الملاجئ
كنت في الخامسة من عمري لمّا شيّدت شركة فسفاط قفصة ثلاثمائة مسكنا شعبيا وزّعتها على عمّالها. ورغم صغر سنّي آنذاك، فقد عشت تجربة زرع العمّال في حيّهم الجديد بوعي حادّ. أذكر كيف وصلنا إلى حيّنا الجديد ذات صباح على متن عربة مجرورة (كرّيطة) حملت كلّ ما نملكه من متاع، ومن فوقه كنّا مكوّمين أنا وإخوتي الثلاثة وأمّي. ربّما بسبب هذه الصّورة ظلّت تسمية الملاجئ أقرب إلى وجداني من عبارة الحي العمالي المعتمدة رسميا. وفيما انشغل والدي وأمّي بتوضيب غرف البيت التي لم تكن تختلف عن الأقفاص في شيء من فرط ضيقها وانخفاض سقوفها، انتشرنا أنا وإخوتي في أرجاء الحيّ نكتشف تضاريسه وملامحه. كان للحي رائحة الحياة البكر وألوانها. انتشرت في أرجائه بقايا مواد البناء كقطع الآجر الأحمر وبقايا الأخشاب والحديد. ورغم فقره، فقد أصرّ أبي على أن يطبع البيت بروحه حتى لا يكون مجرّد رقم في سلسلة من الأبواب المتشابهة والتي يصعب التمييز بينها. فقد جاء ببرميل صدئ مزج فيه الجص الأبيض بمادّة ملوّنة خضراء فاتحة وترك الخليط يتماهى ثلاثة أيّام كان أثناءها يرشّه بالملح ويحرّكه بعصا خشبية ثقيلة فتفور منه حرارة تحرق ...