jeudi 22 décembre 2011

ماي 1968 الفرنسية وديسمبر2010 /جانفي 2011 التونسية: المختلف والمشترك

رغم الاختلاف الواضح في المضمون والشكل والظرف بين ثورة ماي 68 في فرنسا وثورة ديسمبر2010/جانفي 2011 في تونس، فإنّني لا أستطيع مقاومة إغراء المقارنة بينهما اعتبارا لنقاط التقاطع الجوهرية التي أرى الثورتين تلتقيان عندها ومن أهمّها الدّور البارز للشبيبة فيهما وهو ما يعني بالضرورة أن تنطبع الثورة بالخلفية الثقافية وبالأفق الفكري وبالمنظومة القيمية التي تستند عليها الشبيبة. وأنا أحدس أنّ الكثيرين قد يرون في فعل المقارنة هذا تعسّفا على المنطق والتاريخ. لكن دعونا نفكّك الحدثين لنقف عند محرّكاتهما وتطوراتهما وتداعياتهما ونرى بعد ذلك إن كانت المقارنة جائزة بينهما.
ثورة ماي 1968 بفرنسا
كان الشباب الطالبي هو المحرّك الأساسي لأحداث ماي 1968 بمعزل عن أي تأطير حزبي. وهو ما يفسّر غلبة الطابع الثقافي على الحركة وعدم تحوّلها إلى ثورة اجتماعية لتغيير نظام الحكم، رغم التحاق النقابات والعمّال بالحركة في وقت لاحق ودخولهم في موجة من الإضرابات والمظاهرات. وكانت النتائج البعيدة المدى لحركة ماي 1968، بعدما بردت الأحداث وجنى الرّاكبون على الأحداث ما تيسّر من فتات المكاسب الاجتماعية والسياسية، ذات جوهر ثقافي وفكري... ومن علامات ذلك ظهور الموجة الجديدة في الفن (في السينما خصوصا) ونزول مقولات الفلسفة الوجودية إلى الشارع وانتشارها لدى الشباب الذي صار يؤمن بأنّ حياة أخرى أكثر إنسانية واحتراما للبيت الكوني ممكنة. حياة تقوم على احترام حرّية الفرد وإرادته وعلى إعادة الاعتبار للرّيف إزاء المدن الكبرى الملوّثة، وعلى التصالح مع الطبيعة والمنتجات البيولوجية وعلى الاستفادة من حكمة الأوّلين ومعارفهم مثل الطب البديل، وعلى الثورة ضدّ التقاليد المحافظة في السلوك والعلاقات الفردية... كل ذلك كبديل عمّا كان مسيطرا في المجتمع الرّأسمالي من قيم استهلاكية تسلّط على الفرد ضغطا نفسيا خانقا بسبب ازدحام الشوارع وارتفاع نسق العمل حدّ الاستلاب، وتلوّث البيئة بإفرازات المصانع وبدخان السيارات وبضجيجها. بهذا المعنى، كانت ماي 1968 ثورة ثقافية على منظومة القيم وأسلوب الحياة السائدين. وهو ما جسّدته حركات الهيبيز والبوهيميين الشبابية التي تتميّز باللباس التلقائي وبإطلاق الشعر طويلا وتمارس فنا بديلا وترفع شعار الهجرة إلى مدينة كاتماندو عاصمة الحشيش ورمز الانصهار في الطبيعة والحرية الجنسية وممارسة المشي وركوب الدراجة الهوائية كبديل عن السيارة الملوّثة وتنادي بعكس حركة النزوح من المدينة نحو الريف خلاف ما كان سائدا حتى تلك اللحظة... وقد جاء ظهور الأحزاب الإيكولوجية بعد ذلك بعقدين من الزّمن كاستثمار سياسي لهذه المراكمة الثقافية، حيث كان مؤسّسو هذه الأحزاب من قياديي حركة ماي 1968 الذين استندوا في أطروحاتهم على موروث الحركة الثقافي وترجموه إلى برامج سياسية تتمحور حول أنسنة الوجود في مقابل جشع رأس المال وشراسة منظومته الاقتصادية التي لا كابح لها.
ثورة ديسمبر 2010/جانفي 2011 التونسية
في تونس، انطلقت حركة التمرّد، التي تطوّرت إلى ثورة أطاحت بالمافيا الحاكمة، في أوساط المهمّشين من الشباب والنساء بالأساس. لم يكن محرّك التمرّد قوى الإنتاج من عمّال أو موظفين أو فلاّحين. ولم يكن للثورة حزب قائد... ولكنّ عكس ماي 68 الفرنسية، لم تكن مطالب ثورة ديسمبر2010/جانفي 2011، على الأقل عند انطلاقها سياسية ولا ثقافية، بل كانت اجتماعية ذات عمق إنساني: الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والتشغيل. ولئن لم يرفع شعار واحد ذو مضمون ديني فليس ذلك تنكّرا للدين أو استلابا بقدر ما هو دليل على أنّ الدّين لم يكن يطرح مشكلا بالنسبة للثائرين. لم نر أثناء شهر من المظاهرات والاستشهادات سلفيا واحدا يتظاهر في الشارع ولا منقبة واحدة... ولم نسمع مرّة واحدة شعار "الشعب مسلم ولن يستسلم"... رأينا شابات كالزهرات تحلّين مظاهرات المدن الكبرى، صار بعضهن أيقونة تروّج صورة وضّاءة عن ثورتنا وبلدنا في معاصرته وأصالته. متعلّمات ومثقفات ونقابيات من الطالبات والموظفات ونساء كهول من الأمهات والجدّات والأرامل والثكالى. تروي بطولاتهنّ ساحات تالة والقصرين والرديف وأم العرائس التي وثّقت أحداثها الصور وأفلام الفيديو... هنّ تونسيات "حراير" لباسهنّ الملية والبنوار والروبة والسفساري والملحفة و"ع الجبين عصابة"، هنّ مبعث فخرنا واعتزازنا...
هذا الشباب وأمهاتهم الذين بحّت حناجرهم بترديد "التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق" حتى أرغموا العصابة على الهروب، نراهم اليوم واقعين من جديد في تهميش نخشى أن يكون أعظم من سابقه. لا نقول هذا من باب المزايدة وإلهاب حماس الشباب المتحمّس بطبعه والميّال إلى ردود الفعل العاطفية، وإنّما من باب القراءة الموضوعية للنتائج المباشرة للثورة. فما إن سقط الدكتاتور بعدما فقد السيطرة على الأجهزة الساهرة على أمنه وعلى قمع الشعب حتى ارتفعت أصوات المكاتب السياسية للأحزاب بما في ذلك المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل... هذه القيادات الحزبية التي لمعت، باستثناء بعض اليسار الراديكالي، بازدواجية مقيتة في التعامل مع مجريات الثورة. حيث لم تعبّر عن مواقف صريحة تنادي بالانتصار للثورة وبإسقاط النظام أثناء الأحداث، لا باتجاه أنصارها ولا باتجاه جماهير الشعب، بل اكتفت بمغازلات لبن علي وبالتبرّؤ من مسؤولية ما يحصل في الشارع خوفا من العقاب عندما تحل ساعة الحساب. لكنّها، حالما فرّ رئيس العصابة، سارعت إلى وضع اليد في اليد مع بقايا نظامه للملمة الوضع والاكتفاء بفتات من السلطة. ثمّ جاء بعد ذلك الدّور على الشباب، وقود الثورة وحطبها، للتلاعب به فوقع تجييشه في اعتصامات سياسية بهدف إسقاط حكومتي الغنوشي الأولى والثانية وفرض مطلب المجلس التأسيسي الذي لم يكن مطلبا شعبيا وتنصيب مجلس حماية الثورة وإعلان نفسه مؤتمنا على الثورة وبقية السمفونية معروفة.... وقد مثّلت الهشاشة الفكرية والثقافية للشباب الثائر، رغم ما أثبته من شجاعة وقدرة على العطاء، نقطة ضعف قاتلة سمحت بالالتفاف على الثورة واستثمارها لصالح الأحزاب على حساب من أشعلها وحملها على أكتافه وأعني الشباب والنساء (انظر كمثال على ذلك أغنية "محلا الثورة التونسية تضم الجميع" التي صارت بمثابة النشيد الرّسمي لشباب الثورة رغم ما يميّزها من ضحالة في الكلمات ومن استلاب نغمي باعتبارها مستلهمة من أغنية شعبية أردنية، والتي نلمس فيها بصمة الثقافة الكشفية التي نعرف حدّة الاستقطاب داخلها بين الدساترة والإسلاميين). ذلك أنّ الشجاعة والقدرة على العطاء اللامحدود لا تكفيان للأسف لإنجاح ثورة. فلابد من وعي سياسي وأفق فكري واضح. واعتقادنا أنّ تفاعلات الثورة في المدى المنظور ستتمحور حول المسائل الفكرية والسياسية عندما يتبلور الوعي ويترسّخ باستحالة نجاح الثورة إذا ما حصرت في مطالب اجتماعية تنادي بالتشغيل وتحسين الأوضاع المعيشية والنهوض الفوري بالجهات المحرومة. على أنّنا لا نرى الثورة التونسية ستتطوّر نحو أفق ثقافي وفني مثل الذي ميّز ثورة ماي 68 الفرنسية، ليس فقط بسبب اختلاف الخلفية الثقافية للشبيبة في كلا الحالتين، ولكن بالأساس لأنّ سلّم الأولويات ليس نفسه في المجتمعين. صحيح أنّ الثورة التونسية سجّلت حضورا نوعيا لفصيل من الشبيبة تربّى على ثقافة العولمة البديلة وتشبّع بقيم الحرّية ووحدة المصير الكوني وبأولوية الفنّ على السياسة وباحترام التنوّع الثقافي. وقد نجح هذا الفصيل النوعي من الشبيبة في إسماع صوته ولكنّه لم يطبع الثورة برؤيته. فعندما لا يجد الناس خبزا ولا ثقافة ولا كرامة ولا شغلا ولا فنّا ولا حرية ولا فكرا ولا حبا ولا ديمقراطية، يثورون من أجل الخبز والتشغيل قبل كلّ شيء، ولا يعبأ السواد الأعظم منهم بمطالب الفن والثقافة والحب. وإذا كان هذا قانونا علميا، فإنّه من غير الممكن التأسيس لنظام سياسي واجتماعي جديد دون الخوض في مسائل فكرية ومفهومية كالدّولة (وجوهرها العقد الاجتماعي) ومدنيتها واللائكية وأنظمة الحكم والأمن والمواطنة والكرامة والعدالة الاجتماعية والتنمية الجهوية والديمقراطية والحريات الفردية والعامة، وقضية المرأة، والتربية والأسرة ووظيفة المدرسة والجامعة...
ما يجمع بين الثورتين
1. محرّك الثورة هو الشباب الحرّ من التوجيه الحزبي حتى ولو كان بعضهم متحزّبا... شباب يتميّز بحس إنساني عميق وبأفق كوني رحب... هم طلبة الجامعات من ذوي النزعات الفوضوية الخلاقة في الحالة الفرنسية. وفي الحالة التونسية، هم بالإضافة إلى الشباب المهمّش من ذوي التعليم المحدود، شباب طالبي خنقته شراك منظومة "إمد" وشباب معطّل عن العمل من حاملي الشهادات وشباب مثقف منفتح على العالم عبر الشبكات الاجتماعية.
2. القوّة المحرّكة الأخرى في تقاطع مع الأولى هي فئة النساء. طالبات وموظفات شابات وعاملات نقابيات وأمّهات لم يكن لهنّ زي مميّز يعكس خلفية دينية أو عرقية.
3. تداعيات الحدث التي تجاوزت في كلا الحالتين الحدود الوطنية للبلاد. حيث كانت أحداث ماي 68 في الجامعات الفرنسية وراء ثورة فكرية وثقافية وفنية فاضت على حدود أوروبا لتصل إلى القارّات الخمس. وكذلك أسفرت ثورة تونس عن تتابع للثورات في الدول العربية لا أحد بإمكانها أن يتنبّأ أين ستقف.
4. لئن اختلفت الثورتان في المطالب، فقد التقتا في ما ترفضانه: التهميش والإقصاء وكبت الحرية...
ما يفرّق بين الثورتين
1. هناك في المقام الأوّل التاريخ حيث جاءت ثورة شباب تونس متأخّرة بأكثر من أربعة عقود عن ثورة شباب فرنسا. ومن استتباعات ذلك أنّ تكنولوجيا المعلومات والشبكات الاجتماعية في الحالة التونسية عوّضت، في الحالة الفرنسية، دور الخطباء السياسيين والإعلام المكتوب والتلفزة التي كانت من ناحية حداثتها ووقعها آنذاك توازي حداثة الأنترنات ودوره اليوم.
2. الفرق الثاني بين ماي 68 وديسمبر 2010/جانفي 2011 يكمن في التفاوت الواضح على مستوى الخلفية الثقافية والزاد المعرفي للشباب محرّك الثورة في كلتا الحالتين.
3. كانت في الحالة الفرنسية ثورة ثقافية وفكرية تتراوح مطالبها من مساندة الثورة الفيتنامية إلى المطالبة بأكثر حريات فردية وخاصة بالنسبة للنساء وإطلاق سراح المعتقلين. أمّا في الحالة التونسية فكانت ثورة اجتماعية تركّزت مطالبها على التشغيل والعدالة الاجتماعية والجهوية. ولم تتوسّع إلى المستوى السياسي والفكري إلاّ بعد سقوط الدكتاتور إمّا نظرا لالتحاق النخب بها أو نظرا لحصول القناعة بترابط المسارين وعدم إمكانية تحقيق مكاسب اجتماعية ومادية دون مراجعة جذرية لنمط المجتمع والدّولة. ويقيننا أنّ مداولات المجلس التأسيسي وما يصحبها من تفاعلات خصوصا عبر وسائل الإعلام ستكرّس الأفق الفكري والسياسي للثورة. ولكنّ المؤشرات الصادرة عن المناخ السائد في المحيط الجامعي وعن تفاعل الشبيبة الطلابية مع ما تشهده الساحة الجامعية لا تبشّر بانخراط الطلبة في حراك فكري وثقافي نراه ضروريا اليوم. ويبقى الأمل معقودا على حضور أبرز للمجتمع المدني الذي يختزن طاقات كبرى في هذا الحراك.
4. في الحالة التونسيبة، لم يكن شباب الثورة فقط من الطلبة، بل كان فيهم شباب معطّل من حاملي الشهادات ومن غيرهم، يعيشون في المناطق الداخلية التي ضاقت ذرعا بالتهميش وال"حقرة"، شباب من الحوض المنجمي والقصرين وتالة وبوزيد وسليانة وبن قردان، شباب وصل به اليأس حدّ المقامرة بين أن يبتلعه حوت البحر وبين أن يصل إلى شواطئ الوهم الأوروبي...