jeudi 23 juillet 2009

عُملة الطّريق



مهداة إلى بلقاسم حارس القلعة المهجورة، ذلك المسرف في الصّمت وتفتيت القلب
الطّريق
سأحدّثكم عن رجل لم يعرف أمّه، ليس فقط لأنّها ماتت أثناء ولادته، ولكن أيضا لأنّ زوجة أبيه مزّقت كلّ صورها فماتت مقتولة مرّّتين. في المرّة الأولى قتلها هو بولادته العسيرة، وفي المرّة الثانية قتلتها زوجة أبيه بتمزيق صورها وحرمانه من معرفة أمّه إلى الأبد. هي حكاية رجل يربطه بالحياة خيط رفيع جدّا هو الحدّ الفاصل بين الحضور والغياب، بين الشجاعة والخوف، بين الأمل واليأس، بين الحكمة والتهوّر، بين الليونة والخشونة، بين الصّدق والكذب. نبت في التخوم الفاصلة بين هذه الثنائيات منذ مجيئه إلى هذا الكون، حيث كانت ولادته في ذات الوقت موتا لأمّه.
كان يبدو للمحيطين به أخرق ومستهترا في تصرّفاته، حتّى أنّ دخوله السّجن لم يفاجئ أحدا. والحقيقة أنّه غذّى هذا الإحساس لدى النّاس، حيث لم تكن ملاحظات المقرّبين منه تثير لديه سوى الاشمئزاز وفي أفضل الأحوال الشفقة عليهم لما تخفيه من نفاق وما ترشح به من انفصام. لذلك كان يلوذ بالصّمت ويصمّ أذنيه معرضا عن تبرير سلوكه. إذ كيف لهم أن يفهموا أنّ من لم يف بدين تخلّد بذمّته لدى مراب ليس ناكث عهود؟ وأنّ من يحترم الحياة الخاصّة لأخته المطلّقة ليس قوّادا؟ ولعلّه كان عاجزا على تفسير سلوكه رغم يقينه بصوابه. كان يحسّ كما لو أنّ هناك حكمة مبهمة تقوده إلى إتيان أفعاله المارقة دون قدرة منه على ضبط نفسه. هو رجل يسعى إلى المال ليس حبّا فيه وإنّما للثّأر منه وممّا سبّبه له من حرمان في طفولته اليتيمة. علاقته بالمال خليط من الاحتقار والانبهار والكرّ والفرّ. علاقة انتهت به في السّجن، إذ لم يستطع الصمود أمام إغراء توزيع الصكوك البنكية يمينا وشمالا في حالة من الدّهشة الطّفولية بانفتاح أبواب الجنّة على مصراعيها بمجرّد أن يخط إمضاء لا يكلّفه شيئا على صفحة من ذلك الكنّش السّحري المسمّى دفتر الصّكوك. سجن يقول أنّه سعى إليه بكامل الحرّية والإرادة، وفيه بايعه السجناء ملكا عليهم وصاروا ينادونه "الشيخ". يوم غادر السّجن كانت فلسفته للحياة قد تشكّلت واكتملت بعدما انكشف له سرّ تلك الحكمة الغامضة التي كانت تقود سلوكه الأخرق قبل دخول السّجن. هناك فهم أنّ المهم ليس طول العمر وإنّما طعمه. فبين أن تمتنع عن الملذّات الحسّية والانفعالات العاطفية القويّة والسّهر وركوب المخاطر من أجل وهم التعمير في الحياة، وبين أن تعيش حياة مكثّفة لا مكان فيها للفراغ ولا للرتابة القاتلة والتّكرار الغبي، حياة قد لا تتجاوز الأربعين حولا ولكنّها مشحونة بالتّجارب الحسّية والرّوحية، فإنّه لم يتردّد لحظة في اختار النّمط الثاني.
في زنزانته، اقتنع بأنّ أسلافنا سكنوا العالم أفضل منّا لأنّهم لم يعرفوا الاستقرار وصرفوا حياتهم في ترحال دائم. كان سحر الاكتشاف يساعدهم على تحمّل ألم الانفصال. كانوا يجوبون الأرض بسهولها وفيافيها وجبالها أحرارا رغم الخوف والكوارث والأوبئة. لم يعرفوا السّجن لأنّه صنيعة الاستقرار. هكذا خلص إلى أنّ المدينة سجن والمنزل سجن والدّولة سجن بكامل مؤسّساتها ومنها النقود، أشرس السّجون وأدهاها، والطريق المرسومة سلفا سجن. فلا معنى للطّريق إذا لم تتشكّل أثناء المسير ولم تكن فضاء للاكتشاف والمغامرة والصّدفة والاندهاش. وحتّى لا تكون مغادرته السّجن مجرّد انتقال من سجن إلى آخر، ولأنّه كان يعرف أن لا شيء ينتظره في البيت سوى ما ألفه  من استقرار مميت، ولأنّه لا يريد لحياته أن تقتصر على مجرّد الوظائف البيولوجية، فقد عقد "السّجين الحر"، كما كان يحلو له أن يعرّف نفسه داخل السّجن، العزم على إعطاء معنى لحياته. ومن أمام بوّابة السّجن، انطلق يوم سراحه في تنفيذ حلمه دون إضاعة لحظة واحدة. من هناك قطع أولى خطوات دورته حول العالم على القدمين. كان مصمّما على التقدّم إلى الأمام دون التفات. فلا شيء يبرّر الرّجوع على الأعقاب. لا التثبّت من أمر ما ولا استرجاع تفصيل ولا الحنين ولا الحرص على تأمين الخطوات القادمة. ما أروع أن تكون كل خطوة جديدة في المسير دخولا لمجال جديد لم تعرفه من قبل. غادر هذه الحياة المنمّطة التي يحياها النّاس كالنعاج، وذهب لاكتشاف العالم وتنوّعه من أجل أن يعيش كل يوم تجربة جديدة ويعرف أناسا جددا، ويربك بصره بالمناظر المدهشة ويكرّس فرادته دونما عزلة أو تقوقع ويطلب المصاعب غير عارف إن كان سيهزمها أم أنّها ستصرعه... أليس أفضل من أن يعيش على اليقين بأنّ غدا سيكون نسخة من اليوم والأمس، وهكذا الحال حتّى ينصرم العمر؟

العملة الصّعبة والعملة السّهلة
كانت طفولته أيّاما تتوالى لتتشابه. يُتمٌ مؤثّث بفقر وبرد وحرّ وريح وجوع وخوف وسؤال ملحاح: "لماذا يمتنع الحاكم عن طبع ما يكفي من الأوراق المالية ليوزّعها على رعاياه فيقضي على الفقر في رمشة عين ولا يبقى بينهم محتاج؟". سؤال ترسّخ في ذهنه كالحقيقة حتّى أنّ حديث أستاذ علم الاقتصاد بالثّانوية عن التضخّم المالي لم يجد نفعا في إسقاطه وبيان عدم وجاهته.
ذات يوم خلاص تزعزعت ثقة يتيم الأم في جميع مصادر أمانه دفعة واحدة، في الله وفي الزّعيم وفي والده. سمع والده يبوح لزوجته بأنّ "الورقة جات بيضاء" وذلك معناه بلغة عمّال المناجم أنّ بطاقة الأجر لا مال فيها. أمّا في وعيه الطّفولي فمعناه أنّ يوم الخلاص تحوّل إلى يوم ورطة. ولمّا همّ بدخول المطبخ اعترضه والده يغادره دامع العينين. تملّكه الإحساس بأنّ بيتهم صار بلا سقف فهرع إلى نقوده المزيّفة التي يستعملها في درس الحساب ليختلي بها ويسحب منها ورقة راح يتأمّل صورة الزعيم فيها واثقة حكيمة وهادئة. ثمّ سأل الزّعيم أن ينقذ والده فورا. كان متأكّدا من قدرة الزّعيم، لو أراد، على تحويل النّقود المزيّفة إلى نقود حقيقية، ومن قدرته على إدخال يده في جيب سترته الأنيقة المرسومة على الورقة النّقدية ليمدّه بحزمة من الأوراق المالية الحقيقية. لكنّ الزّعيم خذله. وتكرّرت خلواته دون جدوى مع صورة الزّعيم الصمّاء مخلّفة لديه حنقا على الزّعيم وعلى المال. ولم يفهم كيف يتخلّى عنه الله ولا يستجيب لتوسّلاته بأن يأمر الزّعيم بإدخال يده في جيب وسترته ليمدّه بحزمة من المال. في سنوات الطّفولة تلك، كوّن مفهومه الخاص للعملة الصّعبة باعتبارها تلك العملة المستعصية على اليتامى وعمّال المناجم وليست تلك العملة التي يأتي بها المهاجرون والسياح ويصرفونها على ملذّاتهم بكلّ سهولة.




لمّا التحق بالوظيف، سلّموه كنّشا سحريا يسمّى "دفتر الصّكوك". وأفهموه أنّ الصّكوك نقود لها نفس قيمة الأوراق النقدية الحاملة لصورة الزّعيم. ولمّا تأمّلها ولم يجد فيها صورة الزّعيم، أحسّ بالارتياح من غياب ذلك الخائن الذي كم خذله في طفولته. وهاهي الصّكوك العذراء تهبه نفسها كحوريات الحلم أو كأنهار الجنّة، يكفي أن يقتطع صفحة ويمضيها بعد أن يدوّن عليها المبلغ الذي يريد حتّى يحصل على أي بضاعة يطلبها. لمّا أمضى أوّل صكّ، وتسلّم البضاعة استحضر صورة الزّعيم في ذهنه ومدّ له إصبعه الوسطى. ومن يومها انقلبت حياته بعد أن صارت السّعادة على مرمى صك. راح يختار بضاعة ويمضي صكوك ضمان يسلّمها للبائع، يتسلّم نصف ثمن البضاعة نقدا حيا يلهب الجيب والقلب من شخص ثان يرافقه إلى المحل التّجاري ليتسلّم البضاعة بدلا عنه. ويطير إلى الخمّارة القذرة، حيث السّعادة رابضة بانتظاره على طاولة عرجاء في جوف الحانة الظلماء كذكرى أمّه والعطنة كزوجة أبيه. يجلس قبالة الباب ويسحب من جيبه قطع النّقود المعدنيّة فيبسطها على الطّاولة. بعدما يشرب الكأس الأولى يلوّح القطعة الأولى بيده في الهواء عبر الباب مترصّدا لمعان المعدن عند تقاطعه مع شعاع الشّمس. وما إن يحصل ذلك حتّى يصيح منتشيا "في التراب ولا في كروش أولاد الكلاب". وما هي إلاّ لحظات حتّى يلتفّ حوله النّدامى مشكّلين مجلسا خمريا كبيرا يصغي في انتباه إلى فلسفة "الشيخ" حول مفهومي "العملة الصعبة" الحاملة لصورة الزّعيم والعصيّة على عمّال المنجم و"العملة السّهلة" المطهّرة من صورة الزّعيم. وأتاح توسّع دائرة النّدامى معرفة أنواع أخرى من العملة السّهلة والعملة الصّعبة حيث نجد في الصنف الأوّل عملة الوسطاء والسّماسرة والمرتشين والمراهنين وكتّاب التّعاويذ ومزيّفي العملة بالماسح الإلكتروني والآلة الطّابعة وفي الصّنف الثّاني عملة الحارقين والمهرّبين والبنّائين والعتّالين والعاطلين عن العمل ممّن يربّون الأمل.

جلال الرّويسي
منّوبة في 23 جويلية 2009