vendredi 13 février 2009

رسالة من صحراء الحياة

"لا نلتقي إلاّ وداعا عند مفترق الحديث
تقول لي مثلا:
تزوّج أيّة امرأة من الغرباء أجمل من بنات الحي
لكن لا تصدّق أيّة امرأة سواي
ولا تصدّق ذكرياتك دائما...
لا تحترق لتضيء أمّك
تلك مهنتها الجميلة"
(محمود درويش)

كلّ شتاء يحلّ هو سنة جديدة تنضاف إلى عمر موتك ومفازة جديدة تنفتح عليها صحراء حياتي. وفي كلّ ذكرى لرحيلك، أفتعل مشاغل تصرفني عن التوقّف عند ذلك الحدث الغائر في صدري كسكّين لا أقوى على اقتلاعها مخافة أن يتضاعف الألم عند تحريكها.
ورغم محاولات حاتم والزّين بثّ شيء من البهجة في المنزل وطرد الكآبة المعشّشة بين جدرانه، فإنّ ما ظلّ ينفّرني منه هو مشهد "سيدي" في شيخوخته المسكونة بالهلع من الموت، متثاقل الخطو في غدوّه ورواحه أمام صورتك التّي تتصدّر بهو قاعة الجلوس. والرّأي عندي أنّ التّوفيق لم يحالف من اختار تلك الصّورة للمحافظة عليك حاضرة بيننا وقرّر تضخيم حجمها إلى ذلك الحدّ الذّي جرّدك من بساطتك. كنت أتمنّى لو اختار لك صورة تجسّدك في وضع عفوي، وأنت تغسلين الثياب مثلا أو ترفوين الجوارب الممزّقة أو تحرّكين قدر الطّعام، ولا هذه الصّورة الجامدة التي تحيل على الموت أكثر من الحياة بهذا الحجاب الغريب عمّا تعوّدته عندك من وجه مكشوف وضاحك...
من عادتي ألاّ أردّ على المهاتفات اللّيليّة، ولكنّني لمّا رأيت اسم أخي حاتم على شاشة الجوّال الذّي أيقظني من نومي عند منتصف اللّيل، حدست أنّ أمرا خطيرا قد جدّ. "جميلة ماتت"، لفظها حاتم مستغيثا وبوضوح يقطع الطّريق على أيّ تأويل آخر. وما أغرب كيف تقبّلت ذلك النّبأ. لا بكاء ولا توتّر ولا انهيار بل إحساس أقرب ما يكون إلى الانفراج. كأنّما جاءني الخبر ليضع حدّا لكابوس كان يتلبّسني وينغّص حياتي في السنوات الأخيرة. ووجدت تفكيري كلّه مركّزا على كيفيّة قطع الخمسة مائة كيلومترا للوصول إلى قريتنا في أسرع وقت وبأضمن السّبل. وكان وقع الخبر كافيا ليستفيق سنان من سكرته ولتتكفّل جنوبيّته بالبقيّة.
عندما سحبت عنك الغطاء وصفعني وجهك الرّخاميّ البارد، فهمت معنى الموت. حتّى أنّني لم أستطع الاستمرار في تأمّل تلك الجثّة اللاّمبالية التي تشبه أمّي جميلة. وكانت تلك اللحظات القصيرة التي تأمّلت فيها سكونك المطلق كافية لأوقن أنّ الموت للميّت راحة وأنّ حزن الأحياء على الأموات ليس في الحقيقة إلاّ حزنا على أنفسهم من لوعة الفراق ووحشة الغياب. وسرعان ما غادرت الغرفة مرجئا خلوة التوديع إلى ما بعد. ولأنّني لم أقتنع بأنّك متّ فعلا، فإنّني لا أزال إلى اليوم أؤجّل لومك ومعاتبتك على هذه الغيبة نسجا على عادتنا في إرجاء النّقاشات والمواضيع التّي قد يعكّر مجرّد الخوض فيها صفو المودّة بيننا. ومع أنّني في كلّ صباح جديد أكتشف أنّ غيابك ليس حلما مزعجا، فإنّني لا أملك إلاّ أن أتمسّك بأمل لقاءك في الصّباح الموالي.
لا مشكلة لي مع الموت، فقد صرفت أكثر من نصف العمر في الاستعداد له ومحاولة فهم علاقته بالحياة والعدم والذّاكرة والخلود والبعث والعبثية. ونجحت في إقناع نفسي بضرورة الموت ومزاياه، إذ أيّ قيمة لحياة لا يتهددّها الموت وأيّ معنى لها؟ أليس خوفنا من الموت هو الذّي يدفعنا إلى الفعل قبل أن يداهمنا الغياب؟ وألا يغدو الموت بذلك محرّكا للحياة؟ لكن ما ظل يؤلمني فقط في حادثة موتك هو طابعه الغادر والمفاجئ. فهناك فرق بين أن يتوقّّع الإنسان وأقرباؤه موته فيوصي بأشياء ويودّع أعزّاء ويفي بديون ويبوح بأسرار إلخ، وبين أن يختطفه الموت فجأة فلا يجد الوقت لترتيب أمور رحيله الأبدي. ويؤرّقني أكثر أنّنا لم نأخذ تحذيراتك مأخذ الجد فكأنّنا بعدم انتباهنا لآلامك كنّا ندفعك إلى أن تفعليها وتموتي حتّى ندرك خطورة مرضك. وكما لو أنّنا، أنا وإخوتي، قد اتّفقنا دون سابق تشاور أو إضمار على عدم طي صفحتك من كتاب الأسرة وترك الأمر معلّقا إلى أن يموت "سيدي" فلعلّنا نقوى حينها على مغالبة ضعفنا ونقلب الصّفحتين معا أو أن يموت أحدنا قبله فيغادر هذا الوجود مصبّرا بزائف الأمل.
كان رحيلك تجربتنا الأولى مع موت الأقارب ولم نكن مدرّبين على مواجهة مثل هذه الرجّات. غرقنا في حالة من الذّهول والعجز عن الكلام، جعلتنا نتحاشى بعضنا البعض ليقيننا أن لا أحد باستطاعته تقديم شيء للآخر. وفيما لاذ إخوتي بالتّفاصيل كحفر القبر وشراء لوازم الكفن وغسل الميّت ونعيه عبر مصدح المسجد لتأثيّث ذلك الصّباح الشّتائي ومقاومة خناق الحزن المطبق عليهم، كنت أعصر دماغي عساي أجد طريقة لتمديد وجودك بيننا، كتحنيطك والاحتفاظ بك في صندوق بلّوري محكم الغلق مثلا، أو على الأقلّ دفنك في المنزل حتّى لا تغادريه أبدا، أو أيّ طريقة أخرى... وكأنّني بحرّاس التّقاليد الدّينية والاجتماعية قرؤوا نواياي فراحوا يكرّرون على مسمعي أنّ إكرام الميّت دفنه. وكلّما اقترب موعد الدفن، تضخّم عدد الحاضرين وتأكّد لديّ الإحساس بأنّ طقوس الجنازة ليست سوى مسرحية تراجيدية حوّلتنا أنا وإخوتي إلى فرجة لدى الجمهور المتلهّف إلى انطلاق المراسم.
وفي غمرة ذلك الانشغال كان "سيدي" متروكا لحاله في شروده وإحساسه بالعجز وخوفه من الفراغ الذّي سيلفّ حياته القادمة. وقبل انطلاق موكب الدّفن جاءته الحالة فلم يكن ممكنا عدم نقله إلى المستشفى. وفي انقلاب درامي مفاجئ، تحوّل الاهتمام إلى "سيدي" الذّي افتكّ منك الأضواء وحوّل عنك الأنظار. وللحظة، بدت الجنازة مفتوحة على كلّ الاحتمالات والتطوّرات. وظلّت أنفاس الجمهور معلّقة بين المستشفى أين يرقد "سيدي" والمنزل أين ترقد جثّتك في انتظار نقلها إلى الجبّانة.
وفيما كان الدّكتور ياسين الذّي عجز عن إنقاذك البارحة يفحص "سيدي" على نفس السّرير وفي نفس الغرفة، كان هذا الأخير ينتفض ارتجافا ملوّحا ببصره في أرجاء المكان، كما لو أنّه يلاحق روحك التي مازالت ترفرف في أرجاء الغرفة عساه يلحق بها قبل أن تحلّق عاليا ويعود بها إلى المنزل لإعادة زرعها في جثّتك الهامدة قبل مواراتها التّراب. ويقيني أنّه كان راغبا في التشبّث بجناحي روحك ليطير معك إلى ملكوت المطلق. وكان ذلك المشهد كافيا لأدرك كم كان يحبّك وأغفر له كلّ ما سجّلته ذاكرة طفولتي من خطايا تجاهك. وكان لابدّ لي من ترك "سيدي" لمصيره واللّحاق بموكب الدّفن.
من أين جاءتني القدرة على إدارة ذلك الفصل من الجنازة وأنا موزّع ما بين المستشفى والجبّانة وانجراف القلب ونزوح العقل وثقوب الذّاكرة؟
غادر نعشك المنزل محمولا على حناجر الرّجال المكبّرين حتّى يغطّوا على عويل النّسوة وصراخ الأطفال الفزعين. ولكنّهم لم ينجحوا في التّغطية على نداءات جليلة وهي تلعب ورقتها الأخيرة منادية إيّاك عساك تستيقظين في نعشك وتضعين حدّا لذلك الكابوس المرعب. كم آلمني أن أرى من يصوّر موكب التّشييع بالهاتف الجوّال كما لو كنّا في مهرجان فولكلوري أو محفل عرس لكنّني مشيت في غمرة المودّعين دون أن أزاحم أحدا لحمل النّعش. وفي الجبّانة، وقفت بعيدا عن القبر أتابع طقوس الدّفن كما لو كان الميّت شخصا أعرفه من بعيد. وفي موكب الأربعينية، عاتبني كثيرون على ضعف تأثّري وهدوئي أثناء الجنازة واستنكروا ردّي على كلّ من كان يقول لي معزّيا "البركة فيك" بقولي "اللّه يبارك فيك" لأنّ هذه الصّيغة في الرّد تستعمل عند تقبّل التّهاني.
في اليوم الثاّلث، ما إن فرغنا من بناء القبر ونثر الزهور عليه حتّى غمر القرية مطر طوفاني جعل نبيهة تعلّق: "كانت المرحومة تحب الشتاء وتتمنّى على السّماء ألاّ ترفعها إلى ملكوتها إلاّ شتاء". وها أنّ السّماء قد استجابت بهذا الشّكل الذّي جعلنا بعد توقّف الطّوفان نشعر كما لو أنّنا ولدنا من جديد مغسولين من أحزاننا وخطايانا. عند عودتنا من الجبّانة، كانت ملابسنا الملتصقة بأجسادنا تعتصر ماء سماويا. وكانت الحيطان والأبواب والأثاث والأرض مشرّبة كما الإسفنجة بالماء، حتّى غدا الموقف مزيجا بين الواقعي والأسطوري وصرنا عاجزين عن تشخيص مشاعرنا بدقة. فقد تداخلت دهشة اللحظة مع لوعة الفراق وعبثية الحياة لتحوّلنا أطفالا كبارا يتامى وحزانى وحيارى كالسّكارى. وزاد من سريالية المشهد إشعال مواقد الحطب التي تحلّق حولها الحاضرون فانعكست أضواؤها على وجوههم المفتعلة للحزن تستّرا على انتشائهم بغرائبية اللّحظة. ولم يكن ينقص المشهد حتّى يحيل على طقوس القبائل البدائية إلاّ أن نخلع ملابسنا ونقرفص حول النّار حفاة عراة. وكم أشفقت لحال تلك القريبة التي فوّتت على نفسها عمق اللحظة بانصرافها إلى الاحتفاء بذلك الخطيب التّعيس الذّي كان يتمنّى في سرّه لو يموت كلّ يوم قريب لخطيبته حتّى يمكنه الالتقاء بها أكثر.
متى هدأت حالة "سيدي" وكيف حصل ذلك؟ كلّ ما أذكره هو أنّه ظلّ طوال إقامته بالمستشفى يسأل عن تفاصيل الجنازة وهيبتها وموقع القبر وأسماء المتخلّفين عن الحضور وموكب العزاء وعشاء الترحّم وحلقة التّرتيل والذّكر الحكيم. دامت إقامته بالمستشفى أسبوعا عاد إثره إلى المنزل وقد ورث منك ارتفاع ضغط الدّم وكأنّ ذلك المرض هو روحك التّي كان يطاردها في أرجاء الغرفة يوم الجنازة. والحقيقة أنّ مرضه وانشغالنا بتطوّر حالته ساعدا كثيرا في التّخفيف من مصابنا وامتصاص ألمنا. كنّا جميعا متوجّسين من لحظة دخوله المنزل وقد فقد نبضه وخلا من روحه. فنحن ندرك أهمّية وجودك بالمنزل بالنّسبة إليه، وهو الذّي كان يرسل في طلبك حالما تغادرين المنزل للتّسالي عند جارتنا. فتعودين غاضبة معاتبة. لكنّه سرعان ما يهدّئك بمجرّد اعترافه بأنّه لا يحتمل المنزل وأنت غائبة عنه.
فجأة تعطّل نبض الحياة في هذا المنزل حتّى أنّ عقارب السّاعة الحائطية بغرفتك ذات السّقف الخشبي توقّفت عن الدّوران في نفس السّاعة والتّاريخ الذّين غادرت فيهما باتّجاه المستشفى. صار المنزل موحشا كالمقبرة. تبخّرت روائح الأكل من مطبخه وخلا بهوه من ضجيج الأحفاد ولم يعد للصّبايا الطّامحات إلى الفوز بأحد أبناءك سبب وجيه للتّردّد عليه. وفهم طبّال العيد أن لا فائدة ترجى من اللّف والدّوران حول هذه القلعة المهجورة إلاّ من طير الحمام. لذلك، لم أعترض على مشروع الزّين لهدم الغرف القديمة وإقامة جدران جديدة لا ذاكرة لها مكانها. أعترف أنّني فقدت كلّ ارتباط عاطفي بتلك الجدران التي رعت طفولة أحفادك وأثّثت ذاكرتهم. أمّا ذاكرتي أنا وإخوتي فقد تركتها الأسرة هناك في أمّ العرائس يوم قرّرتما أنت و"سيدي" مغادرة تلك القرية المنجمية المستعصية على عقال تاريخ البلاد وجغرافيتها والعودة إلى هذه الواحة المتجذّرة في سراب الرّمل بحثا عن بقايا من ذاكرة طفولتكما وهذا حقّكما. لكن من حقّ فيصل كذلك أن يرى في هذا المنزل نذير شؤم ويقاطعه في آخر زيارة له لدقاش عند إصابة "سيدي" بجلطة قلبية كادت تلحقه بك لو لم ينقذه ابن عمّي المتديّن بقراءة سورة قرآنية جعلته يفيق من غيبوبته التي عجزت طبيبة القلب الرّوسيّة عن إخراجه منها. لن أتصالح مع ذاكرتي قبل أن أستردّ بيتنا في أم العرائس وأجعل منه مركز وثائق ومتحفا للحياة المنجميّة.
وكان لابدّ أن ينصرف المعزّون ذات يوم لنكتشف حجم الفراغ من بعدك. وها أنّ فيصل يسرف في غربته مستمدّا منها ستارا واقيا وحاتم يمطّط لياليه حتّى لا يرى نهاراته الخالية منك والزّين يضاعف من زهده في الحياة ترحّما على روحك الطاهرة. ونبيهة وجليلة ووحيدة يتناوبن على خلافة دورك كأمّ ومكانك كربّة بيت ممزّقات بين بيوتهنّ وبيت العائلة المحال على الإنعاش ريثما يتزوّج أحدنا ليزرع فيه الحياة من جديد. فيما اخترت أنا الطّواف ب"سيدي" بين المدن والأقارب ريثما تخبو ذاكرة الجدران والجيران. وأعترف أنّ موتك قرّبنا من بعضنا أكثر وأجبرنا على المجاهرة بحبّنا لبعضنا بعضا وعلى التّواصل والانشغال بما يحصل للواحد منّا أكثر من قبل وهي كلّها أعباء كنت وحدك المتكفّلة بها. هل كان لابدّ من أن تموتي حتّى نقتني ل"سيدي" سمّاعتين أخرجتاه من صممه وكسرتا عزلته الصّوتية وأعادتاه إلى مجالسة النّاس ومشاركتهم الحديث؟ عذرا على أنانيتنا كلّ تلك السّنوات التّي قضّيتها معه في صياح وعناء لإبلاغه ما تريدين قوله. وأعترف كذلك أنّني لم أتجاهل فرضية تزوّج "سيدي" ثانية. تعاملت مع المسألة بما أوتيت من العقلانيّة، بعيدا عن العواطف الرّخيصة، تلك التي تنظر للموضوع من زاوية خارجية يسمح أصحابها لأنفسهم بإدارة حياة الآخرين ومصادرتها تحت ستار الوفاء والإخلاص. وانتهيت إلى أنّها حياته لوحده يعيشها كيفما شاء على أن أساعده في ما يختاره بملازمة الحياد وعدم التدخّل إلاّ إذا طلب منّي ذلك.
في المقابل صارت المقبرة من أكثر الأماكن أنسا وألفة لدينا. نعم فقد صالحنا موتك مع المقبرة التي كان مجرّد المرور بجانب سياجها الخارجي يبث الرّعب في طفولتنا البريئة. حجز "سيدي" لنفسه قبرا إلى جانبك غير عابئ بانتقادات شقيقه الذّي رأى في ابتعاده عن جناح والديه وإخوته خيانة. وصار الجلوس على ذلك المقعد الرّخامي الصّغير بجانب قبرك موعدا يوميا للتأمّل والبوح والمناجاة الصّامتة حتى يستعيد راحته وصفاء ذهنه. وكم يروق له أن يشاهده المترحمّون في خلواته تلك فتطول عنقه ويباهي بفخامة قبرك متحدّيا ما أثاره حجم القبر وارتفاعه وشكله ورخامه من تحفّظات لدى حرس التقاليد. ومن جانبه، أدرج الزين المرور بقبرك في طقوس ما بعد السّكرة وصار حريصا على ألاّ يختم سكرته إلاّ بإفراغ جعبة عواطفه وأفكاره المتشابكة على مسامعك وقد يأخذه النّعاس أحيانا فينام بين أحضانك كالطّفل الوديع. وشجّعني موقع الجبّانة بمدخل القرية على أن أجعل من زيارة قبرك وتحيّتك أوّل فقرة عند حلولي بدقاش عائدا من تونس وآخر فقرة عند مغادرتي لها. وفي كلّ وقفة، أدندن مطلع أغنية لأمّ كلثوم وفاء لتعلّقك بكوكب الشّرق. آه، كم أتمنّى تركيز آلة تسجيل تردّد على طول اليوم أغاني أمّ كلثوم بالتّناوب مع تراتيل عبد الباسط عبد الصّمد صاحب الصّوت الزّلال والأداء المطمئن الذّي كم يحزّ في نفسي أن يستعاض عنه بمرتّلين غرباء عن ذائقتنا السّمعية لا يحيل أسلوبهم إلاّ على سعير جهنّم وعذاب القبر. أمّا أخواتي، فلولا خوفهنّ من التّعاليق الحمقاء للأهل والأقارب لتحلّقن كلّ عشيّة حول قبرك في الجبّانة ونصبن برّاد الشّاي. عهدا لك ولهنّ منّي، سنفعلها ذات عشيّة وفاء لروحك المرحة ونكاية في حرس التّقاليد الأغبياء.
أمّا بعد، فالأحداث المحزنة التي حصلت في هذه السّنوات الثّلاث من غيابك أكثر من الأحداث المفرحة. بل هي أكثر من كلّ المآسي التي مرّت بأسرتنا منذ تأسيسها. فهل من شك بعد هذه الحقيقة أنّك كنت في حياتك تمنعين السّماء من الانهيار على رؤوسنا. لكن بقدر المرارة التي خلّفتها هذه المآسي فنحن جميعا فرحون لأنّك نجوت منها. فهنيئا لك بعدم حضور حادث المرور الذي تعرّض له فيصل وسبّب له نزيفا دماغيا وغيبوبة دامت قرابة الشّهر. وكذلك للجلطة القلبية التّي أصابت "سيدي" وفقدان وحيدة لرضيعها في شهره الأوّل وخضوع الزّين لعمليّة استئصال لكليته اليمنى وإصابتي أنا وحاتم بمرض السّكّري. أروع ما في خطوبة حاتم هو أنّها كانت فرصة لإعادة "سيدي" إلى حلبة الرّقص، ذلك الشّيء الوحيد الذّي يتقنه بامتياز لا أخال أحدا قادرا على منافسته فيه. رقص حتّى غاب عن الوجود وكأنّه في حلقة رقص صوفي، حتّى أنّنا خفنا على صحّته وقلبه من الإنهاك. لكن يبدو أنّ الرّقص الصّادق والفرح الحقيقي خير دواء للقلب وللشّيخوخة. ومادمنا نتحدّث عن حاتم فقد ربح معركته مع الجيران وحصل على ترخيص السّلط لتركيز محطّة التقاط وإرسال هاتفي فوق سطح المنزل. وقد تضاربت الشّائعات والأرقام بشأن معلوم الكراء الذّي دفعته شّركة الاتّصالات ل"سيدي" وأعترف أنّني ساهمت في نشر هذه الشائعات إشفاقا على الجيران من بؤس الفراغ وتأثيثا لوقتهم المسكون باللاّمعنى.
وفي الأخير، كم أسعدني أن أراك في منامي سكرتيرة متأنّقة وضاحكة ورشيقة. وفيما حمّل الأقارب والأهل حلمي ما لا يحتمل، فإنّنا الوحيدين الذّين لا يمكن أن نختلف في تفسيره. شكرا على تجسيدك لمشروعنا المؤجّل بالتّسجيل في برنامج تعليم الكبار والفوز بالرتبة الأولى بين النّاجحين.
جلال الرويسي
منّوبة في 28 نوفمبر 2008