vendredi 22 août 2014

الرّومي

رفعت رأسي عن صفحة الجريدة مستطلعا قدوم حافلة الركّاب القادمة من قفصة في اتجاه الرّديّف، فلمحته يمرّ أمامي مصطحبا ابنه نحو بائع السندويتشات. عدت لقراءة الجريدة دون تركيز، وقد سيطرت عليّ الرّغبة في التأكّد مّما إذا كان ذلك الشخص هو من تصوّرته. صحيح أنّني لم أره منذ اكثر من  ثلاثين سنة، ولكن نبرة صوته وهو يكلّم ابنه أيقظت صورته في ذاكرتي كما لو كان بجانبي في قاعة المراجعة بمعهد قفصة. ثمّ، لم لا يكون هو؟ فأنا أعرف أنّه استقرّ بأمّ العرائس بعد أن صار ممرّضا بمشفاها المحلي.
ودون تخطيط مسبق وجدت نفسي أرفع رأسي ثانية مناديا "الرّومي، الرّومي"... لكنّ الرّجل واصل سيره دون التفات. قلت في نفسي سأنتظر عودته، فنحن بالتأكيد سنمتطي نفس الحافلة. وعندها سيتسنّى لي التعرّف عليه والسلام بحرارة واسترجاع أحلى الذكريات معه. طويت الجريدة في شكل لفافة لولبية وأنا أتساءل إن كان من اللائق أن أناديه بتلك الكنية التي عرف بها في صغره...
كان أبيض القشرة منساب الشعر وطويله، كأبناء الروامة من المهندسين الفرنسيين الذين يسكنون الحي الأوروبي بقريتي المنجمية. أذكر أيضا أنّه كان أبرعنا على الإطلاق في كرة القدم. ولكنّه كان أطيبنا وأكثرنا مسالمة. كم عانى من شقاوات الفقيد الناصر الذي مات في الجبهة العراقية الإيرانية. أذكر كيف كان يدسّ له جوارب نتنة في غلاف المخدّة، وكيف كان يلقي له بمخدّته في مبولة المبيت فيسقيها كلّ المقيمين ببولهم. ترى ما الذي فعلته بك السنين يا عبد الستّار يا عشيري؟ ها أنت منحني الظهر، مترهّلا تضع نظّارة طبّية سميكة جدّا. وها قد صرت حليق الرّأس عاريا من ذلك الشعر الذي تحسدك عليه الفتيات.
ربّما يزعجه أن أناديه بتلك الكنية أمام ابنه. وربّما كانت زوجته جالسة بجانبي دون علمي.
أعلنت حافلة الرديّف وأم العرائس عن وصولها بتلك الرنّة الصادية الطويلة التي لا شك أنّ السائق الشاب قد ورثها عن المرحوم حسين بطيخ. هاج جمع المسافرين المنتظرين بمحطّة المتلوي، ونطّ البكّوش من داخل مكتب رئيس المحطّة مدوّيا بصفّارته المزعجة يصول ويجول بحركات يفهم منها دعوته المسافرين إلى عدم التزاحم. في تلك اللّحظة، صرت أرى كلّ ما حولي بالأسود والأبيض كشريط وثائقي تاريخي يعبق برائحة الحنين. ولكنّ تأخّر عبد الستّار في العودة وخوفي عليه من أن يضيّع الحافلة شوّش متعتي وحرمني من مشاركة أهلي لذّة الازدحام فبدوت كمتبرجز مستنكف عن مشاركة البسطاء حياتهم. انتهزت تأخّر انطلاق الحافلة بسبب التزاحم  لأهرول نحو عبد الستّار وأستعجله. ولكن ما إن وصلت عند بائع السندويتشات حتّى انطلقت الحافلة.
ودون سلام ولا تسليم أمسكت عبد الستّار من كتفه قائلا له بلهجة جريدية في مزيج من المشاكسة واللّوم "يا رجل، أكثر من ثلاثين سنة ما نحيتش عنّك الرّخفة وما كبساتكش. الحاصيلو زايد مازلت لتوّة تضيّع في الكار" لكنّ الرّجل الذي لم يكلّف نفسه مجرّد الالتفات نحوي صاح "هبّط إيدك خير ما نكسرهالك" أجبته ضاحكا "اللّه اللّه على الرّومي، ولّيت تكسر اليدين ...؟" ودون أن يمهلني لأعرّفه بنفسي، رأيته يستدير ناحيتي وينزل على جبيني بضربة دماغ طرحتني أرضا وكست وجهي دما وأفقدتني وعيي.
وجدت نفسي طريح الفراش، بعينين متورّمتين لا أكاد أفتحهما، وعثمان البويحيي الذي اعتدى عليّ في محطّة الحافلات يناولني ملاعق من الحساء الساخن أعدّته زوجته الجريدية ويشرح لي أنّ ما حصل كان نتيجة سوء تفاهم. فهو ليس عبد الستّار الرّومي الذي اعتقدته. لمّا رنّ هاتفه الجوّال، استأذن منّي أن يتوقّف عن إطعامي كي يجيب فأومأت له برأسي موافقا. وبعد بضع كلمات سمعها على الخط قفز كالملتاع يهرول صارخا "أهلك حرقولي داري يا جريدي"
قربة، تونس في 22 أوت 2014