lundi 16 janvier 2012

الـتّأرجح بين عبق الذّكرى ومشرط الذّاكرة...

الذّكرى فردية وذاتيّة، للأحداث فيها طعم ورائحة. أمّا الذّاكرة، فجماعية - وموضوعية، لا مكان فيها للعواطف.
الذكرى تسكن القلب أمّا الذّاكرة فتعشّش في العقل.
الذكرى باطنية كالشتاء والذّاكرة خارجية كالصيف.
الذّكرى غائمة كجيب المعطف الدّاخلي تلوذ به الأصابع فتجده ناعما ودافئا ولكنّه مبهم وغامض. والذّاكرة مرتّبة وسافرة كألبوم صور لأسرة إقطاعية ضاع مجدها وولّى عهدها.
للذّكرى تأتأة المحبّ ولون الغروب ورائحة الفجر. وللذّاكرة حياد المشرط بيد الجرّاح ووضوح القيلولة القائظة وعراء الصحراء القاسي.
في الذّكرى تسلّقت جدار المبيت الجامعي للتحدّث إلى حبيبتي عبر النافذة، أمّا في الذّاكرة فحضرت تجمّعات طلابية وتابعت خطب الزّعماء بالمركّب الجامعي.
الذكرى شهوة وغواية وخطيئة عذبة، أمّا الذّاكرة فحاجة ملحّة وحلال لا طعم له.
الذّكرى عادة سرّية والذّاكرة واجب علني كتحية العلم كل صباح في المدرسة.
الذّكرى صلاة فردية والذّاكرة مظاهرة جماعية.
الذّكرى كيمياء الحواس والذّاكرة ركام الشواهد.
الذّكرى مضيّفة ساحرة والذّاكرة بوّاب في مدخل ملهى ليلي.
الذّكرى غمضة عين إضافية نسرقها بعد اغتصاب ناقوس المنبّه للحلم، أمّا الذّاكرة فليالي الحراسة بالثكنة العسكرية.
الذّكرى تلك الكلمات المتمنّعة التي حبّرت بها أوّل رسالة حب، أمّا الذّاكرة فخطاب الجنرال يوم الانقلاب العسكري..
الذّكرى طعم الفانتا العالق بالحلق من حفلات آخر العام الدّراسي بالابتدائية، أمّا الذّاكرة فتدشين الرّئيس لمعمل المشروبات الغازية بقريتنا.
الذّكرى أهداف سجّلتها بكرة الخرق القماشية في بطحاء الحي أمّا الذّاكرة فهدف محمّد علي عقيد في مرمى الحارس المصري إكرامي.
الذّكرى نظرة أمّي وهي تحتضر، أمّا الذّاكرة فابتسامة الدغباجي قبل إعدامه.
في الذكرى، بئر جدّي الشحيحة بضيعتنا الظمأى يشرب منها البشر والشجر والحمار الأجرب الضجر. أمّا في الذّاكرة فأخاديد على أرض قريتنا تشهد أنّها كانت بالأمس القريب عيونا سخية قبل أن تشفطها المضخات نحو خزّان مياه القرية المنتصب كشاهدة القبر بأعلى التلّة يصرف الماء بالعدّاد.
تحتفظ الذّكرى بأكذوبات أمّي البيضاء حتّى تغطّي على شقاواتي وتنقذني من عقاب الوالد. بينما تدوّن الذاكرة لسعات الحزام الجلدي لوالدي على ظهري بعد القبض عليّ متلبّسا بالتدخين.
الذّكرى فانوس أبي الكربوني شعلته هزيلة ولكنّها تضيء داموس المنجم وتنطفئ محذّرة من جيوب الغاز الخانق. أمّا الذّاكرة فكشّاف كهربائي ساطع لا تعيقه ريح ولا مطر ولكنّه يمحو الظلال والذكريات ولا ينبّه من خطر جيوب الغاز.
الذكرى شفوية متبخّرة كخرافة الجدّة، متجدّدة دوما، لا نسخة منها تشبه الأخرى، أو هي كإنتاج الحرف اليدوية، لا قطعة منه تشبه الآخرى. أمّا الذاكرة فماثلة كالوشم الوقح لا يجدي الندم لفسخه.
الذّكرى كتابة على رمل الشاطئ تلعقها ألسنة الموج فتمحوها، أو هي أشعار عشّاق محفورة على جذوع الشجر دثّرتها قشرة السنين المتراكمة ولم تمحها. أمّا الذاكرة فكتابة منحوتة على صخر الصوّان، أو هي أثر ساق ديناصور هارب أدركته حمم البركان فعلقت ساقه في الرّغوة قبل أن تبرد.
الذّكرى ستارة مخملية تعتّم زجاج النافذة فتصوّر لنا الريح الرّملية ضبابا لندنيا. أمّا الذّاكرة فمنظار في الصحراء يذكّرنا باستمرار أنّ ما نراه ماء ليس سوى سراب.
الذكرى ترضع الأدب والفن، أمّا الذّاكرة فعكّاز للعلم والهندسة.
الذّكرى جورب الشهيد تحتفظ به أمّه الثكلى. أمّا الذّاكرة فصورة الشهيد المعلّقة في بهو دار الثقافة. .
الذّكرى مسكرة كحبّة النّوم، أمّا الذّاكرة فموقظة كوخزة الحقنة...
نصرف العمر على ظهر أرجوحة تنقلنا بين طرفي ذكرى ترفّ كلحمة خروف ذًًًُبح لتوّه وذاكرة باردة كمومياء اخترقت الزّمن.