samedi 11 janvier 2014

ما بعد الفيلم

المعروف عن غابريال غارسيا ماركيز أنّه محب للسينما ومدمن على مشاهدة الأفلام في القاعات. لكنّ الفيلم عنده أطول بكثير ممّا هو عند سائر النّاس. ذلك أنّ الشريط الذي يشاهده مع الناس على الشاشة الكبيرة في القاعة المظلمة ليس إلاّ منطلقا لفيلم أطول يدور في وجدان هذا الروائي السابح بطبعه في الخيال، حتى أنّه بالإمكان اعتبار الفيلم الرئيسي عند ماركيز يبدأ لمّا ينتهي الفيلم المعروض على الشاشة. فمن عادات ماركيز عندما تشتعل الأضواء ليغادر المتفرّجون القاعة، أن يعشي عينيه إلى القدر الذي يسمح له فقط بتبيّن طريقه إلى الخارج ثمّ يمتطي أوّل تاكسي ويغمض عينيه طالبا من السائق الابتعاد عن مناطق العمران دون وجهة محدّدة. ويظلّ طوال الطريق مغمضا عينيه مسترجعا أحداث الفيلم وشخصياته محاورا البعض وثائرا على البعض ومعاتبا البعض ومساندا أو مواسيا بعضهم الآخر حتى يتحوّل إلى شخصية من شخصيات الشريط. ويظلّ على تلك الحال والتاكسي يطوي المسافات حتى تنفذ جعبة تفاعلاته وانفعالاته، فيطلب من السائق العودة.
والحقيقة أنّ هذا هو حال الكثير من عشّاق السينما مرهفي الإحساس الذين يتأثّرون بما يشاهدونه إلى حدّ الانصهار في الشريط. فكيف يمكن لمن كان في مثل حال ماركيز مع الأفلام أن يحضر نقاشا قد يشوّش عليه لذّة الاستمتاع الحميمي؟ ليس من السّهل أبدا على عشّاق السينما الدّخول في النقاش مباشرة بعد انتهاء الفيلم. إنّهم يحتاجون برهة من الزمن حتّى يصحوا من خيالاتهم ويعودوا إلى الواقع. لذلك، فمن أداب نوادي السينما وأخلاقياتها أن لا تكتسح حميميّة محبّ السينما وتغتصب خلوته الجميلة. 
عند نهاية العرض تشتعل الأضواء ليغادرالمتفرّجون القاعة مسربلين بالصّمت، سارحي الأذهان. يتناثرون في بهو القاعة شاردي الأنظار. هذا يداري دموعه، وذاك يتحسّس جيوب سترته متلهّفا إلى سيجارة يشعلها فتطفأ شعلة تأثره، وقد تصدر عن أحدهم تنهيدة أو زفرة تؤكّد ما تطفح به العينان من غشاوة عسلية دبقة تجعله لا يرى العالم بالألوان الطبيعية. وقد يصادف أن يبقى أحدهم مسمّرا في كرسيّه لا يقوى على مغادرته وهو يتابع جينيريك النهاية إلى آخر حرف كمن يقطّر ثمالة كأس لذيذة. وقد تمرّ أثناء مغادرتك القاعة أمام غرفة البثّ فيتطلّع نحوك المكلّف بحهاز البث مزهوّا يكاد يقول لك "أنا من كان يرسل من هذه الكوّة ذلك الضوء الساحر الذي يصطدم بالشاشة فيتحوّل إلى عالم حيّ".
ورويدا رويدا، يشرع الناس في الانتباه إلى بعضهم البعض، فيتبادلون نظرات وابتسمات مترعة بالمتعة الفنّية. ويكون ذلك علامة على أنّهم استيقظوا من خدرهم السينمائي اللّذيذ وصاروا جاهزين للتحاور حول الشريط. وتستبدّ بالمتفرّجين رغبة في البقاء مع بعض فيعودون إلى جوف القاعة المظلمة كمن يحنّ إلى بطن أمّه الدّافئ الآمن اللزج. فيجدون أطياف الشخصيات ترفرف في فضائها وأصداء الموسيقى تتردّد بين جدرانها. وفي ذلك المناخ المتأرجح بين الواقعي والخيالي، يبدأ النقاش بطيئا ومتعثرا. فغالبا ما يغامر منشّط الحصّة وهو من أعضاء هيئة نادي السينما بتلخيص أهمّ ما جاء في الشريط ثمّ يتعمّد استفزاز ردود فعل الحاضرين بإلقاء أسئلة وإطلاق أحكام، حتى يكسر أحدهم جدار الصمت وتأخذ كرة الثلج في التضخم. ولا ينتبه الحاضرون إلاّ وحارس القاعة ينبّههم إلى تجاوز الوقت ويدعوهم إلى المغادرة حتى لا يفوته قطار الضاحية.
صدق من قال أنّ خروجك من الأفلام ليس كدخولك إليها
جلال الرويسي
مسقط في 10 جانفي 2014