vendredi 25 novembre 2011

عندما كنت صغيرا، كنت أحبو الكلمات

"عنــدما كنت صغيرا كنت أحبو الكلمات
كنت طفلا ألعب الحرف وألهو الكلمات
كـــل مــا أعرفــــه أني ظلمــت الكلمات
ولقــــد مـــت مرارا في سبيــــل الكلمات
فصــدور النــاس قد كانــت قبور الكلمات
قل لمن همهم في الناس وخـاف الكلمات
أوتخشى الـــناس والحق سجين الكلمات؟
شاهــــــد أنت عليهــــم وعليــــك الكلمات"
(الشاعر منوّر صمادح)

لماذا يستخف الكثيرون باللغة ويتساهلون مع أنفسهم في التعامل معها وبها ؟ لماذا لا يتحرّون في اختيار الألفاظ الأدق تعبيرا عمّا يفكّرون به ويستعملون تعابير تقريبية معوّلين على الآخر في استقراء ما يجول في عقولهم؟ لماذا يبحثون عن بذل أقلّ ما يمكن من الجهد ويرون في التفكير مشقة وتنغيصا والحال أنّه متعة الإنسان ككائن مميّز ؟ لماذا يفتحون الباب لتعدّد التأويلات ويختبئون وراءها للتفصّي من مسؤولية أي فهم يثقل الكاهل أو لا يخدم المصلحة الشخصية؟ اعتقادي أنّ من أسباب ذلك الغربة تجاه اللّغة وغياب التذوّق اللغوي بل عدم الإقامة في اللغة أصلا.. 

هكذا كنت أعيش اللغة طفلا صغيرا... عبارة "دار الثقافة" نموذجا...
"دار الثقافة"، هذه التي تصدّع آذاننا بأغاني المزود، كانت تسمّى "دار الشعب"في الستينات. وكم ظلّت هذه التسمية تستوقفني وتثير فضولي طوال طفولتي. كنت أتساءل في سرّي عن معنى "دار الشعب". فهل تعني "هنا يسكن الشعب" باعتبار الدّار مكانا للإقامة؟ ، أم كانت تعني "إلى هنا يلجأ الشعب ويأوي" على طريقة الزّوجة الغاضبة التي تقول لزوجها "ماشية لدار بابا" ؟ وفي كل الأحوال، كنت أبحث عن الشعب في داره ولا أجده. اللهم إلاّ إذا كان المقصود بالشعب مدير الدّار الأعرج ومنظّفة الدّار التي تتحوّل إلى راقصة في فرقة الفنون الشعبية في الأعياد والزيارات الرّسميّة وحارس الدّار الذي يتحوّل هو أيضا إلى زكّار الفرقة في هذه المناسبات ؟ ولم تكن الدّار تأخذ معناها الحقيقي في نظري إلاّ بنا نحن أطفال الحي عندما نهجم عليها للّعب بألواحنا المتزحلقة في بهوها الفسيح الظليل فيطردنا لزهاري الزكّار أو حدّة الرّاقصة. وكنّا نتمسّك بحقنا في اللعب ولا نرى مبرّرا معقولا لطردنا من دار الشعب. ألسنا جزء من الشعب؟ .كما كانت الدّار تبدو لي جديرة باسمها صباح كل أحد عندما ينتصب بها مكتب صندوق الحيطة الاجتماعية المتنقل حيث يجيئنا من قفصة موظّف يستمدّ وقاره من ربطة عنق حمراء وفلسة الحزب المرشوقة على صدره، وذلك لتصريف الملفات الصحية والاجتماعية لمنخرطي الصندوق. يومها، يتجمّع المتقاعدون والأرامل والعجّز أمام الدّار فتراهم مقرفصين يتحادثون عن تفاصيل من حياتهم اليومية تسحر الأطفال مثلي.
وفي منتصف السبعينات، صارت دار الشعب دارا للثقافة. وكنت زمنها قد كبرت شيئا ما وتقدّمت في الدراسة بما يسمح لي بفهم المجازات اللغوية وتقديرها.. كنت قد يئست من البحث عن الشعب في الدّار وتوقفت عن ذلك بعدما فهمت أنّ الشعب محق في هجران داره لأنّه حدس أنّها ليست سوى فخّ لسجنه. وقدّرت أنّ الثقافة ليست عاقلا كالبشر الذي يرفض ويهرب ويقاطع. وأيقنت من ذلك أن المنتوجات الثقافية ستملأ مكاتب الدار وغرفها الفارغة من الشعب، وأنّ المسرحيين والفنانين سيصعدون على ذلك الرّكح المظلم الصامت ويبعثون من جوفه الحياة، وأنّ أطياف الشخصيات السينمائية ستسكن أرجاء الدّار، وأنّ جدران البهو الفسيح ستغلّف بالرسوم الزيتية... ولم أستغرب أنّ مدير الدار لم يتغير، لأنّني قدّرت في سرّي أنّ من استطاع إدارة الشعب لن تعسر عليه إدارة الثقافة، لكنّني تذكّرت أن مديرنا لم ينجح في إدارة الشعب. ثمّ انشغلت عن المسألة بتعابير وتسميات لمؤسسات أخرى كانت هي الأخرى تستفزّني وتثير تساؤلاتي مثل "قصر البلدية" وكنت لا أرى في مقرات البلدية ما يجعل منها قصورا، أو "مجلس الأمّة" وكنت أبحث عن الأمّة كبحثي عن الشعب فلا أعثر لها على أثر، أو "مجلّة الأحوال الشخصية"، أو "توجيهات الرّئيس"، أو "المجاهد الأكبر"... ثمّ عادت "دار الثقافة" تستوقفني من جديد بعدما تغيّرت تسميتها لتصير "دار الثقافة والشباب" فتساءلت إن كان المقصود من ربط الثقافة بالشباب أنّ الثقافة شأن شبابي صرف لا علاقة للأطفال والكهول والشيوخ به... واليوم، بعدما تجاوزت سنّ الوحي بعقد من الزمن، أسعفني العمر بأن أكون شاهدا على أكبر منازلة تكون أدواتها الكلمات، أقصد صياغة الدّستور. فجأة صارت حروف العطف والجرّ والمبتدأ المؤخّر والناعت والمنعوت قضايا تهمّ الشّعب في حياته ومصيره. وبقدر ما صار للشعب وجهة نظر في البلاغة والأسلوب الإنشائي والتكرار والاقتضاب والتعليل الخ... فإنّ نوّاب الشعب يصرّون على غوغائية نقاشاتهم داخل القبّة الخضراء جاعلين منها بورصة انتخابية لا تفهم من اللغة إلاّ "اشكون زاد" ؟
جلال الرّويسي