jeudi 6 septembre 2012

التعدّدية النقابية: إصابة بنيران صديقة وهديّة غير مقصودة للخصم

غالبا ما تبرّر التعدّدية النقابية بالاستناد على أنّه من المبادئ الأساسية للدّيمقراطية قبول التعدّد والاختلاف. وهذا ما يصحّ نعته بكلمة الحق التي يراد بها باطل. فالعمل النقابي ينبني على معادلة تضع وجها لوجه طرفين: ممثّل العمّال من جهة وممثّل المشغلين (الدولة أو العرف) من جهة ثانية. فهل يقبل الطّرف الثاني أن يكون متعدّدا؟ طبعا لا. فالدولة واحدة والعرف واحد وإلاّ فهو التفتّت وضياع السلطة والثروة. بلغة أخرى تشجّع الدولة والعرف على التعدّدية النقابية تحت ستار الديمقراطية لإضعاف خصمها. وهذا منطقي إلى حد ما، إذ لا تنتظر من خصمك أن يقوّيك ضدّه. لكن ما هو غير منطقي، هو أن يأتي الحرص على التعدّدية النقابية من الطرف العمّالي ذاته، ودائما تحت نفس ستار الديمقراطية إذ لا وجود لغيره. ولشرعنة هكذا موقف، يتمّ الخلط بين النشاط التقابي والنشاط الحزبي المبني بطبيعته على التعدّد. هذا ما نسمّيه بالنيران الصّديقة.
إنّ التوظيف السياسي للعمل النقابيl'instrumentalisation  مبدأ عزيز على اللينينيين الذين لا يرون في غيره إلاّ نقابات صفراء تطيل عمر الاستغلال. ويجاريهم في ذلك طبعا كلّ من يمارس العمل النقابي بغاية الاستقطاب السياسي بل والإيديولوجي. ولا نستثني من ذلك حساسية إيديولوجية أو حزبية بما في ذلك الإسلاميون حديثو العهد بالعمل النقابي. هكذا تتحوّل النقابة إلى حلبة للتجاذب السياسي والمزايدة الإيديولوجية فتضيع مصالح العمّال. لا يرى هؤلاء في النقابة إلاّ عربة من جملة العربات التي تؤلّف قطار الثورة شأنها في ذلك كالمنظمات الأخرى ومنها الكشافة والجمعيات الثقافية والبيئية والخيرية... أمّا القاطرة التي تجرّ هذا الرّتل فهي الحزب الذي يضمّ صفوة الثوريين المنضبطين والمتكوّنين، أي ما يسمّى بالطّليعة الثورية أو أولي الأمر. لا فرق هنا بين الإسلاميين واليسراويين إلاّ في التسميات أمّا المقاربة فواحدة.

يولّد الصراع أو التدافع للسيطرة على النقابة احتقانا وأزمة ثقة يؤدّيان بالضرورة إلى الانسلاخات والانسحابات وتأسيس النقابات الموازية فيفرك الخصم كفيه فرحا ولا يرفض الهديّة غير المقصودة.
لكنّ الدّعوة إلى ترك الاتّحاد بمنأى عن التوظيف الحزبي والإيديولوجي لا تعني تحويله إلى وسيط اجتماعي médiateur social محايد لا علاقة له بالشأن الوطني والقضايا السياسية الكبرى. حيث يذكّر الكثيرون من أبناء الاتحاد، وهم محقّون في ذلك، بخصوصية الاتحاد العام التونسي للشغل، التي تجد جذورها في تاريخ هذه المنظّمة. فقد ولد الاتّحاد في أتّون النضال الوطني ولعب دورا بارزا في استقلال البلاد حيث كان مؤسّسوه في نفس الوقت من أبرز قادة الحركة الوطنية. وقد واصل الاتحاد النهوض بهذا الدّور بعد الاستقلال، فكان شريكا فاعلا في بناء الدّولة الوطنية الفتية، كما لم يتخلّف عن أي محطّة من محطّات تاريخ بلادنا وشعبنا، مع ما اقتضاه قانون التطوّر الجدلي من خوض لمعارك خارجية وداخلية كمعارك الاستقلالية في 26 جانفي 1978، والكرامة في 3 جانفي 1984، والديمقراطية (نضال داخلي أبرز علاماته معركة الفصل العاشر) والعدالة الاجتماعية في الحوض المنجمي 2008 والحرّية في الفترة ما بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011. وإذا كان مناخ القمع والاستبداد الذي خنق البلاد طيلة ستّين سنة قد وفّر مسوّغات للحركات السياسية كي تستظل بظل الاتحاد، فإنّ استحقاقات 14 جانفي تملي على الجميع الخروج من عش الاتحاد وممارسة السياسة في الأطر الحزبية. ففضلا عن كون هذا يحمي العمل الحزبي والتعدّدية السياسية ويكرّس مكتسبات 14 جانفي على الأرض ويوسّع هامش الحريات، فإنّه يحمي كذلك الاتّحاد ويخفّف عنه العبء الذي ما تملّص منه يوما، كما يفوّت الفرصة على الانتهازيين والبيروقراطيين الذين يتحرّكون كالخفافيش بين خيوط عنكبوت الصراعات الحزبية التي طبعت تاريخ الاتحاد في الثلاثين سنة الماضية. وهاهم اليوم بعدما سقطت عنهم ورقة التوت يسعون إلى حياكة ورقة توت بلاستيكية (غير طبيعية) اسمها التعدّدية النقابية.
إنّ القياس على التعدّدية الحزبية لتبرير التعدّدية النقابية لا يستقيم وهو محض مغالطة.   فالأمر ينطوي على تناقض أنطولوجي، إذ كيف يعقل أن يكون اسمنا اتّحادا أو جامعة وندافع في نفس الوقت على نقيض الوحدة أي التعدّد. أمّا القياس الذي يوضّح الصّورة فهو مع التمثيل البرلماني. ذلك أنّ النقابة برلمان العمّال، وبالتّالي لابدّ من أن تكون واحدة موحّدة. وهذا لا يعني نفي تعدّد الآراء، ولكنّ ذلك التعدّد يمارس تحت سقف البيت النقابي ولا خارجه. فكما لا نقبل أن ينشق من لا يقبل رأيه داخل برلمان الشعب ويؤسّس برلمانا موازيا، فنحن لا نقبل أن ينشق النقابي ويؤسس نقابة موازية. وإلاّ فسيكون معنى الديمقراطية التخريب وليس البناء. لا بديل عن الوحدة النقابية. عاش الاتحاد العام التونسي للشغل ممثّلا شرعيا واحدا موحّدا مستقلا ومناضلا وديمقراطيا للشغيلة التونسية.