mardi 3 janvier 2012

اللعب بين الحرية والإيطيقا: حوارية مع نصوص لفرنسوا شيرباز ومحمود درويش


مدخل
 يقوم الاجتماع البشري على التبادل والتفاعل في إطار عقد اجتماعي تحكمه مجموعة من القواعد تضمن التعايش واستمراره. وهو نفس ما يقوم عليه اللعب بما هو نوع مخصوص من الاجتماع أو هو تدريب على الاجتماع ذاته بواسطة المحاكاة. لذلك نرى هذا النص على درجة عالية من الرّاهنية، اعتبارا لما يميّز راهننا من دوس متكرّر لإيطيقا اللعب، حتّى تكاد تنتفي أي إمكانية للتعايش ومن ثمّة أيّة إمكانية للاجتماع. فعندما لا يحترم اللاعبون قواعد اللعبة أمام أنظار حكم لا يحرّك ساكنا لحماية قانون اللعبة وضمان تطبيقه تكتسح الجماهير ميدان اللعب، خصوصا عندما يتسرّب الشك إلى شرعية الحكم ذاته. يحصل هذا في كلّ الملاعب والألعاب.
اللعب حرية (المقتطفات المترجمة من نص فرنسوا شيرباز)[1]
الإنسان لا يلعب إلاّ إذا كان إنسانا بالمعنى الكامل للكلمة، ولا تكتمل إنسانيته إلاّ باللعب. (شيللر)
"أن تلعب يعني أن تغادر مجال العالم العادي بهمومه واستحقاقاته العاجلة لتدخل ميدانا آخر منذورا بالكامل لمتعة الاحتفال. فاللعب معناه ، بالنسبة لبني الإنسان، أن يعلّقوا المهام والمشاغل المتأكّدة بما تعنيه من جدّية، وأن يتاح لهم قدر من الزمن يصرفونه على هواهم. وهذا كاف لينشأ من جديد نشاط لا يمت بصلة للأنشطة الشاقة. هكذا ينشغل الناس بالغناء وبرسم خطوات راقصة ويخرجون رقعة شطرنج أو كرة.. إنّهم في كلمة، ينصرفون إلى اللعب. إنّ الإنسان، حالما ينغمس في اللعب، يعود بشكل أو بآخر إلى طفولته. فاللعب هو دائما استيقاظ للطفولة لدى الكبار، ذلك الزّمن الذي لا يعرف أو لا يريد أن يعرف شيئا عن الضغوطات التي تفرضها الحياة وعن العنف الذي يميّز العلاقات البشرية. ولكن كلّ لعبة هي أيضا معركة تحاكي صراعات الحياة وتناقضاتها وتتأسّس على مبدأ "كما لو أنّ..." ففي اللّعب، يسعى كلّ لاعب إلى التغلّب على خصمه، لأنه لا شيء غير الانتصار يجازي جهد اللاعب. هكذا، يستمدّ اللعب قوّته من الإمكانية التي يتيحها لطاقة الحياة كي تتفجّر وتفصح عن ذاتها. فاللاعب يصرف الجهد طواعية وبقدر غالبا ما يكون أرفع ممّا يصرفه في عمله.
على أنّه لابدّ لكلّ لعبة من مجموعة قواعد يجب القبول بها واحترامها ممّن يمارسونها. حيث لا يجوز الخلط بين اللعبة المؤسّسة بالضرورة على قواعد والشطحات العفوية الساذجة. فأن تنطّ لا يعني أنّك ترقص وأن تنشج أو تدندن لا يعني أنّك تغنّي. ويؤدّي تجاهل هذا الأمر إلى التموقع في "التسلّل". ففي اللعب، كما في أوجه الحياة الأخرى، لا يمكن للبشر أن يعيشوا دون قواعد. وحده صاحب الأهواء يجهل هذه القاعدة ولا يريد أن يعرفها. إنّه يجعل من نفسه مركز الكون لمّا يريد إخضاع ما يحيط بالأشخاص وبالموجودات لنزواته الطارئة. ولكن لا يمكن التعايش مع صاحب الأهواء فلا أحد يتحمّله. إنّه في وضع القوي يتصرّف كمستبد معتبرا نفسه المركز الأوحد للكون. وفي موقف الضعف، يكون مصيره الإقصاء الذي يحكم عليه بالتهميش من خلال فضح حماقته لأنّه لم يفهم أنّ العيش المشترك يتطلّب باستمرار تعديل أوتاره للتلاؤم مع القواعد. ولمّا ينساق اللاّعبون وراء إغراء الغش والتشويش الخسيس يتحوّل اللعب إلى مجرّد كاريكاتور للّعب، ويعدّ ذلك مؤشّرا على فقدان البشر القدرة على عيش حياتهم فعليا.

هكذا، تمثّل فكرة الحدود الفاصلة والإيمان بها العلامة الأساسية للّعب. لكنّ نفس هذه الحدود تعني أيضا أنّ الانتصار على الخصم ليس سوى انتصار رمزي. ذلك أنّ المواجهة في إطار اللعب لا تعترف بموت الخاسر أو المنهزم. فالخصم ليس عدوّا، وإنّما شريك. إنّ ألعاب السّرك كما كانت تمارس زمن الإمبراطورية الرّومانية، لم تكن سوى كاريكاتور عديم الذّوق لممارسة اللعب باعتبار أنّ مصير المصارع المنهزم كان الموت. قد يمكن اعتبار ذلك لعبا من وجهة نظر المتفرّج الجالس على المدارج، ولكنه ليس كذلك بالنّسبة إلى المصارع في قلب الحلبة، وهو يفتقر لأبسط أسلحة المحارب.
وعلى نقيض ذلك، نرى الملك المهزوم في لعبة الشطرنج يموت. ولكن القطعة المطاح بها من خلال مدّها أرضا، لا تموت إلاّ بشكل رمزي. حيث يتمّ إنهاضها لخوض جولة جديدة كما ينهض الممثل الممدّد على الرّكح بعدما يسدل الستار. فالممثل يستمدّ حياته أثناء العرض من حياة الشخصية التي يجسّدها ويتحلّى بصفاتها عنفا أو فظاظة أو فجاجة. وفي ما عدا ذلك، لا يعقل أن يتماهى الممثّل مع الشخصية التي يلعبها على الخشبة. ومهما كان عمق أدائه ودرجة تقمّصه للشخصية، لا يكون الممثّل ماكبث أو تارتوف أو دون خوان إلاّ مدّة العرض. فصعوده على الخشبة متقمّصا الشخصية التي سيلعب دورها يعني وضع قناع، بينما تكون مغادرته للخشبة مرادفا للتخلّص من ذلك القناع للعودة إلى الحياة العادية.
إنّ اللعب بالكلمات دعوة للبحث عن معنى آخر لمنطوق الكلام. هكذا، يلعب الفكاهي بالكلمات مثلما يلعب البهلوان بالكرات. فهو يقيم في فضاء بلا جاذبية، لأنّه يتحرّر من جسامة الحياة ومن متطلّباتها الملحّة.
في الحياة العادية، لا يقبل مسار الزّمن الخطي الرجوع على الأعقاب. فالشباب الضائع لن يعود أبدا. ولكن سحر اللعب يسمح للخاسر بالمحافظة على إمكانية استرجاع أوراقه أو بيادقه والانطلاق مجدّدا كما لو أنّ شيئا لم يحصل. فمع انطلاق كلّ جولة جديدة، ينفتح زمن بكر، ولكن ليس بمعنى أنّه زمن معدوم الذّاكرة باعتبار عدم انمحاء ذكرى الهزائم السابقة.
وعلى غرار ما للحياة من نسق وإيقاع، فللّعب نسقه وإيقاعه، طالما أنّ اللعبة لا يمكن أن تستمرّ إلى ما لا نهاية له. لأنّه إذا كانت اللعبة تريد تجنيب اللاعب والمتفرّج السقوط في الملل، فهذا معناه أن تتوقف في لحظة ما.
على أنّه مهما بدا من شبه بينهما، فإنّ إيقاع اللعب لا يمت بصلة إلى إيقاع الحياة العادية. فالناس، لمّا يلعبون، يجسّدون حلما هو بمثابة الإطار العام لجميع أحلامهم الأخرى. إنّه الحلم بحرّية لا قيد عليها، بإمكانها تشكيل عالم بحجم أمل لا حدود له. اللعب نشاط دون مقابل، هدفه في ذاته، ولكنّه رغم ذلك ليس عبثا. فعندما ننخرط في زمن اللعب، كأنّنا نضع الجزء الباقي من الحياة بين قوسين ونعلّق ضغوطاتها المتأكّدة. ولكن، إذا كان هذا الجزء الباقي من الحياة قابلا للتعليق، فليس ذلك إلاّ تأجيلا لزمن محدود وليس فسخا بالكامل، لأنّنا نعلم أنّه بمجرّد انتهاء زمن اللعب، سيسقط القوسان لنجد أنفسنا من جديد أمام الجدّي الذي ينتظرنا هناك.
أن نلعب في الحياة ليس معناه أن نلعب بالحياة. فإذا كان اللعب يخفّف من ثقل العادة والرتابة، إلاّ أنّه لا يستطيع محو جسامة الحياة. ذلك أنّه إذا كان بإمكاننا أن نهزأ بألمنا، فإنّه لا يحقّ لنا أن نضحك من آلام الآخرين. وإذا كان اللعب يقوم على ضوابط تؤسّس منطقه وتوازنه الدّاخليين، فلابدّ له أيضا أن يعرف حدوده ويعترف بها، حتى لا يتحوّل إلى كلّ شيء في الحياة."


إيطيقا اللعب (حوار المترجم مع شيرباز)

أقلّ الألعاب إثارة وأضعفها شحنة تلك التي تقوم على قاعدة الحظ ولا تجازي الجهد المبذول. لذلك يقبل عليها ضعاف العقول وهوّاة الرّبح السهل.

 "أَنا لاعب النَرْدِ،
أَربح حيناً وأَخسر حيناً
أَنا مثلكمْ
أَو أَقلُّ قليلا
ليس لي أيُّ دور بما كُنْتُ
أو سأكون 
هو الحظُّ . والحظ لا اسم لَهُ
قد نُسَمِّيه حدَّادَ أَقدارنا
أو نُسَمِّيه ساعي بريد السماء
نُسَمِّيه نجَّارَ تَخْتِ الوليد ونعشِ الفقيد"
(محمود درويش)



ولأنّ اللعب لا يعني الاستسهال وغياب روح المنافسة وحب الانتصار، فإنّ أفضل اللاعبين هم الأطفال الذين أوحوا لسان جون بيرس بقولته "أعمل بجدّية طفل يلعب"ّ. لذلك يسمّي الفرنجة عازف الكمان أو الغيثارة لاعب الكمان أو الغيثارة، لأنّه يفعل ذلك بمتعة ويتسلّى بما يفعل بكامل الجدّية والحرّية، تماما كالبهلوان يلعب بالكرات أو الفكاهي يلعب بالكلمات.
أمّا السّينما فقد عوّدتنا منذ نعومة أظافرنا أن يقتل لاعبو الورق اللاعب الذي يمارس الغش بطلقة مسدّس وبدم بارد، دون أن يحتج على ذلك أحد. ولم نكن نرى في الرهان المالي المطروح على طاولة القمار سببا مباشرا لقتل الغشاش. ولكنّ حكمة الأطفال فينا كانت تصوّر لنا مصيره ذاك كجزء من قواعد اللعبة التي يقبل بها كلّ لاعب شريف.


في العلاقة بين الرياضة والفنّ والأدب: محمود درويش عاشق مارادونا
هذه مقتطفات من مقالة نشرها محمود درويش بمجلّة اليوم السابع من وحي مشاركة مارادونا في دورة كأس العالم لكرة القدم سنة 1986
"
سقراط البرازيلي هو المفكّر المشغول بتأملات ميتافيزيقية حول الضربة الركنية. وزيكو يلاحق كابوس ضربة الجزاء، التي طارت من الملعب فطارت البرازيل من الحلم. وبلاتيني يُحسّن شروط التقاعد. وبيليه الخبيث يُجاهد لإخفاء الشماتة التي تصيب الملوك المخلوعين. أمّا مارادونا فيدخل الملعب كأنه داخل إلى كنيسة. يقتلع الكرة كالقطة البلدية الماهرة من أرجل البغل، يمر كالهواء عبر المساحات الضيقة، يراوغ كالثعلب المزوّد بقوة ثور، يغربل الدفاع ويقفز كالفهد على حارس المرمى الضخم المتحوّل إلى أرنب: جووول!  . قال مارادونا: "سجلت الهدف الأوّل في مرمي الإنكليز بيد الله ورأس مارادونا." لن يجد الأطباء دما في عروقه ـ سيجدون وقود الصواريخ.

نحب مارادونا ونسيّج قدميه بفضاء الرحمة، ونقفز على الشاشة لفك الحصار الألماني الثقيل، الذي يسد الهواء على توتر عضلاته، ونهجو الحكم البرازيلي، الذي كسر قلب مارادونا، كما يكسر الرجل الغليظ القلب قلب طفل بريء.. لا لشيء إلا لأنه يغار من عبقرية الطفولة. له هتافنا: مارادونا.. مارادونا، فنتصبب اسمه عرقاً. 
 ما أسعد من هزمته قدم مارادونا!  هذه القدم، قدم مارادونا، مع كعب ميثولوجي آخر هو كعب أخيل.. هما أشهر قدمين في تاريخ الأسطورة. منذ طفولته الفقيرة في كوخ من تنك، تعلّم المشي على الكرة. ولعل الكرة هي التي علمته المشي.

فلماذا لا تكون كرة القدم موضوعا للفن والأدب؟

كرة القدم هي حرب عالمية يمارس فيها خيال الشعوب دوره الغائب أو الحاضر. لا أحد يتفرج على سباق الأجساد، والمهارة، والذكاء، المعبّرة عن طبائع الأمم في الهجوم والدفاع، في العنف والرقص، في الفردية والجماعية. الجميع ينخرطون .ولعل المشاهدين هم أشد اللاعبين اندفاعا لأنهم يدفعون بتاريخهم النفسي وتأويلاتهم ورغباتهم في التعويض إلى الملعب، لرفع اللعبة إلى مستوى التعبير التمثيلي المتخيّل عن روح الأمة وحاجتها إلى التفوّق على الآخر. هي الوطنية المتفجرة. شرارة الإفصاح عن الباطن في علاقته بالآخر. وهي حرية الإفصاح المتاحة عن الذات المحرومة من الإفصاح في سياق السياسة أو الجنس أو اللون. هي المُتاح للتعبير والتنفيس والتظاهر ضد قمع يتحوّل الحَكم، أو المدرب فيه، إلى رمز لحاكم ظالم، أو لقضاء غير عادل حين تتخذ محاكمة الهزيمة شكل محاكمة السلطة، أو حين يتخذ الانتصار شكل التدليل على أن روح الشعب ووحدته هما اللتان انتصرتا."


تأتأة في حضرة درويش

كثيرون من استوقفتهم لحظة استعداد حارس المرمى لصدّ ركلة الجزاء، فكتبوا عن عزلته ووحشة الموقف نصوصا رائعة. الكرة على مسافة قريبة جدا، والمرمى الواسع جدّا يمينا ويسارا فاغر فاه في استعداد صريح للخيانة... والخصم يقف أمام الكرة مخفيا نواياه.. وزملاء الحارس يقفون خارج المنطقة المحرّمة ممنوعين من معاضدته في الذود عن مرماهم جميعا، يرسلون إلى الحارس نظرات يمتزج فيها التشجيع برجاء اليائس، ويراقبون المشهد التراجيدي وراء خط أبيض تحوّل إلى جدار عازل أو أسلاك شائكة.. ولا فرق بين الجمهور المساند والخصم فكلاهما يضغط إن بالصّمت الرصاصي في انتظار المعجزة أو بالتشويش على التركيز... الجميع منضبط لقواعد اللعبة، وحارس المرمى كالمصارع الروماني يواجه أسدا في الحلبة... له فرصة من ألف لينجح ولخصمه تسعمائة وتسع وتسعون فرصة للتسجيل... لذلك يتحوّل عندما ينجح في صدّ الرّكلة إلى بطل أسطوري، بينما تتحوّل العزلة إلى المهاجم الفاشل المتروك لحاله يصارع خيبته التراجيدية...

يقول ألبار كامو "أنا مدين بما تعلّمته من أخلاق لكرة القدم" Ce que je sais de la morale, c'est au football que je le dois”. أمّا عندنا، فيصفّق جمهور الرّياضة للاّعب الغشاش الذي يسجل هدفا بلمسة يد أو يتظاهر بالسقوط في المنطقة المحرّمة ليفوز بركلة جزاء مجانية... إنّهم يمجّدون الغشاش ويغضبون من اللاعب الشريف... إنّهم كالأم التي تقبل ما يجلبه ابنها للبيت رغم علمها بفساد مصدره.
ويمرّ هؤلاء بجانب جوهر الرّياضة وما يؤسّس لمتعتها كلعبة تحدّى، وهو مغالبة الذات والذهاب بها بوصة إضافية إلى الأمام، كلّما بدا أنّها ستنهار وتوقف التحدّي معلنة الاستسلام.. وهكذا يستمرّ تأجيل التسليم بالعجز. ومن مبادئ الرياضي الشريف تقبّل الهزيمة وعدم إذلال الخصم عند الانتصار عليه. لكنّنا أبدا لم نر حارس مرمى يصفّق لخصم سجّل له هدفا رائعا، ولا مهاجما يحيّي حارس مرمى تصدّى لتصويبة منه. وفي المقابل، نرى دوما ملاكمين يقطرون دما يقبّلون خصومهم عند نهاية المقابلة. لذلك سميت الملاكمة، وليس الكرة، بالفن النبيل. 

ستيفن هاوكين الفيلسوف والعالم الفيزيائي  الحاصل على جائزة نوبل، راي تشارلز مغني الجاز وعازف البيانو الأسطورة، طه حسين الأديب والسياسي، المعرّي الشاعر الفيلسوف، بيتهوفن الموسيقار الفلتة، نابوليون القائد العسكري والإمبراطور، إيديت بياف المغنية الللامعة، وغيرهم كثير، لديهم قاسم مشترك هو الجمع بين العبقرية والإعاقة. لقد كانوا جميعا يعانون من إعاقات جسدية لم تمنعهم من التفوّق... هذه حجّة الكثيرين في دحض مقولة "العقل السليم في الجسم السليم"، معتبرين أن "العقل السليم في الجسم السقيم". بل ويذهب بعضهم إلى حدّ القول بأنّ "العقل السقيم في الجسم السّليم" مستدلّين على ذلك بأسماء نجوم الرياضيين اللامعين لا فقط بإنجازاتهم الرياضية وإنّما أيضا بحماقاتهم وزلاّت ألسنتهم...
 
ساهم التلفزيون في تحويل الرياضة من لعبة إلى فرجة... ما عادت هناك لقطات هاربة... صار كل شيء قابلا للتعليب في الذاكرة ومن ثمّة للاسترجاع... يمكن إعادة بعض اللقطات ببطء... يمكن التركيز على بعض التفاصيل من الوجه: تفجّر الفرح عند تسجيل الهدف، الانكسار عند الفشل، تقلّص العضلات وانقباضها عند التسديد أو القفز، التغامز بين اللاعبين، المشاكسات والطعنات الخفية تحت الخاصرة... صار اللاعبون يدركون ذلك ويحسبون له حسابا ففقدوا تلقائيتهم وخفت سحر اللعب... ابتعدت الرياضة عن الفن بما هو إبداع لتقترب من السياسة بما هي ترويض... إنّ الرياضي الذي يعبّر عن فرحته عند تسجيل هدف بشكل متقن الإخراج ومعدّ سلفا، ليس رياضيا حقيقيا. إنّه كالسياسي الذي يحسب حساب كلّ كبيرة وصغيرة قبل مخاطبة الجمهور.. لم نعد نر رياضيا يبكي من فرط الفرح غير عابئ بأحد، وصرنا بدلا عن ذلك نشاهد هدّافا يرفع قميصه للكشف عن شعار في قميص آخر تحته أو هدّافا يسجد بشكل كاريكاتوري.
ومن أكثر المواقف كاريكاتورية عندنا، مشهد أولئك الرياضيين الذين يدعون الله أن ينصرهم على الفريق المنافس. فكيف يعقل أن نطلب من الله الخروج عن حياده لينصر الإفريقي على الترجي مثلا كما لو أنّ الأفارقة أكثر إيمانا من الترجيّين. 
يعتبر نعوم تشومسكي أنّ المسابقات الرياضية تلعب دورا اجتماعيا في توليد مواقف وطنية وشوفينية متعصّبة، إنّها مصمّمة لتنظيم شعب يدين بالولاء لجلاّديه.
يحتاج السياسيون رصيدا من اللعب والرياضة حتى يثقفوا أداءهم السياسي. وفي المقابل لا يحتاج الرياضيون واللاعبون أي مدّخرات سياسية لممارسة ألعابهم، لأنّ سياسة الرياضة في احترام قواعدها. وعندما يضعف منسوب اللعب لدى السياسيين، تتحوّل اللعبة السياسية إلى لعب بالسياسة وتتحوّل الرياضة إلى ترويض. فهل تكتب لنا النهضة الرياضية بوصول طارق بن زياب (باللهجة المصرية) إلى كرسي الوزارة؟
عندما نعلم النسبة الضعيفة من سياسيينا الذين تعاطوا اللعب والرياضة في صغرهم (شطرنج، ورق، كرة، ملاكمة)، نفهم لماذا يديرون اللعبة السياسية في البلاد كرمية النّرد متظاهرين بالمهارة والحال أنّه لا فضل لهم في ما هم عليه سوى ولع الشعب بألعاب الحظ... أعترف الآن بحماقتي في اعتبار الطلبة الذين كانوا يكتفون بلعب الورق بجدّية في المشربة أو بالتنافس الرياضي في النوادي الطلابية، أقلّ ذكاء وشرفا ممّن كانوا يمارسون الغش السياسي والإيديولوجي في المنابر الطلابية.