lundi 28 janvier 2013

الزردة مدرسة الفقراء

تشكّل الرّياضة والألعاب الفكرية أدوات ناجعة لتعلّم أصول التكتيك والاستراتيجيا. ومن أكثر الألعاب جدوى في هذا المجال لعبة الشطرنج التي تعلّمنا كيف نستدرج الخصم بطعم لنوقعه في الفخّ ونجهز على ملكه. هناك أيضا الرّياضات الجماعية التي تدرّبنا على توزيع الأدوار في تكامل من أجل تحقيق هدف جماعي. وتشترك الرياضات البدنية والفكرية في كون التكتيك يعني محطّات الطريق التي يسلكها اللاعب نحو الهدف النهائي بما يتضمّنه ذلك من مناورات وإيهام بالضعف (تنويم الخصم) وتقديم التنازلات (وهذا هو التكتيك) أثناء التقدّم نحو الهدف النهائي، بينما تقتضي الاستراتيجيا بقاء الذّهن مركّزا على الهدف النهائي، مهما كانت عوارض الطريق.

لست من القائلين بأنّ الطّريق تتشكّل أثناء المسير، أي أنّه لا وجود لطريق مسطّرة سلفا، حتّى أن غلاة هذا الرّأي يؤمنون بأنّ الطّريق إلى البيت أهمّ من البيت ذاته. هذه فلسفة جميلة لمّا تكون الطّريق آمنة وليس فيها قطّاع طرق. أمّا وأنت تعلم أنّ هناك خصما يتربّص بك للإيقاع بك، فعليك أن تقرأ له حسابا وتعدّ مسالك متعدّدة لرحلتك تختار أنسبها أثناء المسير. قد تلائم هذه الفلسفة البنيوية قائدا كشفيا يعدّ أشباله لجولة استطلاعية جبلية على الأقدام، لكن لا يمكن قبول هذا الخطاب من قائد عسكري يوجّه جنوده على ساحة المعركة.

لا يكوّن أبناء الفقراء خبراتهم الشخصية في التكتيك والاستراتيجيا من لعب الشطرنج ولا من متابعة تحاليل كرة القدم ولا من مطالعة كتب لينين أو البنيويين أو تاريخ المعارك والخطط الحربية. إنّما يتعلّمونها في تفاصيل معاركهم اليومية الصغيرة من أجل لقمة العيش. أذكر كيف كنّا نتناول طعامنا ونحن صغارا في قصعة مشتركة نتحلّق حولها ستة إخوة كالقطط تتجاذب جلدة دجاج خلف السوق البلدية. وقد شحذنا أسلحتنا في فن المناورة الغذائية حول قصاع الكسكسي باللحم بمناسبة زيارات الأولياء والأعراس. يضحكني أمر المترفين وهم يتناولون طعامهم في صحون شخصية بالسكين والشوكة دون لهفة، يمضغون لقمتهم بهدوء وأدب ويتوقّفون عن الأكل من حين لآخر للتّحادث ثمّ يستأنفون الأكل في اطمئنان تام على مناباتهم. هؤلاء يمكنهم أن يكونوا بنيويين في علاقتهم بالطّعام، أمّا الفقراء أمثالنا فلا مجال عندهم للمضغ المتأنّي والالتفات أو التوقّف للتّحادث... البلع هو القاعدة، ولنا فيما بعد أن نجترّ كالبقر إذا اقتضى الحال. يغطس الواحد برأسه في القصعة وينهمك في الحفر على الجوانب بأسرع ما يمكن ليخلق جبّا تتدحرج فيه اللحمة فينقضّ عليها وقد صارت من نصيبه بعدما جاءته بنفسها دون أن يسعى إليها. وقد يحصل أن ينهار جدار الكسكسي القائم بين حفرتين فتقع اللحمة في منطقة محايدة لتنغرس فيها مخالب خصمين كاشفة عن نواياهما بصراحة. وفي الأثناء يكون جميع من حول القصعة يتنفّس بمناخيره لانشغال الفم بالبلع، محدثين صوتا يذكّر بشخير الخنازير الصغيرة... وما هي إلاّ لحظة حتّى يتفرّق الجمع معرضين عن حبات الكسكسي وقد تبخّر اللحم، تاركين القصعة كرأس الأقرع. وكم مرّة رأف لحالي أخي الأكبر فسحب من جيبه لحمة مشحّمة ناولني إيّاها بعد المغادرة منبّها إيّاي إلى ضرورة الفوز بنصيبي في المرّة القادمة.

واليوم يريد الوهابيون هدم زوايا الأولياء الصالحين ومقاماتهم الزكيّة الآمنة ليحرموا أبناء الفقراء من شبعة اللحم والشحم....