jeudi 5 mai 2016

الوِلْدْ


عرفته في طفولتي بكنية "حسين البومة"، كان جارا لنا في حي نزلة السوافة. رجل أسود كليل حالك الظلمة لا تتبيّن منه إلاّ عينيه اللامعتين كقط في العتمة. طويل ونحيف ومسالم في صحوه. لكنّه كثير السكر، وسريعه وسيّئه. عندما يشرب لا يعرف متى يتوقّف، ويعود إلى بيته في حالة رثّة، بفردة حذاء واحدة، أو دون شاشية، أو بملابس ممزّقة، وقد يكون مصابا بكدمات نتيجة اصطدامه بجدران الأزقة الضيقة وسقوطه أكثر من مرّة... يعود إلى بيته متأخّرا فيعلو الصياح في البيت وغالبا ما يعنّف زوجته... والحق الحق أنّ تلك كانت حال أغلب رجال الحي من عملة المنجم. ولذلك لم يكن أحد يستاء منه.
لكنّ عم حسين كان متميّزا عن رجال الحي بشيء، هو إتقانه الرّقص. حتّى أنّه لا يكتمل نجاح عرس من الأعراس ما لم يرقص فيه حسين البومة. يتعمّد أصحاب العرس أن يمرّ المحفل أمام بيته ليظفروا منه بتلك الرّقصة التي تلهب حماس المحتفلين فتكون بمثابة التعميدة. لكم يحلو لعم حسين أن يفاخر بالقول: "أنا لا أذهب إلى الأعراس، هي التي تأتيني". لم يكن عم حسين يخيّب أحدا، لأنّه ببساطة لا يقوى على مقاومة دافع داخلي يجعله يقفز لا إراديا في مقدّمة الحفل راقصا، حالما يسمع نفخات "زرفة" السوفي على الزكرة ودقّات "سالم" النفطي على الطبل. يفعل ذلك أيّا كان وضعه، نائما كان أو على مائدة الأكل، أو صاحيا أو سكرانا أو مقرفصا في بيت الرّاحة. وسرعان ما تتشكّل حوله حلقة وتتعالى الأصوات ويدوّي البارود وتكون تلك ذروة المحفل.
من غمرة تلك الحياة البسيطة الصعبة التي كان زوفرية المينة يقاومونها بالديفان والرّقص على الزكرة والطبّال، تسلّل ابن حسين البومة في غفلة من أهل القرية جميعا وراح يدرس بمثابرة متخطّيا السنة تلو الأخرى حتّى أرسلته الدّولة إلى فرنسا ليدرس الهندسة المنجميّة... كان ولد عمّ حسين مدفوعا في نجاحه بإصراره على تحدّي كلّ الصعاب حتّى كان له ما أراد.
شخصيا، لم أعرف ابن عم حسين في طفولتي، ربّما لأنّه كان قد غادر القرية قبل أن أولد. لم أسمع عنه إلاّ لمّا تخرّج وصار النّاس يتكلّمون عن قرب عودته من فرنسا وتعيينه مهندسا. وكنت ألمس في حديثهم عنه نبرة تجمع بين الفخر والإعجاب والتهديد بالانتقام لست أعرف ممّن.
في تلك الفترة تغيّرت كنية عم حسين من "البومة" إلى الوِلْد"، ربّما بسبب كثرة حديث عمّ حسين عن قرب عودة الولد من فرنسا والثّأر له من ظلم الجناير وهي في لغة عملة المنجم جمع للفظة جنيور التي تعني المهندس.
هكذا صار اسم عم حسين "الوِلْد" بكسر الواو وسكون اللاّم والدّال، والتصق به هذا الاسم الجديد كما لو أنّه لم يحمل اسما سواه من قبل. وفعلا عاد ولد "الوِلْد" من فرنسا وتوظّف بشركة الفسفاط وسرعان ما صار مديرا للمنجم ليسكن أفضل فيلا في الحي الأوروبي، لم يكن "الوِلْد" يجرؤ على مجرّد المرور أمامها.
غيّر "الوِلْد" أشياء كثيرة في حياته وسلوكه ربّما تقديرا منه لمركز ابنه، فأقلع عن الشرب نهائيا، وصار له كلّ عشية في ظلّ بيته الجديد بالحي العمّالي مجلس يحلو له أن يستضيف فيه رجال الحي من المتقاعدين أمثاله على كأس شاي بالنعناع، وهم متربّعين يلعبون الديمينو، يحيّي المارّة ملوّحا بمروحة السعف وهو يرفل في جبّة ناصعة البياض وعمامة بيضاء أيضا فيبدو في سواد بشرته كثريّ سوداني غريب عن القرية.
شيء واحد لم يستطع "الوِلْد" التخلّي عنه هو تلك القفزة اللاإرادية للرّقص كلّما مرّ أمام مجلسه محفل عرس تصدح فيه زكرة زرفة السوفي...
اللّه يرحمك يا عم حسين