dimanche 2 octobre 2011

مسرحية "قصر الشوك" لنعمان حمدة : عذابات الحياة في جسد غائب

المستشفى فضاء يجمع تحت سقفه فئات اجتماعية متنوّعة تلتقي حول هدف مشترك هو مقاومة المرض وما يتّصل به من آلام وتهديد بالموت. هكذا، يجد العاملون بالمستشفى أنفسهم في مناخ عمل ضاغط وخانق يدفعهم إلى إلغاء عواطفهم وأحاسيسهم ممّا ينتهي بهم إلى فقدان إنسانيتهم والتحوّل إلى آلات أي إلى مرضى لا يقلّون معاناة عن المرضى الذين يعالجونهم. و"قصر الشوك" هو واحد من هده المستشفيات حيث يستضيفنا نعمان حمدة كاتب المسرحية ومخرجها لنقضي ليلة رأس السنة رفقة فريق الدّوام الليلي. يدعونا هذا المقترح الدرامي إلى استبدال صخب علب الرقص الليلية حيث اعتدنا الاحتفال بالمرور من سنة إلى أخرى بصخب منبهات الآلات الطبية الحاد وبصرخات الاستغاثة المكتومة تنبعث من كل من يوجد في المستشفى دونما فرق بين الطبيب والممرض والمريض والزائر.. يدعونا إلى استبدال حرارة الأجساد الراقصة بحرارة الأجساد الناقصة عاطفة وعافية. يدعونا إلى استبدال الظلمة المثيرة بالظلمة المخيفة.

في هذا الفضاء المظلم والكئيب تتحرّك شخصيات المسرحية. طبيب جرّاح منصرف عن الكلام والمشاعر وعن زوجته إلى العمل. طبيب نذر حياته لشغله حتى انكمشت وغدا فضاؤه الحيوي لا يتجاوز جدران "قصر الشوك". زوجة الجرّاح ممرّضة بنفس المستشفى، ما عاد بإمكانها تحمّل انشغال زوجها الكلي عنها بالعمل وأعياها انتظار التفاته إليها فانفجرت شاكية حينا ومتوسلة أحيانا. ممرّض استنزفه تضميد جراح الآخرين يبحث عمّن يضمّد جراحه وينصت إلى بوحه حتى يتخفف من أعباء هواجسه التي ازدحمت في دماغه حتى فاضت عنه تأتأة على صيغة هذيان يصدر من فمه كزخات رصاص متقطعة وعبر نوبات صرع أشبه ما تكون بصعقة الكهرباء. مريض نتواصل معه من خلال هاتف صوتي يصدر من إحدى الغرف واصفا على لسان ضمير المفرد المتكلم ما يختلج في دماغه منذ دخل في حالة موت سريري طوال ثلاثة عشر شهرا... شخصية مشطورة بين الحضور والغياب، بين الموت والحياة ..طيف في صمت الموتى لا يني يعبر الركح في بطء غاديا رائحا مثقلا بالآلام والأوجاع.. أيهما أقرب إلى الموت؟ صاحب الصوت أم صاحب الطيف؟ وأخيرا أخت توأم لمريضة تعرّضت لحادث مرور خطير مصيرها معلّق ما بين الحياة والموت. كلّما ظهر من الغرفة الطبيب أو ممرّض انفتحت على يمينها هوّة الموت وعلى يسارها بهرة الحياة، حتى تكاد لا تدري إن كانت تريد سماع خبر ما أم تفضّل التمديد في الانتظار بما يحمله من أمل ولو ضئيل.

نص متفاوت الحبكة والمتانة، لم يصمد أمام إغراءات الانسياق وراء بعض القوالب الجاهزة (الكليشيهات) خصوصا أثناء حوارات الطبيب مع زوجته ممّا جعل النص متعثرا أحيانا. ولكنه لا يخلو من مقاطع قوية ومحبوكة الكتابة أغلبها جاء في تلك التداعيات أمام الميكروفونين المثبّتين على جانبي الخشبة في جزئها الأمامي المتقدم (l’avant-scène) وهو اختيار إخراجي مبتكر سنعود إليه لاحقا.

ومن مواطن وهن النص أيضا عدم تعمّقه في قضايا أساسية أحيانا وتغيير وجهته بشكل لا يبدو لنا وجيها أحيانا، بل وفي بعض الأحيان الأخرى عدم إثارته لمسائل على علاقة عضوية بموضوع المسرحية. فهناك مسائل هي من صميم التجربة الوجودية للإطار الطبي والصحّي قد تلمع في أذهاننا وتحرّك وجداننا ولكننا لا نجد الشجاعة كي نتوقف عندها طويلا ونغوص فيها ربما هربا من ضعفنا وتجنّبا لوجعها وإرباكاتها الفلسفية، في حين يكتوي بها عون الصحة يوميا. ومن هذه المسائل قضية الموت الرحيم euthanasie الحاضرة في المسرحية، ومسألة تمزّق الطبيب أمام موت المريض بين استبطان ذلك الموت كفشل مهني والإحساس القهري بالعجز إزاء القدر ولكن في كلتا الحالتين فإنّ ذلك يخلّف لدى الطبيب انكسارا وجروحا غائرة تعمّق أزمته واكتئابه. وهناك أيضا لحظة إعلام الأقارب بالموت وما يترتّب عنها من شيطنة للطبيب. وكذلك عذاب الطبيب عندما يحجب عن المريض أحيانا حقيقة مرضه ليتحمّل بدلا عنه آلام الخوف من الموت القادم بينما المريض لا يعلم شيئا ويعيش ما تبقى له من أيام على أمل زائف بالشفاء. لا نجد عذرا لنص "قصر الشوك" في أن يمر على هكذا قضايا مرور الكرام ويكتفي بالإشارة العابرة إليها مثلما حصل في بعض مواقف من المسرحية.

ومن الأمثلة على ذلك، نذكر مشهد دفاع الممرضة عن ضرورة التمسك بأمل الحياة للميت سريريّا مهما كان ذلك الأمل ضعيفا أمام موقف الطبيب الجرّاح الذي يؤكّد على عبثية المحاولة وعلى ضرورة وضع حد. هكذا، تظل الأسئلة الجوهرية معلّقة على الشفاه ويطرح المشكل بأنصاف الكلمات. فهل الموت الرّحيم ضرورة أم جريمة؟ ومن أي منظور؟ وهل يكفي القول بأنّه لا مكان للعواطف والأحاسيس في مهنة الطب ليكون الواقع فعلا كذلك؟

وهناك أيضا المشهد المتعلّق بمراوغة الجمهور لمّا خرج الممرّض على الأخت بأغراض شقيقتها المريضة، وهو ما خلق حالة من التوجس في انتظار إعلام الأخت بموت شقيقتها. ولكنّ الممرّض راوغ الجميع وأخبرها بإدخال أختها إلى غرفة العمليات. وقد انحرف ذلك بالمنحى الذهني للعمل نحو وجهة ميلودرامية شعبوية تحيل على النهايات السعيدة التي ترأف بالمشاهد. وفوّت على النص فرصة مواتية لبسط المعاناة الوجودية للإطار الطبي في مثل هذه المواقف. وهو ما أضعف الشحنة الدرامية للعمل.

أمّا عن المعالجة المسرحية لهذا النص، ونقصد بذلك الرّؤية الإخراجية للعمل بمختلف عناصرها ومفرداتها من توظيب ركحي وإضاءة ومؤثرات صوتية وأداء فقد استوقفتنا العلامات التالية.

يتجسّد "قصر الشوك" على الخشبة من خلال ديكور مخفّف أهم مفرداته ستائر معلقة على جنبات الخشبة يمينا ويسارا في إشارة إلى غرف التمريض وكراس منثورة في بهو الانتظار ما بين صفّي الغرف.

تتحرّك الشخصيات في هذا الفضاء تحت إضاءة خافتة لكنها انتشارية في غير تركيز على جوانب بعينها. وهو ما ساعد على تصوير مناخ الكآبة والضغط المسيطر على المستشفى. وقد نجحت الإضاءة في إبراز انفعالات الشخصيات عند التداعيات وذلك من خلال التركيز على الوجوه وظلالها، وهي تقنية فوتوغرافية تتلاءم أكثر مع السينما وتتطلّب حرفية عالية عند اعتمادها في المسرح.

ولكنّ أداء الممثلين كان في نبرة باهتة ينقصها النبض والعمق وحرارة الإحساس. فكأننّا إزاء ممثلين يؤدّون أدوارهم بطريقة البلاي باك يكتفون بتحريك شفاههم لمحاكاة صوت ينبعث من آلة التسجيل. وهي طبعا ملاحظة لا تصح إلاّ على العرض الذي حضرناه. إذ لكل عرض ظروفه الخاصة التي تؤثّر بشكل مباشر في أداء الممثلين ومن أهمّها حجم الجمهور ونوعيته وما ترسله القاعة من موجات موجبة أو سالبة لدى الممثل. على أنّ هذا لا يمكن أن يشكّل عذرا كافيا لممثلين محترفين من طينة عناصر قصر الشوك. ولعلّه من الإنصاف استثناء عبد المنعم شويات الذي نجح في أداء دوره مستفيدا في اعتقادنا بشكل ذكي وجلي من بحوثه الجامعية بالمرحلة الثالثة والمتعلقة بلغة الإشارات لدى الصم. وبالنسبة للتحرّك على الخشبة، فبقدر ما نجح كلّ من عبد المنعم شويات والممثّل الذي جسّد دور المريض الصامت في غدوّه ورواحه (هل هو الصادق حلواس؟)، كانت تحركات البقية ميكانيكية وفاقدة للنبض. وسيكون من غير المقنع التعلّل بكون طبيعة الشخصيات تتطلّب تلك الميكانيكية والبرود في الأداء.

وقد نجح نعمان حمدة في تقدير الجرعة المناسبة من المؤثرات الصوتية حيث كان مقتصدا فيها ولم يبحث عن الإبهار والاستعراض المجاني واكتفى بإشارات صوتية حادّة يصدرها منبّه آلة طبية وبدقّات قلب مضخّمة... وجاءت الموسيقى على سياقين. سياق أوّل يخدم مناخ التوتر والضغط اختار له نعمان حمدة الموسيقى الإلكترونية "المجنونة" في إيقاعها وتركيبتها. وسياق ثان لمصاحبة مواقف الحنين والبوح والتداعي اختار له المخرج أغان رومنسية المناخ ولكننا لم نفهم لماذا جاءت بالإنقليزية.

يتدرّج العمل مستندا على هذه العناصر الإخراجية نحو ذروة تأزّمه حيث تجد الشخصيات نفسها تتقاطع في الخطاب والإحساس وتكرّر بعضها البعض وتتناسخ.

وتقفل المسرحية على لقطة عالية الرمزية يتولى فيها الممرض تكميم الميكروفونين القائمين على جانبي الخشبة في جزئها الأمامي. كان الميكروفونان طوال العرض بمثابة الملاذ الذي تلجأ إليه الشخصيات كلّما أعيتها والغربة وناءت بثقل المعاناة الداخلية ولم تجد من يصغي إليها. كانا متنفّسا يجنّب الشخصيات الانفجار الداخلي، هما أشبه بكرسي الاعتراف والبوح. عندما تقف الشخصية أمام أحد المكروفونين تلغي كل ما وراءها على الخشبة لتفرغ جعبتها وتِؤجل انفجارها. مكروفونان كالآلات الطبية التي تشد مريض الموت السريري إلى الحياة. يقول نعمان حمدة في حوار لجريدة الصحافة: "الموت السريري حالة صحية وإنسانية ليست بغريبة عن المجتمع التونسي... يشفق الناس على المريض الذي يعيش حالة الموت السريري والحال أنّ الحياة وإيقاعها السريع والمشاغل والهموم قد جعلت من الآخرين في حالة غيبوبة دون أن يشعروا بذلك". ويقول الطبيب لزوجته الممرّضة "قتلك مريضك وفى. الأحاسيس ما عندها حتى دخل في الشيء اللي نعملو فيه... يلزمنا نقرّرو ونعملو حد..." لمّا نربط كلام الشخصية بتصريح كاتب العمل ومخرجه لجريدة الصحافة نستطيع أن نفهم رمزية تكميم المكروفونين. لابدّ من إيقاف الآلات والوسائط. يحتاج أفراد هذا المجتمع أن ينظروا في وجوه بعضهم البعض وأن يتحدّثوا بوجوه مكشوفة مباشرة ودون وسائط، لا أن يديروا الظهور لبعضهم البعض ويفرغوا جعباتهم عبر قنوات تتوجه لجمهور من خارجهم. وإلا فستستمر حالة الموت السّريري أي حالة "الحياة في جسد مفقود" حسب عبارة كاتب النص ومخرجه.

جلال الرويسي أكتوبر 2011