mardi 1 décembre 2015

صيّاد الأفكار

كان يتناول قرن البازلاء ويلوي أحد طرفيه لينفلق بطن القرن بفعل الضغط كاشفا عمّا في جوفه من حبيبات خضراء متلألأة. ينطّ بعضها ليسقط في الإناء فيما يبقى بعضها الآخر معلّقا بخيط نباتي رفيع في الجانب الباطني من القرن. يمرّر حسّان سبّابته في جوف القرن كالجرّافة ليمسحه ويخلّص الحبيبات العالقة فتسقط في الإناء لتلتحق بمثيلاتها.
كان هذا التكليف في بداية التحاقه بمركز إصلاح الأحداث الجانحين بمثابة حصّة تعذيب قاسية. فلا صبر له ولا قدرة على تحمّل تكرار نفس العمليات الدقيقة واليدوية. ذلك يصيبه بالملل ويفقده أعصابه لأنّه لم يخلق لمثل هذه الأعمال التافهة. هذا فضلا عن أنّ كلّ حبّة بازلاء تنطّ خارج الإناء وتقع على الأرض، كانت تترجم إلى عقوبة رياضية بدنية قاسية.
يتذكّر كيف كان يثور في وجه أمّه كلّما طلبت منه أمرا كهذا متعلّلا بأنّ ذلك شغل صبايا ونسوان، أمّا الرجال فشغلهم التفكير. كانت تلك تعلّاته لمغادرة البيت والالتحاق بأقرانه في الزوايا المظلمة من الحي، حيث يمارسون جميع أنواع الشقاوات. كان لا يطيق البقاء لوحده. يتصوّر أنّ خمس دقائق من العزلة كفيلة بإزهاق روحه، لأنّه يحسّ فعلا بالضيق والاختناق كلّما وجد نفسه وحيدا. كان يهرب إلى الجماعة حيث المرح والمغامرات والبطولات. هذه البطولات هي التي قادته هو وجميع من يحيطون به إلى هذا المركز الإصلاحي. وها هو وجها لوجه مع واجب تقشير البازلاّء القاتل، دون أن يمكنه الرّفض.
لكنّ تكرّر تنفيذ ذلك الواجب في مركز الإصلاح وبذلك القدر من التركيز جعله يكتشف أنّ الأعمال الدقيقة والمتكرّرة وسيلة منشّطة للتّفكير ومساعدة على التأمّل. ومن يومها صار مغرما بتقشير البازلاء وبفرز أوراق البقدونس وبتنقية أكداس العدس من السوس والحصى. وفي المقابل، تراجع ميله إلى أنشطة التحدّي البدنية. فقد صارت الأشغال اليدوية الدقيقة والمتكرّرة بالنسبة إليه منطلقا للانغماس في ذاته والحفر عميقا في طوايا شخصيته. من خلالها أمكنه إيقاظ تفاصيل نائمة في زوايا الذاكرة نبّهته إلى حماقات ارتكبها وأجبرته على مراجعات واعترافات صادقة. كم قطّا عذّب هو ورفاقه؟ وكم عقب سيجارة جمعوها ودخّنوها؟ وكم ناقوسا قرعوه ليوقظوا أهل البيت في عزّ القيلولة؟ وكم تلميذا سلبوا وهو عائد من مدرسته؟ وفي حالات أخرى كثيرة، كانت تأمّلاته تطوّح به في تهويمات وأسئلة فلسفية لا طاقة له على تفكيكها وفهمها بوضوح. ولكنّ غموضها وعجزه على استكناهها لا ينقصان من سحرها وانجذابه إلى الغوص فيها. كان يمسك مثلا قرن البازلاّء ويتساءل عن الأيادي التي مرّ بها قبل أن ينتهي بين أصابعه. فقد حصده فلاّح ما في مكان ما من هذه البلاد، وباعه في سوق الجملة حيث اشتراه خضّار وأعاد بيعه إلى إدارة المركز ليتولّى تقشيره هو ويفرّق بين الحبيبات المدسوسة داخله كالأخوات، وستنتهي كل منها في فم شخص مختلف. وأحيانا أخرى، كانت تنتابه الرّغبة وهو ينقّي حبّات العدس من الشوائب أن يقوم بعدّها حبّة حبّة. فيبتسم ثم يواصل عمله وهو يميل رأسه يمينا وشمالا استغرابا لأفكاره.
يفهم الآن غرام أولئك الذين يصطفّون كل عشية على ضفاف بحيرة تونس مولّين ظهورهم لسكة الحديد والطريق الموازية لها وهم جالسين في صمت متباعدين بعضهم عن بعض يلاعبون الأسماك التي تعلق بصنّاراتهم. كم مرّة رأى بعضهم يخلّص السمكة من الشص ويعيدها إلى الماء... يدرك الآن أنّ انتظار "المسّ" ليس سوى تعلّة لترويض النفس القلقة واستدراجها إلى رحاب التأمّل والفكر.
يوم تسريحه، راودته فكرة أنّه يقشّر آخر قرن بازلاء في المركز. ولكنّه ابتسم لمّا أدرك أنّ آلافا من قرون البازلاّء وملايين من حبّات العدس تنتظره في الخارج، ومعها ساعات ممتعة من العزلة والتأمّل والتفكير. ثمّ قرّر أن يكون أوّل شيء يفعله هو اشتراء صنّارة ومعدّات لصيد الأفكار...