mardi 26 août 2014

من نافذة الغرفة 226



عند منتصف نهار ذلك السبت الجويلي القائظ، كانت السيارات مجرّد صفائح معدنية متماوجة تتحرّك بالكاد في دوّار باب سعدون ... وكان الدوّار يبدو من نافذة الغرفة 226 بالطابق الثاني من مستشفى الأمراض السرطانية كبالوعة صرف صحي عملاقة في يوم ماطر، تجذب السيارات نحو مركزها المتمحور حول الأقواس الثلاثة لباب سعدون، كما تفعل الرحى مع حبات القمح، تهرسها وتطحنها ثم تلفظها من جوانبها.
رنّ الهاتف فوجدت صديقي كمال على الخط يستفسرني بصوته الأبح عن رقم غرفة عشيرنا ويعلمني بأنّه قادم على القدمين بعدما ترجّل من سيّارة التاكسي العالقة في الدوّار. لوّحت له بيدي من شبّاك الغرفة ليس طمعا في أن يراني وإنّما محاولة مضطربة منّي لإدخال شيء من المرح وكسر وطأة الألم البارك على غرفة عشيري والموت المعشّش في جدرانها وزواياها وستائرها... وكأنّ عشيري قرأ ما في ذهني، فناولني اللحاف الأبيض لسريره قائلا على طريقته المعهودة في دفع الأمور إلى أقصاها "لوّح له بالعلم الأبيض وسيفهم"... أخذت اللحاف وجعلت ألوّح به بعنف كأنّني أريد أن أنفض عنه بعضا من الموت. وما كدت أفعل حتّى رأيت كمال يردّ برقصة زوربا بين السيّارات. كانت تلك طريقته في السلام على عشيري والرّفع من معنوياته. ولكن كان من الواضح أنّها رقصة ديك مذبوح يداري بها مكابرا وجعه وهزيمته أمام الموت. كان وهو يراوغ السيارات راقصا كما لو أنّه يدعو عشيري إلى النسج على منواله في مراوغة الموت..
انتابتني الرّغبة أن أشارك كمال رقصته تلك، فدعوت عشيري إلى النافذة ونزلت الدرج وأنا أصفّ العتبات ثلاثا ورباعا... لمّا وصلت جهة كمال، رفعت رأسي باتجاه الغرفة فلمحت اللحاف الأبيض يرفرف كالعلم بيد عشيري المنتصب في النافذة كنخلة شامخة. وجنب كمال كان هناك سائق سيارة تاكسي يلقي السباب والريق الأبيض مرسوم على شفتيه كرغوة الصابون. رأيت في عينيه شرّا نبّهت كمال منه، لكنّه واصل رقصته وهو مغمض العينين وقال لي "لا تستوي رقصة الموت والحياة إلاّ بحضور عزرائيل... لا تعره اهتماما، وانظر هناك عاليا عاليا ناحية اللحاف الأبيض"...
ولم أفق من رقصتي إلاّ على صرير عجلات سيارة مجنونة تريد الانطلاق بقوّة بعدما انفتح أمامها مسرب أغلقه كمال الراقص... كان شرطي المرور الأسمر البدين يمسكني من مرفقي ويهزّني بعنف وقد كساه العرق ليوقظني من تخميرتي. فحّجت أعصاب عينيّ حتّى يمكنني أن أوزّعهما واحدة باتجاة نافذة غرفة عشيري الذي توقّف عن التلويح بلحافه الأبيض والأخرى باتجاه الإسفلت الطري حيث انطرح كمال وتناثرت حوله باقة الأزهار التي جاء بها لعشيري...
ونحن نغادر غرفة كمال ليلا في مستشفى الكسور وجبر العظام، سمعني وأنا ألوم عشيري على هربه من غرفته بالمستشفى وأطلب منه أن يعود إليها فورا، فأجهد كمال نفسه ليطلب منّا التوجّه إلى حانة لونيفار لنرفع كأسا على نخب الحياة... لم أكن أدري أنّ الجلطة ستفاجئني وأنا على مقصف الحانة.

قربة في 26 أوت 2014

vendredi 22 août 2014

الرّومي

رفعت رأسي عن صفحة الجريدة مستطلعا قدوم حافلة الركّاب القادمة من قفصة في اتجاه الرّديّف، فلمحته يمرّ أمامي مصطحبا ابنه نحو بائع السندويتشات. عدت لقراءة الجريدة دون تركيز، وقد سيطرت عليّ الرّغبة في التأكّد مّما إذا كان ذلك الشخص هو من تصوّرته. صحيح أنّني لم أره منذ اكثر من  ثلاثين سنة، ولكن نبرة صوته وهو يكلّم ابنه أيقظت صورته في ذاكرتي كما لو كان بجانبي في قاعة المراجعة بمعهد قفصة. ثمّ، لم لا يكون هو؟ فأنا أعرف أنّه استقرّ بأمّ العرائس بعد أن صار ممرّضا بمشفاها المحلي.
ودون تخطيط مسبق وجدت نفسي أرفع رأسي ثانية مناديا "الرّومي، الرّومي"... لكنّ الرّجل واصل سيره دون التفات. قلت في نفسي سأنتظر عودته، فنحن بالتأكيد سنمتطي نفس الحافلة. وعندها سيتسنّى لي التعرّف عليه والسلام بحرارة واسترجاع أحلى الذكريات معه. طويت الجريدة في شكل لفافة لولبية وأنا أتساءل إن كان من اللائق أن أناديه بتلك الكنية التي عرف بها في صغره...
كان أبيض القشرة منساب الشعر وطويله، كأبناء الروامة من المهندسين الفرنسيين الذين يسكنون الحي الأوروبي بقريتي المنجمية. أذكر أيضا أنّه كان أبرعنا على الإطلاق في كرة القدم. ولكنّه كان أطيبنا وأكثرنا مسالمة. كم عانى من شقاوات الفقيد الناصر الذي مات في الجبهة العراقية الإيرانية. أذكر كيف كان يدسّ له جوارب نتنة في غلاف المخدّة، وكيف كان يلقي له بمخدّته في مبولة المبيت فيسقيها كلّ المقيمين ببولهم. ترى ما الذي فعلته بك السنين يا عبد الستّار يا عشيري؟ ها أنت منحني الظهر، مترهّلا تضع نظّارة طبّية سميكة جدّا. وها قد صرت حليق الرّأس عاريا من ذلك الشعر الذي تحسدك عليه الفتيات.
ربّما يزعجه أن أناديه بتلك الكنية أمام ابنه. وربّما كانت زوجته جالسة بجانبي دون علمي.
أعلنت حافلة الرديّف وأم العرائس عن وصولها بتلك الرنّة الصادية الطويلة التي لا شك أنّ السائق الشاب قد ورثها عن المرحوم حسين بطيخ. هاج جمع المسافرين المنتظرين بمحطّة المتلوي، ونطّ البكّوش من داخل مكتب رئيس المحطّة مدوّيا بصفّارته المزعجة يصول ويجول بحركات يفهم منها دعوته المسافرين إلى عدم التزاحم. في تلك اللّحظة، صرت أرى كلّ ما حولي بالأسود والأبيض كشريط وثائقي تاريخي يعبق برائحة الحنين. ولكنّ تأخّر عبد الستّار في العودة وخوفي عليه من أن يضيّع الحافلة شوّش متعتي وحرمني من مشاركة أهلي لذّة الازدحام فبدوت كمتبرجز مستنكف عن مشاركة البسطاء حياتهم. انتهزت تأخّر انطلاق الحافلة بسبب التزاحم  لأهرول نحو عبد الستّار وأستعجله. ولكن ما إن وصلت عند بائع السندويتشات حتّى انطلقت الحافلة.
ودون سلام ولا تسليم أمسكت عبد الستّار من كتفه قائلا له بلهجة جريدية في مزيج من المشاكسة واللّوم "يا رجل، أكثر من ثلاثين سنة ما نحيتش عنّك الرّخفة وما كبساتكش. الحاصيلو زايد مازلت لتوّة تضيّع في الكار" لكنّ الرّجل الذي لم يكلّف نفسه مجرّد الالتفات نحوي صاح "هبّط إيدك خير ما نكسرهالك" أجبته ضاحكا "اللّه اللّه على الرّومي، ولّيت تكسر اليدين ...؟" ودون أن يمهلني لأعرّفه بنفسي، رأيته يستدير ناحيتي وينزل على جبيني بضربة دماغ طرحتني أرضا وكست وجهي دما وأفقدتني وعيي.
وجدت نفسي طريح الفراش، بعينين متورّمتين لا أكاد أفتحهما، وعثمان البويحيي الذي اعتدى عليّ في محطّة الحافلات يناولني ملاعق من الحساء الساخن أعدّته زوجته الجريدية ويشرح لي أنّ ما حصل كان نتيجة سوء تفاهم. فهو ليس عبد الستّار الرّومي الذي اعتقدته. لمّا رنّ هاتفه الجوّال، استأذن منّي أن يتوقّف عن إطعامي كي يجيب فأومأت له برأسي موافقا. وبعد بضع كلمات سمعها على الخط قفز كالملتاع يهرول صارخا "أهلك حرقولي داري يا جريدي"
قربة، تونس في 22 أوت 2014