فتغزو الفضاء بنيّات صغيرات بلباس البالرين من الدونتال الوردي الشفاف، فيبدون كالفراشات الضوئية وهنّ يقفزن هنا وهناك ضاجّات فرحات، فيما أولياؤهم من برجوازية العاصمة ينتظرونهم في الخارج 
.

أمّا الطّابق الأوّل، فكان كونسرفتوارا لتعليم الموسيقى، يفرض فيه مديره المايسترو أحمد عاشور نظاما صارما يقوم على الهدوء والانضباط يذكّر بالأديرة. فكنت أجده منفّرا وأتجنّب الذهاب إليه رغم ما كنت أجده لدى ناظره العام سي عثمان المستوري من حفاوة وترحاب.

لم يكن مدرّسو المعهد العالي للموسيقى من الجامعيين فقط. طبيعة التخصّص كانت تفرض الاستفادة والاعتماد على موسيقيين كبار منهم محمّد التريكي وصالح المهدي ومحمّد سعادة وأحمد القلعي وعبد الكريم صحابو وكان هناك أساتذة من مصر مثل الدكتور نبيل شورة والدكتورة سهير حجازي زوجة الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي وكان هناك أساتذة غربيون .



في ذلك المناخ كان يتحرّك طلبة المعهد العالي للموسيقى يتغذّون سمعيا وبصريا وسلوكيا وذوقيا ممّا يحيط بهم. كانوا فخورين بالفرقة القومية للفنون الشعبية التي كانت بدورها فخورة بأن تشغل نفس المبنى مع مؤسّسة تعليم عال وهو ما يرتقي بصورتها وصورة راقصيها وراقصاتها التي كانت تعاني من نظرة دونية رغم شهرتها. فهؤلاء في النهاية ليسوا سوى راقصين وراقصات شعبيات في نظر العابرين أمام المبنى. ولكن أن يقرؤوا على البوّابة الخارجية صفيحة بلاكسيغلاس لمّاعة مذهّبة تحمل اسم "المعهد العالي للموسيقى" فهذا ممّا يعيد الاعتبار للرّقص الشعبي وممارسيه...


غادرت المعهد العالي للموسيقى شبه مطرود إلى إدارة المطالعة العمومية بعدما اغتاظ مديره من سماحي للطلبة بالاجتماع في قاعة المكتبة والتداول في مطالب نقابية على مرأى ومسمع منّي. أقنعه مساعده الوصولي التجمّعي الجاهل أنّني وراء التحرّكات الطالبية... طوى الزّمن الأيام صفحة تلو أخرى وصعد المساعد الوصولي إلى سدّة الإدارة وأصرّ على نفي الفرقة القومية للفنون الشعبية إلى برج البكّوش في أريانة ومسخ قاعة الرّقص ذات المرايا الجدارية فقسّمها إلى زنزانات خشبية مساحة الواحدة منها مترا مربعا واعتبرها "مقاصر عزف وتمارين فردية". فقد المبنى شيئا فشيئا سحره وجماله في صمت الجميع، وكأنّ لتونس منه عشرات القصور. لا المعهد الوطني للتراث تدخّل، ولا خرّيجو المعهد القدامى، ولا طلبته وأساتذته الحاليون...

jeudi 5 mai 2016

الوِلْدْ


عرفته في طفولتي بكنية "حسين البومة"، كان جارا لنا في حي نزلة السوافة. رجل أسود كليل حالك الظلمة لا تتبيّن منه إلاّ عينيه اللامعتين كقط في العتمة. طويل ونحيف ومسالم في صحوه. لكنّه كثير السكر، وسريعه وسيّئه. عندما يشرب لا يعرف متى يتوقّف، ويعود إلى بيته في حالة رثّة، بفردة حذاء واحدة، أو دون شاشية، أو بملابس ممزّقة، وقد يكون مصابا بكدمات نتيجة اصطدامه بجدران الأزقة الضيقة وسقوطه أكثر من مرّة... يعود إلى بيته متأخّرا فيعلو الصياح في البيت وغالبا ما يعنّف زوجته... والحق الحق أنّ تلك كانت حال أغلب رجال الحي من عملة المنجم. ولذلك لم يكن أحد يستاء منه.
لكنّ عم حسين كان متميّزا عن رجال الحي بشيء، هو إتقانه الرّقص. حتّى أنّه لا يكتمل نجاح عرس من الأعراس ما لم يرقص فيه حسين البومة. يتعمّد أصحاب العرس أن يمرّ المحفل أمام بيته ليظفروا منه بتلك الرّقصة التي تلهب حماس المحتفلين فتكون بمثابة التعميدة. لكم يحلو لعم حسين أن يفاخر بالقول: "أنا لا أذهب إلى الأعراس، هي التي تأتيني". لم يكن عم حسين يخيّب أحدا، لأنّه ببساطة لا يقوى على مقاومة دافع داخلي يجعله يقفز لا إراديا في مقدّمة الحفل راقصا، حالما يسمع نفخات "زرفة" السوفي على الزكرة ودقّات "سالم" النفطي على الطبل. يفعل ذلك أيّا كان وضعه، نائما كان أو على مائدة الأكل، أو صاحيا أو سكرانا أو مقرفصا في بيت الرّاحة. وسرعان ما تتشكّل حوله حلقة وتتعالى الأصوات ويدوّي البارود وتكون تلك ذروة المحفل.
من غمرة تلك الحياة البسيطة الصعبة التي كان زوفرية المينة يقاومونها بالديفان والرّقص على الزكرة والطبّال، تسلّل ابن حسين البومة في غفلة من أهل القرية جميعا وراح يدرس بمثابرة متخطّيا السنة تلو الأخرى حتّى أرسلته الدّولة إلى فرنسا ليدرس الهندسة المنجميّة... كان ولد عمّ حسين مدفوعا في نجاحه بإصراره على تحدّي كلّ الصعاب حتّى كان له ما أراد.
شخصيا، لم أعرف ابن عم حسين في طفولتي، ربّما لأنّه كان قد غادر القرية قبل أن أولد. لم أسمع عنه إلاّ لمّا تخرّج وصار النّاس يتكلّمون عن قرب عودته من فرنسا وتعيينه مهندسا. وكنت ألمس في حديثهم عنه نبرة تجمع بين الفخر والإعجاب والتهديد بالانتقام لست أعرف ممّن.
في تلك الفترة تغيّرت كنية عم حسين من "البومة" إلى الوِلْد"، ربّما بسبب كثرة حديث عمّ حسين عن قرب عودة الولد من فرنسا والثّأر له من ظلم الجناير وهي في لغة عملة المنجم جمع للفظة جنيور التي تعني المهندس.
هكذا صار اسم عم حسين "الوِلْد" بكسر الواو وسكون اللاّم والدّال، والتصق به هذا الاسم الجديد كما لو أنّه لم يحمل اسما سواه من قبل. وفعلا عاد ولد "الوِلْد" من فرنسا وتوظّف بشركة الفسفاط وسرعان ما صار مديرا للمنجم ليسكن أفضل فيلا في الحي الأوروبي، لم يكن "الوِلْد" يجرؤ على مجرّد المرور أمامها.
غيّر "الوِلْد" أشياء كثيرة في حياته وسلوكه ربّما تقديرا منه لمركز ابنه، فأقلع عن الشرب نهائيا، وصار له كلّ عشية في ظلّ بيته الجديد بالحي العمّالي مجلس يحلو له أن يستضيف فيه رجال الحي من المتقاعدين أمثاله على كأس شاي بالنعناع، وهم متربّعين يلعبون الديمينو، يحيّي المارّة ملوّحا بمروحة السعف وهو يرفل في جبّة ناصعة البياض وعمامة بيضاء أيضا فيبدو في سواد بشرته كثريّ سوداني غريب عن القرية.
شيء واحد لم يستطع "الوِلْد" التخلّي عنه هو تلك القفزة اللاإرادية للرّقص كلّما مرّ أمام مجلسه محفل عرس تصدح فيه زكرة زرفة السوفي...
اللّه يرحمك يا عم حسين