mardi 29 novembre 2011

أحداث كلية الآداب منّوبة، وبعد؟؟

ما هذا الذي يحصل بالجامعة التونسية اليوم؟ وكيف نفهمه؟ وما هي استتباعاته؟

أحداث بدت معزولة في البداية وفي الظاهر، لكن تكرّرها بنفس السيناريو غدّة مرّات كشف أنّ وراءها أطرافا تعرف جيدا ما تريد وتخطط لأعمالها بروية وتقصّد. لا فائدة من استعراض الوقائع التي تناقلتها الأقلام موثقة بالصورة والصوت (كلية آداب سوسة، المدرسة العليا للتجارة بتونس، المطعم الجامعي بقابس، كلية الشريعة، معهد الفنون والحرف برقادة، الخ) لكن يهمّنا أن نشير إلى ما يجمع بينها من قواسم مشتركة:

مجموعة من الملتحين المتجلببين تعتصم أمام إدارة المؤسسة الجامعية لتعطل السير العادي للعمل مطالبة بالسماح للمنقبات بالدراسة دون تضييق وبفصل البنات عن الأولاد وبتخصيص فضاء للصلاة. يفعلون ذلك بنفس الأسلوب دائما: تكبيييييييييييييييير لشحذ العزائم، بعض الوجوه موجودة في كل التحركات متنقلة من مؤسسة إلى أخرى، وجوه لا تخفي عدم انتمائها إلى الجامعة، منقبة أو أكثر في الصفوف الخلفية، مستوى من النقاش لا يرقى إلى أبجديات الحجاج والجدل المنطقي، صلاة استعراضية، وقدرة عملية واضحة على التنفيذ الأعمى للأوامر والتعليمات...

ولو تأمّلنا مطالب هؤلاء لاكتشفنا أنّها كما يقول الزميل عبد السلام الككلي أهداف أكثر ممّا هي مطالب... أو هي مطالب تغلف أهدافا تتلخّص في أسلمة الجامعة على الصورة التي ترتضيها هذه الأطراف.

وأمام هذا الوضع غير المتوقّع بدا الجامعيون على مختلف مستوياتهم (هياكل إدارية وبيداغوجية ونقابية وبحثية وطلابية) مشدوهين فاقدين القدرة على الرد الفوري والحاسم ممّا شجع السلفيين على التمادي في أفعالهم وتكرارها. لكن يبدو أنّ ما حصل في كلية الآداب بمنوبة بعد اكتساح مقر العمادة بجميع أقسامه الإدارية من مجموعة تقارب الأربعين شخصا مدجّجين بالمؤونة والأغطية والمفروشات واحتجاز العميد في مكتبه سيؤدّي إلى صحوة لدى الجامعيين بمختلف مستوياتهم.. خصوصا وأنّ التنسيق مع أطراف خارجية قد اتخذ أبعادا أكبر حيث كنا نرى شيوخا يزورون المعتصمين بالليل لتقديم الدعم المادي والمعنوي...

إنّ ما يحصل بالجامعة التونسية اليوم، هذه التي كانت أحد مفاخر الشعب التونسي قبل مجيء بن علي (رغم ما كان يشوبها من مشاكل)، يطرح علينا بإلحاح الإجابة على الأسئلة التالية:

1. كيف وصلنا إلى هذا الدّرك الأسفل في التطاول على حرمة العلم والدوس على المعرفة وحرية الفكر كقيمة أولى فوق كل القيم داخل الجامعة؟ هل نظام بن علي وحده المسؤول على ذلك ؟ هل للجامعيين مسؤولية ما في ما وصلت إليه جامعتنا ؟ هل للمجتمع المدني والحركات السياسية والطلبة مسؤولية ما في ما يحدث؟

2. ما معنى هذه المطالب؟ وكيف الردّ عليها؟

3. ما مسؤولية السلطة الحالية في معالجة الوضع؟

4. من يحمي الجامعة؟ وكيف؟

لقد عمل نظام بن علي جاهدا على تعميم الجهل وتهميش الجامعة واستباحة قيمة الشهادات العلمية فحرص على مهننة التكوين حتى صار تكوينا مهنيا ولا جامعيا فالمهم أن يتعلم الطالب حرفة ولا أن يتعلم مناهج البحث والتفكير والتحليل النقدي وإنتاج الأفكار وضيق على البحث العلمي وقيّده وصارت الشهادات الجامعية تبعث وتسند خارج أي مرجعية قانونية ودون ربطها بأي شبكة برامج واضحة الأهداف، ومنع العمل الثقافي والنقابي والجمعياتي على الطلبة إلاّ ما كان منه تحت إإشراف منظمة الطلبة التجمعيين التي كانت الثقافة تعني عندها الاحتفال بالسابع من نوفمبر وتمييع وعي الطلبة وشراء هممهم بالهبات المالية والتدخلات للسكن والتنقل المجاني. خلق بن علي صحراء ثقافية وفكرية وجد الطلبة أنفسهم فيها تائهين بلا سند أو دليل.

ولم يكن نصيب الأساتذة الجامعيين من القبضة البنعليّة أقلّ وطأة. فقد ضربتهم الهشاشة الشغلية في الصميم عبر التركيز في الانتداب على المساعدين وعبر سياسة التعاقد والإلحاق من الثانوي وانتداب أساتذة السلك المشترك والمدرسين التكنولوجيين. وفي حين كان الأزهر بوعوني سيء الذكر يصرّّح بأنّ لتونس أكثر من 15 ألف أستاذ جامعي كان عددهم الفعلي لا يتجاوز ال5 أو ال6 آلاف في أفضل الأحوال. هذا بالإضافة إلى سياسة التفرقة بين الصنفين "أ" و"ب" والتحكّم في مصائر الجامعيين وكرامتهم من خلال حصر التمديد لمن بلغ سن التقاعد في المناشدين دون سواهم وحرمان المتنطعين من التأهيل وغض الطرف على "المقاولين" الجامعيين الذين يجمعون بين التدريس والعمل كخبراء في المحيط الاقتصادي والمؤسساتي الخارجي إذا كانوا موالين والتنكيل بالمستقلّين ممّن زلّت بهم القدم في العمل الموازي. ولا ننسى ملعقة الساعات الإضافية التي كان بوعوني يجبر الأساتذة على استجدائها منه شخصيا. ودعونا نعترف صراحة أنّ الجامعيين عموما لم يلمعوا بمواقفهم وخصوصا بمبادراتهم العملية للتصدّي للحيف والظلم الاجتماعيين المسلّطين على جماهير الشعب طيلة حكم بن علي. واعتقادي الشخصي أنّ الجامعيين خذلوا الشعب وأداروا له الظهر والحال أنّه بصفتهم نخبة الأمّة يفترض فيهم أن يكونوا ضميرها الحي وعقلها الراجح وطليعتها في الانتصار للحق والتصدّي للفساد والظلم. ففي حين كانت الجماهير تتظاهر في الشوارع، كان جزء كبير من الأساتذة يتغاضون عن نداءاتها ويتجنبون الحديث عن القمع بل ويهجرون حتى قاعات الأساتذة مخافة أن يحرجهم زميل نقابي بطلب الإمضاء على لائحة احتجاجية أو التعبير عن موقف تضامني.. كل ذلك حماية لمصالحهم الشخصية التي استدرجهم إليها وورّطهم في فتاتها جهاز بن علي الخبيث. كان كثير من الجامعيين مكبّلين بخوفهم على امتيازات هي في الأصل حقوق كمنح البحث والمهمات بالخارج والخطط الوظيفية... والطامة الكبرى أنّ نظام بن علي استقوى بفئة من الجامعيين على الشعب حيث يكفي أن نتأمّل كم من جامعي رضي أن يعمل وزيرا لدى بن علي لندرك حجم الخزي الذي ألحقه هؤلاء بصفة الجامعي.

أمّا عن مسؤولية الطّلبة فهي الأضعف رغم أنّها قائمة ما في ذلك جدال... فأنا لا أستطيع أن أتخيّل طالبا لا يطالب... لأنّ من طبيعة الطالب الجوهرية ومن شروط تكوّنه الذّاتي فكريا واتصاليا ومواطنيا... لكن كم كان ضعيفا عدد المطالبين والمحتجين، أي عدد المناضلين. بل إنّ هؤلاء أنفسهم انصرفوا إلى صراعات حزبية عقيمة وخارجة عن الجامعة أضعفت وحدة الصف الطلابي وأضرّت بالاتحاد العام لطلبة تونس وبإرثه النضالي ورأسماله الرّمزي.

واليوم، ها قد وقفت الزنقة بالهارب.... ولم يعد أمام الطلبة والأساتذة والإدارة والسلطة السياسية والمجتمع المدني من مجال للتفصّي من المسؤولية والبقاء على الحياد. علينا أن نتّخذ موقفا وبلا مواربة من مسألة النقاب والاختلاط وأفضية الصلاة والحريات الأكاديمية.

ما معنى أن يطالب السلفيون بحق المتنقبات في الدراسة غير منصتين ولا متفاعلين مع اعتراضات الأساتذة القانونية والبيداغوجية. هم يعرفون أنّ النقاب يعيق التواصل البيداغوجي ويفتح الباب لتسلل الغرباء إلى قاعات الدرس والامتحان. لكنهم بتمسّكهم بهذا المطلب يرفعون من ورائه مطلبهم الحقيقي وهو منع الاختلاط. بدليل اقتراحهم للفصل بين البنات والأولاد كحلّ وسط لتجاوز المأزق. إنّنا عندما نتساهل إزاءهم في مطالبتهم بمنع الاختلاط وأمرهم للسافرات بالاحتشام في لباسهن تجنّبا للإثارة ودرءا للوساوس الخبيثة، نفتح لهم الباب كي يحرّموا ويحلّوا على هواهم كما لو كانت تونس دولة دينية والحال أنّ الجميع متّفق على كونها دولة مدنية. وغدا سيخرجون علينا بمنع تدريس الفلسفة والفنون والعلوم التي تناقض الشرع (ألم يبلغ بهم الأمر إلى مطالبة أستاذة بإشهار الشهادتين على الملإ لإثبات إسلامها؟)... بعد هذا، لم يعد هناك مجال للتلكؤ والمواربة.

وعلى الجميع تحمّل مسؤولياتهم، بدءا بالجامعيين المطالبين في اعتقادي أن يلتفوا كتلة واحدة هياكل وإدارة وأساتذة وطلبة ليقولوها لا صريحة وحاسمة للنقاب. وذلك لأسباب ثلاثة لا تقبل المجادلة. أوّلها مبدئي وهو أنّ المرجع في الحياة الجامعية هو مقرّرات الهياكل البيداغوجية والعلمية المنتخبة وذلك في إطار ما ينصّ عليه دستور البلاد وقوانينها، وبالتالي لا مجال لطرف أجنبي عن الجامعة يفرض عليها قوانينه. ولمن يعتبر نفسه ضحية تجاوز ما أن يتظلّم لدى المحاكم المختصّة. والسبب الثاني أنّ الوجه هوية صاحبه بدليل أنّ المنقبة ذاتها لن تستطيع تقديم صورة منقبة لبطاقة هويتها. أمّا السبب الأخير فبيداغوجي لكون التواصل والتبليغ لا يستقيمان في حالة الوجه المحجوب.

لابدّ من تحييد الجامعة عن الصراعات العقائدية والحزبية والسياسية... ولتكن ساحة للحوار العلمي والفكري لا غير بين المنتمين إليها في تفاعل مع محيطهم ومجتمعهم. نقول هذا للتأكيد على أنّه إذا كان من مصلحة البلاد ومن واجب الجامعة أن تكون هذه الأخيرة منفتحة ورافضة للانكماش والانغلاق على نفسها، فإنّها تبقى سيدة نفسها في اختيار آليات ذلك الانفتاح ومستوياته. ولا يجوز أن تستباح من الغرباء عن البحث العلمي والفكر النقدي. لكن السؤال الحارق المطروح هو كيف نحمي الجامعة ممّن يعتدي عليها ويستبيحها؟ ألم نهلّل جميعا ونفرح بإلغاء البوليس الجامعي؟ فهل يعقل أن نطالب بعودته؟ هناك من يقول أنّ سلامة الجامعة هي في حصانتها ومناعتها الذاتيتين، ولكنّ حصانتها هي في الحقيقة من حصانة المجتمع ككل ضدّ الفوضى والانفلات... فما الحل؟ هناك من يعتبر أنّ التعامل مع هذه المسألة تشوبه المزايدات بفعل تراكمات الماضي. لأنّ المنطق يقول أنّ الجامعة شأنها ككل المرافق العمومية تحتاج أعوان حراسة يسهرون على سلامة العاملين بها والمتعاملين معها في الظروف العادية (كحراسة النزل والملاعب والمطارات والفضاءات التجارية وكل الفضاءات التي يؤمّها الجمهور) وقد كان البوليس الجامعي قد سطا على هذه المهمة ليتستّر عن وظيفته الفعلية المتمثلة في التجسس ومراقبة الناشطين النقابيين والسياسيين. هناك إذن فراغ حقيقي في مهمة حيوية. وعلى المؤسسة الجامعية تشكيل فرق من أعوانها تكون مهمّتها الحراسة على أن تؤمّن لهم التكوين والمعدات التي تسمح لهم بأداء عملهم. هذا عن الظروف العادية. أمّا في حالات الانفلات القصوى فهناك أمن مهمّته حفظ الأملاك والأرواح.

بقيت قضية المصلّى التي يصحّ أن ننعتها بكلمة حق يراد بها باطل. ومباشرة أقول، أنا مع وجود فضاء لائق للصلاة بالمركّب الجامعي. لكن بوصفه مرفقا عاما من جملة المرافق الأخرى التي تيسّر الإقامة والعمل بالفضاء الجامعي طيلة اليوم شأنه في ذلك كالمرافق الصحية والثقافية والنقل وغيرها. وعوض أن ننتزع من كلّ مؤسسة جامعية قاعة درس نحوّلها إلى مصلّى، فالأفضل بناء مسجد جامع لائق يتوسّط المركّب الجامعي يؤمّه المصلّون من الطلبة والأساتذة والإداريين والعملة. وفي هذا تكريم لأماكن العبادة ونأي بالمؤسسة الجامعية عمّا يشوّش على الدّرس أثناء إقامة الآذان أو التنقل لأداء الصلاة. وليس في هذا ما يثير التحفظ والاعتراض خصوصا وقد كان معمولا به في المركّب الجامعي بالمنار.

ختاما أقول أنّه على تحالف الأغلبية التي تتأهب لتشكيل الحكومة القادمة واستلام السلطة أن يتحمّل مسؤوليته في حماية الجامعة هذا المكسب الشعبي الذي ضحّى التونسيون جميعا من أجله من مثل هذه الاعتداءات المتكرّرة والاستباحة المنذرة بما هو أخطر في صورة التساهل معها. نعم ننتظر موقفا واضحا وصريحا من النهضة والتكتل والمؤتمر، ولكن أيضا من الأحزاب الأخرى والمجتمع المدني ومن المجلس التأسيسي ولم لا التنصيص على الحريات الأكاديمية وحرمة المؤسسات التربوية في نص الدستور ذاته؟

جلال الرويسي الكاتب العام للنقابة الأساسية لأساتذة المعهد العالي للتوثيق ومعهد الصحافة وعلوم الإخبار- جامعة منوبة