mercredi 10 novembre 2010

سهرة جريدية

Normal 0 21 false false false FR X-NONE AR-SA
لم أكن أتوقع أنّ زيارتي لخالتي بعد خضوعها لعملية استئصال الحويصلة الصفراوية ستغدو خبرا يتناقله جميع الأقارب. إذ، كعادة أهل الجريد في تحويل أيّ أمر عادي إلى حدث يستحق التعليق والتحليل، كانت هذه الزيارة العاديّة جدا موضوع سهرة عائلية صاخبة استهلها سيدي عندما قال لي : "خالتك شاكرة فضلك ياسر، وهي تحدث عن زيارتك لها كل ضيوفها". وعلق خالي الذي تغير مزاجه وخطابه وسلوكه منذ أن حج البيت الحرام في العام الفارط : "ما عنداش مزية، هكذا يجب أن يكون الواحد منا مهما علا شأنه، يقدر الكبير ويواسي الفقير ويلعب مع الصغير". واستغل سيدي كلام خالي كي يطرق كعادته الحديد وهو ساخن فأعلمني بأن عمتي سألت عني موحيا لي بضرورة زيارتها هي الأخرى. ولما لاحظت أختي تبرمي من حصارهما المجاني لي وخشيت من ثورتي في وجهيهما، وجهت بلباقتها المعهودة الحديث نحو موضوع لا يمكن أن يكون محل خلاف بيننا : "ما أكثر ما تطور العلم، منذ ثلاثين سنة أجريت على المرحومة نفس العملية وفتحوا لها جرحا في بطنها بطول عشرين صانتي. أما اليوم، فتكفي ثلاثة ثقوب لا تترك أثرا لاستئصال الحويصلة وتخليص المريض من حصاة بحجم حبة التمر". وتساءل زوجها الذي هو في نفس الوقت ابن خالتي الأخرى عما إذا كان مرض الحويصلة وراثيا مادام قد طال أربعة أفراد من حزام مية لوحدها. ضحكت في سري لسببين : أولهما أنه لا أحد يعلم بأنني قد خضعت في السنة الفارطة لنفس العملية مما يرفع العدد إلى خمسة ويدعم صهري في افتراضه المتهافت. وثانيهما استغرابي من عدم ربطه لانتشار المرض في عائلتنا بقاسم مشترك في نظامنا الغذائي ونمط حياتنا.
قال سيدي وقد أسعده أن يحضر ذكر المرحومة : "رحمها الله، لقد عانت الأمرين قبل أن يشخصوا لها المرض، ورحم الله ذلك الجراح البلغاري الأعرج حيا أم ميتا، فلولاه لما عاشت معنا خمسا وعشرين سنة أخرى بعد العملية." ثم انتقل كعادته في القفز من موضوع إلى آخر : "لقد هز مرضها الجميع، وتقاطر على زيارتها القريب والبعيد، حتى المرحومة أختها المقيمة في سيدي بوزيد، ما عدا شخصا واحدا لا فائدة من تحريك المواجع بذكره". وخيم على المجلس صمت من رصاص حدسنا منه جميعا أن سيدي يصفي حسابات قديمة مع أحد الحاضرين. وبعد أن استأذن الحاج بشكل مفاجئ، عاد صهري للموضوع متحديا ذاكرة سيدي لكن على واجهة أقل إحراجا : "هل تعلم أن ذلك الجراح قد استقر بعد تقاعده في نفطة بعدما اشترى غابة ذلك الممرض النفطي الذي كان يغير ضمادات خالتي رحمها الله ؟" والحقيقة أن حكاية استقرار الجراح البلغاري بنفطة قد حركت فضولي. لكن سيدي الذي خشي أن يتحول مركز الاهتمام إلى صهره دفع الحديث في وجهة أخرى : "ما أحمق بن عمر، كان أولى به أن يتفرغ لرزق باباه عند تقاعده من أن يفوت فيه للرومي". صحح صهري اسم الممرض بكونه عمر وليس بن عمر وجاءه الدعم من وراء باب الغرفة بالخارج أين كان الحاج خالي لا يزال منكبا يعالج بلغته "إنت نفسك يا عمارة بعت رزق باباك. اللي يستانس بالشهرية كيفكم يا جماعة المينة ما يقدّش يقاوم قلة الماء وتكاليف الغابة. الغابة تحبّ اللي يوقف عليها ويقطع نوم الشتاء السّمح باش يسقيها". ودون سبب ظاهر صاح سيدي "التعاضد هو اللي بيعني في رزق بابا وموش خدمة المينة وشهرية الكبانية. أما بن عمر، ما فيكمش من يعرفه أكثر مني. باباه زازايري من واد سوف عييت نخدم معاه في مينة أم العرايس. وهضاكة علاش كان لاهي ياسر بالمرحومة في السبيطار". وجاء صوت الحاج خالي مزمجرا على أختي "أخرجي تفقّدي عشاء ذرّيتك، ظاهرلي طنجرتك شدّت فوق النار. الله يسامحك يا عمارة قدّاش تعاند".
جلال الرويسي
توزر في 10 نوفمبر 2010