vendredi 13 février 2009

أم العرائس - عروس القرى

من طبعي إذا حللت بمكان ألاّ أستطيع مغادرته بسهولة أمّا إذا غادرته فغالبا ما لا أعود إليه. كما أكره الذّكريات المعلّبة في ألبومات الصّور الفوتوغرافية، وأفضّل الاعتماد على ذاكرتي لأحتفظ بصور حيّة وتفاصيل حميميّة عن كل الأماكن التي أقمت بها والأشخاص الذين عرفتهم: وجوه آدميّة ومبان وساحات وأزقّة وأصوات وروائح وأحداث. هكذا ظلّت الرديّف، التي لم أعد إليها منذ أن أحالتني إعداديتها إلى ثانوية بقفصة منذ ثلاثين سنة خلت، حيّة في وجداني. حتّى أنّني أتهيّب الذّهاب إليها كمن يخشى الانهيار عند لقاء حبيبة فارقها من زمن بعيد. ولهذا هربت دوما من الأماكن التي تربطني بها تجربة حياة. فأنا لا أزور أم العرائس أين "سقط رأسي"[1] إلاّ لماما. ولا أتوقّف بمدينة قفصة، حيث درست وذقت أوّل قارورة جعة وحلقت زغب ذقني وعشت أوّل خيبة حب، كلّما مررت بها عائدا من تونس إلى دقاش أين استقرّ والداي بعد رحلة العمر في عروس القرى أم العرائس. بل إنّني أتمنّى لو أنّ السّلطة أنجزت طريقا حزامية تعفيني من عبور قفصة كي لا أمرّ أمام مجلس سي عبد الحميد الزّاهي بمقهى "مرحبا" مثلا أو أمام ماخورها الذي يغريني بالتوقّف للسؤال عن نجاة فاتنة جيلي من التلاميذ ومعلّمتهم. وفي كل مرّة لمّا أصل إلى مفترق دقاش/أم العرائس بمدينة المتلوّي يكاد مقود السيّارة يدور آليا إلى اليمين في اتجاه السّهم الذي يشير إلى طريق أم العرائس والرديّف. لكنّني أغالب المقود وأقاوم الرّغبة لأنّني لا أحتمل نفسي ضيفا في قريتي. وفي كل عصرة قلب كهذه يجفّ الحلق وتضيق الحنجرة وتكبر بداخلها تلك الكرة التي لا يعرفها إلاّ المرضى بالحنين المزمن.
لكن ما حيلتك وقد اقتحمت عليك الرديف وأم العرائس بيتك في تونس من خلال قناة الحوار أو قرص ليزر لترى شبابك في عيون ذلك الشباب الجسور ولتتذكّر طفولتك أمام أقواس جامع سّوق الرديّف؟؟ هذا ما لا تقوى على الصّمود أمامه.
عشت دراستي الابتدائية بمدرسة حي العمّال وهو الاسم الرّسمي لحي الملاجئ، ومعناه أنّ سكّانها لاجئون. وتقع "مدرسة حي اللاجئين" على الطّريق الرّابطة بين المنجم والمستشفى.
" مدرسة حي العمّال يا مصنع مجد ورجال
حياك الله أيا منبت لرجال الفكر وللسّؤدد"
هذا ما أستحضره من قصيدة ألّفها معلّمنا الصفاقسي سي قطاطة وكنا نردّدها بكل فخر واعتزاز. كنّا نقضّي اليوم بأكمله في المدرسة. إذا انتهت حصّة الدّرس يجبرنا سي الجموعي على المراجعة وإنجاز التمارين تحت حائط الفصل أين يؤمّن درس الفريق الموالي. كانت المدرسة توفّر لنا لمجة منتصف النّهار ذلك الرّغيف البسيط المكوّن من السّردين المصبّر والهريسة. ولكن لست أدري ما سرّ لذّة تلك اللّمجة التي يوزّعها علينا حارس المدرسة أحمد مرّوش القادم من عين دراهم. كنّا لا نملّ الدّراسة ولا المدرسة. فهي كل شيء في حياتنا ولا يختلف في ذلك النجباء عن متبلّديّ الذّهن. فيها نتعلّم ونلعب ونرتكب الحماقات البريئة ومنها نأكل ونلبس ونحصل على الكتب والمحافظ والكراريس وسائر الأدوات وحتّى تذاكر السينما. أمر واحد كان قادرا على تعطيل حياة مدرسة حي العمال، مدرسة المجد والرّجال، هو صوت "العيّاطة" أي صفّارة الإنذار الكهربائية التي كلّما أطلقت عقيرتها في غير أوقات تسريح العمّال أو التحاقهم بالعمل إلاّ وتجمّد الدّم في عروقنا وارتجفت فرائصنا وداهمنا الإسهال. عندما يحدث ذلك، فهذا معناه أنّ الجبل طاح، أي أنّ الدّاموُس انهار على من تحته من العمّال. ولا يوقظنا من ذهولنا إلاّ ولولة "لامبيلانص" (سيارة الإسعاف) التي تعبر وراء سياج المدرسة باتّجاه المستشفى. فترانا ننقذف خارج قاعات الدّرس مهرولين باتجاه المستشفى مصحوبين بمعلّمينا: سي الأخضر الذّي يعضّ التلميذ إذا غضب وسي الجموعي الذي لا يعترف بالعطل وبالأعياد وسي مصطفى البيتاوي الذّي بعث مكتبة تعاونيّة في كلّ فصل وسي لقمان الذّي زيّن المدرسة برسومه واعتنى بحديقتها أكثر من حديقة داره وسي حسن سعد الذّي كان يطعمنا في بيته من غداء أولاده وحتّى سي عبد الوهاب بوترعة المدير. وأمام باحة المستشفى، نختلط بالعمّال الضّاجين والنّساء لاطمات الخدود والصّدور وحافيات الأقدام وعاريات الرّؤوس ومنفوشات الشّعر. وغالبا ما يخرج النّائب النّقابي على الجمع مصحوبا بناظر المستشفى مجتهدا في إيجاد صيغة تخفّف المصيبة حتّى أنّه قال ذات مرّة "الحمد لله لم يمت إلاّ فلان وفلان من جملة ستة مصابين". وبعد احتجاجات بسيطة من العمّال حول عدم توفّر مستشفى عصري ومجهّز بقسم جراحي، تستأنف الحياة وتيرتها. ثلاث "بوسطات" (ورديّات) تنظّم حياة الناس في أم العرائس على إيقاع صوت العياّطة التي كان ضيوفنا القادمون من الجريد يتشاءمون من سماعها إذ تذكّرهم بصفّارات الإنذار أيّام الحرب فنجيبهم نحن الأطفال بأنّ العيّاطة هي آذان العمّال يدعوهم لآداء فريضة العمل.
نحن أولاد المناجم، حاصرنا القحط وتسلّل إلى جيناتنا وخلايانا الوراثية. وجوهنا متفحّمة وغائرة الخدود وشعورنا كثّة كشوك القنافد وأسناننا صفراء تنفّر من تقبيلنا وراحات أيدينا متخشّبة لا تصلح لمداعبة الفتيات. أشجارنا شهباء وصهباء وحيطان بيوتنا بنية ورمادية وسماؤنا غائمة من دون سحاب أو ضباب.
كان الموت والفقر والأمراض من ثوابت حياتنا. ولكنّنا كنا نجد في حياتنا القاسية تلك مبرّرات للسّعادة ومناطق للفرح تجعلها جديرة بأن تعاش. وهذا هو الفرق مع اليوم حيث تحوّلت عروس القرى أم العرائس إلى فيروس القرى سُمّ العرائس.
كنّا نؤمن بالدّراسة وبحتميّة التفوّق فيها. كم مرّة توّجت مدارس قريتي بالمراتب الأولى جهويا ووطنيا؟ وهاهم أبناء قريتي من الأطبّاء والمحامين والجامعيين والمهندسين يزرعون الحياة ويحسّنون من شروطها عبر أرجاء البلاد وحتّى خارجها. أفكّر في رمضان وفتحي ولمين الأطبّاء وفي عمّار وعبد الحق المحاميين وفي صالح المهندس بأمريكا وفي حبيب وزهير الجامعيين وفي كمال قائد الطّائرة وفي بلقاسم الصيدلي وفي علي رجل الأعمال بسويسرا وغيرهم كثير.
ولكن لنعترف بتقصيرنا تجاه قريتنا. فماذا ترانا رددنا لها من جميل. من سوانا سيفرض على إدارة شركة فسفاط قفصة (ال"CPG") إقامة نُصب العامل المنجمي في مدخل أم العرائس الشمالي تخليدا لضحايا "المينة" وعلى المجلس البلدي تركيز نُصب المعلم الرّسول في مدخلها الجنوبي تمجيدا لسي الجموعي وأمثاله ؟ من سوانا سيحسّن من كلمات أغاني "أولاد المناجم" الباهتة والمحنّطة ؟ أمّا آباء أبناء جيلي، فأغلبهم قضى تحت الجبل والبقية متقاعدون تنخر أجسادهم أمراض الدّاموس. من سوانا يا أبناء جيلي سيجمع شتات المتقاعدين ويمكّنهم من الالتقاء ولو مرّة أخيرة قبل أن يفارقوا الحياة ؟؟ ألتقي بعضهم صدفة في المدن والقرى المجاورة بقفصة والجريد وفي صفاقس وتونس العاصمة وفريانة فنتعانق طويلا ونبكي على الأيّام الخوالي ويحتجزونني ضيفا لديهم. لابد من تنظيم لقاء سنوي لمتقاعدي الشّتات في أم العرائس وتمكينهم من لقاء زملائهم وسرد شهاداتهم أمام خلفائهم من جيل العمال الحالي وأمام أحفادهم. ولي أفكار وأحلام أخرى كثيرا ما حدّثت عنها بلقاسم وحمّة رشيد وحمّة عوني وميلود قريوني، من حقّنا بل من واجبنا أن نجسّدها. سيدي يوشك أن يموت بين اليوم والآخر وهو لا يقوى على زيارة أم العرائس خوفا على نفسه من صدمة الحنين. اصطحبته سنة 2006 هناك على متن سيارتي الشّعبية وكان فخورا يكاد يصيح بالعابرين: أنا عمارة البدوي فهلاّ عرفتموني؟ وهذا ابني وقد أصبحت له سيارة أفخم من سيارة مهندس "المينة" تلك "السيتروان دي شوفو". ولمّا فاجأته بزيارة حي "نزلة السوافى" الذي لم تطأه قدماه منذ 1966 تاريخ انتقالنا للملجأ، لم يفهم في البداية ما أنا فاعل. وعندما فقه الأمر ظلّ صامتا لبرهة وهمهم بكلام غير مفهوم استنتجت منه خليطا من الامتنان والعتاب على مزيج الألم والسعادة الذي قدّمته له. ولمّا أشفقت عليه من كثرة الانفعال وغادرت بطحاء الحي، عاتبني قائلا "آش بيك فيسع مشيت، كنت باش نورّيلك القهوة اللي خدمت فيها قبل ما ندخل للكبّانية".
نعم، كان للحياة بالقرى المنجمية رغم قساوتها طعم ومعنى. فقد كان لسعادة طفولتنا مذاق لم يدركه جيل اليوم ولأحلام شبابنا أفق هو مسدود أمام شباب المناجم اليوم. لذلك يحدث في المناجم ما يحدث اليوم.
لقد تغذّت أحلامنا وكبرت من سحر شاشة "الصندي فات" (هكذا كنّا نسمّي la salle des fêtes). كنّا نستقبل في "ماطشنا" (ملعبنا) أعتى الفرق وأشهرها. ونسافر إلى صفاقس ومنها إلى مدن الشمال على "اللاتوراي" (l’autorail) ونشتري من "الكانطينة" (المغازة العامّة لشركة الفسفاط) الأجبان الأوروبية غير المتوفّرة بالمدن الكبرى. ونتفسّح عشية في "الفيلاج" (الحي الأوروبي)، بين حدائقه الغنّاء فنتسوّر أسيجة الحدائق لنسرق العنب والبطّيخ والورود السّاحرة ونستفزّ ذلك الطّاووس البديع في القفص المشبّك ل"بيرو لامبوش" (le Bureau d’embauche). ونتلصّص على المهندسين الفرنسيين بيياي وكوبي (Messieurs Billet et Copy) وهما يلعبان الكرة الحديدية داخل حديقة منزل أحدهما ويتوقفان بين الحين والآخر ليترشّفا كأسين تسيلان لعابنا. وعندما يتفطّن لوجودنا عم البيتاوي الجنّان نهرب ولكن ليس خوفا بل كمن يلعب الغمّيضة.
أمّا عن يوم الخلاص فتلك حكاية أخرى...آه يا "نهار الخلاص". لأطفال البلاد عيدان ولنا نحن أطفال المناجم أربعة وعشرون عيدا إضافيا. يقبض الزّوفريّة (les ouvriers) رواتبهم كلّ خمسة عشر يوما، فيتخلّصون من الهمّ والفقر والدّيون ونسمّي ذلك "نهار الخلاص" (le jour de la délivrance). يومها، يتوجّه العمّال باكرا ليصطفّوا أمام شبابيك "بيرو لامبوش" وبعد قبض رواتبهم يتوجّهون إلى السّوق صحبة أبنائهم فيسدّدون ما عليهم من كريدي ثم يُكًرْدُونً (يستدينون) "السبيسة" (مستحقّات الاستهلاك المنزلي من طحين ومصبّرات وزيت إلخ.) وهذا يعني تأمين الأسرة ضدّ شبح الجوع. وبالإضافة إلى ذلك، دأب العمّال على تنفيل "قضية نهار الخلاص" باشتراء أشياء إضافية ممّا يجعله يوم عيد في نظرنا نحن الأطفال. لحم أو سمك حسب المتوفّر وغلال وحلقوم وحلوى شامية و"تاي" وسكّر ولوز مجفف أو كاكاوية. عندما نعود إلى المنزل محمّلين ب"القضية" ترتّب المرحومة ما اشتراه سيدي بعيون ممتنّة له على ما وفّره لنا ولها من أمان. كانت في لحظات صفائها تقول لنا "سيدكم إيديه كبيرة، والمرا تحب الرّاجل الجيّاب، يعني اللّي ما يدخلش على مرتو وصغارو وإيديه فارغة. غير هضاكه ما عطى ربي."
يوم الخلاص يغيب أغلب عمّال الورديّتين الثّانية والثّالثة عن العمل لأنّهم يخبطونها (يسكرون) ثم يتفرّغون لزوجاتهم العائدات من الحمّام منقّيات ومسوّكات ومبخّرات ممّا يجعل كامل القرية تعبق برائحة الجنس و"التاي" المحروق على الفحم واللّوز المحمّر ورائحة الشواء و"البيرّة" أو "الدّيفان" (du vin).
ومن طرائف يوم الخلاص أنّ سيدي في آخر شهور حياته المهنية صار تقريبا معفى من العمل. وهو تقليد دأب عليه العمّال في التخفيف والتغاضي عمّن يستعد للتقاعد مكافأة منهم وتكريما له. وهكذا صار سيدي يذهب متأخّرا للعمل ليغادره بعد ساعة وقد كلّفه زملاؤه بشراء هريسة (لبلابي) أو استخراج وثيقة لأحد رفاقه، إلى أن صادف ذات خلاص وهو يعمل بالوردية الصباحية فكلّفه زملاؤه باستخلاص رواتب كامل فريق الوردية ربحا للوقت. جمع بطاقات الخلاص وتوجّه إلى "بيرولامبوش" ليقبض بين يديه أضخم مبلغ في حياته. وعوض أن يعود إلى مقر العمل لتوزيع الأموال على أصحابها عنّ له أن يمرّ بالبيت. أخبرنا أنّه ربح مبلغا ماليا كبيرا جدّا في يانصيب السوق ثمّ أخرج كيسا بلاستيكيا ونشر الأوراق النّقدية في الهواء فتطايرت في فناء الملجأ ودخلنا أنا وإخوتي في هستيريا من الرّقص والصّياح متلاعبين بالخضرلاف والحمرلاف والزّرقلاف بينما سيدي يراقب المشهد ضاحكا. وفي لحظة خاطفة أمرنا بلهجة زاجرة أن نكفّ عمّا نحن فيه وقال بصوت منكسر يشي بالنّدم على تلك الفرحة الزّائفة التي بعثها فينا "كنت نلعب عليكم، هضاكه خلاص صحابي الخدّامة" ونظر باتجاه أمّي معتذرا فأطلقت المرحومة تنهيدة صغيرة وقالت كعادتها كلّما غلبها سيدي على أمرها: "اللّه يهديك يا عمارة".
واليوم، ها أنا أدرّس كثيرا من أبناء "المينة" بالجامعة وأكاد لا أتعرّف عليهم لولا سيماهم التي على وجوههم. ذبلت فيهم جذوة الحماس للدراسة والتعلّم. ولكن ليس لأنّهم أقلّ ذكاء من جيلنا، بل لأنّهم لم يتربّوا على أيدي معلّمين من طينة سي مصطفى البيتاوي وسي الجموعي وكذلك لأنّه لا أمل لهم في الشغل حتى لو صاروا مهندسين.
كم يضحكني الحديث عن الانتصاب للحساب الخاص كحل لانسداد أفق التّشغيل.
أوّلا لأنّ مشتقّات هذه الكلمة تحيل إلى معان لا علاقة لها بالعمل كالنّصب والنّصيب والنصّابين والانتصاب والنّصبة والنّصبات واليانصيب والنصاب والأنصاب، إلخ.
وثانيا لأنّ هؤلاء الأحرار لا يعرفون إلاّ الانتصاب للحساب العام باعتبارهم مجبولين على ذلك أو انتصاب القامة لأنّهم كبروا يردّدون أغنية مارسيل خليفة:
" منتصب القامة أمشي مرفوع الهامة أمشي".
من أيّ كهوف يخرج علينا هؤلاء الذين يريدون تعليم أبنائنا مبادئ التّضامن والمدنية ؟
إنّهم لا يعرفون كيف يعامل أهل "المينة" خدّام "التروازيام بوست" (من يعمل بوردية الليل). فإذا كان أحد سكّان الحي في هذه الوضعية، فعلى الجميع، نساء ورجالا وأطفالا، احترام حقّه المقدّس في النّوم والخلود إلى الرّاحة. يكفي مثلا أن تقول لنا أمّي "يزّي من الحس، راهو خذيري يخدم تروازيام" حتى نتوقّف آليا عن اللعب. فلا مهاريس تدقّ ولا مذياع يصدح بالأغاني الصّباحية ولا شيء ممّا يعكّر نوم الخدّام تروازيام. هل من مدنية أرفع من هذه؟
من هؤلاء الذين يريدون إعطاءنا دروسا في الكدّ والعطاء والصّبر؟
"نحنا قلوب صيد وجمل نحنا رجال صبر وعمل
في جبالنا فنينا العمر ولولادنا ما جا خبر
بصباعنا نهز الجمر وفي صدورنا يمين الأصم"
لم تحن بعد ساعة المحاسبة. لكن خذوا هذا على الحساب. لماذا اختفت ملاعب التنس وكرة السلة ؟ لماذا تحوّلت الكنيسة إلى مستودع بلدي لمواد البناء وليس إلى نادي للأطفال ؟؟ ما سرّ إغلاق "الصّندي فات"؟؟ وين مْشِتْ "الكانطينة" ؟؟ علاش بدّلتو اسم دار الشعب بدار الثقافة ؟؟ كيف يتحول نائب نقابي إلى ملياردير بين يوم وليلة ؟؟ آش تستنّوا باش تردّوا "الوزينة" القديمة (l’ancienne usine) (هاك اللي وراء السّتاد القديم) متحف ؟؟ من أمر بوصل الكهرباء وهو يعلم بوجود شاب معتصم بالمحطّة الكهربائية ؟؟ في أيّ عصر يعيش هذا المسؤول اللاّمسؤول ؟؟ ألا يشاهد يوميا في تلفزات العالم كيف تفكّ الاعتصامات السلمية؟؟ أيّ ضمير هذا الذي يسمح لصاحبه باستباحة حياة بشرية وفجع ذويه فيه ؟؟ هل يجوز لنا أن نسكت عمّا حدث ؟؟
يا رسول الله، بلاد اللّي كانت جنة ع الأرض عثتوا فيها فساد ؟؟ بانا حق ؟؟ بانا منطق ؟؟ شوف، شوف، سيرتو (surtout) ما تقولّيش الدّاموس ما عادش يقتل كيف بكري. وشركة الفسفاط ما تنجّمش تخدّم النّاس الكل. موش هذا موضوعنا وهذايا اسمو مراوغة وغمّة.
صحيح أنّ نسبة حوادث الشغل القاتلة تراجعت كثيرا، لكنّ أهالينا وشبابنا يموتون اليوم بالسّرطان وبالحجر في الكلاوي وبالحساسيّة وبالفدّة وبالغصّة وبالألكول وبالقوارس وبالتريسيتي وبالكرطوش.
بلاد اللي كانت ملتقى الجنسيات موش فقط الجهات. اتحاد المغرب العربي نحنا نعرفوه ونعيشوه ملّلي نحِلُّو عينينا في الدّنيا. في كل "مينة" تلقى المراركة والدّزيرية والطرابلسية وزيد عليهم الطلاين والفرانسيس. ولليوم ولغدوة، ما عندنا حتى عقدة. نزورو بعضنا ونعرّسو من بعضنا ونغنّو غناء بعضنا ونكنترو مع بعضنا.
هكذا هي سوسيولوجيا المناجم منذ القديم. خذ مثلا ما وصفه " إيميل زولا" في روايته "جارمينال" التّي تحوّلت إلى شريط سينمائي رائع. كم يشبه بعضنا بعضا نحن اولاد المناجم في كل أصقاع الدّنيا. ولذلك فمن العيب أن يسعى البعض لإثارة النعرات العروشية والجهوية. "المينة"، أيّ "مينة" في الدّنيا هي بلاد الخدّامة اللّي حفروها واللي بنوها وعلّوها وماهياش بلاد قبائل وجهات. أم العرائس هي بلاد الخدّامة من أولاد سلامة وأولاد بويحي والجريدية والقفاصة والفراشيش والجنادبة والهمامة والصفاقسية والسّوافى والمراركة.
في كل مولد نبوي، يقيم المراركة حضرة دينية باسم سيدي بن حمدوش. وتتحوّل أم العرائس إلى نقطة استقطاب حيث يتقاطر علينا الزوّار من المدن والقرى المجاورة. وفي داخل الحلقة، يضرب الرّاقصون رؤوسهم ب"الشواقير" والسواطير فتنهمر الدّماء على جباههم ووكيل الحضرة يتنقّل بينهم ماسحا تلك الجباه المدماة بريقه "المبارك". إيّاكم من تجفيف دموعنا بالرّيق البارد
[1] العبارة لمحمّد الصغيّر أولاد أحمد
جلال ولد عمارة البدوي
أستاذ مساعد بالجامعة التّونسية
وليد نزلة السوافى، وابن الملاجئ بأم العرائس.
منّوبة في 14 جوان 2008